Print this page

وقف إطلاق نار على الورق، وحرب على أرض الواقع؛ لبنان خط أحمر لإيران

قيم هذا المقال
(0 صوت)
وقف إطلاق نار على الورق، وحرب على أرض الواقع؛ لبنان خط أحمر لإيران

في الساعات الأولى بعد إعلان وقف إطلاق النار، شنّ الكيان الصهيوني هجمات واسعة النطاق على جنوب لبنان؛ هجمات استمرت حتى اليوم. استُهدفت منطقة "الجوية" في صور بغارات جوية، وتعرضت منطقة "البرقع" في النبطية لهجوم بطائرات مسيّرة، وفي غضون ساعة واحدة فقط، سُجلت خمس هجمات بطائرات مسيّرة على بلدة "طول". لم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد أُضيفت "دير الزهراني" و"الخرايب" في صيدا و"المنصوري" و"سير الغريبة" إلى قائمة أهداف الهجمات. حتى في الخريب، استُهدفت سيارة بصاروخ بشكل مباشر، وهو نمط يُشير إلى تحوّل من الهجمات الرادعة إلى العمليات الإرهابية.

تُعدّ هذه الهجمات استمرارًا للموجة التي هزّت لبنان بصدمة غير مسبوقة قبل يوم واحد فقط. فقد أسفرت الهجمات الإسرائيلية المفاجئة والواسعة النطاق في أنحاء لبنان، بما فيها بيروت، والتي استهدفت، وفقًا لمصادر رسمية، أكثر من 100 موقع مدني في غضون 10 دقائق فقط، عن مقتل 203 أشخاص وإصابة أكثر من ألف. يُعدّ هذا المستوى من العنف غير مسبوق في لبنان خلال السنوات الأخيرة، ويُظهر أن ما يجري ليس عملية محدودة، بل استراتيجية مُصممة لتغيير قواعد اللعبة.

في غضون ذلك، يتناقض ادعاء الجيش الإسرائيلي باستهدافه قادة حزب الله وبنيته التحتية العسكرية تناقضًا واضحًا مع الحقائق على أرض الواقع. تُشير التقارير الميدانية وتصريحات المسؤولين اللبنانيين إلى أن نسبة كبيرة من الضحايا كانوا من المدنيين. لا يقتصر هذا التناقض بين الادعاء والواقع على التشكيك في شرعية العمليات العسكرية الإسرائيلية فحسب، بل يُبرز أيضاً، مرة أخرى، الاستخدامَ النفعي لمفهوم "الأهداف العسكرية" لتبرير الهجمات واسعة النطاق على المناطق السكنية.

لكن ما يتجاوز هذه التطورات مجرد أزمة أمنية هو ارتباطها المباشر باتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة. وخلافاً لادعاء بنيامين نتنياهو بأن العملية العسكرية في لبنان كانت خارج نطاق الاتفاق، فإن نص الاتفاق وروحه يتضمنان بوضوح وقف الهجمات على جميع عناصر محور المقاومة، بما في ذلك لبنان. وقد أكدت طهران على هذه النقطة، وكذلك الوسطاء، بمن فيهم باكستان.

وفي هذا السياق، تُقدّم تصريحات المسؤولين الإيرانيين صورة واضحة لموقف طهران. فقد صرّح الرئيس مسعود بزشكيان بوضوح أن العدوان الصهيوني المتجدد على لبنان يُعد "انتهاكاً صارخاً لاتفاق وقف إطلاق النار الأولي"، وأن استمرار هذا النهج سيجعل المفاوضات "عبثية". عبارته المحورية - "أيدينا لا تزال على الزناد" - تعكس مبدأ الردع الفعال، الذي يقضي بالرد المتناسب على أي انتهاك للالتزامات.

كما رفض رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، أي تفسير ضيق للاتفاق، مؤكداً أن "لبنان وجميع عناصر محور المقاومة جزء لا يتجزأ من اتفاق وقف إطلاق النار". ويُبرز إشارته إلى حزب الله باعتباره البند الأول من الاتفاق ذي النقاط العشر الأهمية الاستراتيجية للبنان في معادلة وقف إطلاق النار. كما أن استحضاره لمواقف شهباز شريف وتأكيده على أنه "لا مجال للإنكار أو التراجع" يُشير إلى محاولة لترسيخ الرواية القانونية والسياسية الإيرانية للاتفاق.

في هذه المرحلة، تبرز حقيقة أساسية: وقف إطلاق النار، إن لم يشمل لبنان، يصبح بلا معنى بالنسبة لإيران. هذا ليس موقفًا عاطفيًا، بل نتيجة حسابات استراتيجية. فلبنان، بوصفه أحد الأطراف الرئيسية في محور المقاومة، يحتل موقعًا حاسمًا في بنية الأمن الإقليمي لإيران. لذا، فإن أي محاولة لفصل لبنان عن معادلة وقف إطلاق النار تعني إفراغ الاتفاق برمته من مضمونه.

من منظور تحليلي، يمكن تفسير سلوك إسرائيل في إطار استراتيجية متعددة المستويات. أولًا، محاولة تقويض وقف إطلاق النار عبر خلق واقع ميداني جديد؛ ثانيًا، استفزاز إيران لدفعها إلى رد فعل، وبالتالي تغيير موقفها بوصفها "منتهكة الاتفاق"؛ ثالثًا، إعادة بناء موقعها الاستراتيجي في ظل استبعادها من عملية التفاوض. هذا هو النمط نفسه الذي يُشار إليه في أدبيات العلاقات الدولية بـ"الدبلوماسية عبر التصعيد".

في المقابل، يتخذ موقف إيران شكل عقيدة واضحة: "وقف شامل لإطلاق النار أو لا شيء". بمعنى آخر، أرسلت طهران ضمنيًا رسالة مفادها أن الالتزام الأحادي باتفاق يُنتهك على أرض الواقع ليس منطقيًا ولا مستدامًا. في ظل هذه الظروف، لن تؤدي الهجمات المستمرة على لبنان إلى إبطال وقف إطلاق النار فحسب، بل ستُعرقل أيضًا أي مسار للمفاوضات.

تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة: فعندما يُنتهك اتفاق في الساعات الأولى، ويحاول الطرف الآخر تضييق نطاقه بتصريحات متناقضة، لا يُمكن اعتبار "عملية التفاوض" مسارًا حقيقيًا. في مثل هذه الحالة، تُصبح المفاوضات أداةً لإدارة الوقت، لا حلًا للأزمة.

 

 

وبناءً على ذلك، يُمكن القول إن ما يحدث في لبنان اليوم ليس مجرد عدوان عسكري، بل اختبار لمصداقية النظام الدبلوماسي برمته في المنطقة. إذا استمر الانتهاك الصارخ للاتفاقيات دون عواقب، فلن يكون وقف إطلاق النار هذا فحسب، بل أي اتفاق مستقبلي محتمل سيكون باطلًا منذ البداية.

 

 

في نهاية المطاف، أصبح لبنان اليوم خط المواجهة في معادلة أوسع. موقفٌ تتشابك فيه مصائر وقف إطلاق النار، ومصداقية المفاوضات، وتوازن القوى الإقليمي. رسالة طهران واضحة: بدون وقفٍ كاملٍ للهجمات على لبنان، لن يكون هناك وقفٌ لإطلاق النار ولن تكون هناك مفاوضاتٌ جادة.

 

 

وإذا أُريد لوقف إطلاق النار أن يكون مستدامًا، فلا بد من الاعتراف به على أرض الواقع؛ وإلا فلن يبقى سوى كلماتٍ على ورقٍ وأرضٍ لا تزال تشتعل.

قراءة 103 مرة