حكم الصلاة في مساجد الشيعة

قيم هذا المقال
(1 Vote)

بقلم آيت الله الشيخ جعفر السبحاني

من خلال برنامج لقاء الجمعة في قناة البرهان سُئل الشيخ عثمان الخميس عن الصلاة في مساجد الشيعة؟ فأجاب: لا يجوز للمسلم أن يدخل هذه المساجد ليصلّي فيها ; لأنّها لا تخلو من أُمور تمنع المسلم من الصلاة فيها، وهذه الأُمور كما يلي:

1. إنّ الشيعة كثيراً ما يعظّمون القبور، فيبنون المساجد على القبور أو يجعلون القبور داخل المساجد، أي يدفنون الموتى داخلها، فلا تجوز الصلاة في مسجد فيه قبر.

2. إنّ رائحة الشرك تفوح داخل هذه المساجد، فيذكر غير الله ويستغاث بغير الله، ويدعون غير الله، ويسبّ أولياء الله من الصحابة والخلفاء.

3. أفتى بأنّه لو دخل إنسان وصلّى في هذه المساجد حتّى مع علمه بعدم الجواز فصلاته (صحيحة)، لكن الأمر الأوّل فهو عدم جواز دخول هذه المساجد.

هذا ما ذكره عثمان الخميس في برنامج لقاء الجمعة، وهو مبني على أصل مسلّم عنده، وهو حرمة بناء المساجد على قبور الأولياء، وعلى هذا بنى ما ذكره في الفصول الثلاثة ; ولذا علينا دراسة مبنى كلامه، قبل مناقشة فقرات جوابه، ولذلك فقد بسطنا الكلام في تبيين المبنى وما هو الحق فيه.

وقبل دراسة الموضوع ـ أي حكم بناء المساجد على القبور ـ نقدّم شيئاً وهو أنّ الشيخ عثمان الخميس قال: (إنّ الشيعة يبنون المساجد على القبور، أو يجعلون القبور داخل المساجد، أي يدفنون الموتى داخلها)، ونحن نسأله عن مصدر هذا الخبر، هل أنّه شاهد ذلك الأمر في عامّة المساجد للشيعة الّتي تُعدّ بعشرات الآلاف في مختلف البلدان؟! لا أظن أنّه قد قام بذلك العمل.

ومع ذلك فكيف أصدر هذا الحكم العام؟!

أقول: كلّ ما ذكره الشيخ في هذا الصدد كذب واضح وافتراء صريح، نابع من أصل مسلّم عند القوم، وهو أنّه لكلّ شيء دليل إلاّ الافتراء على الشيعة، بل لكلّ شيء نهاية إلاّ الكذب على الشيعة، وكأنّه سبحانه فرض عليهم الكذب مكان الصدق، والافتراء مكان طرح الحقيقة.

ولنفرض جدلاً صحّة قوله، فلندرس حكم هذه المسألة، أعني: بناء المساجد على القبور، على ضوء الكتاب المجيد والسنّة الشريفة.

 

حكم بناء المساجد على قبور الأولياء

ما أنكره الشيخ من بناء المسجد على قبور الموتى فقد نطق الذكر الحكيم به وعلى جواز قسم منه، وهو إذا كان الموتى من الأولياء، فلا مانع من بناء المسجد على قبورهم تبرّكاً بهم، قال سبحانه: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)([1]).

إنّ التأمّل في قصة أصحاب الكهف يكشف لنا من أنّ بناء المسجد فوق قبور الأولياء كان سنّة متّبعة عند الأُمم والشرائع السابقة، والقرآن الكريم يشير إلى تلك السنّة من دون أي ردّ ونقد .

إنّ أصحاب الكهف بعد أن انكشف خبرهم اختلف الناس في كيفية احترامهم وتكريمهم وانقسموا إلى قسمين:

1. قسم قالوا: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ).

وهذا التعبير أي ( رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ)يكشف عن أنّ القائل أو القائلين به لم يكونوا من الموحّدين، حيث حقّروا أُمورهم بقولهم: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ): أي ربنا أعلم باحوالهم من خير وشرّ وصلاح وفساد.

2. قسم آخر كسب الموقف في النهاية، حيث دعا إلى بناء مسجد على الكهف كي يكون مركزاً لعبادة الله بجوار قبور الذين رفضوا عبادة غير الله وخرجوا من ديارهم هاربين من الكفر ولاجئين إلى توحيد الله وطاعته، وقد حكي عنهم الذكر الحكيم بقوله: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) فالضمير في قوله سبحانه: (غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ)يرجع إلى أصحاب الكهف، أي وقفوا على مكانتهم وكشفوا الستر عن حقيقة أمرهم، فقالوا:

(لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) وقد اتّفق أعاظم المفسّرين على أنّ القائلين بذلك هم الموحّدون، قال الطبري: فقال المشركون: نبني عليهم بنياناً فإنّهم أبناء أبائنا، وقال المسلمون: بل نحن أحقّ بهم هم منّا نبني عليهم مسجداً نصلّي فيه ونعبد الله فيه .([2])

وقال الرازي: وقال آخرون بل الأَولى أن يبنى على باب الكهف مسجد وهذا القول يدلّ على أنّ أُولئك الأقوام كانوا عارفين بالله معترفين بالعبادة والصلاة .([3])

وقال الزمخشري: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ)من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم (لَنَتَّخِذَنَّ)على باب الكهف (مَسْجِدًا) يصلّي فيه المسلمون ويتبرّكون بمكانهم.([4])

وقال النيسابوري: (الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) المسلمون وملكهم المسلم ; لأنّهم بنوا عليهم مسجداً يصلّي فيه المسلمون، ويتبرّكون بمكانهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم حفظاً لتربتهم بها وضنّاً بها.([5])

إلى غير ذلك من الكلمات في تفاسير الأعاظم، والّتي يتراءى منها أنّ بناء المسجد كان على باب الكهف أو عند الكهف، على خلاف ظاهر الآية، فإنّ ظاهرها يدلّ على أنّ المقترح هو بناء المسجد على قبورهم.

 

كيفية الاستدلال

الاستدلال بالآية ليس مبنيّاً على استصحاب حكم شرع من قبلنا، بل مبني على أمر آخر وهو أنّا نرى أنّ القرآن الكريم يذكر اقتراح الطائفتين بلا نقد ولا ردّ، ومن البعيد جدّاً أن يذكر الله تعالى كلاماً للمشركين ويمرّ عليه بلا نقد إجمالي ولا تفصيلي أو يذكر اقتراحاً للموحّدين وكان أمراً محرّماً في شرعنا من دون إيعاز إلى ردّه.

إنّ هذا تقرير من القرآن على صحّة اقتراح أُولئك المؤمنين، ويدلّ على أنّ سيرة المؤمنين الموحّدين في العالم كلّه كانت جارية على هذا الأمر، وكان يُعتبر عندهم نوعاً من الاحترام لصاحب القبر وتبرّكاً به.

إنّ مَن قرأ القرآن الكريم بتدبّر ووعي يعرف أنّ ما ينقله عن المشركين لو كان أمراً بيّن البطلان ربّما يمر عليه من دون ردّ، وأمّا إذا كان غير واضح البطلان فسيكون له موقف آخر منه، مثلاً عندما أحدق الخطر بفرعون وتيقّن أنّه سوف يغرق قال: (آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)([6]) .

فالقرآن لم يتركه على حاله إذ ربّما يتوهّم الجاهل أنّه ربما يكفي هذا ا لنوع من الإيمان، فلذلك ردّ عليه بقوله: (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)([7]) .

إنّ الغاية من ذكر قصة السابقين هي اتّخاذ العبر والمواعظ والتدبّر في مضامينها ومعانيها.

إنّ القرآن الكريم ليس كتاباً قصصياً أو تاريخياً تُسرد فيه حياة الغابرين، وإنّما نزل كدستور حياة للبشر، وكلّ منهم يستنبط من القصص ما ينفعه. فالمتكلّم يستنبط من قصة أصحاب الكهف إمكان المعاد وتجديد الحياة بعد قرون، ولكن الفقيه يستنبط من هذه القصة أنّه يجوز بناء المساجد على قبور الأولياء للتبرّك بهم.

 

زلة لا تستقال

إنّ الشيخ الألباني (عفا الله عنا وعنه) لمّا وقف على هذا الاستدلال الباهر المتين، حاول أن يناقش في الاستدلال لغاية حفظ موقفه المسبق في المسألة، فقال:

الاستدلال باطل من وجهين:

الأوّل: أنّه لا يصح أن يعتبر عدم الردّ عليهم إقراراً لهم إلاّ إذا ثبت أنّهم كانوا مسلمين وصالحين، ومتمسّكين بشريعة نبيّهم، وليس في الآية ما يشير أدنى إشارة إلى أنّهم كانوا كذلك، بل يحتمل أنّهم كانوا كفّاراً أو فجّاراً، فعدم الردّ عليهم لا يعدّ إقراراً بل إنكاراً، لأنّ حكاية القول عن الكفّار والفجّار يكفي في ردّه عزوه إليهم، فلا يعتبر السكوت عليه إقراراً.([8])

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ في الآية إشارة إلى أنّ القول الأوّل قول غير الموحّدين الّذي لم يكونوا متفاعلين مع أصحاب الكهف، والقول الثاني قول الموحّدين الذين كانت لهم صلة روحية بهم، والشاهد على ذلك أنّ الاقتراح الأوّل ذكر بقولهم: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا)ثم أعقبوا اقتراحهم بقولهم: (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ): أي لا نعرفهم ولا نقول عنهم شيئاً وربنا أعرف بهم، وهذا كلام مَن لا يعرف أصحاب الكهف وعملهم، أو لا يحبّ ان يوصف بشيء من الصلاح والفلاح ولذا يفوّض مصيرهم إلى الله.

وأمّا الاقتراح الثاني فهو نابع عن قلب عارف بأصحاب الكهف، حيث قالوا: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ)عرفوهم بجد (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) وهل يمكن أن يكون هذا الاقتراح ياترى يصدر عن الكافر الفاجر؟!

وعلى هذا كيف يقول الشيخ: يحتمل أنّهم كانوا (المقترحون) فجّاراً كفّاراً؟!!

وثانياً: أنّ الاستدلال ليس مبنيّاً على كون الاقتراح من المسلمين والموحّدين، بل مبني ـ كما تقدّم ـ على رؤية قرآنية وهي أنّه لا يذكر شيئاً عن غيره إذا كان أمراً مشتبهاً إلاّ مع نقده وردّه، والمقام من هذا القبيل، فلو كان في هذا الاقتراح رائحة شرك كما يزعمه من يمنع بناء تلك المساجد، لما سكت عنه القرآن الكريم .

الثاني: قال: إنّ الاستدلال المذكور إنّما يستقيم على طريقة أهل الأهواء من الماضين والمعاصرين الذين يكتفون بالقرآن فقط ديناً ولا يقيمون للسنّة النبوية وزناً .([9])

يلاحظ عليه: أنّ المستدلّ بالآية هو الشيخ أبو الفيض الصدّيق الغماري في كتابه المسمّى: «إحياء المقبور من أدلّة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور» وهو شيخ الحديث في المغاربة وله مدارس وتلاميذ وهو محيي السنّة في منطقته، فكيف يتّهمه بأنّه من أهل الأهواء المعرضين عن السنّة المكتفين بالقرآن؟!

ولقائل أن يعكس الأمر ويقابله بأنّ كلام المانعين من اتّخاذ قبور الأولياء مساجد كلام المعرضين عن القرآن، المكتفين بالسنّة، ما هكذا تورد يا سعد الإبل!!

والعجب أنّه في بعض كلامه ينسب الاقتراح الأوّل للمؤمنين، ويقول: ولقائل أن يقول: إنّ الطائفة الأُولى كانوا مؤمنين عالمين بعدم مشروعية اتّخاذ المساجد على القبور فأشاروا بالبناء على باب الكهف وسدّه وكفّ التعرّض عن أصحابه، فلم يقبل الأُمراء منهم وغاضهم ذلك حتّى أقسموا على اتّخاذ المسجد.([10])

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره على خلاف قول المفسّرين الذين وقفت على كلماتهم، وهذا هو الإمام الأثري الشيخ الطبري: ينسب القول الأوّل إلى الكافرين والاقتراح الثاني للمؤمنين، وقد مرّت كلمته وكلمات غيره من غير استقصاء.

 

تأويل مردود للألباني

لمّا أذعن الألباني بأنّ ما ذكره من الردود لا يقابل نص القرآن الكريم حاول أن يؤوّل الآية، قال: وإن أبيت إلاّ حسن الظن بالطائفة الثانية، فلك أن تقول: إنّ اتّخاذهم المسجد عليهم ليس على طراز اتّخاذ المساجد على القبور، المنهي عنه، وإنّما هو اتّخاذ مسجد (عندهم) وقريباً من كهفهم ومثل هذا ليس محذوراً .([11])

يلاحظ عليه: أنّ الموقف المسبق للشيخ الألباني المقلّد لمنهج ابن تيمية وأشباهه، جرّه إلى تأويل القرآن، فليس في الآية القرآنية لفظة (عند) بل الموجود لفظة (على) حيث قالوا: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ): أي على قبورهم وعلى كهفهم، بحيث تكون القبور داخل المسجد لا خارجه.

 

عود إلى كلام عثمان الخميس

لمّا استشعر عثمان الخميس أنّ نهيه عن إقامة الصلاة في مسجد فيه قبر، لا يجتمع مع الصلاة في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فالمسلمون عبر قرون يصلّون فيه وفيه قبر النبي والشيخين، فحاول الإجابة عن عمل المسلمين بقوله: «إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان حيّاً لمّا بني المسجد، ولمّا دفن لم يدفن في المسجد بل في بيته ولمّا وسع المسجد صار قبره الشريف داخل المسجد، وهنا يختلف الحكم فالمسجد بني على تقوى فتصحّ الصلاة فيه بلا إشكال، أمّا أن يبنى مسجد على قبر أو يدفن ميّت داخل مسجد فإنّه لم يبن على التقوى ولا تجوز الصلاة فيه.

أقول: إنّ كلامه هذا يعبّر عن تصويبه عمل إدخال قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في المسجد، بالبيان الّذي ذكره، ولكنّه يخالف ما ذكره الشيخ الألباني حيث لم يرض بعمل السلف بإدخال قبر النبي في المسجد وقال: وقد وقع مع الأسف الشديد بإدخال القبر في المسجد، إذ لا فارق بين أن يكونوا دفنوه (صلى الله عليه وآله وسلم)حين مات في المسجد، وحاشاهم عن ذلك، وبين ما فعله الذين بعدهم من إدخال قبره في المسجد بتوسيعه، فالمحذور حاصل على كلّ حال.([12])

 

الإهانة لأهل البيت (عليهم السلام) و التابعين

إنّ الشيخ الألباني أنكر عمل التابعين في إدخال قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في المسجد، وقال: إنّ عمر بن عبدالعزيز لمّا كان نائباً للوليد على المدينة في سنة 91 هـ ، هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة، وعمل سقفه بالساج وماء الذهب، وهدم حجرات أزواج النبي فأدخلها في المسجد وأدخل القبر فيه ثم اعترض عليه بقوله: إن إدخال القبر الشريف في المسجد النبوي وضع حين لم يكن في المدينة أحد من الصحابة، وأنّ ذلك كان على خلاف غرضهم، فلا يجوز لمسلم أن يحتج بما وقع بعد الصحابة .([13])

أقول: من أين علم أنّه لم يكن حيثن ذاك أحد من الصحابة في المدينة؟!

أليس هذا رجماً بالغيب؟! فلقد صحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أكثر من مائة ألف صحابي، ولقد سجّل التاريخ أسماء قرابة خمسة عشر ألف غير أنّ تاريخ وفاة أكثرهم غير مسجّلة .

ثم إنّ كلامه هذا مأخوذ من كلام مؤسّس مذهبه ابن تيمية حيث اعتذر بهذا وقال: إنّما أُدخلت الحجرة في المسجد بعد انقراض الصحابة. لاحظ كتابه «الجواب الباهر في زوّار المقابر» فقد طبع في المطبعة السلفية في القاهرة كما يحكيه نفس الألباني.

نفترض أنّه لم يكن في المدينة أحد من الصحابة ولكن كان منهم مَن عاش إلى ثلاث وتسعين سنة، أعني: أنس بن مالك (راوية الحديث النبوي بعد أبي هريرة) فهذا هو الذهبي يقول في ترجمته: وقال عدّة وهو الأصحّ أنّه مات سنة ثلاث وتسعين; قاله: ابن عدي وسعيد بن عامر والمدائني وأبو النعيم والفلاس والقعنب .([14])

فلا محال وقف عليه أنس بن مالك، سواء أكان في المدينة أم غيرها، ولكن مع ذلك لم ينبث فيه ببنت شفة، ولم ينقل عنه أنّه اعترض أو أنكر هذا العمل.

وهذا هو أبو الطفيل آخر مَن مات من الصحابة فقد مات كما يقول الذهبي سنة مائة وقيل: مات بعد تلك السنة وأقام بمكة.([15])

أفيمكن أن لا يطّلع عليه ذلك الصحابي والمدنيون يحجّون كلّ سنة وينقلون أخبارها ومع ذلك لم ينقل عنه أي إنكار؟!

نفترض أنّه لم يكن يوم أُدخل قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في المسجد أي صحابي ولكن كان في المدينة فقهاء وأصحاب الفتيا وعلى رأسهم الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام)الّذي أطبق المؤرّخون والمحدّثون على علمه وزهده وعلمه، وقد أخذ عنه جمع غفير من الفقهاء وأصحاب الفتيا، وكما أسّس مدرسة للفقه والحديث، وقد أُحصي أكثر من مائة وستين من التابعين ممّن كانوا ينهلون من معينه، ويروون عنه.

فقد حدّث عنه: سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبو الزناد، ويحيى بن أُمّ الطويل، وعمر بن دينار، والزهري، وزيد بن أسلم، ويحيى بن سعد الأنصاري، وطائفة .

روي عن الزهري، أنّه قال: ما رأيت أحداً كان أفقه منه.([16]) فلو كان إدخال قبره (صلى الله عليه وآله وسلم)في المسجد أمراً غير صحيح لما سكت الإمام عنه، ولما سكت عنه ولده الإمام الباقر ومن بعده ولده الصادق(عليهم السلام).

هذا وقد صلّى المسلمون يوم أُدخل القبر في المسجد عبر قرون ولم يُسمع من أي ابن أُنثى أنّه أنكر ذلك العمل، بل المسلمون كلّهم يصلّون في المسجد ويتبرّكون بقبره الشريف إلى أن ولد الدهر ابن تيمية ومن لفّ لفّه فأظهروا نكيرهم لهذا العمل.

أليس اتّفاق المسلمين أو الفقهاء وأهل الفتيا في قرن واحد على عمل دليلاً على حلّية العمل وجوازه؟ فإنّ الإجماع عند القوم من أداة التشريع كالكتاب والسنّة، فلماذا لم نجعل هذا الاتّفاق دليلاً على الجواز بل الاستحباب؟!

وهذه هي المدن الإسلاميّة في الشامات كلّها تحتضن قبور الأنبياء العظام(عليهم السلام)وفيها مساجد جنب القبور، وما هذا إلاّ ليتبرّك المصلّي بقبور الأنبياء العظام(عليهم السلام)الذين كرّسوا حياتهم في نشر التوحيد ومكافحة الوثنية، ومن الظلم الواضح عدّ الصلاة عند قبورهم تبرّكاً بهم، شركاً أو ما يفوح منه رائحة الشرك! ومن يوم سيطرت الوهابية على قسم من تلك البلاد أخذوا يفصلون المساجد عن قبورهم ومشاهدهم بشيء من الستر.

ومن عجيب الأمر أنّ القوم حسب ما رووا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ خير أُمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم .([17]) جعلوا هذه القرون الثلاثة من أفضل القرون، وصار المقياس بين تمييز السنّة عن البدعة هو ما ظهر في هذه القرون من أمر جديد وما ظهر بعدها.

فعلى هذا فلماذا نقضوا غزلهم فلقد حدث هذا الأمر في خير القرون بيد التابعين؟! فلماذا صارت أمراً غير مرضي يا ترى؟!!

نعم قبر النبي يونس (عليه السلام)في الموصل في داخل المسجد وكذلك قبر نبي الله شيث هناك كذلك في المسجد.

 

دراسة أدلّة المانعين

تمسّك الوهابيون بمجموعة من الأحاديث على حرمة بناء المسجد عند قبور الصالحين، ونحن ندرس المهم منها. وليس إلاّ حدثين.

الحديث الأوّل:

روى البخاري: لمّا مات الحسن بن الحسن بن عليّ، ضربت امرأته القُبّة على قبره سنة، ثمّ رفعتْ، فسمِعوا صائحاً يُقول: ألا هل وَجَدوا ما فَقَدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا.([18])

أقول: هذا الحديث الّذي رواه البخاري ـ وهو أصحّ الكتب عند القوم ـ دليل على جواز أمرين تنكرهما الوهابية:

1. نصب المظلّة والقبّة على القبر، لأنّ امرأة الحسن ضربت القبّة على قبر زوجها بمرأى ومسمع من التابعين وبينهم الفقهاء وأصحاب الفتيا وأهل الحديث، ولم يعرف من أحد منهم استنكار ذلك، وهذا أوضح دليل على جواز نصب القبّة على القبور، وكان ذلك في أفضل القرون الّذي هو الفاصل بين البدعة والسنّة.

2. أنّه تجوز الصلاة عند قبور الأولياء وقد ضربت زوجته القبّة لإقامة الصلاة عند قبره وتلاوة القرآن الكريم . والحسن بن الحسن المعروف بالمثنّى، من أسباط النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وكفى في فضله أنّه كان وصي أبيه وولي صدقة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)في عصره، وقد روى عن أبيه الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)وابن عمه عبدالله بن جعفر بن أبي طالب إلى غير ذلك. وقد هدّده الحجاج يوم كان أمير المدينة بالقبض عليه لو لم يدخل شخصاً غير صالح في صدقة عليٍّ، فقام في وجهه وقال: لا أُغيّر شرط عليٍّ، ولا أُدخل فيها من لم يُدخل .([19])

وأمّا قول الراوي: فسمعوا صائحاً يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا.

ففيه أوّلاً: أنّه أشبه بقول غير الصالح ; لأنّ كلامه هذا نوع من الشماتة لأهل المصيبة فكان عليه أن يعزّيها بشيء لأجل موت زوجها كما هو السنّة فصار يَشمُت بأهل المصيبة بلغة لاذعة وهي ليست من أخلاق الصالحين. ومثله في ذلك ما أجابه الصائح المزعوم الآخر.

وثانياً: أنّ إقامة تلك المرأة على قبر زوجها الفقيد لم يكن على أمل عودته إلى الحياة حتّى يقال أنّها يئست بل كان لغايات قدسية أشرنا إليها. فقول ذلك الصائح وجواب الآخر ليس حجّة شرعية، إذ لم يعتمدوا على كتاب الله ولا على سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بل أبرزوا أحقادهم وضغائنهم يوم ابتليت المرأة الصالحة بموت زوجها .

الحديث الثاني:

روى البخاري عن عروة، عن عائشة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال في مرضه الّذي مات فيه: «لعن الله اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مسجداً» قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّي أخشى أن يتّخذ مسجداً.([20])

إنّ هذا الحديث مهما صحّ سنده لا يمكن قبول ظاهره، بل لابدّ من تبيين المراد منه بشيء وذلك للأسباب التالية :

أوّلاً: أنّ تاريخ اليهود لا يتّفق مع مضمون هذا الحديث، لأنّ سيرتهم قد قامت على قتل الأنبياء وتشريدهم وإيذائهم إلى غير ذلك من أنواع البلايا الّتي كانوا يصبّونها على أنبيائهم ويكفي في ذلك قوله سبحانه: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقَ)([21]) .

وقوله سبحانه: (قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)([22]).

وقوله سبحانه: (فَبَِما نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَ قَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ)([23]).

وثانياً: أنّ هناك قرائن شاهدة على أنّ النصارى كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم قبلة لهم، تصرفهم عن التوجّه إلى القبلة الواجبة، فأين هذا من الصلاة في مسجد النبي أو مسجد فيه قبر أحد أولياء الله سبحانه متوجّهاً إلى الكعبة، مصلّياً لله سبحانه تالياً آيات الله، متبرّكاً بالأرض المقدّسة؟!

والّذي يدلّ على ذلك أُمور:

1. ما روي أنّ أُمّ حبيبة وأُمّ سلمة ذكرتا  كنيسة رأيناها في الحبشة فيها تصاوير، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ أُولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوّروا فيه تلك الصور أُولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة .([24])

2. والهدف من وضع صور الصالحين بجوار قبورهم إنّما كان لأجل السجود عليها أو على قبورهم، بحيث يكون القبر والصورة قبلة لهم، أو يكونا كالصنم المنصوب يُعبدان ويسجد لهما.

ويشهد على ذلك أنّ أحمد بن حنبل في «مسنده» ومالك بن أنس في «الموطأ» رويا تتمة لهذا الحديث وهي:أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ـ بعد النهي عن اتّخاذ القبور مساجد ـ : «اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْري وَثَناً يُعْبَد».([25])

إنّ هذا يدلّ على أنّ أُولئك كانوا يتّخذون القبر والصورة الّتي عليها قبلة يتوجّهون إليها، بل صنماً يعبد ، من دون اللّه سبحانه.

2. إنّ التأمّل في حديث عائشة ـ الحديث الثاني ـ  يزيد في توضيح هذه الحقيقة، حيث إنّها بعد الرواية عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تقول:

«لولا ذلك لأبرزوا  قبره، غير أنّي أخشى أن يُتَّخذ مسجداً». أي جعلو حاجزاً.

ونتساءل: إقامة الجدار حول القبر يمنع عن أيّ شيء؟!

من الثابت أنّ الجدار يمنع من الصلاة على القبر نفسه وأن يتّخذ وثناً يُعبد، وعلى الأقل لا يكون قبلة يُتوجّه إليها.

أمّا الصلاة بجوار القبر ـ من دون عبادة القبر أو جعله قبلة للعبادة ـ فلا يمنع منها بشهادة أنّ المسلمين ـ منذ أربعة عشر قرناً ـ يُصلّون بجوار قبر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حين أنّهم كانوا يتوجّهون إلى الكعبة ويعبدون اللّه تعالى، فوجود الحاجز لم يمنعهم من هذا كلّه.

وحصيلة الكلام : إنّ تتمة الحديث الثاني ـ الّتي هي من كلام عائشة ـ تُوضّح معنى الحديث، لأنّها تذكر السبب الّذي منع من إبراز قبر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه للحيلولة دون اتّخاذه مسجداً، ومرادها من اتخاذ مدفنه مسجداً .

قبلة يصلي إليه كما سيأتي التصريح من شراح الحديث، ولهذا أُقيم الجدار الحاجز حول القبر الشريف.

فالحاجز يمنع من شيئين:

1. من أن يتحوّل القبر إلى وثن يقف الناس بين يديه يعبدونه، فمع وجود الحاجز لا يمكن رؤية القبر فلا يمكن اتّخاذه وثناً للعبادة.

2. من أن يُتَّخذ قبلة، ذلك لأنّ اتّخاذه قبلة فرع رؤيته.

وأمّا الصلاة في المسجد الّذي دفن فيه فلم يمنع عنه بالبداهة، وهذا دليل على أنّ قلق الرسول على فرض صحة الحديث من مدفنه، اتّخاذ قبره صنماً يُعبد أو يسجد عليه .

فإن قال قائل: إنّ اتخاذ القبر قبلة لا يتوقّف على الرؤية بشهادة أنّ الكعبة قبلة للمسلمين في حين أنّ أكثر المسلمين لا يرونها وقت العبادة.

فالجواب: لا تصحّ المقارنة والمقايسة بين الكعبة والقبر، لأنّ الكعبة قبلة عامّة لجميع المسلمين في كافّة أرجاء الكرة الأرضية، وليست قبلة للعبادة فقط، بل للعبادة وغيرها كالذبيحة والدفن وما شابه، فهي قبلة في جميع الأحوال، ولا علاقة للرؤية فيها بأيّ وجه.

أمّا اتّخاذ قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قبلة، فإنّما يمكن للّذين يتواجدون في مسجده ويقيمون الصلاة عنده، فإبراز القبر الشريف يمهّد لهذا الاحتمال ـ على رأي عائشة طبعاً ـ بينما يكون الستر  مانعاً عن ذلك.

وثالثاً: من القرائن الدالّة على أنّ نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما هو عن عبادة القبور، هو أنّ الكثير من شارحي صحيح البخاري ومسلم فسّروا الحديث بمثل ما فسّرناه، وفهموا منه مثل ما فهمناه... فمثلاً:

يقول  القسطلاني ـ في كتاب إرشاد الساري ـ :

إنّما صوّر أوائلهم الصُّور ليستأنسوا بها ويتذكّروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم ويعبدوا اللّه عند قبورهم، ثمّ خَلَفهم قوم جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أنّ أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويُعظّمونها، فحذَّر النبي عن مثل ذلك.

إلى أن يقول:

قال البيضاوي: لمّا كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور  الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجّهون في الصلاة نحوها واتّخذوها أوثاناً، مُنع المسلمون عن مثل ذلك، فأمّا  من اتّخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرُّك بالقرب منه ـ لا للتعظيم ولا للتوجّه إليه ـ فلا يدخل في الوعيد المذكور.([26])

وليس القسطلاني منفرداً في هذا الشرح، بل يقول به السندي ـ شارح السُّنن للنسائي ـ حيث يقول:

«اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» أي: قبلة للصلاة يُصلّون إليها، أو بنوا مساجد عليها يُصلّون فيها. ولعلّوجه الكراهة أنّه قد يُفضي إلى عبادة نفس القبر.([27])

ويقول أيضاً:

يُحذّر (النبي) أُمّته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم من اتّخاذهم تلك القبور مساجد، إمّا بالسجود إليها تعظيماً لها، أو بجعلها قبلة يتوجّهون في الصلاة إليها.([28])

ويقول النووي ـ في شرح صحيح مسلم ـ :

قال العلماء: إنّما نهى النبي عن اتّخاذ قبره وقبر غيره مسجداً، خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربّما أدّى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأُمم الخاليـة، ولمّا احتاجت الصحـابـة والتابعون إلـى الـزيادة فـي مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حين كثر المسلمون وامتدّت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أُمّهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة، مدفن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وصاحبيه بَنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله، لئلاّ يظهر في المسجد فيصلّـي إليه العوام...

ولهذا قالت «عائشة» في الحديث: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّه خُشي أن يُتَّخذ مسجداً.([29])

أقول: مع هذه القرائن ومع ما فهمه شُرّاح  الحديث لابدّ من القول به، ولا يمكن استنتاج غير ذلك أو الافتاء بغيره.

 

وجود المساجد في المشاهد المشرّفة لا صلة له بهذه الأحاديث

إنّ مورد الحديث هو ما إذا كان المسجد مبنيّاً فوق القبر، فلا علاقة له بالمشاهد المشرَّفة، لأنّ المسجد  ـ في كلّ المشاهد ـ  ما عدا مسجد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما هو بجوارها لا عليها، بشكل ينفصل أحدهما عن الآخر.

وبعبارة أُخرى:  هناك حرم وهناك مسجد، فالحرم خاصٌّ للزيارة والتوسّل إلى اللّه تعالى بذلك الوليّ الصالح، والمسجد ـ بجواره ـ للصلاة والعبادة، فالمشاهد المشرَّفة ـ في هذه الحالة ـ  خارجة عن مفاد الحديث ومعناه ـ على فرض  أن يكون مفاده ما يدّعيه الوهّابيّون ـ .

وبذلك يظهر مفاد الأحاديث الّتي جمعها الشيخ الألباني في صدر كتابه باسم «تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد»، الّذي بلغ عددها إلى أربعة عشر، فالجلّ لولم نقل الكلّ ناظر إلى عمل النصارى من اتّخاذ القبور قبلة أو السجود عليها، وأمّا مجرد الإتيان بالصلاة تبرّكاً بالموضع الّذي فيه قبر نبي التوحيد فخارج عن مفاد هذه الروايات.

إلى هنا تمّ ما أردناه من تبيين حكم بناء المساجد على قبور الأولياء، الّذي هو الأساس لنقد كلام عثمان الخميس.

 

دراسة مقاطع ثلاث في كلام عثمان الخميس

إذا تبيّن ذلك فلنرجع إلى مقاطع ثلاث في كلامه.

المقطع الأوّل: منع عثمان الخميس من الصلاة في مساجد الشيعة لأمرين:

1. لأنّ الشيعة كثيراً ما يعظمون القبور، فيبنون المساجد على القبور أو يجعلون القبور داخل المساجد، أي يدفنون الموتى داخلها، فلا تجوز الصلاة في مسجد فيه قبر.

ولنا مع الشيخ في كلامه هذا بعض الأسئلة:

أوّلاً: أنّ الشيخ أفتى في كلامه بأنّه لا يجوز للمسلم أن يدخل مساجد الشيعة ويصلّي فيها لأنّها تشتمل على القبور .

نسأله أنّ الإفتاء بالقضية الكلّية رهن مشاهدة الشيخ أكثر مساجد الشيعة المنتشرة في العالم أو كلّها، حتّى يستطيع إلى الحكم بالقضية الكلّية. أفهل قام الشيخ بهذا العمل، وشاهد المساجد الشيعية كلّها بعينه حتّى يحكم بهذا الحكم؟

إنّ للشيعة مساجد تعدّ بعشرات الآلاف في إيران والعراق ولبنان وپاكستان والهند وأفغانستان وغيرها من البلاد الإسلاميّة والغربية، فلا يصحّ للشيخ أن يفتي بقضية كلّية دون أن يشاهد هذه المساجد ويرى بأُمّ عينه دفن الموتى فيها .

وقد روي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)سُئل عن الشهادة فقال: «هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع» .([30]) ولا أظنّ أنّ الشيخ ولا أترابه الذين يجترّون ما ذكره ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب قاموا بهذا العمل ولو بنسبة ضئيلة. وقد مرّ التذكير بذلك في صدر المقال .

ثانياً: كيف يتهم الشيعة بأنّهم يدفنون الموتى في مساجدهم مع أنّ فقهاء الشيعة صرّحوا في الكتب الفقهية بتحريم ذلك، هذا هو السيد الطباطبائي في «العروة الوثقى» عقد فصلاً في بعض أحكام المسجد وقال: لا يجوز دفن الميّت في المسجد([31]). لمنافاة الدفن جهة الوقف، فمن خصّ أرضاً بالمسجد فقد فكّ ملكه عن نفسه وجعله لله سبحانه، ومع ذلك كيف يتصرف في ملك الله، فهل قرأ الشيخ صفحة من فقه الشيعة، وصدر في هذه الفتيا عن علم وكثب؟! نعم الحرام دفن الموتى بعد بناء المساجد، وأمّا بناء المساجد على قبورهم لا صلة له بما ذكرنا من الحرمة. وبذلك يظهر أنّ الصلاة في حرم أئمة أهل البيت(عليهم السلام)الّتي تضمّنت أجسادهم الطاهرة، لا صلة له بمسألة دفن الموتى في المساجد، بل بنيت مشاهدهم بعد دفنهم، كما أنّ هذه المشاهد لا تُعدّ مساجداً عند الشيعة.

نعم ربّما يوجد في بعض الأمكنة بصورة نادرة أنّ الواقف يجعل لنفسه غرفة خاصة خارج المسجد متصلة به ليدفن فيها، لأجل أن يستغفر له المصلّون ويقرأوا الفاتحة ويُهدوا ثوابها إليه ، ولا يوجد مثل هذا أيضاً إلاّ نادراً.

ثالثاً: أنّ المانع عند أُستاذه هو القبر الظاهر وأمّا القبر غير الظاهر فيجوز فيها الصلاة، هذا هو الألباني يقول: إنّ العبرة في هذه المسألة بالقبور الظاهرة وأمّا ما في بطن الأرض من القبور فلا يرتبط بها حكم شرعي من حيث الظاهر بل الشريعة تتنزّه عن مثل هذا الحكم لأنّا نعلم بالضرورة والمشاهدة أنّ الأرض كلّها مقبرة الأحياء، كما قال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَ أَمْوَاتًا)([32]).([33]) فالقبور في مساجد الشيعة على فرض غير صحيح ليست ظاهرة، فكيف يفتي بعدم جواز الصلاة فيها؟!

دراسة المقطع الثاني من كلامه

أمّا السبب الثاني للمنع فيوضّحه بقوله: إنّ رائحة الشرك تفوح داخل هذه المساجد .

1. فيذكر غير الله .

2. ويستغاث بغير الله.

3. ويدعون غير الله .

4. ويسبّ أولياء الله من الصحابة والخلفاء.

فقد ذكر في كلامه هذا أُموراً أربعة:

الأوّل: يذكرون غير الله، فنسأله: هل ذكر غير الله في المسجد عبادة للغير؟! ولو صار ذلك ملاكاً للتوحيد والشرك فلا يوجد على أديم الأرض أي موحّد، فالخطباء يذكرون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ورواة الحديث وأسماء العلماء وغير ذلك، وربّما يذكر الواعظ أسماء الصالحين والطالحين وقصصهم وأحوالهم.

الثاني: ويستغاث بغير الله، وهذا هو المهم في كلامه، فنقول: هل الاستغاثة بغير الله أمر حرام، فهذا القرآن يذكر قصة الرجل الّذي استغاث بموسى (عليه السلام)وهو من شيعته لينصره على عدوه القبطي واستجاب له موسى (عليه السلام)كما في قوله تعالى: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَة مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ )([34]).

فلو كانت الاستغاثة أمراً شركياً فلماذا استجاب له موسى (عليه السلام)ولم يستنكر عليه، ولعلّ عثمان الخميس كأسياده يجيبون عن ذلك، بأنّه من قبيل استغاثة الحي بالحي وكلامنا هو في استغاثة الحي بالميّت، ولكن المجيب لم يعرف أنّ الحياة والموت ليسا ملاكين للتوحيد والشرك، بل ملاكين للجدوى وعدمها، فله أن يمنع الاستغاثة بالميّت لعدم الجدوى لا للشرك. ولكنّه يصرّ على أنّ الاستغاثة بالميت شرك أفهل يمكن أن يكون عمل واحد توحيداً في حالة وشركاً في حالة آخر؟!

وأمّا كون الاستغاثة بالميت مجدية أو لا، فهو خارج عن مصبّ كلامنا.

الثالث: ويدعون غير الله

ماذا يريد من دعاء الغير؟ هل يريد الدعاء بالمعنى اللغوي، أي دعاء شخص شخصاً، لا أظنّ أنّ أحداً يحرّمه، فهذا هو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)دعا في غزوة أُحد أصحابه الذين تركوا ساحة الحرب وولّوا هابرين، قال تعالى: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَد وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ)([35]).

وإن أراد عبادة الغير فهو بهتان عظيم، فإنّ العبادة عبارة عن الخضوع أمام مَن هو خالق أو مدبّر الأُمور وبيده مصائر العباد، والشيعة جمعاء ـ وفاقاً لعامّة المسلمين ـ يعتقدون بالتوحيد في الخالقية والربوبية، وأنّ الأُمور كلّها بيد الله سبحانه، ولا يملك أحدٌ لنفسه ولا لغيره شيئاً إلاّ الدعاء لنفسه أو لغيره بإذن من الله سبحانه.

وإن أراد من دعاء الغير طلب الدعاء والشفاعة فهذا أمر اتّفق على جوازه المسلمون إلاّ شذّاذ الآفاق.

هذا هو الترمذي يروي عن أنس أنّه قال: سألت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: أنا فاعل، قلت: فأين أطلبك، قال: على الصراط ([36]).

وهذا هو سواد بن قارب وفد على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وطلب منه الشفاعة ضمن قصيدة، فيها:

وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة *** بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب([37])

ولا يختص طلب الشفاعة من الحي بل يشمل طلب الشفاعة من الميّت، فهذا هو ابن عباس يقول: لمّا فرغ أمير المؤمنين (عليه السلام)من تغسيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ! لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالاِْنْبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ ـ إلى أن قال: ـ اذْكُرْنَا عِنْدَ رَبِّكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ بَالِكَ!...»([38]).

ويروى أيضاً أنّه لمّا توفّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كشف أبو بكر عن وجهه ثمّ أقبل عليه فقبّله ثم قال:«بأبي أنت وأُمّي أمّا الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثمّ لن تصيبك بعدها موتة أبداً»([39]).

إنّ هاتين الروايتين ـ وأمثالهما ـ تدلاّن على أنّه لا فرق بين طلب الشفاعة من الشفيع في حياته وبعد وفاته، وقد كان الصحابة يطلبون الدعاء من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد وفاته، فلو كان طلب الدعاء منه صحيحاً بعد وفاته، فإنّ طلب الشفاعة ـ الّذي هو نوع من طلب الدعاء ـ سيكون صححياً أيضاً.

وليس للشيعة في مساجدهم إلاّ طلب الشفاعة، أي طلب الدعاء من النبي وآله، وقد دلّت الآيات والروايات على حياتهم ووجود الصلة بيننا وبينهم، فلنفترض ـ فرضاً باطلاً ـ أنّهم غير أحياء وأنّهم لا يسمعون كلامنا، فغاية ما يمكن أن يقول به الرجل هو عدم الجدوى في طلب الدعاء من العبد الّذي لا يسمع، فلا يكون ذلك دليلاً على الشرك.

الرابع: سبّ الأولياء من الصحابة والخلفاء

إنّ الشيعة تقتفي إثر أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وإثر إمام المتقين وقدوة الموحّدين علي أمير المؤمنين (عليه السلام)وهانحن ننقل شيئاً من كلامه حول الصحابة: «أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ، وَ مَضَوْا عَلَى الْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ؟ وَأَيْنَ ذُو  الشَّهَادَتَيْنِ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ، وَأُبْرِدَ بِرُؤُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ!

قال: ثم ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة، فأطال البكاء، ثم قال(عليه السلام):

أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَ أَمَاتُوا الْبِدْعَةَ. دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ».([40])

وهذا هو الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام)يدعو لصحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويقول: «اللّهم وأصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)خاصّة الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته ـ إلى أن يقول: ـ فلا تنس لهم اللّهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك، وبما حاشوا الخلق عنك  وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم»، ثم يقول: «اللّهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون: ربنا أغفر لنا»([41]).

هذا هو منطق أئمة الشيعة والمسلمين، والمسلمون كلّهم سائرون عليه، والعجب أنّه يتّهم الشيعة بسبّ الصحابة في عامّة مساجدهم ولذلك منع من الدخول إليها، ومع ذلك كلّه نرى في أصحّ كتبهم وهو صحيح البخاري سبّ بعض الصحابة البعض الآخر في مجلس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وحضوره، وإن كنت في ريبّ فلنتلوا عليك رواية واحدة نقلها البخاري في صحيحه باختصار:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في قصة الإفك: «مَن يعذرني من رجل ] المراد به عبدالله بن سلول[ قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي، إلاّ خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي».

فقام سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عُنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت عائشة : فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحميّة، فقال لسعد: كذبت، لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أُسيد بن حضير وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنّه فإنّك منافق، تجادل عن المنافقين. فتثاور الحيّان الأُوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يُخفّضهم حتّى سكتوا وسكت([42]).

 

النقد والتقييم غير السبّ

إنّ النقد القائم على أُسس صحيحة وموازين سليمة هو قبلة طالبي الحقيقة، والساعين إلى الفضيلة.

وأمّا السبّ والشتم فهو وليد العصبية ونتاج الغيظ والحقد والهوى، وبتعبير آخر: السبّ هو النيل من كرامة الشخص بكلمات مبتذلة، ولسان بذيء لغاية التشفّي وهدم الكرامة.

وأمّا النقد: فهو دراسة حياة الشخص من منظار موضوعي وبيان ما له من الفضيلة والكرامة، أو ما اقترف من المآثم والخطايا، فيُمدح على الأوّل ويذمّ على الثاني.

فالذي في كتب الشيعة عند المرور بآيات الذكر الحكيم هو دراسة النقد لا السبّ.

ولو كان هذا سبّاً فكتب القوم هي التي فتحت هذا الباب على مصراعيه بوجه المسلمين، وهذا هو البخاري، ومسلم رووا في صحاحهم روايات كثيرة في ارتداد الصحابة بعد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونحن ننقل منها رواية واحدة:

روى أبو هريرة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي ـ أو قال: من أُمّتي ـ فيحلّؤون عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنّه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقري».([43])

دراسة المقطع الثالث

مع أنّ المفتي أفتى بحرمة الصلاة في مساجد الشيعة إلاّ أنّه أفتى أخيراً بأنّ الإنسان لو دخل وصلّى في هذه المساجد، حتّى مع علمه بعدم الجواز، فصلاته صحيحة.

أقول: كيف يفتي بصحّة الصلاة، مع أنّ المصلّي فيها ـ حسب روايتهم ـ ملعون بعمله هذا، فكيف تنسجم حرمة العمل مع صحّته، وكيف ينسجم كون المصلّي ملعوناً مع كون صلاته مقبولة؟!

وكيف يتمشّى قصد التقرّب وامتثال الأمر مع كونه مطروداً من رحمة الله؟!

ولعمر الحق فما أرخص هذا الاجتهاد الّذي لا يحتاج إلى إتقان المبادئ والمقدّمات اللازمة.

فكأنّ الإفتاء عند القوم لا يحتاج إلى مبادئ ومقدّمات تؤهّل المفتي لاستنباط الحكم الشرعي من كتاب الله وسنّة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيفتي بلا دليل على حرمة الدخول، ثم ينقض ما أبرمه، بلا دليل ولا برهان.

هذا ما سمح به الوقت في دراسة هذه الفتوى ونقدها نقداً علمياً، والتي وجدناها على شفا جرف هار.

والحمد لله رب العالمين

جعفر السبحاني

قم المقدسة ـ الحوزة العلمية

21 رجب المرجب 1435 هـ

 


[1] . الكهف: 21.

[2] . تفسير الطبري: 15 / 149 .

[3] . تفسير الرازي: 21 / 105 .

[4] . تفسير الكشّاف: 2 / 334 .

[5] . تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان المطبوع بهامش تفسير الطبري: 15 / 119 .

[6] . يونس: 90 .

[7] . يونس: 91.

[8] . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 81 ـ 82 .

[9] . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 82 .

[10] . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 76 .

[11] . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 76 ـ 77 .

[12] . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 89 .

[13] . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 93.

[14] . سير أعلام النبلاء: 3 / 406 برقم 62.

[15] . سير أعلام النبلاء: 3 / 470 برقم 97 .

[16] . لاحظ : سير أعلام النبلاء6 4 / 389 ; تاريخ مدينة دمشق: 41 / 371 .

[17] . فتح الباري: 7 / 3.

[18] . صحيح البخاري: 2 / 90، كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتّخاذ المساجد على القبور، بعد رقم 1329.

[19] . تهذيب الكمال: 6 / 92 .

[20] . صحيح البخاري: باب ما يكره من اتّخاذ المساجد على القبور برقم 1330 .

[21] . آل عمران: 181 .

[22] . آل عمران: 183 .

[23] . النساء: 155.

[24] . صحيح مسلم: 2 / 66، كتاب المساجد ; ولاحظ: سنن النسائي: 2 / 41 .

[25] . مسند أحمد:3/248.

[26] . إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 2 / 437، باب بناء المساجد على القبور. وقد مال إلى هذا المعنى ابن حجر ـ في فتح الباري:3/208 حيث قال: إنّ النهي إنّما هو عمّا يؤدّي بالقبر إلى ما عليه أهل الكتاب، أمّا غير ذلك فلا إشكال فيه.

[27] . السنن للنسائي:2/21مطبعة الأزهر.

[28] . نفس المصدر السابق.

[29] . شرح صحيح مسلم للنووي:5/13ـ 14.

[30] . كنز العمال: 7 / 23 برقم 17782 .

[31] . العروة الوثقى: 2 / 407، فصل في بعض أحكام المسجد.

[32] . المرسلات: 25 ـ 26 .

[33] . تحذير الساجد من اتّخاذ القبور مساجد: 113 .

[34] . القصص: 15 .

[35] . آل عمران: 153.

[36] . سنن الترمذي: 4 / 42، باب ما جاء في شأن الصراط.

[37] . الدرر السنية لزيني دحلان: 29.

[38] . نهج البلاغة: من قصار كلامه 235.

[39] . السيرة النبوية: 2 / 655 ـ 656.

[40] . نهج البلاغة: الخطبة 182 .

[41] . الصحيفة السجادية: الدعاء رقم 4، الصلاة على مصدّقي الرسل.

[42] . صحيح البخاري بشرح الكرماني: 17 / 14 ـ 15 .

[43] . صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب في الحوض، برقم 6576، ولاحظ بقية الأحاديث بالأرقام: 6582، 6583، 6584، 6585، 6586، 6587.

قراءة 6196 مرة

إضافة تعليق


Security code
التحديث