الحج وفوائده التربوية

قيم هذا المقال
(0 صوت)
الحج وفوائده التربوية

الحج ركن من أركان الإسلام، وهو عبادة عظيمة مليئة بالفوائد والكنوز الثمينة، والمعاني العجيبة، والأسرار البديعة، قال الله تعالى:)لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ(، فموسم الحج مؤتمر إسلامي من أعظم المناسبات للأمة الإسلامية! وسأحاول بإذ الله ذكر بعض الفوائد المستنبطة من هذه العبادة العظيمة :

فالحج مدرسة عظيمة في تربية النفوس وتزكيتها، دروسها رائعة، وعبرها نافعة، فالناس ما زالوا منذ أذَّنَ فيهم إبراهيم عليه السلام بالحج يفدون إلى البيت الحرام في كل عام من أصقاع الأرض كلها، مختلفة ألسنتهم، متباينة بلدانهم، متمايزة ألوانهم، يفدون إليه وأفئدتهم ترف إلى رؤيته والطواف به، الغني القادر، والفقير المعدم، ومئات الألوف من هؤلاء يتقاطرون من فجاج الأرض البعيدة تلبية لدعوة الله:)وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(.

1-  تحقيق التوحيد: ففي الحج تتجلى صورة التوحيد عقيدة وهدفًا للمسلمين، )وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ- إلى قوله- فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور()حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ(، فقضية القضايا وأصل الأصول كلمة التوحيد، وشعار الإسلام وعلم الملة، لا اله الا الله،كلمة تخلع بها جميع الآلهة الباطلة من دون الله. فيها نبذ لأمر الجاهلية كله، فإبراهيم عليه السلام الذي بنى البيت هو رمز الحنفية، ومحطم الشرك والوثنية، أقام هذا البيت على قواعد التوحيد، ثم أذن إبراهيم في الناس بالحج، ومنذ ذلك النداء والمسلمون يتوافدون من كل فج،حناجرهم تجأر بإجابة التوحيد ونداء الإخلاص، وفي حديث جابر t  الطويل أن رسول الله e ( أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ...) (رواه مسلم) ويبقى الحج كل عام رمزًا للتوحيد، وعنوانًا للبذل والتضحية من أجل لا اله الا الله. في مثل هذا الموسم يجدد المسلم عهده مع الله، يتذكر الهدف الذي من أجله يعيش الانسان، رضا الله الخالق لارضا المخلوق .

2- من فوائد الحج: أنه رمز لوحدة الأمة واجتماع كلمتها، توحيد كلمة المسلمين، وجمع قلوبهم من مقاصد الإسلام العظيمة، وتضافرت نصوص الكتاب والسنة في الدعوة إلى التوحيد، ونبذ كل ما من شأنه بذر الفرقة، والحج من أعظم المناسبات لتوحيد كلمة الأمة، ولم شملها، فهو رمز للوحدة الحقيقية.

 ألا ترون الحجاج يستبدلون بزيهم الوطني زي الحج الموحد، لا يتميز شرقيهم عن غربيهم، ولا عربيهم عن عجميهم،كلهم لبسوا لباسًا واحدًا، وتوجهوا إلى رب واحد بدعاء واحد: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ)) .

ألا ترونهم وقد نسوا كل الهتافات الوطنية، وكل الشعارات القومية، ونكسوا كل الرايات العصبية، ورفعوا راية واحدة هي راية لا إله إلا الله، يطوفون حول بيت واحد، مختلطة أجناسهم وألوانهم ولغاتهم، يؤدون نسكًا واحدًا. وعَنْ أَبِي نَضْرَةَ قال: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ eفِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى..). الله أكبر، إنها الوحدة الحقيقة، فمهما اختلفت اللغات، ومهما تعددت الجهات، ومهما تنوعت الجنسيات، فديننا واحد، وربنا واحد، ونبينا واحد، وقبلتنا واحدة، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، ونحن أمة واحدة، رغم أنف الأعداء وكل من حاول تشتيت هذه الأمة.

فما أجمل استغلال الحج لتوحيد كلمة المسلمين، وما أجمل استغلال المناسبة لجمع القلوب وتصفيتها، وما أجمل تذكير وتوجيه الحجاج بل كل المسلمين لهذه المعاني،)إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ(،  ولا يمكن تحقيق هذه الوحدة، إلا بتوحيد المنهج، ولذلك قال النبي e في الحج ((لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ)). وقال في آخر حياته: ((لقد تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي)).

فالمسلمون في جميع أمورهم منبعهم واحد، ومنه يصدرون وإليه يرجعون، هو كتاب الله وسنة الرسولe، فمهما اعتصمنا بهما حصلت الوحدة وجمع الكلمة، وزال الشتات والفرقة، وبدون التمسك بحبل الله لا يمكن أن تتحد صفوفها ويلم شملها ويقوى عودها)وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ(.

3-من فوائد الحج، تحقيق العبودية التامة لله،والطاعة والاستجابة،فأول كلمة تتلفظ بها في هذا الركن((لبيك اللهم حجًا))، ثم تعلن الطاعة والاستجابة بقولك: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ...)) ومعنى ذلك، أيْ إجابة بعد إجابة،خضوعا لله وخشوعا، فأنا مجيب دعوتك، وملزم نفسي طاعتك .

أخي الحاج ! هاأنت تعاهد ربك على الطاعة والاستجابة، وتعلن العبودية له وحده، وتعترف له بنعمه وفضله عليك، فهل تراك بعد هذا تنقض العهد؟ ألست تعمل في الحج أعمالا ربما لم تفهم لها حكمة كالرمي والسعي وتقبيل الحجر إلا حكمة الانقياد لأمر الله واتباع الحبيب e، وكفى بهما حكمة؟ وهكذا المؤمن مع ربه  في كل شيء، وهكذا حال الناس في الحج، طاعة وعبودية لله بدون تردد ولا حيرة ولا عصيان، بل بعاطفة حارة،)قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ() لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(،  نعم فحياتي ومماتي كلها عبودية وطاعة لله .

4- من فوائد الحج، تحقيق الاتباع والتأسي بالنبيe: فقد قال:( لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ). إذاً أيها المؤمن! الحج الصحيح والمبرور الذي ليس له جزاء إلا الجنة هو:كحجه e، وهذا يعني أن نتعلم كيف حجe، وواقع البعض من الناس اليوم في الحج مؤلم، لا أقول في إهمال السنن، بل في جهل الواجبات والأركان التي لا يتم الحج إلا بها .

يا عجبًا لمن يقطع الأودية والقفار، والمفاوز والبحار، ويصرف الأموال، ويهجر البلاد والعيال، وهو يجهل الحج فلا يعرف الواجبات من الأركان؟! بل ربما وقع في الغفلة والعصيان، نعوذ بالله من الجهل والحرمان، وخاصة في مثل هذه المواسم والأيام . 

5- من فوائد الحج أيضاً، ما يحدثه يوم عرفة في النفوس من توبة وندم: وخشوع وبكاء، وكم من شاهد ليوم عرفة كان هذا اليوم سببا لهدايته واستقامته. وهل هناك كنز يقارن بكنز الهداية. ومن لم يخشع قلبه بعرفة فمتى؟! وذلك لنزول الرحمة وكثرة العتق من النار، والافتقار والمسكنة ورفع أكف الضراعة إلى الله، ورقة القلب وكثرة الدمع، وفي صحيح مسلم عن عَائِشَة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ: ((مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟)).

فلله كــم من عبرة مهـراقة          وأخرى على آثارها لا تقـدم

وقد شرقت عين المحب بدمعها         فينظر من بين الدموع ويسهم

6- من فوائد الحج استشعار عظمة رمي الجمرات: وما فيه من الحكم من عداوة للشيطان وعدم الاستجابة له ولوساوسه،وكم من إنسان يرمي الجمرات، والشيطان قد تمكن من قلبه، فما أكثر معاصيه وما أشد فسقه، ولو علم هذا الحاج المعنى الحقيقي لرمي الجمرات لعلم أنه في حاجة لرميه من قلبه والاستعاذة منه قبل أن يرمي تلك الحصوات، مجرد رمي فقط .

ومن حكم رمي الجمرات الاتباع للخليلين محمد وإبراهيم عليهما السلام، وقل مثل ذلك في استشعار عظمة ذبح الهدي وإراقة الدم لله وحده لاشريك له، ولذلك قال الله تعالى: )لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ(. وهكذا يستشعر عظمة الحج بأركانه وواجباته بمعرفة حكمه وأهدافه، فيزداد الحاج حرصًا على استغلاله وتعظيمًا لأيامه، ليفوز بأنواره وآثاره، ولذلك ذكر الله في آيات الحج قوله: )ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ(ثم قال في الآية التي تليها: )ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(، ومن استشعر عظمة الحج ومناسكه، وتفكر بمغفرة الذنوب والرجوع كيوم الولادة، علم أي كنز سيناله .

7- من فوائد الحج أيضًا تذكر اليوم الآخر: فالحج صورة مصغرة ليوم الحشر والعرض على الله عز وجل، فالاستعداد للرحيل يذكرك بالاستعداد للرحيل إلى الله، لكن هذا بيدك وذاك يفجؤك، ولبس ملابس الإحرام يذكرك بلبس الأكفان، لكن هذا تلبسه بيدك وذاك تُلبسه، ووقوف الناس بعرفة يذكرك بوقوفهم بين يدي الله، لكن هذا يوم عمل، وذاك يوم حساب، يتذكر بزحمة الطواف والرمي زحام الناس يوم يقوم الناس لرب العالمين، يتذكر وهو يشعر بحرارة الشمس في مكة، يوم تدنو الشمس من الخلائق قدر ميل، يتذكر بالتعب والعرق حال الناس مع العرق يوم القيامة؛ فمنهم من يلجمه العرق إلجاما، وهكذا تبقى هذه الذكريات في نفس الحاج لتعينه على السير إلى الله بقية عمره، فالحج محطة يتزود منها المسلم زاده في طريقه إلى الله، فذكر الموت وما بعده تجعل النفس تفيض شوقًا إلى الله، وينشط للعمل الصالح، ويرجو الله رغبة ورهبة، ومثل هذه المعاني هي طوق النجاة من الإغراق في الترف والمباهاة، فقد أفسد ذكر الموت على أهل النعيم نعيمهم .

8- من فوائد الحج اليقين بأن الباطل كان زهوقًا:وأن الباطل مهما انتفش فش، وإن طال الطريق، واشتد المكر. وفي الحج يكون الشيطان وأعوانه أصغر وأحقر، فيغتاظ أعداء الله، ويرجعون خاسئين ناكصين على أعقابهم مذمومين مدحورين، أليس يغيظ الكفار حينما يرون جموع هذه الأمة وقد استسلمت لربها، وأطاعت نبيها، واجتمعت كلماتها؟.

يقول أحد النصارى:سيظل الإسلام صخرة عاتية تتحطم عليها سفن التبشير المسيحي مادام للإسلام هذه الدعائم: القرآن، واجتماع الجمعة الاسبوعي، ومؤتمر الحج السنوي.

 هؤلاء أعوان الشيطان، أما الشيطان فقد روي عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ eقَالَ: ((مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ)قِيلَ:وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:( أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ)). هكذا حال الشيطان وأعوانه من الخسة والحقارة في موسم الحج، ويوم القيامة يتبرأ الشيطان من أعوانه فيقول لهم: )إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ(.

9- ومن اليقين بانهزام الباطل وضعف أهله، إلى اليقين بالتمكين ونصرة هذا الدين، وهذه فائدة أخرى من فوائد الحج: لكنه يحتاج للرجال المخلصين،وهمة الصادقين،ولن أطيل لكن فقط تأمل، وقارن بين موقفين متباينين وحالين مختلفين تمامًا،وتنبه لهما جيدًا .

الموقف الأول:رجل وحيد ليس معه إلا النفر اليسير، طريد شريد مهدد، يرتكب معه صنوف من الأذى في نفسه في أهله في أتباعه ولاحول له ولا قوة، ثم يأتي ما هو أشد من ذلك وأشق إذ يضطر للخروج من بلده، فيخرج  من مكة مكرهًا ويترك مراتع الصبى وملاعب الطفولة فيودعها في ألم وحسرة قائلا: ((وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ)).

الموقف الثاني: مع الرجل نفسه:معهeوبعد سنوات قليلة لاتكاد تذكر ولا تمثل شيئا في عمر الزمن، يعود هذا الرجل نفسه الى هذا البلد الحرام قويًّا عزيزًا مكبرًا مهللا عالي الهامة مرفوع الرأس، يعود ليحج إلى هذا البيت الذي كان يطوف بخفية أو في جو من الخوف والحذر، يعود بما يقارب مائة وعشرين ألفاً من المؤمنين، كلهم يشهد أن لا اله الا الله وأن محمداً رسول الله، كل منهم يتمنى أن يقدم رقبته رخيصةً في سبيل الذب عن هذا الدين،وفداءً عن هذا النبي الأمين .

هل قارنتم بين هذين الموقفين ؟! أليست هذه عجيبة من العجائب؟! ولطيفة من اللطائف؟! جديرة بأن يتأملها المؤمنون وخاصة الدعاة إلى الله عز وجل؟! هذه المعجزة الربانية تلك  هي القدرة الإلهية.انظر يا رعاك الله كيف أعز الله جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، وصدق الله: )إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ(.

10- واليقين يحتاج إلى صبر،وهذه فائدة أخرى من فوائد الحج: الصبر وتربية النفوس، وحبسها عن شهواتها، وتعويدها على تحمل الشدائد؛ ففي الإحرام ومحظوراته ترك للزينة والشهوة، وتغطية الجسد بقطعتين من القماش، أليس لك بهذا عبرة، إنك تضيق برائحة العرق وطول الأظافر وشعث شعر الرأس لمجرد أيام، إنك تُحرم من الروائح الطيبة، ومن شهوة الفرج، كل ذلك لأيام معدودة، تركتها لأجل من؟ من أجل الله، هي حلال بل تؤجر عند القيام بها في غير الحج، أليس الذي أمرك بترك الحلال في الحج هو الذي أمرك بترك الحرام في حياتك، وهو نجس ضار؟ فيا سبحان الله لماذا تصبر وتستجيب هنا، ولا تصبر هناك؟! إن في مناسك الحج وأحكامه تربيةً للنفس، وصبراً لها عن شهواتها، وفيه أيضا تربية للنفس على التحمل والصبر على الشدائد من مفارقة للأهل والأولاد وترك لألوان الرفاهية والترف .

11-من فوائد الحج التوكل على الله،حق التوكل: ويكفي في هذا، موقف هذه المرأة المسلمة الصادقة في توكلها وثقتها بربها، فإن إبراهيم عليه السلام ترك (هاجر) بوادٍ غير ذي زرع وحيدة مع رضيعها، معها جراب في تمر وسقاء فيه ماء تقول لإبراهيم عليه السلام : أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنس ولا شيء ؟؟! أعادت عليه السؤال مرارًا وهو لا يلتفت إليها، فقالت:يا إبراهيم آلله أمرك بهذا؟ فقال عليه السلام :نعم . فقالت "هاجر" كلمتها الرائعة ،المليئة ثقة بالله، وتوكلا صادقاً عليه،قالت:" إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا". الله أكبر، أسمعتم يا أهل الإيمان ؟ أسمعت يا أمة الرحمن؟ هاجر عليها السلام، تضرب أروع الأمثلة في صدق الإيمان، والرضا بالقضاء، إنها المرأة المسلمة متى استقر الإيمان في سويداء القلب؟! فآهٍ لو عقلت المرأة المسلمة دورها ؟! وقامت بواجبها، وهل السعي بين الصفا والمروة  بعد فضل الله تعالى إلا حسنة من حسنات هاجر عليها السلام، وهل ماء زمزم إلا بفيض من إيمان هاجر ودعائها، بل وإلحاحها لتروي عطشها وعطش غلامها .

12- من فوائد الحج تربية النفس على مكارم الأخلاق: وتعويدها على جميل الطباع، والترقي بها في مراقي الكمال، فالحج تربية على الترفع من الشهوات، تربية على حسن التعامل، تربية على التجرد لله، تربية على تقوى الله وحسن مراقبته، تربية على الجدية في العمل، ولذلك قال e: ((مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)). فالشرط لغفران الذنوب هو عدم الرفث وعدم الفسوق، وقبل ذلك كله تأمل قول الله تعالى وهو يرسم للمؤمنين المنهج القويم لتربية النفوس، ويبين لهم الآداب والمعاني التي يجب أن تتمثل في حجهم قال: )الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجّ ِ(، نعم حسن الخلق وخدمة الآخرين، والصبر والتحمل، وضبط النفس واللسان، خاصة في أوقات الزحام،كلها آداب شرعية، والحج دورة تدريبية لتحصيل هذه الآداب، فلا يَظهر الصبر والتحمل وحسن الخلق والإيثار إلا بمثل هذه المناسبات، وكما قيل: السفر يسفر عن أخلاق الرجال. واسمع لهذا الموقف: ففي سيرة سالم بن عبد الله أن رجلا زاحمه في منى فالتفت الرجل إلى سالم ـ وسالم علامة التابعين ـ قال له الرجل: ((إني لأظنك رجل سوء !)). فبماذا أجاب سالم t،قال: ((والله ما عرفني إلا أنت!!)). الله أكبر، هكذا آثار العبادة والصلاح على الصالحين المخلصين،  هكذا الصبر الجميل، هكذا الصبر وتحمل أذى الآخرين . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

قراءة 27 مرة

أضف تعليق


كود امني
تحديث