كلمة الإمام الخامنئي في مناسبة ولادة أمير المؤمنين (ع) وذكرى استشهاد الحاج قاسم سليماني

قيم هذا المقال
(0 صوت)
كلمة الإمام الخامنئي في مناسبة ولادة أمير المؤمنين (ع) وذكرى استشهاد الحاج قاسم سليماني

بسم الله الرحمن الرحيم،

والحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين، [ولا] سيما بقية الله في الأرضين.

يصادف اليوم ذكرى ميلادٍ منقطع النظير؛ فهو فريدٌ من حيث المَولِد، وفريدٌ من حيث المَولود؛ المَولِد والمَولود معاً. أما المَولِد، فهو الكعبة؛ فمن ذا الذي نعرفه في التاريخ قد وُلد في بيت الله، في الكعبة؟ وأما المَولود، فهو عليٌّ المرتضى (سلام الله عليه)، الذي سأعرض لذكره بضع جملٍ لاحقاً. بناءً على ذلك يُعدّ يوم الثالث عشر من رجب يوماً استثنائياً وفريداً من حيث ولادة هذا العظيم. كذلك، اليوم ذكرى شهيدنا العزيز رفيع القدر، الشهيد سليماني. لقد قيل كثير، ولله الحمد، وكُتب كثير عن الشهيد سليماني. إذا أردتُ أن أتحدّث بكلمةً عن هذا الشهيد العزيز، الذي عاينتُ حياته وعمله من كثب، فيجدر بي القول: كان سليماني رجلَ الإيمان والإخلاص والعمل؛ هذه الخصائص الثلاث. كان رجلَ الإيمان، أي كان يؤمن بالعمل الذي يؤديه، ويؤمن بالهدف الذي كان يسعى من أجله من أعماق قلبه، وكان يؤمن بالله وبالعون الإلهي؛ كان رجلَ الإيمان. كان رجلَ الإخلاص؛ فلم يكن يعمل طلباً للشهرة أو للمدح أو لاكتساب مكانة بين الناس. كان يجتهد ويعمل مخلصاً لله تعالى، مخلصاً للهدف. كان رجلَ العمل؛ فبعض الناس صالحون جداً ويملكون مستوى عالياً من الفهم، ولكن ما يُلاحظ منهم ليس عملًا، أي النهج الذي يرسمونه لأنفسهم في أذهانهم وعلى ألسنتهم وأفعالهم، لا أثر له [عمليًّا]. لكن الشهيد سليماني كان من أهل العمل؛ كان حاضراً حيثما استشعر ضرورة وجوده؛ سواء في حفظ حركة الثورة الإسلاميّة في كرمان وتوجيهها، أو في التصدي للمعتدين الظالمين والجائرين في تلك المنطقة، أو في قوة القدس، أو في الدفاع عن المقدسات، أو في مواجهة «داعش». لقد كان رجل العمل؛ في الميدان العسكري، والسياسي، والتربوي على حد سواء. لم يقتصر عمله على الشأن العسكري، فنحن نعرفه بصفته عسكرياً، ولكن الشهيد سليماني كان عاملًا مؤثراً ومفيداً في أكثر قضايا المنطقة السياسية حساسية وأهمية، وفي حالاتٍ كثيرة كان دوره فريداً لا بديل له. كما كان رجل العمل في الشأن التّربوي أيضاً؛ فمن يعملون تحت إمرته والشباب الذين كانوا يلتحقون به وأولئك الذين كانوا يقاتلون معه، كانوا يستلهمون منه الدروس؛ فقد كان يربي هؤلاء. لقد كان إنساناً جامعًا وكاملاً في زماننا.

قبل أيامٍ قليلة، نطق أولئك، الذين ما يزالون مدينين لدمائه، بترّهاتٍ وأباطيل بحقّه،[1] ولكن الشهيد سليماني -بعمله، وبإقدامه، وطوال حياته المباركة- قد دحض مزاعمهم. بحمد الله، ورغماً عن أنوف الأعداء، يزداد في كل عام قداسةً وتكريماً عما كان عليه في العام الذي سبقه. انظروا هذا العام – حسبما شاهدتُ في التلفاز – إلى ذلك الحشد العظيم من الناس الذين يتوافدون من مسافات بعيدة، وأحياناً من بلدان أخرى، إذ يسيرون ويتحركون لزيارة مرقد هذا الرجل؛ رجل الإيمان، ورجل الإخلاص، ورجل العمل.

اليوم، وإلى جانب الشهيد سليماني، يبرز ذكرُ شهداءَ أعزاءَ آخرين في هذا المحفل؛ حيث تحضر عائلات بعض هؤلاء الشهداء؛ سواء منهم شهداء الميدان العسكري، أو شهداء الميدان العلمي، أو آحاد أبناء شعبنا العزيز الذين التحقوا بركب الشهداء في هذه الحرب التي استمرت اثني عشر يوماً. أولئك الذين كنا نعرفهم من كثب، في وسعنا أن نشهد بأن حياتهم كانت جهاداً من أقصاها إلى أقصاها؛ فكانوا لا يفكرون إلا بالجهاد. لم يكن لديهم أدنى تردد أو توقف في سبيل الله، بل كانوا يعملون، وكانت الشهادة أمنيتهم؛ كانت الشهادة هي المنى. سواء شهداء المجال العسكري أو العلمي - وقد كنتُ أعرف بعض هؤلاء العلماء من قرب - فقد كانوا عشاقاً للشهادة، يرتقبون نيلها. إن هذا اللقاء هو مجلسُ تجليل وتكريم وتعظيم لهؤلاء الشهداء الأعزاء الذين ستبقى أسماؤهم خالدة في التاريخ، وعلينا النّهل من أسمائهم المباركة لمواصلة الحركة في التاريخ.

أما الموضوعات التي أودّ طرحها اليوم، فأريد أن أعرض عليكم موضوعين أو ثلاثة باختصار؛ أحدها حديثٌ مقتضب في رحاب أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام)؛ والآخر حديثٌ عن عاملٍ مؤثر في المواجهة بين الحق والباطل ينبغي لكم الالتفات إليه، سواء ما كان منه في عهد أمير المؤمنين (ع) أو ما هو قائمٌ اليوم؛ والثالث نظرةٌ إلى الأحداث الأخيرة في الأسبوع الماضي وتجمّعات شعبنا، إذ سأتحدّث بعبارة عن هذا الشأن أيضاً.

في ما يرتبط بأمير المؤمنين، فإن ما قيل وكُتب في التاريخ والأدب والحديث من الضخامة والوفرة إذ لا أظن أنه قد قيل هذا القدر من الكلام أو سُطر هذا المديح في حق أي شخص آخر؛ حتى من غير المسلمين، ومن غير الشيعة، فقد ألف كبار العلماء والجهات كتباً؛ فشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد سِفرٌ ضخم بمجلدات عدة، وشروح نهج البلاغة وشروح كلمات ذلك العظيم وشروح عهده لمالك الأشتر وسيرته في التاريخ والأدب بلغت من الكثرة حداً لا يمكن معه العثور له على نظير. حسنًا، من بين هذه الخصال جميعها المنسوبة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، اخترت خصلتين يتربع أمير المؤمنين (ع) على قمتيهما ونحن اليوم بحاجة إليهما، لأتحدث عنهما بكلمات موجزة: الأولى هي أن أمير المؤمنين (ع) في ذروة «العدالة»؛ والأخرى هي أن أمير المؤمنين (ع) في ذروة «التقوى»؛ العدالة والتقوى.

الجمهورية الإسلامية بحاجة اليوم إلى العدالة وهي بحاجة إلى التقوى؛ والجمهورية الإسلامية اليوم، وبالمقارنة مع الماضي، قد أحرزت تقدماً في كل من العدالة والتقوى، ولكننا لا نزال بعيدين عما هو مأمول ومُتوقع. يجب أن نتخذ من أمير المؤمنين (ع) أسوة لأنفسنا، وأن نتحرك في هذا المسار نحو تلك القمة.

قمّة «العدالة» التي قلنا إن أمير المؤمنين (ع) يتربع عليها وهي أعلى مراتب العدالة؛ كيف كان أمير المؤمنين يطبقها؟ لقد كان يطبقها بأساليب متنوعة؛ تارةً بالأيدي الحانية، عبر خدمة الضعفاء والأيتام والعائلات التي لا معيل لها؛ هكذا كان يطبق العدالة أحياناً. تارةً أخرى كان يطبقها بـ«ذو الفقار»؛ أي في النقطة المقابلة، بذلك السيف القاطع ذي الحدّين، إذ لم يُمدح سلاحٌ على مرّ التاريخ بقدر ما مُدح ذو الفقار. تارةً باللسان البليغ والحكمة؛ بعبارات تتجاوز آفاق الأدب العربي، كما في نهج البلاغة. هكذا [يبين] العدالة؛ فيكتب لعماله وولاته رسائل هي دروسٌ في العدالة. أي حين ينظر المرء، يجد حقاً أن كتاب أمير المؤمنين إلى مالكالأشتر[2] - الذي هو أمر تولّيه الحكم، إذ يُطلق عليه خطأً «العهد»، بينما هو ليس عهداً بل هو أمر، أمرٌ بالحكم - مفعمٌ بالمفاهيم التي تعود غالبيتها إلى العدالة، وتجعل المجتمع مجتمعاً عادلاً؛ هكذا كان يمضي بالعدالة أيضاً. أي باللين تارة، وبالصلابة الإلهية والغيرة الدينية تارة أخرى، وبالبيان البليغ والحكمة والتبيين. إن مصدر «جهاد التبيين» هذا هو أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام).

أمّا التقوى؛ فكيف كان يمارسها؟ كان يمارس التقوى تارةً في محراب العبادة؛ تلك العبادات التي كانت الملائكة تغبطه عليها؛ أي إن عبادة أمير المؤمنين (ع) وصلاته وتضرّعه ومناجاته لله كانت تثير حيرة الملائكة. تارةً أخرى كان يمارس التقوى بالصبر والسكوت صوناً لوحدة المسلمين؛ وهذا أيضاً أحد المصاديق المهمة لتقوى أمير المؤمنين (ع). حين يكون هناك حقٌّ عائدٌ له ومرتبطٌ به، ثم يُسلب منه هذا الحق، ويصبح في إمكانه انتزاعه بالسيف، ولكن حدوث الاختلاف بين المسلمين سيكون هو الثمن؛ فإنه يصبر ويسكت ويتعاون لئلا يحدث ذلك الاختلاف. يُقال أحياناً إن أمير المؤمنين (ع) اعتزل في بيته خمسة وعشرين عاماً؛ كلا، لم يعتزل أمير المؤمنين (ع) في بيته، بل كان حاضراً في الساحة وفي الميدان، يأمر ويوجّه، ويرشد خلفاء وقته والناس. أي إنه كان يُظهر تقواه بالصبر والصّمت؛ هذه هي التقوى.

هذه هي التقوى؛ أن يرى الإنسان حقاً له يُسلب، ولكنه يصمت من أجل مصلحةٍ أسمى وأكبر. نحن لا نطيق الصمت؛ فإذا سُلب منا حقٌّ، ظننا أن الدنيا قد قامت ولم تقعد، ولا نراعي المصالح؛ أما ذلك العظيم، فكان يراعيها. في مواضع أخرى، تجلت تقواه (عليه السلام) في فداء نفسه أمام الأحداث الجسام، كما في «ليلة المبيت»؛ لقد كانت تلك تقوى؛ إذ ذهب ونام في فراش النبي (ص)، في وقتٍ كان فيه من المفترض طبيعياً أن يفقد حياته في تلك الليلة. في «أُحُد» أظهر التقوى فثبت؛ وفي «حُنين» أظهر التقوى وثبت؛ وفي «خيبر» أظهر التقوى فأذلّ العدو؛ وفي غالبية غزوات النبي (ص) كان هو السبّاق والمقدام؛ [ذلك كله] كان تقوى. التقوى ليست في محراب العبادة فحسب؛ بل في ميدان الحرب أيضاً ثمة تقوى هي التي تُثبّت الإنسان وتحفظه وتمضي به قدماً؛ لذا كان (عليه السلام) يتصدّى للعدو.

هاتان هما السمتان؛ عدالةُ أمير المؤمنين وتقواه. نحن نحتاج اليوم في بلدنا ومجتمعنا إلى العدالة وكذلك إلى التقوى. نحتاج تقوى الناس كافةً، وبخاصةٍ تقوى مسؤولي البلاد؛ ويجب أن يتحقق ذلك تحقّقاً تامّاً. بحمد الله، يجد المرء من يعملون بتقوى في حالات كثيرة ومواضع متعدّدة، ولكن يجب أن يصبح هذا النهج عاماً وشاملاً. هذا الإمامُ الذي نتشوّق لاسمه وذكره، ونذكر اسمه على ألستنا ونلهج بمدحه، هو إنسانٌ من هذا الطراز؛ ذاك سلوكُه في العدالة، وذاك سلوكُه في التقوى.

لم تُتح للشيعة طوال هذه الألف عام ونيّف الفرصة لتطبيق عدالة أمير المؤمنين في المجتمع؛ لأنهم لم يمتلكوا حكومة. أمّا اليوم، فلم تعد هذه الذريعة قائمة؛ اليوم لا يوجد أيّ عذر. اليوم الحكومة هي حكومة إسلامية، حكومة علوية، حكومة ولائية. اليوم علينا أن نسعى وراء العدالة. العدالة هي أوجب السمات وأولاها لإدارة المجتمع التي يجب أن تسعوا إليها. طبعًا، ثمّة عوامل تقف حائلًا دون تقوانا؛ فأحيانًا يراودنا الخوف، وأحيانًا يداخلنا الشكّ في مبادئنا، وأحيانًا نراعي المحسوبيات والصداقات، وأحيانًا نراعي العدو؛ هذه الأمور كلّها يجب أن تُنحّى جانبًا، وينبغي ألا تكون. لا بُدّ من المضيّ قُدمًا - من دون مراعاة غير مبرّرة - نحو البرنامج الذي يحقّق العدالة وذاك الذي ينشر التقوى. حسنًا، كان هذا في ما يتعلّق بأمير المؤمنين.

 

لقد ذكرتُ أنّ هناك نقطةً في ما يتعلّق بأمير المؤمنين (عليه السلام) ينبغي اليوم أيضًا أن تحظى بالاهتمام في مجتمعنا وفي حكومتنا وفي النظام الإسلامي؛ وهذه النقطة هي أنّ أمير المؤمنين لم يُغلَب في أيّ مواجهة عسكرية، إطلاقًا. كان فاتحًا وغالبًا في كلّ موضع. حتى في أُحُد؛ ففي أُحُد فرّ الآخرون، ولكنّ أمير المؤمنين (ع) غلب. لقد عوّضت شجاعته وثباته، ومعه واحد أو اثنان ممّن كانوا حول النبي الأكرم (ص)، ذلك الهروب الذي ابتُلي به الضعفاء. أي إنّ أمير المؤمنين (ع) انتصر في الغزوات جميعها - كما حدث نظير ذلك في حُنين أيضًا وفي مواضع أخرى - انتصر في الغزوات كلّها. في مدة الخلافة حدثت ثلاث حروب، وفي الحروب الثلاث كان أمير المؤمنين (ع) منتصرًا. في صفّين أيضًا كان منتصرًا؛ إذ لم يكن قد بقيَ في صفّين سوى خطوة واحدة لتغيير مسار التاريخ، ولو تمكّن مالك الأشتر من الوصول إلى تلك النقطة - لقد كان على وشك الوصول - لتغيّر التاريخ، ولكنّه عاد بأمر أمير المؤمنين (ع). تلك المشكلة التي كانت قائمةً آنذاك موجودةٌ اليوم أيضًا، وهي أنّ أميرَ المؤمنين (ع)، هذا الذي لم يُغلَب في أيّ مواجهةٍ عسكرية، تمكّنوا في مواضع كثيرة من منعه من بلوغ هدفه. أي إنّهم وجدوا سبيلًا لذلك، وهذا السبيل نسمّيه اليوم «الحرب الناعمة»، الحرب الناعمة. بعض الأشخاص يظنّ أنّ الحوادث من هذا النوع - هذه الاتهامات وهذه الخِدع وهذه الخباثات وهذه الاختراقات - هي أمورٌ تخصّ زماننا فقط؛ لا، ففي زمن أمير المؤمنين (ع) أيضًا كانت هذه الأمور هي العوامل المؤثّرة. الأمر بيد الناس، ووليّ الله لا يمكنه أن يفعل شيئًا من دون مساعدة الناس؛ {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} (الأنفال، 62).

لم يكن أمام العدوّ، في مواجهة شجاعة أمير المؤمنين وقوّته وإرادته الفولاذيّة، سبيل سوى أن يلجأ إلى خداع البيئة المحيطة بأمير المؤمنين؛ وهو ما حدث في حرب صفّين عبر رفع المصاحف على أسنّة الرماح؛ ثمّ حدث بعد ذلك، وفي زمن الإمام الحسن كذلك؛ هذه هي «الحرب الناعمة». ما هي الحرب الناعمة؟ هي أن يُضلِّلوا الناس بالخداع وبالكذب وبالافتراء وبالإغواء وبالاستدلالات المغالِطة، فيجعلونهم مرتابين تجاه الطريق الذي يسيرون فيه، ويزرعوا الشكّ في نفوسهم. هذه هي الحرب الناعمة. هذه الحرب اليوم جارية، فاليوم أيضًا يُمارَس هذا العمل. إن الهدف من الحرب الناعمة هو سلب الناس دوافعهم؛ فأولئك الحاضرون في الميدان والمستعدون للبذل والعمل، يدخل [الأعداء] لمواجهتهم بأدوات الحرب الناعمة من أجل سلب دوافعهم، وإحباطهم وتيئيسهم وإيقاعهم في الشك والريبة. لقد فعلوا ذلك في ذلك الزمان، في عهد أمير المؤمنين (ع)، وهو أمرٌ وردت تفاصيله في التاريخ بدقة؛ فقد كان بعض الأشخاص يذهبون إلى المدن والقرى ويهاجمون الناس ويظلمونهم، ثم يروج شخص ما شائعة بأن هؤلاء يرسلهم علي (ع)؛ فكانوا يجعلون الناس في شكّ وريبة. اليوم أيضاً، يُمارس هذا الأمر ذاته تمامًا. لقد أثبت الشعب الإيراني اليوم أنه يقف بصلابة في الميادين الصعبة حيثما تبرز الحاجة إلى وجوده، وهذا هو دأب الشعب الإيراني، ولا يقتصر الأمر على فئة أو جماعة خاصة. حيثما لزم الوقوف يقف، وحيثما وجبت المساعدة يساعد، وحيثما تعيّن إطلاق الشعارات يطلقها، وحيثما وجب إحباط العدو المواجه له فإنه يفعل ذلك. هذه الدوافع تقلق العدو، لذا يحاولون إضعاف هذه الدوافع وزعزعتها لدى الناس بمختلف الذرائع.

إن إحدى أدوات الحرب الناعمة اليوم لدى العدو، ولدى بعض الأشخاص غير الصالحين أو الغافلين، تتمثل في تجاهل مكتسبات هذا الشعب ومقدراته وقدراته، وإنكار إمكاناته. هذا الشعب شعبٌ عظيم، وهو قادر على العمل، وهو يعمل بالفعل؛ إنه يعمل اليوم. إذا غفل شعبٌ عن مقدراته، ولم يرَ قدراته، ولم يؤمن بتقدمه، فسيُذلّ. عندما يُذلّ الشعب ويرى نفسه صغيرًا، سيصبح مستعدًا للاستسلام أمام العدو. هذه هي الحيلة التي يسعى الأعداء وراءها وينفذونها.

إنّ الشاب النخبوي اليوم، الشاب النخبوي الكفؤ، يُطلق في يوم واحد ثلاثة أقمار اصطناعية إلى الفضاء؛[3] وهذا ليس بالأمر الهيّن، بل هو أمر عظيم جداً. الشاب النخبوي اليوم، يضيف في بضعة أشهر أربعة آلاف ميغاواط إلى قدرة الكهرباء في البلاد، معززاً بذلك شبكتها الوطنيّة. لقد أدهش الشاب النخبوي اليوم العالم في مختلف العلوم، في مجال الجو-فضاء، وفي التكنولوجيا الحيوية، وفي العلاج والطب، وفي النانو، وفي صناعة الصواريخ والصناعات العسكرية، وذلك كله في زمن الحظر. هذه ثروات فريدة، وتجب رؤيتها، فنحن نمتلكها. لعلّي ذكرت هذا مرّة أو مرّتين في كلماتي؛[4] قبل بضع سنوات من الآن، أنّ أحد علماء[5] الصواريخ الصهاينة أعلن بنفسه وقال: عندما كانوا يجرّبون [إطلاق] ذلك الصاروخ الإيراني، ورأيتُ [مشاهده] حين كانت تُبَثّ، رفعتُ قبعتي احترامًا لذلك الذي صنعه، وأبديتُ له الاحترام؛ لأنّه استطاع، في ظلّ الحظر وفي زمن الحظر، أن ينجز مثل هذا العمل الكبير. تُنجَز اليوم أعمال كبيرة في الصناعات الدفاعيّة، وفي أساليب العلاج الطبّي؛ العدوّ يتكتّم على هذه الأمور، وبعضهم للأسف في الداخل يتكتّم عليها أيضًا. في الداخل، للأسف، يتكتّم بعضهم على أنواع التقدّم هذه والإنجازات الكبيرة هذه، ولا يُطلعون الناس عليها. ثمة أعمال كبيرة تُنجَز في البلاد، والبلاد تتقدّم.

إن العامل الذي يدفع العدو - وفي مواجهته الشعب الإيراني – إلى المطالبة أولًا بوقف الحرب العسكرية، ثم يبعث برسالة يقول فيها: إنني لا أريد أن أقاتلكم؟ العدو خبيث بطبيعة الحال مخادع وكذاب، ونحن لا نثق بكلامه؛ فما هو العامل الذي يدفعه إلى ذلك؟ إنه قوة الشعب الإيراني، إنها قدرة الشباب الإيرانيين. لقد سمعتُ بشأن هؤلاء الذين أطلقوا هذه الأقمار الاصطناعية إلى الفضاء في الأسبوع الماضي، هؤلاء الشباب الذين أطلقوا ثلاثة أقمار اصطناعية في يوم واحد واستقرت في الفضاء، أي لقد نُقِل إليّ أن متوسط أعمارهم هو 26 عاماً. هذه ثروات عظيمة؛ فثروة الموارد البشرية ليست بالثروة الهيّنة. في المقابل، يجلس ذلك الأمريكي[6] الذي يتفوّه بالترّهات ليتحدث عن الشعب الإيراني، فيكيل الإساءات تارة ويقدّم الوعود تارة أخرى؛ وعود كاذبة! وخداع! اليوم ولحسن الحظ، لقد عرف الشعب الإيراني أمريكا، فقد كان هناك زمن لم يكن يعرفها فيه، أما اليوم، فقد سقط قناع الزيف وانفضحت أمريكا في العالم؛ الجميع باتوا يعرفونها، وهذا الأمر لا يقتصر على إيران فحسب. لقد عرف الناس العدو، وهذا نجاح كبير جدًا.

لقد كنا نصرّ كثيرًا على تقديم الأدلة والبراهين للناس، ولكن الناس شاهدوا ذلك بأنفسهم في حرب الاثني عشر يومًا. أولئك الذين كانوا يقولون إن حل مشكلات البلاد يكمن في التفاوض مع أمريكا، رأوا ما الذي حدث؛ ففي خضم التفاوض مع أمريكا، وبينما كانت الحكومة الإيرانية منشغلة بالتفاوض، كانت الإدارة الأمريكية منشغلة خلف الكواليس بإعداد خطة الحرب. إن الناس يقظون وواعون.

لذلك يجب أن نكون يقظين من الحرب الناعمة، يقظين من التشكيك الذي يزرعه العدوّ، ويقظين من الشائعات التي يروّجها. هذه الأموال التي تُنفق - ملياراتٌ تُنفق - على هذا التلفزيون أو تلك الإذاعة أو هذا المركز الإعلامي وما إلى ذلك، والتي تنشر باستمرار أخبارًا كاذبة ومعادية لإيران، ليست بلا سبب؛ بل هي قائمة على استدلال مهمّ جداً؛ يريدون إضعاف الداخل. لقد رأوا أنّ وحدة الشعب في حرب الاثني عشر يومًا كانت تصنع المعجزات، لذا يريدون العبث بهذه الوحدة. على الشعب الإيراني أن يكون يقظًا. أهم مسألة هي الانتباه إلى عداء العدوّ وإلى التلاحم والوحدة الداخليّة؛ {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} (الفتح، 29).

حسنًا، سأقول بضع جمل أيضًا بشأن تلك التجمعات التي حدثت الأسبوع المنصرم. أولًا، تُعدّ فئة السوق والتجّار من أكثر فئات البلاد وفاءً للنظام الإسلامي وللثورة الإسلامية. نحن نعرف السوق جيداً، فلا يمكن لأحد أن يواجه الجمهورية الإسلامية أو النظام الإسلامي باسم السوق والتجّار. نعم، كانت هذه التجمّعات في معظمها من التجّار، ولكن كلامهم كان كلامًا صحيحًا. لقد سمعت كلامهم في التلفزيون، ورأيته أيضًا في الحسابات وفي مجريات العمل. عندما ينظر التاجر إلى الوضع النقدي في البلاد، وإلى تراجع قيمة العملة الوطنية، تَقلُّب سعر العملة الوطنية والعملات الأجنبية، بما يؤدّي إلى زعزعة الاستقرار في بيئة الأعمال، فيقول: لا أستطيع أن أزاول تجارتي؛ فهو صادق في ذلك. هذا الأمر يعترف به مسؤولو البلاد، وأنا أعلم أنّ رئيس الجمهورية المحترم وسائر المسؤولين الكبار في الدولة يسعون إلى معالجة هذه المشكلة. هذه مشكلة حقيقية، ولكنّ يد العدو حاضرة فيها أيضًا، وهذا ما أردت أن أبيّنه لكم. إنّ هذا الارتفاع في أسعار العملات الأجنبية، والصعود المتفلّت للعملات الأجنبية وتَقلُّبها، إذ ترتفع وتنخفض باستمرار فلا يعرف التاجر ما العمل، هو أمر غير طبيعي، وهو من فعل العدو. طبعًا، يجب التصدّي له، وهم يعملون على ذلك عبر تدابير متنوّعة؛ فالرئيس، وكذلك رؤساء السلطات الأخرى وبعض المسؤولين الآخرين، يبذلون جهودًا لكي يُعالج هذا الأمر. وعليه، إنّ احتجاج التجّار كان على هذه المسألة، وهذه مسألة محقّة وصحيحة. لكن المهمّ هو أنّ بعض الأشخاص المحرِّضين، بعض مرتزقة العدو، يتستّرون خلف التجار، ويرفعون شعارات ضد الإسلام، وضد إيران، وضد الجمهورية الإسلامية. هذا هو المهم في الأمر. الاعتراض حقٌّ مشروع، ولكنّ الاعتراض شيء، والشغب شيء آخر. نحن نتحدّث مع المحتجّين، وعلى المسؤولين أن يتحاوروا مع المحتجّين؛ أمّا الحديث مع مثيري الشّغب، فلا جدوى منه. يجب وضع حدّ لمثيري الشّغب.

إنّ وقوف بعض الأشخاص، تحت عناوين مختلفة وأسماء متنوّعة، وبنيّة التخريب وبقصد زعزعة أمن البلاد، خلف التجّار المؤمنين والطيّبين والثوريّين، ثم استغلال اعتراضاتهم لإثارة الشغب هو أمر غير مقبول بتاتًا، إطلاقاً. ينبغي معرفة كيفيّة عمل العدو؛ فالعدو لا يهدأ، ويتحيّن كلّ فرصة. لقد رأوا هنا فرصةً فحاولوا استغلالها. على كلّ حال، مسؤولونا كانوا في الميدان وسيبقون؛ ولكنّ الأهم هو الشعب. المهمّ هو تلك الأمور نفسها التي صنعت سليماني: الإيمان والإخلاص والعمل. المهمّ ألّا يكون الإنسان غير مبالٍ بالحرب الناعمة للعدو، وألّا يكون غير مبالٍ حيال إشاعات العدو. هذه هي الأمور المهمّة. المهمّ أنّه عندما يشعر الإنسان بأنّ العدو، يسعى إلى فرض أمرٍ على البلاد وعلى المسؤولين وعلى الحكومة وعلى الشعب بمنطق الغطرسة، فعليه أن يقف بوجه العدوّ بمنتهى القوّة، ويتصدّى له. نحن لا نتراجع أمام العدو؛ وبالاتّكال على الله المتعالي، والاعتماد عليه، والثّقة بمؤازرة الشعب، سنُركّع العدوّ، بعون الله وتوفيقه.

نرجو أن يحشر الله المتعالي شهداءنا الأعزاء مع أوليائه، وأن يحفظ شبابنا؛ وأن يوفقكم أعزائي، إن شاء الله، للاستفادة من بركات مولد أمير المؤمنين، وأن ينزل الله المتعالي الصبر والسلوان والسكينة والطمأنينة على قلوب عائلات الشهداء.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 


[1] إشارة إلى تصريحات دونالد ترامب (رئيس الولايات المتحدة الأمريكيّة) عقب لقائه بنيامين نتنياهو (رئيس وزراء الكيان الصهيوني)، التي كرر فيها مزاعمه السابقة عن الشهيد سليماني بأنه كان وراء مقتل جنود أمريكيين.

[2] نهج البلاغة، الرسالة 53.

[3] في إشارة إلى إطلاق ثلاثة أقمار اصطناعية إيرانية «بايا»، «ظفر 2» و«كوثر» إلى الفضاء في 28/12/2025.

[4] من جملتها، كلمته في لقاء التعبويين المشاركين في مؤتمر «خدمة التعبويين»، 4/10/2018.

[5] عوزي روبين (المدير السابق للبرنامج الصاروخي التابع للكيان الصهيوني).

[6] دونالد ترامب (رئيس الولايات المتحدة الأمريكية).

قراءة 10 مرة