حرب أميركا القادمة.. أين؟ ومتى؟

قيم هذا المقال
(0 صوت)
حرب أميركا القادمة.. أين؟ ومتى؟

محمد المنشاوي

منذ تأسيسها بوصفها دولة جديدة مستقلة في الرابع من يوليو/تموز 1776، لم تتوقف الولايات المتحدة عن خوض الحروب والقتال في معارك بصورة لا تكاد تتوقف في مختلف أقاليم العالم.

حصلت أميركا على استقلالها عن بريطانيا بعد حرب معها انتهت رسميا عام 1783، ثم عادت الدولة الوليدة للتوسع لتضمّ أقاليم في الشرق والشمال والجنوب، وفي سبيل ذلك خاضت حروبا مع بريطانيا وإسبانيا والمكسيك.

تصور كثير من منظّري السياسة الدولية أن هزيمة أميركا في فيتنام كفيلة بكبح لجام مغامراتها العسكرية في الخارج، لكن باعثا آخر كان يسود بين العسكريين الأميركيين مفاده ضرورة البحث عن حرب جديدة والانتصار فيها لإثبات حيوية القوة العسكرية الأميركية التي اهتزت كثيرا وشكك فيها العالم وكثير من الأميركيين بسبب هزيمة فيتنام.

بعد انتهاء الحرب الأهلية الأميركية عام 1865، شرعت في خوض الحروب في مختلف أقاليم العالم تحت ذريعة حماية المصالح التجارية والتجار الأميركيين، فحاربت في شرق آسيا؛ في الصين وكوريا واليابان والفلبين مرورا بليبيا والجزائر في البحر المتوسط، وانتهاء بأغلب جزر البحر الكاريبي، بخاصة كوبا وهاييتي، ثم حاربت في هندوراس ونيكاراغوا وبنما وكولومبيا، وذلك قبل دخولها الحرب العالمية الأولى رسميا عام 1917.

وعقب الحرب العالمية الثانية التي دخلتها أميركا رسميا عام 1941، لم تتوقف مغامرات أميركا وحروبها في أصقاع العالم، فشاركت في حربين كبيرتين في الشرق الأسيوي؛ الحرب الكورية (انتهت عام 1953) والحرب الفيتنامية (انتهت 1975)، ولم يتحقق لها الانتصار في الحربين على الرغم من امتلاكها قوة عسكرية ومادية لا يمكن مقارنتها بالأطراف الأخرى.

وتصور كثير من منظّري السياسة الدولية أن هزيمة أميركا في فيتنام كفيلة بكبح لجام مغامراتها العسكرية في الخارج، لكن باعثا آخر كان يسود بين العسكريين الأميركيين مفاده ضرورة البحث عن حرب جديدة والانتصار فيها لإثبات حيوية القوة العسكرية الأميركية التي اهتزت كثيرا وشكك فيها العالم وكثير من الأميركيين بسبب هزيمة فيتنام.

ودخلت أميركا في مغامرات عسكرية موحدة في كثير من الدول، منها غرينادا ولبنان وإيران وكوسوفو وهاييتي، ثم خاضت أميركا حروبا في منطقة الخليج(الفارسی) منذ تسعينيات القرن الماضي ضد العراق، ثم وقعت أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وقُتل 3 آلاف أميركي داخل الأراضي الأميركية، فما كان من الولايات المتحدة إلا بدء فاصل جديد من حروبها يختلف عما سبق، إذ كانت "الحرب الأميركية على الإرهاب" غير محددة بنطاق زمني أو حدود جغرافية، وبقيت أميركا متورطة في أفغانستان والعراق طوال عقدين من الزمان، من دون تحقيق النصر المطلوب.

وتشير دراسة عسكرية حديثة إلى أن انفتاح شهية الدولة الأميركية على الحروب منذ نشأتها أدّى إلى وجود 17 عاما فقط على مدار التاريخ الأميركي، غاب فيها تورط الجيش الأميركي في مغامرات عسكرية بالخارج.

ويمثل ذلك نسبة 7% من التاريخ الأميركي، أي إن أميركا كانت في صراعات عسكرية خارجية مدة 93% من تاريخها.

ومع تركيز كل الأنظار في الأيام الماضية على النهاية المخزية لوجود أميركا العسكري في أفغانستان، يبدو الظرف مناسبا لطرح سؤال عن حرب أميركا القادمة؛ أين؟ ومتى؟

ولا تضيع المؤسسة الدفاعية الأميركية، بشبكتها المعقدة والمخترقة لمراكز الأبحاث وكبريات الشركات التكنولوجية والعسكرية، كثيرا من جهودها من دون بحث عن حرب جديدة. ويبدو أن ضباط البنتاغون وحلفاءهم المدنيين والمتعاقدين العسكريين منشغلون بالبحث عن هدف أخر بعد انتهاء "حرب أميركا على الإرهاب" في ساحتها الأولى بأفغانستان، بعدما تم إنفاق ما يزيد على تريليوني دولار، فضلا عن مبلغ أكبر في الساحة الثانية بالعراق.

وبإلقاء نظرة سريعة على إصدارات كبريات مراكز الأبحاث المنتشرة بالعاصمة واشنطن، يظهر وجود رصيد لا بأس به يمكن من خلاله توجيه الدفة باتجاه نزاع عسكري مع إيران على خلفية التطوير المستمر في برنامجها النووي، أو الصين التي تمثل تهديدا طور التشكيل يهدد الريادة الأميركية العسكرية والتكنولوجية والمالية في آن معا، وهناك كوريا الشمالية التي يوفر برنامجها النووي ذرائع كافية لصقور البنتاغون لتسويغ شن عدوان عليها.

وعلى الرغم من ارتفاع درجة الاستقطاب في النظام السياسي الأميركي حاليا بصورة غير مسبوقة، فإن هناك قدرا لا بأس به من الإجماع على ضرورة مواجهة سياسات الصين بين الديمقراطيين والجمهوريين. ومنذ سنوات تتضمن إستراتيجيات الأمن القومي للإدارات الجمهورية والديمقراطية المتعاقبة دلائل على أن بيروقراطية الأمن القومي داخل واشنطن تتحرك بصورة منتظمة لتوفير بيئة متقبلة لفكرة مواجهة التحدي المتنامي للصين، وتدعو آخر تلك الإستراتيجيات الصادرة في مارس/آذار الماضي إلى ضرورة التأهب لمواجهة تهديدات الصين، إذ أصبحت هي المنافس الوحيد القادر على الجمع بين القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية، وتحدي القدرات الأميركية.

أنفقت الولايات المتحدة 19 تريليون دولار على جيشها منذ نهاية الحرب الباردة في بداية تسعينيات القرن الماضي، وهذا يزيد بنحو 16 تريليون دولار على إنفاق الصين، وهو يعادل تقريبا ما أنفقته بقية العالم مجتمعة خلال المدة نفسها. وتمتلك أميركا مئات القواعد العسكرية في جميع أنحاء العالم، من هندوراس إلى أستراليا واليابان والعراق وقطر إلى ألمانيا وإيطاليا، وتغطي معها جميع القارات.

ووفقا لديفيد فاين عالم الأنثروبولوجيا في الجامعة الأميركية الذي ألف كتابا عن القواعد الأميركية، فإن الولايات المتحدة لها نحو 800 قاعدة عسكرية في أكثر من 70 دولة وإقليما.

وهذا الانتشار ليس له مثيل في العالم، فقد أكد البروفيسور فين أن القوى العسكرية الكبرى الأخرى -مثل الصين وبريطانيا وفرنسا وروسيا- لديها معا 31 قاعدة أجنبية فقط، تنتشر في أنحاء العالم.

تُبقي واشنطن ما بين 150 و200 ألف جندي في الخارج، ويتغير هذه الرقم طبقا لتورط الولايات المتحدة في نزاعات عسكرية خارجية، كما تختلف أعداد القوات الأميركية من وقت إلى آخر تبعا للتغيرات في مواقفها من قضايا مختلفة، ولا تسمح الطبيعة السرية لبيانات نشر القوات الأميركية في بعض المناطق بوجود أرقام دقيقة لأعداد هذه القوات الإجمالية، ولا تعرف في كثير من الحالات طبيعة مهامها

ويجري البنتاغون كثيرا من المناورات العسكرية التي تحاكي القتال مع الصين، بخاصة مع إيمان أغلب المحللين والباحثين في واشنطن أن غزو الصين لتايوان ما هو إلا مسألة وقت، ويترك ذلك التحرك حال حدوثه متخذ القرار في البيت الأبيض أمام خيارات مصيرية، فقد تعهدت واشنطن بدخول الحرب إذا أقدمت الصين على ضمّ تايوان بالقوة المسلحة.

وستثبت الأيام والسنوات القادمة إذا ما كانت شهية أميركا للقتال قد انضبطت بعد إخفاقها في حربي أفغانستان والعراق، أم إننا نقترب من حرب لم تعرف لها البشرية مثيلا من قبل

قراءة 70 مرة

أضف تعليق


كود امني
تحديث