لماذا الحديث عن استهداف القوات الإيرانية دون غيرها في سوريا؟

قيم هذا المقال
(0 صوت)
لماذا الحديث عن استهداف القوات الإيرانية دون غيرها في سوريا؟

أصبحت كلمة إيران ملازمة لحوادث القتل التي يتعرّض لها الجنود الأميركيون، حيث تعرّضت القوات الأميركية في المنطقة إلى أكثر من 165 هجوماً منذ اندلاع الحرب في غزة.

وبات الحديث عن إيران مرتبطاً بالتهديدات والاستهدافات الأميركية والإسرائيلية للقوات الإيرانية الموجودة في سوريا، كونها باتت مصدر القلق الوحيد لـ "إسرائيل" والولايات المتحدة.

بعد أحداث غزة، ازداد حجم التهديدات الإسرائيلية والمناشدات الأميركية لإيران بضرورة ضبط النفس، والتأثير على حلفائها في المنطقة، للحيلولة دون توسّع الحرب وفقاً للرؤية الأميركية. 

الحديث عن حجم التهديدات الإيرانية ترافق مع سلسلة من العمليات استهدفت عدة اغتيالات لقادة إيرانيين يعملون كمستشارين عسكريين في سوريا، إضافة إلى تنفيذ بعض العمليات الإرهابية في الداخل الإيراني حملت بصمات الموساد الإسرائيلي.

القلق الأميركي والدولي مما يسمونه "الوجود الإيراني في سوريا لدعم النظام" يقودنا إلى تساؤل هام، وهو لم هذا القلق من الوجود الإيراني فقط، على الرغم من أنه ليس الوجود الدولي الوحيد على الأراضي السورية؟

ففي سوريا توجد بصفة شرعية كلّ من القوات الإيرانية والروسية، وبصفة غير شرعية هناك الجيش التركي، ونقاط عسكرية أميركية هدفها منع الجيش السوري من بسط كامل سيطرته على الأراضي السورية. ثم لماذا ركّزت الضربات الأميركية الأخيرة على المنطقة الشرقية في سوريا، رغم أن القوات الإيرانية موجودة في الجنوب السوري أيضاً على سبيل المثال.

الموقف الإيراني الحازم من "إسرائيل"

ما يميّز الموقف الإيراني عن غيره، هو أن الموقف الإيراني من القضية الفلسطينية هو موقف مبدئي، لا يقبل المساومة أو التنازل. وأنّ الحضور الإيراني في سوريا له بعد عقائدي بخلاف الموقف الروسي على سبيل المثال، حيث هناك تعاون وتنسيق كبير بين الروس و"إسرائيل" في سوريا، وهو ما يحول دون حدوث احتكاكات عسكرية بينهما. 

الحضور الروسي في سوريا كان بهدف منع إسقاط الدولة السورية، والحيلولة دون وصول جماعات إسلامية مدعومة من الخارج إلى الحكم في سوريا. بينما الموقف الإيراني يتجاوز ذلك، لجهة اعتبار النظام الوطني الحاكم في سوريا بمثابة الحليف الاستراتيجي الذي يشكّل بقاؤه ثابتاً من ثوابت الأمن القومي لإيران. 

هذا التحالف شهد عدة هزات، وجرى اختباره في عدد من المواقف والأزمات الدولية، لكنه استمر وأثبت صلابته بعد الحرب في سوريا وعليها. ولعل ما تقدّمه إيران من دعم مطلق لسوريا، والذي وصل إلى حد تقديم الشهداء دفاعاً عنها، لم يكن أقل أهمية مما قدّمته سوريا لإيران، وخاصة خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية.

تلك الحرب التي وقف فيها العرب جميعهم مع العراق في "مواجهته" للثورة الإسلامية الإيرانية التي لم يمرّ سوى عدة أشهر على قيامها، بينما وقفت سوريا وحيدة ضد هذه الحرب التي رأت فيها خسارة للعرب ولإيران، وأن الطرفين يجب أن يكونا في محور واحد لمواجهة عدوهم المشترك (الكيان الصهيوني ومن خلفه الولايات المتحدة الأميركية). 

لذا فإن روسيا اليوم غير معنية مثلاً بتحسين الوضع الاقتصادي في سوريا، بينما تلتزم إيران بمساعدة سوريا اقتصادياً، وخاصة من خلال تزويد دمشق بالنفط في تحدٍ للعقوبات الأميركية عليها.

أما تركيا، والتي من المفترض أن يكون لها فعل موازٍ لصوتها من القضية الفلسطينية، إلا أن الواقع يثبت عكس ذلك. فالموقف التركي حتى اليوم لا يتعدى كونه ظاهرة صوتية تستخدم لتضليل الداخل ومخاطبة العالم الإسلامي وخداعه. بينما تعمل لاستغلال دماء شهداء غزة خدمة لتحقيق مكاسب سياسية معيّنة، وهو ما يسميه البعض "براغماتية"، بينما هو في حقيقته "انتهازية سياسية" وليس أكثر.

التركيز على المنطقة الشرقية في سوريا

جاء العدوان الأميركي كردّ على استهداف القوات الأميركية الموجودة في منطقة التنف، على المثلث بين سوريا والعراق والأردن. وهي منطقة حظر جوي تستخدمها الولايات المتحدة لحماية تنظيم "داعش" الإرهابي من ضربات الجيش السوري وحلفائه الروس والإيرانيين. هذا الاستهداف لم يكن هو الأول، لكنه كان الأعنف، حيث تسبّب بمقتل ثلاثة جنود أميركيين وجرح نحو 40. 

حجم الضربة كان كبيراً، خاصة وأنّ عدد أفراد الجيش الأميركي الموجودين في هذه القاعدة يتراوح ما بين 200 و300 جندي فقط، بمعنى قتل وإصابة نحو خمس عدد القوات الأميركية الموجودة هناك. وأظهر ذلك قدرة محور المقاومة على اختراق التعزيزات الأمنية الأميركية بطائرة من دون طيار، توهّم الأميركيون أنها تابعة لهم.

تلك الأسباب وغيرها جعلت الرئيس الأميركي جو بايدن يتصدّى للحدث، ويعلن شخصياً عن حتمية الرد على تلك الاعتداءات، وبما يضمن منع تكرارها على حد تعبيره. ولا سيما أنّ وسائل الإعلام الأميركية قامت بتصميم صور لبايدن باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي، وهو يرتدي الزي العسكري، في مناشدة له بضرورة الرد على استهداف قواته. 

اختيار المنطقة الشرقية هدفاً للاعتداءات الأميركية الغاية منه الإعلان عن عودة أميركية قوية إلى المنطقة، وبالتالي تزايد احتمالات عودة تنظيم "داعش" لينشط بقوة هناك، من خلال منع الجيش السوري من مقاومته أو الوصول إليه. كما أن المنطقة الشرقية تشكّل ساحة مثلى لوجود القوات العسكرية الأجنبية في سوريا. فهناك وجود روسي وإيراني، وهناك حقل العمر حيث تسيطر القوات الأميركية عليه، كما توجد في منطقة شرق الفرات قوات قسد المدعومة أميركياً، وهناك قوات عسكرية سورية في العديد من المناطق أيضاً.

رغم حجم الاستهدافات الأميركية وتنوّعها، إلا أن الخسائر العسكرية كانت محدودة ومتواضعة، حيث جرى إخلاء العديد من تلك المواقع بعد إعلان الولايات المتحدة حتمية الانتقام لجنودها. فالردّ الأميركي كان متوقّعاً، نظراً لحجم الضربة التي تلقّتها القوات الأميركية، ونتيجة لاعتبارات انتخابية أميركية، كما أنها فرصة لتشتيت أنظار العالم عن المجازر الصهيونية في غزة.  

كتائب حزب الله العراقية ومحاولة امتصاص الصدمة

كانت كتائب حزب الله العراقية قد تبنّت العملية العسكرية في التنف، ثم أعلنت تعليق عملياتها العسكرية ضد القوات الأميركية منعاً لإحراج الحكومة العراقية.

هذا البيان جرى تحريفه من قبل وسائل الإعلام بالقول إنّ فصائل المقاومة التابعة لإيران تعلن تعليق عملياتها العسكرية ضد القوات الأميركية في الخارج. وهنا نشير إلى أن حزب الله العراقي هو فصيل من فصائل المقاومة في العراق، وإعلانه لوقف العمليات هدفه تفويت الفرصة على الأميركي، وعدم إحراج الحكومة العراقية التي باتت تطالب علناً بخروج القوات الأميركية من العراق.

أمّا الحديث عن سحب إيران لقادتها ومستشاريها العسكريين من سوريا فهو كلام عار عن الصحة، فهؤلاء جاءوا ليقاتلوا ولم ترهبهم التهديدات الإسرائيلية ولا الأميركية في الماضي، ولن ترهبهم اليوم.

لكنهم ربما قاموا بإخراج أسرهم من سوريا تحسّباً لما هو قادم، خاصة وأن توسّع الحرب بات واقعاً وليس توقّعاً. فالتزام إيران بتزويد محور المقاومة بما يحتاجه من الأسلحة والتقنيات المتطورة مستمر ولن يتوقّف، حيث تشير التقارير الأميركية إلى أن طهران نجحت في تجاوز العقوبات الأميركية المفروضة عليها، وقامت بإرسال شحنات الأسلحة إلى الصومال، حيث تخزّن هناك، ثم ترسل بعد ذلك إلى اليمن.

فشل الاستراتيجية الأميركية

المهم في الأمر، أن الولايات المتحدة تنتقل من خطأ استراتيجي إلى آخر، حتى أنها باتت تضع استراتيجية معيّنة، لتصل في النهاية إلى نقيضها، وليس فقط عدم القدرة على تنفيذها.

ومن الأمثلة على ذلك، أن إدارة بايدن ومنذ وصولها وضعت هدفاً استراتيجياً تمثّل في احتواء كلّ من روسيا والصين، والانسحاب من منطقة الشرق الأوسط وأفغانستان... إلخ. فكانت النتيجة المزيد من التعاون والتنسيق بين كل من موسكو وبكين، وازدياد عدد الدول التي انضمّت إلى منظّمتي البريكس وشنغهاي، وزيادة عدد الدول المنضمّة إلى مبادرة الحزام والطريق. أما الانسحاب من الشرق الأوسط فكانت نتيجته الحضور الأميركي بقوة إلى المنطقة، حيث تشهد منطقة الشرق الأوسط اليوم أكبر وجود للقوات الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية. 

بينما الانسحاب الأميركي من أفغانستان، كان الهدف منه إثارة الفوضى فيها، وزعزعة الأمن والاستقرار في الصين، حيث يربط ممر واخان البري بين أفغانستان وإقليم شينجيانغ الصيني، الذي يضم أقلية من المتطرفين الإيغور. 

لكن النتيجة كانت قيام بكين بملء الفراغ هناك، وإقامة علاقات دبلوماسية مع حركة طالبان، والسعي لنقل أفغانستان من دولة فاشلة إلى دولة مسؤولة بمساعدة الصين لها على استثمار ثرواتها الطبيعية الهامة.

احتمالات التصعيد والمواجهة في المنطقة باتت أكبر من احتمالات التهدئة، رغم الحديث عمّا سمّي بعقيدة بايدن للتسوية في الشرق الأوسط. تلك العقيدة تقترح المزيد من التشدّد في التعاطي مع إيران، لإجبارها على المزيد من الانكفاء والتقوقع داخل حدودها. وصياغة توازنات جديدة في المنطقة تبدأ بتوقيع اتفاقية للسلام بين السعودية و"إسرائيل"، مقابل السماح بأن تصبح السعودية دولة نووية.

قراءة 115 مرة