إعادة إنتاج النزعات الانفصالية في الولايات المتحدة

قيم هذا المقال
(0 صوت)
إعادة إنتاج النزعات الانفصالية في الولايات المتحدة

"عندما عدت في الربيع الماضي لتمضية فصل دراسي في هارفارد، تلقّيت صدمة رهيبة. كانت الأمور كلّها متشابهة ومختلفة في آنٍ واحد: كلّ شيء تغيّر من زاوية المدلول. تبدّد الحلم، ولم يبقَ منه إلا كلمات ومناظرات فارغة... البلد كلّه فقد البوصلة". — ميشيل كروزييه، "الداء الأميركي".

تكاد هذه العبارة، التي وضعها عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل كروزييه في مقدّمة كتابه "الداء الأميركي"، تختصر جانباً أساسياً من الأزمة الأميركية الراهنة. فحين تفقد الدولة بوصلتها، لا يعني ذلك بالضرورة غياب القوّة أو الموارد، بل فقدان الاتجاه المشترك الذي يجعل قطاعات المجتمع المختلفة ترى نفسها ضمن مشروع واحد. وفي الحالة الأميركية، تتزامن أزمة الاتجاه مع صراع متزايد حول المصلحة الوطنية، وتراجع الثقة بالمؤسّسات، واتّساع الفجوة بين الدولة ورأس المال، وعودة سؤال الانفصال إلى المجال العام.

لم تكن الولايات المتحدة يوماً كتلة سياسية متجانسة بالمعنى الذي توحي به صورتها الخارجية. فمنذ تأسيس الاتحاد، ظلّ سؤال العلاقة بين السلطة الفيدرالية والولايات حاضراً في التاريخ الأميركي، وظهر في لحظات مختلفة على هيئة تمرّدات ونزعات انفصالية وصراعات حول السيادة. وكانت الحرب الأهلية الأميركية التعبير الأكبر عن هذا التناقض، إذ انفصلت إحدى عشرة ولاية جنوبية بين عامَي 1860 و1861 وأقامت الكونفدرالية، قبل أن ينتهي الصراع بإعادة فرض وحدة الاتحاد. وبعد الحرب، حسمت المحكمة العليا، في قضية "تكساس ضدّ وايت" (Texas v. White) عام 1869، المبدأ القائل إنّ الاتحاد غير قابل للانحلال، وإنّ الولاية لا تستطيع الانفصال من جانب واحد.

لكنّ حسم المسألة قانونياً لم يُلغِ جذورها الاجتماعية والاقتصادية. فقد ظهرت لاحقاً نزعات انفصالية مختلفة في تكساس وكاليفورنيا والولايات الغربية ومنطقة شمال غرب المحيط الهادئ، كما ظهرت في نيو إنغلاند خلال مراحل مختلفة من التاريخ الأميركي. وفي العصر الحديث، نشأت حركات مثل "تكساس المستقلّة" و"كاسكاديا" في الشمال الغربي وحركات انفصال كاليفورنيا، إلى جانب نزعات أقلّ تنظيماً في ولايات أخرى.

لم تكن هذه الحركات متطابقة في دوافعها؛ فبعضها ارتبط بالهوية الإقليمية، وبعضها بالضرائب أو الثقافة السياسية، وبعضها بالصراع مع الحكومة الفيدرالية. لكنّ القاسم المشترك بينها كان سؤالاً واحداً: هل يتطابق ما تنتجه الولاية وما تتحمّله من تكاليف مع ما تريده واشنطن؟

عاد هذا السؤال اليوم إلى المجال العام الأميركي بصورة أكثر وضوحاً. ففي استطلاع أجرته "يوغوف" (YouGov) بين 30 كانون الثاني/يناير و2 شباط/فبراير 2026، وشمل 26,590 أميركياً، قال 18% إنّهم يؤيّدون انفصال ولاياتهم عن الولايات المتحدة، بينما رأى 27% أنّه ينبغي أن يكون للولايات حقّ الانفصال إذا أيّد سكانها ذلك، مقابل 39% رفضوا هذا الحقّ. وبلغ التأييد للانفصال 27% في كاليفورنيا، مع تفاوت واضح بين الولايات (YouGov، شباط/فبراير 2026).

ربما لا تعني هذه الأرقام أنّ 18% من الأميركيين أصبحوا انفصاليين بالمعنى التنظيمي، لكنّها تكشف أنّ فكرة كانت هامشية نسبياً أصبحت قابلة للقياس على نطاق وطني. والأهم أنّ ذلك يحدث في بيئة تتراجع فيها الثقة بالمؤسّسات الفيدرالية. فقد بلغت الثقة بالحكومة الفيدرالية 17% فقط في عام 2025، مقابل 73% في عام 1958، وهو أحد أدنى المستويات المسجّلة في تاريخ القياس الحديث (Pew Research Center، كانون الأول/ديسمبر 2025).

والواقع أنّ أزمة كورونا خلال عامَي 2020 و2021 كشفت بوضوح هشاشة الاتحاد الأميركي، وقدرة الفيدرالية الأميركية على إنتاج أطر تعاون إقليمية تتجاوز واشنطن، خصوصاً مع تشكيل كاليفورنيا وأوريغون وواشنطن "ميثاق الولايات الغربية"، في ظلّ تزايد الاستقطاب السياسي والتفاوت الاقتصادي وتراجع الثقة بالحكومة الفيدرالية.

في عام 2015، تقدّم السكان الأصليون في ولايتَي ألاسكا وهاواي بطلب إلى الأمم المتحدة، ممثّلةً بمجلس حقوق الإنسان، للنظر في مسألة ضمّهما إلى الولايات المتحدة بصورة غير قانونية، ومساعدتهم على نيل حقّهم في تقرير المصير. ويرى سكان ألاسكا أنّ الولايات المتحدة استولت على أراضيهم وتستخرج منها الخامات بكميات كبيرة، متسبّبةً بأضرار جسيمة للبيئة. كما يذكّر أبناء ألاسكا الأمم المتحدة باستمرار بأنّ الولايات المتحدة اشترت ألاسكا من روسيا عام 1867، وأنّ ذلك لا يعني تلقائياً سيادتها على الولاية. لكنّ اللافت أنّ سكان ألاسكا قدّموا إلى البيت الأبيض طلباً موقّعاً من 125 ألفاً من سكان الولاية، للعودة مجدّداً إلى روسيا، أو على الأقلّ الاعتراف بحقّ شعب ألاسكا في الاستقلال وتقرير المصير. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ ألاسكا هي أغنى الولايات الأميركية من حيث احتياطيات الثروات الطبيعية، ومن بينها النفط والغاز.

العامل الأعمق في هذه الأزمة هو التحوّل الذي أحدثته العولمة في العلاقة بين الدولة ورأس المال. فقد تحرّر رأس المال الأميركي، خلال العقود الماضية، بدرجة كبيرة من المجال الوطني. وأصبحت الشركة الأميركية قادرة على الاستثمار والإنتاج والتوظيف ضمن شبكة عالمية، بينما ظلّت الدولة مقيّدة بالجغرافيا وما يرتبط بها من مواطنين وبنية تحتية وحدود وطاقة وموانئ وجيش ومصانع. وهكذا، نشأ تناقض بين رأس مال يستطيع التحرّك عالمياً ودولة مطالَبة بحماية مجالها الوطني.

لم تفصل العولمة رأس المال عن الدولة بصورة كاملة، لكنّها جعلت العلاقة بينهما أكثر تناقضاً. فالدولة تحتاج إلى الشركات العملاقة للحفاظ على تفوّقها التكنولوجي والصناعي والعسكري، وفي المقابل، تستطيع هذه الشركات الضغط عليها لحماية مصالحها العالمية. وعندما تتعارض هذه المصالح الرأسمالية مع مصالح المواطن الأميركي، تطالبه الدولة بالتضحية باسم المصلحة الوطنية، كما فعل دونالد ترامب مؤخّراً، ثم يراها تمنح رأس المال امتيازات باسم المصلحة الوطنية نفسها.

هنا تتولّد الأزمة الحقيقية: تصبح المصلحة الوطنية نفسها موضع نزاع. ومع إعادة تشكيل النظام الدولي، تحاول الولايات المتحدة اليوم إعادة ربط التراكم بالمجال الجغرافي. فالسياسة الأميركية تتّجه بصورة متزايدة إلى تأمين المعادن والطاقة وسلاسل الإمداد والصناعة والتكنولوجيا داخل المجال الأميركي المباشر. ويظهر ذلك في محاولة إعادة بناء علاقات أميركا الشمالية على أساس أكثر تكاملاً، وفي الضغط على كندا والمكسيك، والسعي إلى توسيع السيطرة الأميركية على المجال القطبي. وقد هدّد دونالد ترامب سابقاً بجعل كندا الولاية الأميركية الحادية والخمسين، ورفض في عام 2025 استبعاد استخدام القوّة بشأن غرينلاند، قبل أن تتراجع لاحقاً لهجة التهديد العسكري. وفي أيلول/سبتمبر 2026، أُعلن عن اتفاق أميركي دنماركي غرينلاندي يتعلّق بتوسيع الوجود العسكري الأميركي في غرينلاند.

أمّا بالنسبة إلى كندا، فقد كشفت التطوّرات الأخيرة أنّ مسألة تفكيك المجال السياسي في أميركا الشمالية لم تعد مجرّد خطاب هامشي. فقد التقى ممثّلون عن حركة "مشروع ازدهار ألبرتا" (Alberta Prosperity Project)، التي تدفع باتجاه استقلال ألبرتا، مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية ثلاث مرّات في واشنطن منذ نيسان/أبريل 2025. وكانت الحركة تسعى إلى الحصول على دعم أميركي، بل إلى خطّ ائتماني يصل إلى 500 مليار دولار في حال نجاح مشروع الاستقلال، بينما وصف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ألبرتا بأنّها "شريك طبيعي" للولايات المتحدة، رغم نفي الإدارة الأميركية تقديم التزامات للحركة، ونفي السفير الأميركي لدى كندا بيتر هوكسترا أن تكون واشنطن قد خطّطت أو تفاوضت معها بشأن الانفصال.

وفي مقاطعة كيبيك، ظهرت أيضاً اتهامات بتدخّل أميركي في البيئة السياسية المحيطة بالحركة الانفصالية، إلى حدّ أنّ أجهزة الأمن الكندية تواصلت مع الجهات السياسية بشأن مزاعم التدخّل الأميركي خلال الانتخابات. وكان زعيم "حزب كيبيك" (Parti Québécois)، بول سان بيير بلاموندان، قد أعلن أنّ أيّ استفتاء على الاستقلال لن يُجرى في ظلّ وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض، معتبراً أنّ الاضطراب الأميركي يجعل الظروف غير مواتية لمثل هذا القرار. ثم جاء فوز الحزب الكيبيكي بالانتخابات الإقليمية في 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وحصوله على 59 مقعداً من أصل 127، ليعيد مسألة الاستقلال إلى قلب السياسة الكندية، رغم أنّ الحزب لم يحصل إلا على 27.9% من الأصوات، وأنّ التأييد الشعبي للاستقلال لا يزال في حدود 30%.

تكمن المشكلة هنا في أنّ واشنطن، إذا تعاملت مع النزعات الانفصالية في كندا باعتبارها أداة لإضعاف الدولة الكندية أو لإعادة تشكيل المجال الشمالي لمصلحة الولايات المتحدة، تفتح في الوقت نفسه الباب أمام مبدأ قد يرتدّ عليها. فالانفصال لا يمكن أن يبقى مبدأً صالحاً عندما يخدم المجال الأميركي، ثم يصبح تهديداً عندما ينتقل إلى داخله. فإذا أصبحت ألبرتا قادرة على القول إنّ اختلاف مصالحها الاقتصادية، ولا سيّما مصالح النفط والطاقة، مع أوتاوا يمنحها حقّ إعادة تعريف علاقتها بالدولة الكندية، فإنّ تكساس أو غيرها من الولايات الأميركية تستطيع استخدام المنطق نفسه، عندما ترى أنّ مصالحها الاقتصادية والسياسية تختلف عن مصالح واشنطن، وأنّ تناقضاتها مع الحكومة الفيدرالية بلغت نقطة يصبح فيها الاتحاد نفسه موضع سؤال.

ويزداد الخطر إذا تزامن ذلك مع حرب تجارية تضرب المصالح الإقليمية الأميركية بصورة متفاوتة. فقد أدّت سياسات ترامب تجاه كندا بالفعل إلى إلحاق أضرار بقطاعات اقتصادية في الولايات المتحدة، بينما دفعت كندا، في الاتجاه المعاكس، إلى تنويع صادراتها وتقليل اعتمادها على السوق الأميركية. ومن بين هذه المساعي مشروع "باسيفيك لينك" (Pacific Link)، الذي يستهدف نقل نفط ألبرتا إلى ساحل المحيط الهادئ، بما يخفّض اعتمادها على الولايات المتحدة.

تواجه محاولة إعادة بناء المجال الأميركي بعد مرحلة العولمة مشكلة التكلفة الضخمة، التي ستقع بدرجة كبيرة على المجتمع الأميركي نفسه. وتزداد المعضلة مع الوضع المالي للدولة. إذ يتوقّع مكتب الميزانية في الكونغرس أن يبلغ العجز الفيدرالي 1.9 تريليون دولار في عام 2026، وأن يرتفع الدين المحتفَظ به لدى الجمهور من 101% من الناتج إلى 120% في عام 2036. كما يتوقّع ارتفاع صافي مدفوعات الفائدة من تريليون دولار في عام 2026 إلى 2.1 تريليون دولار في عام 2036 (CBO، شباط/فبراير 2026). وفي سيناريو ترتفع فيه أسعار الفائدة نقطة مئوية واحدة فوق المسار الأساسي، يصل الدين إلى 222% من الناتج في عام 2056.

وهكذا تظهر المفارقة: تحتاج الدولة إلى إعادة بناء المجال للحفاظ على قدرتها، لكنّها تحتاج إلى المواطن لتمويل إعادة البناء، بينما يحتاج رأس المال إلى الدولة لحماية التراكم. وإذا تحمّل المواطن التكلفة وبقي القسم الأكبر من العائد لدى الشركات الكبرى، فإنّ إعادة بناء المجال ستتحوّل إلى مصدر جديد للصراع الطبقي.

صعود الاشتراكية في دولة المركز الرأسمالي

هنا يظهر الطرف الآخر من المعادلة، فالاشتراكية لم تعد مجرّد تيار هامشي في الولايات المتحدة. ففي أيلول/سبتمبر 2026، سجّلت "غالوب" أعلى نسبة للنظرة الإيجابية إلى الاشتراكية منذ بدء قياسها عام 2010، إذ ينظر إليها 43% من الأميركيين بإيجابية. والأكثر دلالة أنّ نسبة النظرة الإيجابية إلى الاشتراكية لدى الفئة العمرية بين 18 و34 عاماً بلغت 57%، مقابل 43% للرأسمالية. كما بلغت نسبة النظرة الإيجابية إلى الاشتراكية بين المستقلّين 45%، مقابل 37% في العام السابق، في وقت تراجعت فيه النظرة الإيجابية إلى الشركات الكبرى إلى 35% (Gallup، أيلول/سبتمبر 2026).

لكنّ البيانات الأقدم تكشف عن تفاوت اجتماعي واضح في هذا الاتجاه. ففي استطلاع أجراه مركز "بيو" عام 2022، بلغت نسبة النظرة الإيجابية إلى الاشتراكية 52% بين السود و41% بين ذوي الأصول الهسبانية، مقابل 31% بين البيض (Pew Research Center، أيلول/سبتمبر 2022). وهذا يعني وجود قاعدة اجتماعية أكبر لقبول خطاب يربط أزمات السكن والصحّة والأجور وعدم المساواة بقوّة رأس المال. ومع استمرار التدهور الاقتصادي، قد يتحوّل هذا الاتجاه من موقف ثقافي إلى قوّة سياسية منظّمة.

في المقابل، ينمو اليمين الأميركي الذي يرفض العولمة والهجرة والمؤسّسات الفيدرالية، ويطالب بإعادة بناء السيادة الوطنية وحماية المجال الأميركي. وهكذا، ينتج التناقض بين الدولة ورأس المال بعد العولمة مفارقة مزدوجة: فاليسار يرفض خضوع الدولة لرأس المال، واليمين يرفض خضوع المجال الأميركي لمنطق العولمة. وكلاهما يهاجم جانباً من النظام القائم، لكن من موقع اجتماعي وأيديولوجي مختلف. وتعمل الأزمة الاقتصادية على زيادة الاستقطاب لدى الاتجاهين. ففي تموز/يوليو 2026، لم يرَ سوى 24% من الأميركيين أنّ الظروف الاقتصادية جيّدة أو ممتازة، بينما وصفها 35% بأنّها سيّئة، وقال 60% إنّ سياسات ترامب الاقتصادية جعلت الاقتصاد أسوأ.

يمكن أن يعكس مشروع إعادة بناء المجال الأميركي اتّجاه تراجع العولمة والأزمة الحادّة للمركز الرأسمالي، خصوصاً أنّه لن يكون بلا تكلفة. وإذا وقع العبء الأكبر على المواطن، بينما استمرّ رأس المال في نهب القسم الأكبر من التراكم، فقد يعمّق المشروع نفسه التناقض الذي جاء لمعالجته. وإذا حاولت الدولة الحدّ من نفوذ رأس المال، اصطدمت بالقوى الاقتصادية التي تعتمد عليها. وإذا تراجعت أمامه، فقدت مزيداً من الشرعية لدى المواطن. وإذا شدّدت قبضتها على الولايات، زادت النزعة الانفصالية. وإذا منحتها مساحة أكبر، زادت قدرتها على تعريف مصالحها بصورة مستقلّة.

حين تصغر الفطيرة، يتقاتل الجميع على الفتات. وعندما يترسّخ الاعتقاد بأنّ الفتات لا يُوزَّع على نحو يمكن احتماله وقبوله، بين الطبقات من جهة، وبين المركز الاتحادي والولايات من جهة أخرى، يبدأ كلّ طرف بالبحث عن مجال خاصّ به. وهنا يكمن الخطر الحقيقي على الاتحاد الأميركي، إذ تتفكّك المصلحة الوطنية بما يمهّد لتفكّك الدولة، ويصبح تغيّر الحدود السياسية احتمالاً واقعياً بعدما تكون البنية الاجتماعية والاقتصادية قد تغيّرت بالفعل.

قراءة 6 مرة