حُبُّ الحسين علیه السلام

قيم هذا المقال
(0 صوت)
حُبُّ الحسين علیه السلام

لماذا خلَقَنا الله؟!!

تساؤل يدور في أذهان الناس، وجوابه يحدّد مسيرة الإنسان في الحياة، ويُشبع ما غرزه الله في النفس الإنسانيّة من عشق الكمال والسعي نحو السعادة. وقد أتى هذا الجواب في كلام الله القرآنيّ ليحدِّد مكمن السعادة الإنسانيّة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.

ففي عبادة الله كمال الإنسان وسعادته، لكنّها ليست العبادة التي تقتصر على مراسم طقوسيّة يكرِّرها الإنسان في حياته، بل هي العبادة التي تشمل كلّ شؤون الحياة الإنسانيّة، والتي من خلالها يكون الإنسان خليفة الله على الأرض.

من هنا كانت "العبوديّة" أشرف مرتبة وأرقى وسام للإنسان لأنّها تعني كماله، وهذا ما يُفهمنا سرَّ شهادتنا لمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم بالعبوديّة قبل أن نشهد له بالرسالة، في قولنا ونحن نصلّي "أشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله" فمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم لو لم يكن عبداً لله لما كان رسولاً له.

العبوديّة = الحريّة

فالعبوديّة تعني التحرُّر من أغلال الشيطان وحبائل النفس والهوى، فما أبلغ قولَ الله تعالى، وهو يحدثنا عن قصّة امرأة عمران التي نذرت أن يكون ما في بطنها عبداً لله، خادماً في بيت المقدس، فقال تعالى يحكي نَذْر هذه المرأة المؤمنة ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرً، كانت هذه المرأة العظيمة تفهم معنى العبوديّة لله، فوصفت مولودها في عبوديته لربِّه وخدمته بيت الله أنّه محرَّر، إنّها الحريّة الحقيقيّة التي ترقى بالإنسان إلى قاب قوسين أو أدنى.

العبوديّة و"بِشْر الحافي"

وشتان بين امرأة عمران وبين تلك الجارية التي كانت لأحد الفاسقين المشتغلين بالملاهي ويدعى "بِشْر"، فقد ورد أنّ الإمام موسى الكاظم عليه السلام مرَّ أمام دار بِشْر فسمع منها الغناء واللّهو، ورأى على باب الدار جارية، فقال له:
- أيّتها الجارية، مولاك حرٌّ أم عبد؟
فقالت: حرّ.
فقال عليه السلام: صدقتِ، لو كان مولاك عبداً لعمل بمقتضى العبوديّة، وخاف الله تعالى.
فذهبت الجارية إلى داخل الدار، وأخبرت بِشْراً بذلك، فأثّر فيه هذا الكلام وخرج حافياً إلى خارج الدار، وجعل يركض خلف الإمام حتى وصل إليه، فوقع على قدميه، وتاب على يده وأناب وبقي حافياً طول عمره.

العبوديّة في العاطفة

وعبوديّة الإنسان لله تعالى لا تقتصر وتنحصر بعمل الجسد، بل تشمل تعلّق القلب وعاطفة الإنسان، فحتّى يكون الإنسان عبداً لله يجب عليه أن يُخضِعَ عاطفته لله، فلا يُحبُّ إلاَّ من يرضى الله بحبّه، ولا يُبغض إلاَّ من يرضى الله ببغضه. من هنا ذكرت بعض الروايات أثراً لحبّ الإنسان، ففي الحديث الشريف عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "يا علي، لو أنّ رجلاً أحبَّ في الله حجراً لحشره الله معه".

وقد حدَّد نبيُّ الإسلام ميزان الحبّ والبغض حينما قال - في ما ورد عنه: "أَوثَقُ عُرى الإيمان أن تُحبّ في الله وتُبغض في الله".

وعلى أساس هذه الضابطة حُدِّد الأحباء بعد الله تعالى الذين يجب على المؤمن أن يتوجّه بعاطفته نحوهم:

الأحبّاء

فأوّلهم رسول الله محمّد صلى الله عليه وآله وسلم فقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".

وتحدَّث القرآن الكريم عن حبٍّ يلي حبَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ويسأل الله عنه مقابل أجر رسالة الإسلام وذلك في قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.

وقد أجمع الشيعة ووافقهم ثُلَّة من علماء أهل السُنَّة أنّ المراد من القربى هنا هم أهل بيته الأطهار، ففي الرواية عن ابن عباس: "لمّا نزلت هذه الآية ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى قالو: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودّتهم؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: علي وفاطمة وولداها".

وتكاثرت الأحاديث عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في حبّ أهل بيته الطيّبين، وذلك في توجيه للمسلمين أن يرتبطوا بها بقلوبهم ليكون ذلك مدخلاً لطاعتهم في ولايتهم الإلهيّة.

ومن تلك الأحاديث الواردة في حبّ آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ما رواه الزمخشري صاحب الكشّاف عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
ألا مَن مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً.
ألا مَن مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له.
ألا مَن مات على حبّ آل محمّد مات تائباً.
ألا مَن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان.
ألا مَن مات على حُبّ آل محمّد بشَّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير.
ألا مَن مات على حبّ آل محمّد يُزفّ إلى الجنّة كما تُزفُّ العروس إلى بيت زوجها.
ألا مَن مات على حبّ آل محمّد فُتح له في قبره بابان إلى الجنّة.
ألا مَن مات على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة.
ألا مَن مات على حبّ آل محمّد مات على السنَّة والجماعة.
ألا ومَن مات على بُغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيسٌ من رحمة الله.
ألا ومَن مات على بُغض آل محمّد لم يشمَّ رائحة الجنّة.


وبيَّن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّ حبّ أهل البيت عليهم السلام فريضة في الدنيا يُسأل عنها كلّ عبد يوم القيامة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تزول قدم عبدٍ يوم القيامة من بين يدي الله حتى يسأله عن أربع خصال:
1 - عمرك فيما أفنيته؟
2 - وجسدك فيما أبليته؟
3 - وعن مالك من أين اكتسبته وأين وضعته؟
4 - وعن حبّنا أهل البيت.


وتحدّث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن حبّ أهل البيت عليهم السلام الذي يسمو بالإنسان يوم القيامة ليجعله في درجة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فقد روى أحمد بن حنبل والترمذي "وهما من كبار علماء أهل السنَّة" أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيد الحسن عليه السلام والحسين عليه السلام وقال: "من أحبّني وأحبَّ هذين وأباهما وأمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة".

من هنا ذكر العلماء أنّ حبَّ أهل البيت هو ضرورة دينيّة منكرها كافر خارج عن الإسلام، ولذا كان أئمّة أهل السنَّة يتغنّون بحبّ أهل البيت عليهم السلام، حتى قام إمام الشافعيّة منشد:
يا راكباً قِفْ بالمحصَّبِ من مِنًى‏***واهتِفْ بساكنِ خَيْفِها والناهِضِ‏
سَحَراً إذا فاضَ الحجيجُ إلى مِنًى‏***فيْضاً كما نَظْمِ الفُراتِ الفائضِ‏
إنْ كان رَفْضاً حُبُّ آل محمَّدٍ***فَلْيشهَدِ الثَّقَلانِ أنّي رافضي


حبّ عليّ عليه السلام

وركَّز النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديثه على حبّ أوّل أهل بيته وأبي الأئمّة المعصومين أمير المؤمنين ومولى الموحّدين عليّ بن أبي طالب عليه السلام فربط صلى الله عليه وآله وسلم قبول أعمال المسلمين بحبّه حينما قال: "من أحبَّ عليّاً قَبِل الله منه صلاته وصيامه وقيامه واستجاب دعاءه".

وتابع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "ألا ومن أحبَّ عليّاً أعطاه الله بكلّ عِرْق في بدنه مدينة في الجنّة".

وبيَّن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديثه أنّ أعمال الإنسان بدون ولاية عليّ عليه السلام لا يستحقّ بها الجنّة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "يا عليّ، لو أنّ عبداً عَبَدَ الله عزَّ وجلَّ مثل ما قام نوح في قومه، وكان له مثل أُحُد ذهباً، فأنفقه في سبيل الله، ومدَّ في عمره حتى حجَّ ألف عام على قدميه، ثُمَّ قُتِلَ بين الصفا والمروة مظلوماً ثمّ لم يوالك يا عليّ، لم يشمّ رائحة الجنَّة ولم يدخلها".

ومن منطلق هذه الأحاديث أنشد المحقّق الطوسي رحمه الله قصيدته المشهورة:
لو أنَّ عبداً أتى بالصالحاتِ غداً***وودَّ كلَّ نبيٍّ مرسلٍ وولي‏
وصامَ ما صامَ صوَّامٌ بلا مَللٍ‏***وقامَ ما قامَ قوَّامٌ بلا كَسلِ‏
وحجَّ ما حجَّ من فرض ٍ ومن سُننٍ‏***وطاف ما طاف حافٍ غيرُ منتعلِ‏
وطارَ في الجوِّ لا يأوي إلى أحدٍ***وغاصَ في البحر مأموناً من البللِ‏
يكسو اليتامى من الدّيباجِ كلَّهُمُ‏***ويُطعم الجائعين البُرَّ بالعسلِ‏
وعاش ما عاش آلافاً مؤلَّفةً***خالٍ من الذنب معصومٌ من الزلل‏
ما كان في الحَشر عند الله منتفعاً***إلاَّ بحبِّ أمير المؤمنين عليّ


وتحدّث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن علاقة الحبّ بعليّ عليه السلام، تلك العلاقة التي تنفع الإنسان في مسيرته في عالم الآخرة، فيكون عليّ عليه السلام مع محبِّه في بداية رحلة الموت، ينقذه حبه لعليّ عليه السلام كما أنقذ حبّ عليّ عليه السلام شاعر أهل البيت عليهم السلام إسماعيل الحميري الذي اجتمع حوله وهو يحتضر شيعة وناصبة، فإذا بنقطة سوداء ترتسم في وجه إسماعيل لتنتشر ويصبح وجهه أسود واغتمَّ الشيعة لذلك، إنّها آثار المعاصي تبدو على وجهه، لكن ما هي إلاَّ لحظات حتى ظهرت بارقة نور في وجه إسماعيل أخذت تنتشر فيه ليشرق لونه نوراً وبهاءً. ما الأمر؟ ماذا حدث؟ لقد جاءه المنقذ؟ لقد رأى عليّاً عليه السلام، وأنشد إسماعيل يُعبِّر عمّا جرى له:
كَذِب الزَّاعمون أنَّ علياًّ***لن يُنَجِّي محبَّه من هَناتِ‏
قد وَربي دخلتُ جنَّة عدنٍ‏***وعَفا لي الإلهُ عن سيِّئاتي‏
فابشروااليومَ أولياءَ عليٍّ‏***وتوَلَّوا عليّاً حتى الممات‏
ثمّ من بعده توَلَّوا بنيه‏***واحداً بعدَ واحد بالصّفات


ومات إسماعيل الحميري مشرق اللّون لحبّه وولائه لعليّ، وكيف لا! وقد أخبرنا حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: "إن ملك الموت يترحَّم على محبِّي عليّ بن أبي طالب كما يترحَّم على الأنبياء عليهم السلام ".

سعادة محبّ عليّ عليه السلام في الآخرة

وتابع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يخبر عن السعادة التي يتلقّاها محبّ عليّ عليه السلام فقال - في ما ورد عنه -: "إنّ السّعيد كلّ السَّعْد من أحبَّ عليّاً عليه السلام في حياته وبعد موته...".

وأقبل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم بوجهه على عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال: ألا أبشّرك يا أبا الحسن؟ قال عليه السلام: بلى يا رسول الله، قال صلى الله عليه وآله وسلم: هذا جبرئيل يخبرني عن الله تعالى أنّه أعطى شيعتك ومحبّيك سبع خصال:
1 - الرفق عندالموت.
2 - والأنس عند الوحشة.
3 - والنور عند الظلمة.
4 - والأمن عند الفزع.
5 - والقسط عند الميزان.
6 - والجواز على الصراط.
7 - ودخول الجنّة قبل سائر الناس، نورهم يسعى بين أيديهم وبإيمانهم.


وهناك في مشاهد النور يوم القيامة يَعرف الناس مقام حبّ الأمير عليه السلام ويتذكّر السامعون لأقوال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "لو اجتمع الناس على حبّ عليّ بن أبي طالب لما خلق الله النار".
وما أجمل قولَ الشاعر:
ولايتي لأميرِ النَّحْلِ تكفيني‏***عند المماتِ وتغسيلي وتكفيني‏
وطينتي عُجِنَتْ من قبلِ تكويني‏***بحبِّ حيدرْ، فكيف النارُ تكويني؟!‏


حبُّ الحسين عليه السلام

وكما علَّم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين حبَّ عليّ عليه السلام ركَّز في تعليمه على حبِّ سبطه الحسين فكان يقول صلى الله عليه وآله وسلم على مسامع المسلمين: "حسين منّي وأنا من حسين، أحبَّ الله من أحبَّ حسيناً".

واللّافت في هذا الحديث هو قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم "وأنا من حسين"، فكون الحسين عليه السلام من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أمر طبيعي، ولكن كيف يكون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من الحسين عليه السلام ؟ إنّه صلى الله عليه وآله وسلم يشير إلى المهمّة الإلهيّة الكبرى للحسين عليه السلام في كربلاء والتي من خلالها حافظ على الإسلام، لذا عقَّب الكلام بقوله: أحبَّ الله من أحبَّ حسيناً، من هنا واصل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تعليم المسلمين حبَّ الحسين عليه السلام فكان يقول لهم: "من أحبَّ أن ينظر إلى أحبِّ أهل الأرض إلى أهل السماء فلينظر إلى الحسين عليه السلام ".

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يأخذ بيد سبطه الحسين عليه السلام ويقول: "أيّها الناس، هذا الحسين بن علي فاعرفوا، فوالذي نفسي بيده إنّه لفي الجنّة، ومحبّيه في الجنّة، ومحبّي محبّيه في الجنّة".

مظاهر حبّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للحسين عليه السلام

لم يكن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يدعو إلى حبّ الحسين عليه السلام بلسانه فقط، بل كان المسلمون يرون منه حبّاً كبيراً لسبطه الحسين عليه السلام، فكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يصلّي بالناس جماعةً والحسين الطفل يركب ظهره ثمّ يُنزلُه النبيّ ثم يرجع إلى ركوب ظهره ثمّ ينزله النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بوداعته الحنونة إلى أن ينهي الصلاة، وقد أثَّر هذا المشهد بأحد اليهود حينما رأى ذلك فأعلن إسلامه.

وفي ذات مرّة كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يخطب على المنبر، إذ خرج الحسين عليه السلام فوطى‏ء في ثوبه فسقط فبكى، فنزل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن المنبر وضمَّه إليه . ورأى المسلمون النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم يحبو للحسن والحسين وهما على ظهره وهو يقول: "نِعْمَ الجملُ جملُكما، ونِعْمَ العِدْلانِ أنتما".

وتُحدّثنا أمُّ سلمة أنّها رأت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُلبس ولده الحسين عليه السلام حلَّة ليست من ثياب الدنيا، فقالت له: يا رسول الله، ما هذه الحلَّة؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "هذه هدية أهداها إليَّ ربِّي للحسين عليه السلام، وإنّ لُحمتها من زغب جناح جبرئيل، وها أنا أُلبسه إيّاها، وأزيّنه بها، فإنَّ اليوم يوم الزينة وإنّي أحبُّه".

إبراهيم عليه السلام فداء الحسين عليه السلام

وفي قصّة رواها أحد الصحابة ترسم حبّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للحسين عليه السلام بأسمى وأرقى حبّ عرفته البشريّة، فقد روى هذا الصحابيُّ أنّه دخل على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وكان واضعاً الحسين عليه السلام الطفل على فخذه الأيمن وابنه إبراهيم على فخذه الأيسر فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم له: (أتاني جبرائيل من ربي) فقال لي: (يا محمّد إنّ ربك يقرؤك السلام ويقول لك: "لست أجمعهما لك، فافدِ أحدهما بصاحبه، فنظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى إبراهيم فبكى ثم قال: (إنّ إبراهيم متى مات لم يحزن عليه غيري، وأمّ الحسين فاطمة، وأبوه علي ابن عمي لحمي ودمي، ومتى مات حزنت إبنتي، وحزن ابن عمّي، وحزنت أنا عليه، وأنا أوثر حزني على حزنهما يا جبرئيل! يُقبض إبراهيم، فديت الحسين بإبراهيم)، فكان إبراهيم فداء الإمام الحسين عليه السلام.

عشَّاق الحسين عليه السلام

وعلَّم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الناس أن يحبّوا حسيناً، وأراد من حبّهم له أن يكون المدخل لولائه وطاعته.

وأحبَّ الناس الإمام الحسين عليه السلام، لكنّ الكثير منهم لم يحقّقوا غاية حب الحسين عليه السلام، سوى ثُلّة من الناس أحبّوا الحسين عليه السلام كما أراد لهم نبيّ الإسلام... عشقوه في الله، فقدّموا كلّ ما عندهم لأجل الحسين عليه السلام في مرضاة الله تعالى إنّهم أصحاب الحسين عليه السلام في كربلاء الذين وصفهم أمير المؤمنين عليه السلام في نداء الغيب الناظر إلى شهداء كربلاء (مصارع عشّاق شهداء لا يسبقهم من كان قبلهم ولا يلحقهم مَن بعدهم)... وأيّ عشَّاق هم؟

ها هو بشر الحضرمي يؤسر ابنه، فيقول له الحسين عليه السلام: "رحمك الله، أنت في حلٍّ من بيعتي، فاذهب وأعمل في فِكاك إبنك"، فأجاب بِشْر: "أكلتني السباع حيًّا إن أنا فارقتك يا أبا عبد الله".

وها هو عابس بن شبيب الشاكري يقف أمام الإمام الحسين عليه السلام في عاشوراء ويقول له: "ما أمسى على ظهر الأرض قريب ولا بعيد أعزّ منك، ولو قدرت أن أدفع الضيم عنك بشي‏ء أعزّ عليَّ من نفسي لفعلت"، وسار نحو جيش يزيد فأحجم القوم عنه لأنّهم عرفوه أشجع الناس، فصاح عمر بن سعد أرضخوه بالحجارة، فرُمي بها، فلمّا رأى ذلك ألقى درعه ومِغْفرَهُ وشدَّ على الناس وروي أنه قيل له: يا عابس هل جننت؟!! فأجاب: حبُّ الحسين قد أجنَّني.

الحبّ مدخل العبوديّة

أراد الله والرسول للمسلمين أن يحبّوا الحسين عليه السلام كحبّ أصحابه له يوم عاشوراء، الحبُّ الذي يكون مدخلاً لطاعة الإمام التي أرادها الله تعالى، ليكون المحبّ بحبِّه عبداً لله يحركّه حبّه نحو العبوديّة وهو مستعدّ للتضحيّة في سبيلها، ولم يرد الله تعالى من حبِّ الحسين مثل حبِّ أهل الكوفة الذين كانوا يحبّونه بقلوبهم لكنّهم سلَّطوا سيوفهم عليه، كانوا يحبّونه، لكنّهم داسوا جسده المبارك بخيولهم، وسبوا نساءه، وسرقوا ماله، وكان بعضهم حين فعل جريمته يبكي، كذلك الرجل الذي كان يسرق ابنة الحسين عليه السلام وهو يبكي فقيل له: لمَ تبكِ؟ فأجاب: كيف لا أبكي وأنا أسرق ابنة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم !!!

فلنتعلّم من مدرسة عاشوراء كيف نحبّ الحسين حبَّ الولاء والتضحية، حبَّ الطاعة والإلتزام ملبّين دعوة الحبّ الإلهي: ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ. حتى لا نكون كما قال الشاعر:
تعصي الإلهَ وأنت تُظهرُ حبَّهُ‏***هذا لَعمرُك في الفعال بديعُ‏
لو كان حبُّكَ صادقاً لأطعتَهُ‏***إنّ المحبّ لمن يحبُّ مُطيعُ

* وليال عشر، سماحة الشيخ أكرم بركات.

قراءة 25 مرة

إضافة تعليق


Security code
التحديث