جواز التوسل عند المذاهب الاربعة

قيم هذا المقال
(0 صوت)
جواز التوسل عند المذاهب الاربعة

الحمد لله ربِ العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين ، .
ليُعلم أن الفقهاء المعتبرين من أهل المذاهب الأربعة متفقون على جواز التوسل بالأنبياء والصالحين ، وها نحن نذكر شيئاً يسيراً يدل على ذلك ، لرد زعم من انتسب إلى الإمام أحمد بأن التوسل بالأنبياء والصالحين شرك .

المذهب الحنبلي

ذكر المرداوي في كتاب الإنصاف تحت عنوان فوائد ما نصه (( ومنها - أي من الفوائد - يجوز التوسل بالرجل الصالح على الصحيح من المذهب وقيل يستحب )) اه. فماذا يقول هؤلاء عن المذهب الحنبلي الذي قرر أن التوسل بالنبي بعد موته سنة على رأي ، وجائز فقط على رأي فهل يكفرون الحنابلة ؟ وما معنى اعتزاز هؤلاء بأحمد مع أن أحمد في وادٍ وهم في وادٍ آخر ؟ وقد قال الإمام أحمد للمروالروذي ، يتوسل أي الداعي عند القحط وقلة المطر أو انقطاعه بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه ، وجزم به في المستوعب وغيره )) اه.
وقال ابن مفلح الحنبلي في الفروع ما نصه ( ويجوز التوسل بصالح ، وقيل يستحب )) اه ، وقال البهوتي الحنبلي في كتاب كشاف القناع ما نصه ( وقال السامري وصاحب التلخيص : لا بأس بالتوسل للاستسقاء بالشيوخ والعلماء المتقين ، وقال في المذهب يجوز أن يستشفع الى الله برجل صالح ، وقيل يستحب ))
وفي كتاب اتحاف السادة المتقين بشرح احياء علوم الدين ما نصه ( وكان صفوان بن سُليم المدني أبو عبد الله ، وقيل أبو الحارث القرشي الزهري الفقيه العابد وأبوه سُليم مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال أحمد : هو يُسْتَسْقَى بحديثه وينزل القطر من السماء ، وقال مرة : هو ثقة من خيار عباد الله الصالحين ، قال الواقدي وغيره مات سنة مائة واثنتين وثلاثين عن اثنتين وسبعين سنة ))اه.
أي أنه توفي قبل أن يولد الإمام أحمد . فهذا أحمد لم يقل يستسقى بدعائه كما يقول ابن تيمية إن التوسل بدعاء الشخص لا بذاته ولا بذكره ، بل جعل أحمد ذكره سبباً لنزول المطر ، فمن أين تحريم ابن تيمية للتوسل بالذوات الفاضلة ؟

ونقل ذلك السيوطي في طبقات الحفاظ فقال ( وذكر_أي صفوان بن سليم _عند أحمد فقال : هذا رجل يستشفى بحديثه وينزل القطر من السماء بذكره . مات سنة أربع وعشرين ومائة )) اه. وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه أحمد بن حنبل قال ( قال بن عينية : رجلان صالحان يُستسقى بهما ابن عجلان ويزيد بن يزيد بن جابر )) اه. وذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمة الصحابي عبد الرحمن بن أبي ربيعة الباهلي أنه استشهد ببلنجر من أرض الترك ودفن هناك فهم يستسقون به الى الآن .

المذهب الحنفي

قال نور الدين ملا علي القاري الحنفي في شرح المشكاة ما نصه ( قال شيخ مشايخنا علامة العلماء المتبحرين شمس الدين بن الجزري في مقدمة شرحه للمصابيح المسمى بتصحيح المصابيح : إني زرت قبره بنيسابور - يعني مسلم بن الحجاج القشيري - وقرأت بعض صحيحه على سبيل التيمن والتبرك عند قبره ورأيت ءاثار البركة ورجاء الإجابة في تربته ))اه .

وقد جاء في الفتاوى الهندية الحنفية جواز التوسل والتبرك فمن شاء فليراجع ذلك في كتاب - الفتاوى الهندية - (1/266).

المذهب الشافعي

وفي فتاوى شمس الدين الرملي الشافعي ما نصه ( سئل عما يقع من العامة من قولهم عند الشدائد : يا شيخ فلان ، يا رسول الله ، ونحو ذلك من الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين فهل ذلك جائز أم لا ؟ وهل للرسل والأنبياء والأولياء والصالحين والمشايخ إغاثةٌ بعد موتهم ؟ وماذا يرجح ذلك ؟
فأجاب : بأن الأستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة ، وللرسل والأنبياء والأولياء والصالحين إغاثة بعد موتهم ، لأن معجزة الأنبياء وكرامة الأولياء لا تنقطع بموتهم ، أما الأنبياء فلأنهم أحياء في قبورهم يصلون ويحجون كما وردت به الأخبار ، وتكون الإغاثة منهم معجزة لهم ، وأما الأولياء فهي كرامة لهم فإن أهل الحق على أنه يقع من الأولياء بقصد وبغير قصد أمور خارقة للعادة يجريها الله تعالى بسببهم )) اه. ( ويحجون) لم يثبت في السنة .
وقال العلامة المجتهد تقي الدين السبكي ما نصه : (( اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى وجواز ذلك وحسنه من الأمور المعلومة لكل ذي دين المعرفة من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين والعلماء والعوام من المسلمين ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان ولا سمع به في زمن من الأزمان حتى جاء ابن تيمية فتكلم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء الأغمار وابتدع ما لم يسبق إليه في سابق الأعصار ولهذا طعن في الحكاية التي تقدم ذكرها عن مالك فإن فيها قول مالك للمنصور : استشفع به ، ونحن قد بينا صحتها ولذلك أدخلنا الاستغاثة في هذا الكتاب لما تعرض اليها مع الزيارة ، وحسبك ان انكار ابن تيمية للاستغاثة والتوسل قول لم يقله عالم قبله وصار به بين أهل الإسلام مثله ، وقد وقفت له على كلام طويل في ذلك رأيت من الرأي القويم أن أميل عنه الى الصراط المستقيم ولا أتتبعه بالنقض والإبطال ، فإن دأب العلماء القاصدين لإيضاح الدين وإرشاد المسلمين تقريب المعنى الى أفهامهم وتحقيق مرادهم وبيان حكمه ، ورأيت كلام هذا الشخص بالضد من ذلك فالوجه الإضراب عنه ))اه.

المذهب المالكي

قال الإمام مالك للخليفة المنصور لما حج وزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم وسأل مالكاً قائلاً ( يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعوا أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : ولِم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك ءادم عليه السلام الى الله تعالى ؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله )) . ذكره القاضي عياض في كتاب - الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/92-93) . وساقه بإسناد صحيح ، والسيد السمهودي في خلاصة الوفا ، والقسطلاني في المواهب اللدنية وابن حجر الهيتمي في الجوهر المنظم ، وغيرهم .

وقال ابن الحاج المالكي المعروف بإنكاره للبدع في كتابه المدخل ما نصه ( فالتوسل به عليه الصلاة والسلام هو محل حط أحمال الأوزار وأثقال الذنوب والخطايا لأن بركة شفاعته عليه الصلاة والسلام وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب ، إذ إنها أعظم من الجميع ، فليستبشر من زاره ويلجأ الى الله تعالى بشفاعة نبيه عليه الصلاة والسلام مَنْ لم يزره ، اللهم لا تحرمنا من شفاعته بحرمته عندك . ءامين يا رب العالمين .
ومن اعتقد خلاف هذا فهو المحروم ، ألم يسمع قول الله عز وجل : (( وَلَو أَنَهُم إذ ظلموا أَنفُسَهُم جاءُوك فاستغفروا الله واستغفرَ لهُمُ الرسولُ لَوَجَدوا الله تواباً رحيما )) سورة النساء . فمن جاءه ووقف ببابه وتوسل به وجد الله تواباً رحيما ، لأن الله عز وجل منزه عن خُلْف الميعاد وقد وعد سبحانه وتعالى بالتوبة لمن جاءه ووقف ببابه وسأله واستغفر ربه ، فهذا لا يشك فيه ولا يرتاب إلا جاحد للدين معاند لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، نعوذ بالله من الحرمان )) انتهى كلام ابن الحاج .
وفي كتاب المعيار لأبي العباس أحمد بن يحي الوانشريسي المالكي ما نصه : (( وسئل بعض القرويين عمن نذر زيارة قبر رجل صالح أو حي فأجاب : يلزمه ما نذر وإن أعمل فيه المطي . ابن عبد البر : كل عبادة أو زيارة أو رباط أو غير ذلك من الطاعة غير الصلاة فيلزمه الإتيان إليه ، وحديث : ( لا تُعمل المطي )) مخصوص بالصلاة ، وأما زيارة الأحياء من الإخوان والمشيخة ونذر ذلك والرباط ونحوه فلا خلاف في ذلك ، والسنة تهدي اليه من زيارة الأخ في الله والرباط في الأماكن التي يرابط بها وتوقف بعض الناس في زيارة القبور وءاثار الصالحين ، ولا يتوقف في ذلك لأنه من العبادات غير الصلاة ، ولأنه من باب الزيارة والتذكير لقوله صلى الله عليه وسلم ( زوروا القبور فإنها تذكركم الموت )) ، وكان صلى الله عليه وسلم يأتي حراء وهو بمكة ويأتي قباء وهو بالمدينة، والخير في اتباعه صلى الله عليه وسلم واقتفاء ءاثاره قولا وفعلاً لا سيما فيمن ظهرت الطاعة فيه )) اه.

وفي ضمن كلام الوانشريسي أن عمل المسلمين جرى على التبرك بزيارة القبور المباركة عكس عقيدة التيميين ، فتبين بذلك أنهم شاذون عن الأمة في نحلتهم المعروفة وهي محاربة التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء ومحاربة زيارة القبور بقصد التبرك ، وقد أسفر الصبح لذي عينين .

قراءة 236 مرة

إضافة تعليق


Security code
التحديث