كيف نكسب الإخلاص؟

قيم هذا المقال
(0 صوت)
كيف نكسب الإخلاص؟

الإخلاص: ضدّ الرياء، وهو صفاء الأعمال مِن شوائب الرّياء، وجعلها خالصةً لله تعالى.

وهو قوام الفضائل، وملاك الطاعة، وجوهر العبادة، ومناط صحّة الأعمال، وقبولها لدى المولى عزّ وجل.

وقد مجّدته الشريعة الإسلاميّة، ونوّهت عن فضله، وشوّقت إليه، وباركَت جهود المتحلّين به في طائفة مِن الآيات والأخبار: قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدً﴾[الكهف : 110]، وقال سُبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾[الزمر: 2، 3]، وقال عزَّ وجلّ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾[البيّنة : 5].

وقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): "مَن أخلص لله أربعين يوماً، فجَّر الله ينابيع الحكمة مِن قلبه على لِسانه".

وقال الإمام الجواد (عليه السلام): "أفضل العبادة الإخلاص".

وعن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "الدنيا كلّها جهل إلّا مواضع العِلم، والعِلم كلّه حجّة إلّا ما عُمِل به، والعمَل كلّه رياءٌ إلّا ما كان مخلِصاً، والإخلاص على خطر، حتّى ينظُر العبد بما يُختَم له".

وقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): "يا أبا ذرّ، لا يفقه الرجل كلّ الفقه، حتّى يرى الناس في جنب الله أمثال الأباعر، ثُمّ يرجع إلى نفسه، فيكون هو أحقر حاقرٍ له".

فضيلة الإخلاص
تتفاوت قِيَم الأعمال بتفاوت غاياتها والبواعث المحفّزة عليها، وكلّما سمَت الغاية، وطهُرَت البواعث مِن شوائب الغشّ والتدليس والنفاق، كان ذلك أزكى لها، وأدعى إلى قبولِها لدى المولى عزّ وجلّ.

وليس الباعث في عرف الشريعة الإسلامية إلاّ (النيّة) المحفّزة على الأعمال، فمتى استهدفت الإخلاص لله تعالى، وصَفَت مِن كدر الرّياء، نبلت وسعدت بشرف رضوان الله وقبوله، ومتى شابها الخِداع والرّياء، باءت بسخَطِه ورفْضِه.

لذلك، كان الإخلاص حجَراً أساسيّاً في كيان العقائد والشّرائع، وشرطاً واقعيّاً لصحّة الأعمال، إذ هو نظام عقدها، ورائدها نحو طاعة الله تعالى ورضاه.

وناهيك في فضل الإخلاص، أنّه يُحرّر المرء من إغواء الشيطان وأضاليله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾[ص: 82، 83].

عوائق الإخلاص
وحيث كان الإخلاص هو المنار الساطع الذي ينير للناس مناهج الطاعة الحقّة، والعبوديّة الصادقة، كان الشيطان ولوعاً دؤوباً على إغوائهم وتضليلهم بصنوف الأماني والآمال الخادعة: كحبّ السمعة والجاه، وكسب المحامد والأمجاد، وتحرّي الأطماع المادّيّة التي تمسخ الضمائر وتمحق الأعمال، وتذرها قفراً يباباً من مفاهيم الجمال والكمال وحلاوة العطاء.

وقد يكون إيحاء الشيطان بالرّياء هامساً خفيفاً ماكراً، فيمارس الإنسان الطاعة والعبادة بدافع الإخلاص، ولو محّصها وأمعن فيها، وجدها مشوبةً بالرياء.

وهذا مِن أخطر المزالق، وأشدّها خفاءً وخداعاً، ولا يتجنّبها إلاّ الأولياء الأفذاذ.

كما حُكي عن بعضهم أنّه قال: "قضَيت صلاةَ ثلاثين سنة كنت صلّيتها في المسجد جماعةً في الصفّ الأوّل، لأنّي تأخّرت يوماً لعُذرٍ، وصلّيت في الصفّ الثاني، فاعترتني خَجْلةٌ مِن الناس، حيث رأوني في الصفّ الثاني، فعرفت أنَّ نظر الناس إليّ في الصفّ الأوّل كان يسرّني، وكان سبب استراحة قلبي".

نعوذ بالله مِن سُبات الغفلة، وُخِدَع الرياء والغرور. من أجل ذلك، يحرص العارفون على كتمان طاعاتهم وعباداتهم، خَشية من تلك الشوائب الخفيّة.

فقد نُقل: أنّ بعض العبّاد صام أربعين سنةً لم يعلَم به أحد مِن الأباعد والأقارب، كان يأخذ غذاءه فيتصدّق به في الطريق، فيظنّ أهله أنّه أكل في السوق، ويظنّ أهل السوق أنّه أكل في البيت.

كيف نكسب الإخلاص؟
بواعث الإخلاص ومحفّزاته عديدة، تلخصّها النقاط التالية:
1 - استجلاء فضائل الإخلاص السالفة، وعظيم آثاره في دنيا العقيدة والإيمان.
2 - إنّ أهمّ بواعث الرياء وأهدافه، استثارة إعجاب الناس، وكسب رضاهم، وبديهي أنّ رضا الناس غايةٌ لا تُدرك، وأنّهم عاجزون عن إسعاد أنفسهم، فضلاً عن غيرهم، وأنّ المُسعِد الحقّ هو الله تعالى الذي بيده أزِمّة الأُمور، وهو على كلّ شيء قدير، فحريٌّ بالعاقل أنْ يتّجه إليه ويخلص الطاعة والعبادة له.
3 - إنّ الرياء والخِداع سرعان ما ينكشفان للناس، ويسفران عن واقع الإنسان، ممّا يفضح المرائي ويعرّضه للمقت والازدراء.

ثوب الرّياء يشفّ عمّا تحته فإذا التحفتَ به فإنّك عاري..

فعلى المرء أنْ يتّسم بصدق الإخلاص، وجمال الطويّة، ليكون مثلاً رفيعاً للاستقامة والصّلاح.

فقد جاء في الآثار السالفة: "إنْ رجلاً مِن بني إسرائيل قال: لأعبدنّ الله عبارة أُذكَر بها. فمكث مدّةً مبالِغاً في الطاعات، وجعَل لا يمرّ بملأٍ من الناس إلاّ قالوا: متصنّعٍ مراءٍ، فأقبل على نفسه وقال: قد أتعبت نفسك، وضيّعت عُمرك في لا شيء، فينبغي أنْ تعمل لله سُبحانه. وأخلص عمله لله، فجعل لا يمرّ بملأٍ من الناس إلاّ قالوا ورع تقيّ".

قراءة 14 مرة

أضف تعليق


كود امني
تحديث