Super User
الجيش يدمر 8 مواقع للمسلحين ويقبض على 6 قناصين بريف دمشق

افاد المراسلون ان الجيش السوري صعد من حملته العسكرية على حي برزة، وان المصادر اكدت تدمير 8 مواقع عسكرية في ظهر المسطاح وإلقاء القبض على 6 قناصين في البساتين المطلعة على طريق مشفى تشرين بريف دمشق.
وعن الحملة العسكرية التي تشنها القوات السورية في المحور الشمالي الشرقي لريف العاصمة والتي شملت القابون وحرستا وبرزة، أوضح مراسنا ان الوحدات القتالية تقدمت وفقا لمصادر الجيش في البساتين التي تشرف على طريق دمشق حمص الدولي الذي يشرف على هذا المحور، وقامت بتثبيت الحواجز العسكرية لمنع دخول المسلحين الى حرستا القريبة من العاصمة.
من جهة أخرى قتل 6 اشخاص وجرح آخرون جراء انفجار سيارة مفخخة في حي المزة بالعاصمة السورية دمشق، وفي العاصمة أيضا سقط عدد من الضحايا جراء هجوم استهدف مقرا للشرطة في حي ركن الدين، هذا وتمكنت قوى الأمن من قتل 3 مسلحين حاولوا دخول أحد المخافر.
وقال المراسلون ان أكثر من 15 شخصا وقعوا بين قتيل وجريح جراء انفجار سيارة مفخخة في حي المزة 86 المعروف بكثفاته السكانية، وأفاد أحد المواطنين لقناتنا: جميعنا دمنا جاهز، اذا عطشت هذه الارض فدمنا جاهز بأي لحظة، كل هذه الناس المجتمعة دمها جاهز وستدافع عن وطنها.
وأضافوا أنه في تصعيد جديد للجماعات المسلحة أقدم ثلاثة أشخاص على تفجير انفسهم أثناء محاولتهم دخول مبنى شرطة قسم ركن الدين في العاصمة دمشق .
واودت التفجيرات بحياة 5 قتلى و9 جرحى، كما جاء في بيان وزارة الداخلية التي اعتبرت ان طبيعة الانفجار وطريقة تنفيذه تدل بشكل مباشر على ضلوع جبهة النصرة في تنفذ الهجوم.
وقال احد الحراس الذين كانوا يقومون بمهمة حراسة قسم الشرطة: قام 3 عناصر ارهابيون بالهجوم على المبنى وأطلقوا النار على الباب الرئيسي واشتبكنا معهم وتمكنا من اصابة احدهم في قدمه في حين فجر الآخر نفسه بحزام ناسف كان يرتديه بعد ان القى قنبلة يدوية علينا، وفي هذه الاثناء ركض الارهابي الآخر الى الطابق الثاني وفجر نفسه هناك أيضا.
كما أدى الانفجار إلى أضرار كبيرة في الممتلكات العامة والخاصة والمباني الرسمية والمنازل السكنية والآليات المتواجدة في المكان.
في ذكرى ولادة الإمام المهدي المنتظر (ع) (*)

المهدي المنتظر في القرآن والسنة
ولد ـ سلام الله عليه ـ في دار أبيه الحسن العسكري((عليه السلام)) في مدينة سامراء أواخر ليلة الجمعة الخامس عشر من شعبان وهي من الليالي المباركة التي يُستحب إحياؤها بالعبادة وصوم نهارها طبقاً لروايات شريفة مروية عن أهل البيت((عليهم السلام))(1)، وكذلك جاء مثلها في كتب أهل السنّة المعتبرة مثل سنن ابن ماجة وسنن الترمذي وغيرهما(2) .
وكانت سنة ولادته (255 هـ ) على أشهر الروايات، وثمة روايات أُخرى تذكر أن سنة الولادة هي (256 هـ ) أو (254 هـ ) مع الاتفاق على يومها وروي غير ذلك، إلاّ أن الأرجح هو التاريخ الأوّل لعدة شواهد، منها وروده في أقدم المصادر التي سجلت خبر الولادة وهو كتاب الغيبة للشيخ الثقة الفضل بن شاذان الذي عاصر ولادة المهدي ((عليه السلام)) وتوفي قبل وفاة أبيه الحسن العسكري((عليهما السلام)) بفترة وجيزة(3)، ومنها أن معظم الروايات الأُخرى تذكر أنّ يوم الولادة كان يوم جمعة منتصف شهر شعبان وإن اختلفت في تحديد سنة الولادة، ومن خلال مراجعتنا للتقويم التطبيقي(4) وجدنا أن النصف من شعبان صادف يوم جمعة في سنة (255 هـ ) وجدها دون السنين الاُخرى المذكورة في تلك الروايات.
ومثل هذا الاختلاف أمر طبيعي جار مع تواريخ ولادات ووفيات آبائه وحتى مع جده الرسول الأعظم ((صلى الله عليه وآله)) ، دون أن يؤثر ذلك على ثبوت ولادتهم ((عليهم السلام)) ، كما أنه طبيعي للغاية بملاحظة سرّيّة الولادة عند وقوعها حفظاً للوليد المبارك كما سنلاحظ ذلك لاحقاً.
تواتر خبر ولادته ((عليه السلام))
روى قصة الولادة أو خبرها الكثير من العلماء بأسانيد صحيحة أمثال أبي جعفر الطبري والفضل بن شاذان والحسين بن حمدان وعليّ بن الحسين المسعودي والشيخ الصدوق والشيخ الطوسي والشيخ المفيد وغيرهم، ونقلها بصورة كاملة أو مختصرة أو نقل خبرها عدد من علماء أهل السنّة من مختلف المذاهب الإسلامية أمثال نورالدين عبدالرحمن الجامي الحنفي في شواهد النبوة والعلاّمة محمّد مبين المولوي الهندي في وسيلة النجاة والعلاّمة محمّد خواجه بارسا البخاري في فصل الخطاب والحافظ سليمان القندوزي الحنفي في ينابيع المودة، كما نقل خبر الولادة ما يناهز المائة وثلاثين من علماء مختلف الفرق الإسلامية بينهم عشرات المؤرخين ستة منهم عاصروا فترة الغيبة الصغرى أو ولادة الإمام المهدي ((عليه السلام))، والبقية من مختلف القرون الى يومنا هذا في سلسلة متصلة وهذا الاحصاء يشمل جانباً من المصادر الإسلامية وليس كلها. وبين هؤلاء عدد كبير من العلماء والمؤرخين المشهورين أمثال ابن خلكان وابن الأثير وأبي الفداء والذهبي وابن طولون الدمشقي وسبط ابن الجوزي ومحي الدين ابن عربي والخوارزمي والبيهقي والصفدي واليافعي والقرماني وابن حجر الهيثمي وغيرهم كثير. ومثل هذا الإثبات مما لم يتوفر لولادات الكثير من أعلام التاريخ الإسلامي(5).
كيفية وظروف الولادة
يُستفاد من الروايات الواردة بشأن كيفية ولادته ((عليه السلام)) ، أنّ والده الإمام الحسن العسكري ـ سلام الله عليه ـ أحاط الولادة بالكثير من السرية والخفاء، فهي تذكر أنّ الإمام الحسن العسكري قد طلب من عمته السيّدة حكيمة بنت الإمام الجواد أن تبقى في داره ليلة الخامس عشر من شهر شعبان وأخبرها بأنه سيُولد فيها ابنه وحجّة الله في أرضه، فسألته عن أُمّه فأخبرها أنها نرجس فذهبت إليها وفحصتها فلم تجد فيها أثراً للحمل، فعادت للإمام وأخبرته بذلك، فابتسم ((عليه السلام)) وبيّن لها أن مثلها مثل أم موسى ((عليه السلام)) التي لم يظهر حملها ولم يعلم به أحد الى وقت ولادتها لأنّ فرعون كان يتعقب أولاد بني إسرائيل خشية من ظهور موسى المبشر به فيذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، وهذا الأمر جرى مع الإمام المهدي((عليه السلام)) أيضاً لأنّ السلطات العباسية كانت ترصد ولادته إذ قد تنبأت بذلك طائفة من الأحاديث الشريفة كما سنشير لاحقاً.
ويُستفاد من نصوص الروايات أنّ وقت الولادة كان قبيل الفجر وواضح أنّ لهذا التوقيت أهمية خاصة في إخفاء الولادة; لأنّ عيون السلطة عادةً تغطُّ في نوم عميق. كما يُستفاد من الروايات أنه لم يحضر الولادة سوى حكيمة التي لم تكن تعرف بتوقيتها بشكل دقيق أيضاً(6).
وتوجد رواية واحدة يرويها الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة تصرح باستقدام عجوز قابلة من جيران الإمام لمساعدة حكيمة في التوليد مع تشديد الوصية عليها بكتمان الأمر وتحذيرها من إفشائه(7).
الإخبار المسبّق عن خفاء الولادة
أخبرت الكثير من الأحاديث الشريفة بأنّ ولادة المهدي من الحسن العسكري ستُحاط بالخفاء والسرية ، ونسبت الإخفاء الى الله تبارك وتعالى وشبهت بعضها إخفاء ولادته بإخفاء ولادة موسى وبعضها بولادة إبراهيم ((عليهما السلام)) ، وبيّنت علّة ذلك الإخفاء بحفظه ((عليه السلام)) حتى يؤدي رسالته، نستعرض هنا نماذج قليلة منها.
فمثلاً روى الشيخ الصدوق في إكمال الدين والخزاز في كفاية الأثر مسنداً عن الإمام الحسن بن عليّ ((عليهما السلام)) ضمن حديث قال فيه:
«أما علمتم أنه ما منّا إلاّ وتقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه، إلاّ القائم الذي يصلّي عيسى بن مريم خلفه ؟ ! وإن الله عزّ وجلّ يُخفي ولادته ويغيّب شخصه لئلاّ يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذلك التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيدة النساء يطيل الله عمره في غيبته ثم يظهره بقدرته...»(8).
وفي حديث رواه الصدوق بطريقين عن الإمام عليّ ((عليه السلام)) قال: « ... إن القائم منا إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة ، فلذلك تُخفى ولادته ويغيب شخصه »(9).
وروى عن الإمام السجاد ((عليه السلام)) أنه قال: «في القائم منا سنن من الأنبياء ... وأما من إبراهيم فخفاء الولادة واعتزال الناس...»(10).
وروي عن الإمام الحسين ((عليه السلام)) أنه قال: « في التاسع من ولدي سنّة من يوسف وسنّة من موسى بن عمران وهو قائمنا أهل البيت يصلح الله أمره في ليلة واحدة»(11).
وروى الكليني في الكافي بسنده عن الإمام الباقر ((عليه السلام)) أنه قال ـ في حديث ـ : « انظروا من خفي ] عمي [ على الناس ولادته فذاك صاحبكم، إنه ليس منا أحد يُشار إليه بالأصابع ويمضغ بالألسن إلاّ مات غيضاً أو رغم أنفه»(12).
والأحاديث بهذا المعنى كثيرة والكثير منها مروي بأسانيد صحيحة تخبر صراحة ـ وقبل وقوع ولادة الإمام المهدي ((عليه السلام)) ـ بخفائها ، وفي ذلك دلالة وجدانية صريحة على صحتها حتى لو كان في أسانيد بعضها ضعف أو مجهولية لأنها أخبرت عن شيء قبل وقوعه ثم جاء الواقع مصدقاً لما أخبرت عنه، وهذا ما لا يمكن صدوره إلاّ من جهة علام الغيوب تبارك وتعالى الأمر الذي يثبت صدورها عن ينابيع الوحي وبإخبار من الرسول الأكرم ((صلى الله عليه وآله)).
خفاء الولادة علامة المهدي الموعود((عليه السلام))
ويُلاحظ أنّ هذه الأحاديث الشريفة تصرح بأنّ خفاء الولادة من العلائم البارزة المشخصة لهوية المهدي الموعود والقائم من ولد فاطمة الذي بشرت به الأحاديث النبوية، وهذا أحد الأهداف المهمة للتصريح بذلك وهو تعريف المسلمين بإحدى العلائم التي يكشفون بها زيف مزاعم مدّعي المهدوية كما شهد التاريخ الإسلامي الكثير منهم ولم تنطبق على أي منهم هذه العلامة ، فلم تُحَطْ ولادة أي منهم بالخفاء كما هو ثابت تاريخياً(13).
وتشير الأحاديث الشريفة المتقدّمة الى علة إخفاء ولادته ((عليه السلام)) وأنها العلة نفسها التي أوجبت إخفاء ولادة نبي الله موسى ((عليه السلام)) ، وهي حفظه من سطو الفراعنة ومساعيهم لقتله إتماماً لحجة الله تبارك وتعالى على عباده ورعاية له لكي يقوم بدوره الإلهي المرتقب في إنقاذ بني إسرائيل والصدع بالديانة التوحيدية ومواجهة الجبروت الفرعوني بالنسبة لموسى الكليم ـ سلام الله عليه ـ ، وهكذا إنقاذ البشرية جمعاء وإنهاء الظلم والجور وإقامة القسط والعدل وإظهار الإسلام على الدين كله بيد المهدي المنتظر ـ عجل الله فرجه ـ . وهذا ما كان يعرفه أئمة الجور من خلال النصوص الواردة بهذا الشأن، ففرعون مصر كان على علم بالبشارات الواردة بظهور منقذ لبني إسرائيل منهم، لذلك سعى في تقتيل أبنائهم بهدف منع ظهوره، وكذلك حال بني العباس إذ كانوا على علم بأنّ المهدي الموعود هو من ولد فاطمة ـ سلام الله عليها ـ ، وأنه الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت((عليهم السلام)) وقد انتشرت الأحاديث النبوية المصرحة بذلك بين المسلمين ودوّنها علماء الحديث قبل ولادة المهدي بعقود عديدة، كما كانوا يعلمون بأنّ الإمام الحسن العسكري هو الإمام الحادي عشر من أئمة العترة النبوية ((عليهم السلام)) ، لذا فمن الطبيعي أن يسعوا لقطع هواجس ظهور المهدي الموعود بالإجتهاد من أجل قطع نسل والده العسكري ((عليهما السلام)) .
ومن الواضح أنّ مجرد احتمال صحة هذه الأحاديث كان كافياً لدفعهم نحو إبادته، فكيف الحال وهم على علم راجح بذلك خاصةً وأن ليس بين المسلمين سلسلة تنطبق عليهم مواصفات تلك الأحاديث الشريفة مثلما تنطبق على هؤلاء الأئمة الاثني عشر ((عليهم السلام)) كما لاحظنا مفصلاً في البحوث السابقة ؟ !
وعلى ضوء هذه الحقيقة يمكن أن نفهم سر ظاهرة قصر الأعمار التي ميزت تاريخ الأئمة الثلاثة الذين سبقوا الإمام المهدي ((عليهم السلام)) من آبائه، فقد استشهد أبوه العسكري وهو ابن ثمان وعشرين(14) واستشهد جدّه الإمام الهادي وهو ابن أربعين سنة(15) واستشهد الإمام الجواد وهو ابن خمس وعشرين سنة(16)، وهذه ظاهرة جديرة بالدراسة، وتكفي وحدها للكشف عن المساعي العباسية الحثيثة لإبادة هذا النسل للحيلولة دون ظهور المهدي الموعود(17) حتى لو لم يسجل التاريخ محاولات العباسيين لاغتيال وقتل هؤلاء الأئمة، فكيف الحال وقد سجل عدداً من هذه المحاولات تجاههم((عليهم السلام)) ، حتى ذكر المؤرخون مثلاً أنهم قد سجنوا الإمام العسكري وسعوا لاغتياله عدة مرات، كما فعلوا مع آبائه ((عليهم السلام))(18)؟!
يقول الإمام الحسن العسكري معللاً هذه الحرب المحمومة ضدهم((عليهم السلام)) فيما رواه عنه معاصره الشيخ الثقة الفضل بن شاذان:
قال: حدّثنا عبدالله بن الحسين بن سعد الكاتب قال: قال أبو محمّد ] الإمام العسكري ((عليه السلام)) [ : «قد وضع بنو اُمية وبنو العباس سيوفهم علينا لعلتين : إحداهما أنّهم كانوا يعلمون أنّه ليس لهم في الخلافة حقّ فيخافون من ادعائنا إيّاها وتستقر في مركزها، وثانيتهما أنّهم قد وقفوا من الأخبار المتواترة على أنّ زوال ملك الجبابرة والظلمة على يد القائم منا، وكانوا لا يشكّون أنّهم من الجبابرة والظلمة ، فسعوا في قتل أهل بيت رسول الله((صلى الله عليه وآله)) وإبادة نسله طمعاً منهم في الوصول الى منع تولد القائم ((عليه السلام)) أو قتله، فأبى الله أن يكشف أمره لواحد منهم (إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)»(19).
المهدي المنتظر الموعود في القرآن والسنة
إنّ أبرز ما تتميز به عقيدة مدرسة أهل البيت((عليهم السلام)) في المهدي الموعود عن غيرها من الفرق الإسلامية هو القول بوجوده بالفعل وغيبته وتحدد هويته بأنّه الإمام الثاني عشر من أئمة العترة النبوية الطاهرة، وأنه قد ولد بالفعل من الحسن العسكري((عليه السلام)) سنة (255 هـ ) وتولى مهام الإمامة بعد وفاة أبيه العسكري سنة 260 للهجرة وكانت له غيبتان الاُولى وهي الصغرى استمرت الى (329هـ ) كان الإمام يتصل خلالها بشيعته عبر سفرائه الخاصين، ثم بدأت الغيبة الكبرى المستمرة حتى يومنا هذا والى أن يأذن الله عزّ وجلّ بالظهور لأنجاز مهمته الكبرى في إقامة الدولة الإسلامية العالمية التي يسيطر فيها العدل والقسط على أرجاء الأرض إن شاء الله تعالى.
ويتفق أهل السنّة على انتماء المهدي الموعود لأهل البيت((عليهم السلام)) وأنّه من ولد فاطمة((عليها السلام)) وقد اعتقد جمع منهم بولادته لكن بعضهم ذهب الى أنه سيُولد ويظهر في آخر الزمان ليحقق مهمته الموعودة دون أن يستند الى دليل نقلي ولا عقلي في ذلك سوى الإستناد الى الأحاديث المشيرة الى أنّ ظهوره يكون في آخر الزمان. وليس هذا دليلاً تاماً على أنّ ولادته ستكون في آخر الزمان أيضاً كما أنه ليس فيه نفي للغيبة; لأنها والظهور لا يكونان في زمن واحد لكي يُقال بأنَّ إثبات الظهور في آخر الزمان يعني نفي الغيبة دفعاً لإجتماع النقيضين المحال عقلاً، فرأي الإمامية هو أنّ الغيبة تكون قبل الظهور فلا تعارض بينهما.
ومدرسة أهل البيت((عليهم السلام)) تقدّم الأدلة لإثبات الغيبة بتفصيل في كتبها العقائدية المشهورة(20).
وقد لاحظنا سابقاً أن البشارات السماوية الواردة في الأديان السابقة بشأن المنقذ العالمي الموعود في آخر الزمان لا تنطبق بالكامل إلاّ على المهدي ابن الحسن العسكري((عليهما السلام)) الذي تؤمن به مدرسة أهل البيت ((عليهم السلام))، بل وتصرّح بغيبته وهذا أهم ما يميّز رأي الإمامية كما تصرّح بأنه خاتم الأئمة الاثني عشر وتشير الى خصائص لا تنطبق على سواه، الأمر الذي جعل التعرّف على عقيدة الإماميّة في المهدي المنتظر وسيلة ناجحة في حل الاختلاف في تحديد هوية المنقذ العالمي إستناداً الى المنهج العلمي في دراسة هذه البشارات.
ونعرض هنا مجموعةً من الآيات الكريمة التي تدل بصورة مباشرة على حتمية أن يكون في كلّ زمان إمام حقّ يهدي الناس الى الله ويشهد على أعمالهم ليكون حجّة الله عزّ وجلّ على أهل زمانه في الدنيا والآخرة، والتي تحدد له صفات لا تنطبق ـ في عصرنا الحاضر ـ على غير الإمام المهدي الذي تقول مدرسة أهل البيت((عليهم السلام)) بوجوده وغيبته. فتكون هذه الآيات دالة على صحة عقيدة الإمامية في المهدي المنتظر، وهي في الواقع من الآيات المثبتة لاستحالة خلو الأرض من إمام الحقّ في أي زمان، ودلالتها على المقصود واضحة لا تحتاج الى المزيد من التوضيح إلاّ أنّ الخلافات السياسية التي شهدها التاريخ الإسلامي وانعكاساتها في تشكيل الآراء العقائدية; أدّت الى التغطية على تلك الدلالات الواضحة وصرفها الى تأويلات بعيدة عن ظواهرها البيّنات.
ونكمل هذا البحث بدراسة لدلالات طائفة من الأحاديث الشريفة التي صحت روايتها عن الرسول الأكرم((صلى الله عليه وآله)) في الكتب الستة المعتبرة عند أهل السنّة وغيرها من الكتب المعتبرة عند جميع فرق المسلمين; فهي تشكل حجّة عليهم جميعاً; وهي تكمّل دلالات الآيات الكريمة المشار إليها وتشخص المصاديق التي حددت الآيات صفاتها العامة. وتثبت أنّ المهدي الموعود الذي بشر به رسول الله((صلى الله عليه وآله)) هو الإمام الثاني عشر من أئمة العترة النبوية وهو ابن الحسن العسكري سلام الله عليه.
1 ـ عدم خلو الزمان من الإمام
قال الله تعالى: ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاس بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً* وَمَن كَانَ فِي هذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً)(21).
وهذا نصٌّ صريح على أنّ لكلّ أهل زمان «كلّ اُناس» إمام يُدعون به يوم القيامة. ويكون الإحتجاج به عليهم أو ليكون شاهداً عليهم يوم الحساب وهذا أيضاً يتضمن معنى الإحتجاج عليهم. فَمن هو «الإمام» المقصود في الآية الكريمة الاُولى؟
للإجابة يلزم الرجوع الى المصطلح القرآني نفسه لمعرفة المعاني المرادة منه والإهتداء به لمعرفة المنسجم مع منطوق النص القرآني المتقدم.
لقد اُطلق لفظ «الإمام» في القرآن الكريم على مَن يُقتدى به من الأفراد، وهو على نوعين لا ثالث لهما في الاستخدام القرآني وهما: الإمام المنصوب من قبل الله تبارك وتعالى لهداية الخلق إليه بأمره عزّ وجلّ، كما في قوله عزّ وجلّ: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا )(22)، وقوله: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)(23)، وقوله: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)(24)، وقوله: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً)(25). فيُلاحظ في جميع هذه الموارد أنها تنسب جعل الإمامة الى الله سبحانه مباشرة.
أما النوع الثاني فهو مَن يُقتدى به للضلال كما في قوله تعالى: (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ )(26)، وقوله: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ)(27).
هذا في الأفراد أما في غير الأفراد فقد أُستخدم في معنيين وبصورة المفرد فقط في حين ورد بالمعاني السابقة بصيغة المفرد وصيغة الجمع، والمعنى الأوّل هو التوراة كما في قوله تعالى: (وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً)(28)، وربّما يُستفاد من هذا الاستخدام صدق وصف «الإمام» على الكتب السماوية الأُخرى أو الرئيسة منها على الأقل. أما المعنى الثاني فهو اللوح المحفوظ كما في قوله تعالى:(وَكُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين )(29).
الإمام المقصود في الآية
فمَن هو «الإمام» المقصود في الآية والذي لا يخلو زمان من مصداق له ويُدعى به أهل عصره يوم القيامة؟ هل هو شخصٌ معيّنٌ أم هو أحد الكتب السماوية في كلّ عصر أم هو اللوح المحفوظ؟
لا يمكن أن يكون المراد هنا الكتب السماوية ولا اللوح المحفوظ، لأنّ الآية عامة وصريحة بأنّ مدلولها ـ وهو عدم خلو أي زمان، وقوم من إمام ـ يشمل الأولين والآخرين، في حين أنّ من الثابت قرآنياً وتاريخياً أنّ أوّل الكتب السماوية التشريعية هو كتاب نوح((عليه السلام))، فالقول بأنّ المراد بالإمام في الآية أحدها في كلّ عصر يعني إخراج الأزمنة التي سبقت نوحاً((عليه السلام)) من حكم الآية وهذا خلاف صريح منطوقها بشمولية دلالتها لكلّ عصر كما يدلّ عليه قوله((عليه السلام)) (كلّ اُناس).
كما لا يمكن تفسير الإمام في الآية باللوح المحفوظ لأنه واحدٌ لا يختص بأهل زمان معين عن غيرهم في حين أن الآية الكريمة تصرّح بأنّ لكلّ اُناس إماماً.
إذن لا يبقى إلاّ القولان الأولان، فالمتعين أن يكون المراد من الإمام في الآية من يأتم به أهل كلّ زمان في سبيلي الحقّ أو الباطل. أو أن يكون المراد فيها إمام الحقّ خاصة وهو الذي يجتبيه الله سبحانه في كلّ زمان لهداية الناس بأمره تبارك وتعالى ويكون حجّة الله عزّ وجلّ عليهم يدعوهم به يوم القيامة للاحتجاج به عليهم سواءٌ كان نبيّاً كإبراهيم الخليل ومحمّد ـ عليهما وآلهما الصلاة والسلام ـ أو غير نبي كأوصياء الأنبياء((عليهم السلام)).
ويكون المراد بالدعوة في الآية هو الإحضار، أي أنّ كلّ اُناس ـ في كلّ عصر ـ محضرون بإمام عصرهم، ثم يُؤتى مَن اقتدى بإمام الحقّ كتابه بيمينه ويظهر عمى مَن عمي عن معرفة الإمام الحقّ في عصره وأعرض عن إتباعه.
وهذا ما يعطيه التدبر في الآيتين الكريمتين مورد البحث كما يقول العلاّمة الطباطبائي في تفسيرهما(30)، وقد عرض في بحثه لجميع أقوال المفسّرين الأُخرى في تفسير معنى الإمام هنا وبيّن عدم إنسجامها مع الاستخدام القرآني وظاهر الآيتين، وهي أقوال واضحة البطلان، ولعل أهمها القول بأنّ المراد من الإمام: النبيّ العام لكلّ أُمّة، كأن يُدعى بأُمّة إبراهيم أو أُمّة موسى أو أُمّة عيسى أو أُمّة محمّد ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ ، وهذا القول أيضاً غير منسجم مع ظاهر الآيتين أيضاً لأنه يُخرج من حكمها العام الأُمم التي لم يكن فيها نبي وهذا خلاف ظاهرهما كما أنه مدحوض بالآيات الأُخرى التي سنتناولها لاحقاً إن شاء الله.
الإمام المنقذ من الضلالة
وعليه يكون محصّل الآيتين الكريمتين هو الدلالة على حتمية وجود إمام حقّ يُهتدى به في كلّ عصر، يكون حجّة الله عزّ وجلّ على أهل زمانه في الدنيا والآخرة، فتكون معرفة وإتباعه في الدنيا وسيلة النجاة يوم الحشر; فيما يكون العمى عن معرفته وإتباعه في الدنيا سبباً للعمى والضلال الأشد في الآخرة يوم يُدعى كلّ أُناس بإمام زمانهم الحقّ، ويُقال للضالين عنه: هذا إمامكم الذي كان بين أظهركم فلماذا عميتم عنه؟ وبذلك تتم الحجّة البالغة عليهم، وتتضح حكمة دعوتهم وإحضارهم به يوم القيامة.
ونصل الآن للسؤال المحوري المرتبط بما دلّت عليه هاتان الآيتان، وهو: ـ مَن هو إمام الحقّ الذي يمثّل حجّة الله على خلقه في عصرنا هذا، والذي لابد له من مصداق في سائر العصور كما نصت عليه الآيتان المتقدمتان وغيرهما كما سنرى؟
للإجابة على هذا السؤال من خلال النصوص القرآنية وحدها بإعتبارها حجّة على الجميع ـ ينبغي معرفة الصفات التي تحددها الآيات الكريمة لإمام الحقّ ثم البحث عمن تنطبق عليه في زماننا هذا.
المواصفات القرآنية لإمام المهدى
والمستفاد من تفسير الآيتين المتقدمتين أنّ الإمام المقصود يجب أن تتوفر فيه الصفات التي تؤهله للاحتجاج به على قومه يوم القيامة من القدرة على الهداية والأهلية لأنّ يكون إتباعه موصلاً للهدى وطاعته معبّرةً عن طاعة الله تبارك وتعالى، وأن يكون قادراً على معرفة حقائق أعمال الناس وليس ظواهرها، أي أن يكون هادياً لقومه وشهيداً على أعمالهم، الأمر الذي يستلزم أن يكون قادراً على تلقي الهداية الإلهية وحفظها ونقلها للناس، كما يجب أن يكون أهلاً لأنّ يتفضل عليه الله عزّ وجلّ بعلم الكتاب والأسباب التي تؤهله لمعرفة حقائق أعمال الناس للشهادة بشأنها والإحتجاج به عليهم يوم القيامة. وسيأتي المزيد من التوضيح لذلك في الفقرتين اللاحقتين.
كما ينبغي أن يكون متحلّياً بأعلى درجات العدالة والتُّقى لكي لا يخلّ بأمانة نقل الهداية الإلهية الى قومه، وكذلك لكي لا يحيف في شهادته عليهم يوم القيامة. أي أن يتحلى بدرجة عالية من العصمة، وهذا ما يُصرح به القرآن الكريم في قوله تعالى: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ )(31). فالإمامة «عهد» من الله تبارك وتعالى لا ينال من تلبس بظلم مطلقاً ومعلومٌ أنّ ارتكاب المعاصي مصداق من مصاديق الظلم، لذا فالمؤهل للإمامة يجب أن يكون معصوماً.
وحيث إنّ الله تبارك وتعالى قد أقرَّ طلب خليله إبراهيم النبيّ((عليه السلام)) في جعل الإمامة في ذريته ولم يقيّدها إلاّ بأنها لا تنال غير المعصومين، نفهم أنّ الذرية الإبراهيمية لا تخلو من متأهل للإمامة الى يوم القيامة، وهذا ما يؤكده قوله عزّ وجلّ: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)(32).
ولما كانت الإمامة عهداً إلهياً، كان الإمام مختاراً لها من الله عزّ وجلّ ـ وهو الأعلم حيث يجعل رسالته ـ وهذا ما تؤكده الآيات الكريمة فقد نسبت جعل الإمام الى الله مباشرة ولم تنسبه لغيره كما هو واضحٌ في الآيتين المتقدمتين من سورتي الزخرف والبقرة وغيرهما. ويتحقق هذا الاختيار الإلهي لشخص معيّن للإمامة من خلال النص الصادر من ينابيع الوحي ـ القرآن والسنّة ـ أو مَن ثبتت إمامته وعصمته، أو ظهور المعجزات الخارقة للعادة على يديه حيث تثبت صحة إدعائه الإمامة.
إذن فإمام زماننا الذي دلّت آيتا سورة الإسراء على حتمية وجوده يجب أن يكون هادياً لقومه وشهيداً على أعمالهم ليصح الإحتجاج به يوم القيامة، وأن يكون معصوماً ومن الذرية الإبراهيمية التي ثبت بقاء الإمامة فيها، وأن يكون منصوصاً عليه من قبل الرسول الأعظم((صلى الله عليه وآله)) أو مَن ثبتت إمامته، أو أن يكون قد ظهرت على يديه من المعجزات التي تُثبت إرتباطه بالسماء وصحة إدعائه الإمامة.
مصداق الإمام في عصرنا الحاضر
فمَن الذي تتوفر فيه هذه الصفات في عصرنا الحاضر؟ من الواضح أنه لا يوجد شخص ظاهر تنطبق عليه هذه الصفات وليس ثمّة شخصٌ ظاهرٌ يدعيها أيضاً، فهل يكون عدم وجود شخص ظاهر تتوفر فيه هذه الصفات يعني خلو عصرنا من مثل هذا الإمام؟
الجواب سلبي بالطبع; لأنه يناقض صريح دلالة آيتي سورة الإسراء، فلا يبقى أمامنا إلاّ القول بوجوده وغيبته وقيامه بالمقدار اللازم للإحتجاج به على أهل زمانه يوم القيامة والذي هو من مهام الإمام، حتى في غيبته.
وهذا ما تقوله مدرسة أهل البيت((عليهم السلام)) في المهدي المنتظر((عليه السلام)) وتتميز به عمّا سواها، وتقيم الأدلة النقلية والعقلية الدالة على توفر جميع الشروط والصفات المتقدّمة فيه من العصمة والنص عليه من الرسول الأعظم((صلى الله عليه وآله)) ومَن ثبتت إمامته من آبائه((عليهم السلام))، كما ثبت صدور المعجزات عنه في غيبته الصغرى بل والكبرى أيضاً وقيامه عملياً بما يتيسّر له من مهام الإمامة في غيبته كي يتحقق الإحتجاج به على أهل زمانه، كما هو مدوّن في الكتب التي صنّفها علماء هذه المدرسة(33).
وتكفي هنا الإشارة الى أنّ بعض هذه الكتب قد دوّنت قبل ولادة الإمام المهدي((عليه السلام)) بفترة طويلة تفوق القرن وفيها أحاديث شريفة تضمّنت النص على إمامته والإخبار عن غيبته وطول هذه الغيبة قبل وقوعها وهذا أوضح شاهد على صحتها كما استدل بذلك العلماء إذ جاءت الغيبة مصدّقة لما أخبرت عنه النصوص المتقدّمة عليها وفي ذلك دليل واضح على صدورها من ينابيع الوحي(34).
2 ـ في كلّ زمان إمام شهيد على أُمته
قال تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤُلاَءِ شَهِيداً)(35).
وقال: ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّة شَهِيداً ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ)(36).
وقال: ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّة شَهِيداً عَلَيْهِم مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هؤُلاَءِ)(37).
وقال: (وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّة شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ)(38).
إنّ هذه الآيات الكريمة تتحدّث عن الإحتجاج الإلهي على البشر يوم القيامة، وهو الإحتجاج نفسه الذي لاحظناه في آيتي سورة الإسراء المتقدمتين، وهي تدعم وتؤكد دلالتهما على حتمية وجود إمام حقّ في كلّ عصر يحتج به الله جلّ وعلا على أهل كلّ عصر «كلّ أُمة، كلّ اُناس» فيما يرتبط بالهداية والضلال وإنطباق أعمالهم على الدين الإلهي القيّم.
واضحٌ أنّ مقتضى كونه حجّة لله على خلقه أن يكون عالماً بالشريعة الإلهية من جهة لكي يكون قادراً على هداية الخلق إليها وأن يكون بين أظهرهم للقيام بذلك، هذا أولاً، وثانياً أن يكون محيطاً بأعمال قومه لكي يكون شهيداً عليهم، أي يستطيع الشهادة يوم القيامة بشأن مواقفهم تجاه الدين القيّم.
وواضح أنّ الشهادة المذكورة في هذه الآيات مطلقة، «وظاهر الجميع على إطلاقها هو الشهادة على أعمال الأُمم وعلى تبليغ الرسل أيضاً»(39) وقد صرّح الزمخشري في الكشاف بذلك وقال: «لأنّ أنبياء الأُمم شهداء عليهم يشهدون بما كانوا عليه»(40)، وأن الشهيد: «يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق والكفر والتكذيب»(41). والشهيد يجب أن يكون حيّاً معاصراً لهم غير متوفى كما يشير لذلك قوله تعالى على لسان عيسى((عليه السلام)): (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهيدٌ)(42).
يُستفاد من هذه الآية أنّ إعلان نتاج الشهادة يكون في يوم القيامة لكن الإحاطة بموضوعها أي أعمال القوم يكون في الدنيا وخلال معاصرة الشهيد لأُمته لقوله تعالى: (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي...)، لذلك يجب أن يكون الشهيد الذي يحتج به الله يوم القيامة معاصراً لمَن يشهد عليهم، لذا لا يمكن حصر الشهداء على الأُمم بالأنبياء((عليهم السلام)) كما فعل الزمخشري في تفسيره(43)، بل يجب القول بأنّ في كلّ عصر شهيدٌ على أعمال معاصريه، كما صرّح بذلك الفخر الرازي في تفسيره حيث قال: أما قوله تعالى: (وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّة شَهِيداً)، فالمراد ميّزنا واحداً ليشهد عليهم، ثم قال بعضهم هم الأنبياء يشهدون بأنهم بلّغوا القوم الدلائل وبلّغوا في إيضاحها كلّ غاية ليُعلم أن التقصير منهم ]أي من الناس [فيكون ذلك زائداً في غمّهم.
وقال آخرون: بل هم الشهداء الذين يشهدون على الناس في كلّ زمان، ويدخل في جملتهم الأنبياء، وهذا أقرب لأنه تعالى عمَّ كلّ أُمة وكلّ جماعة بأنّ ينزع منهم الشهيد فيدخل فيه الأحوال التي لم يُوجد فيها النبيّ وهي أزمنة الفترات والأزمنة التي حصلت بعد محمّد((صلى الله عليه وآله)) فعلموا حينئذ أنّ الحقّ لله ولرسوله...»(44).
إذن فلابدّ من وجود شهيد على الأُمة في هذا العصر كما هو الحال في كلّ عصر، يؤيد ذلك استخدام آيتي سورة النساء والنحل لاسم الإشارة «هؤلاء» في الحديث عن شهادة الرسول الأكرم محمّد((صلى الله عليه وآله)): (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤُلاَءِ شَهِيداً) إشارة الى معاصريه فيما يكون شهداء آخرون على الأجيال اللاحقة(45). فمَن هو الشهيد علينا في هذا العصر؟! نعود الى الآيات الكريمة لمتابعة ما تحدده من الصفات الهادية الى معرفته والإجابة على هذا التساؤل.
صفات الشهيد الإمام
إنّ الآية (89) من سورة النحل تصرّح بأنه من البشر أنفسهم (شَهِيداً عَلَيْهِم مِنْ أَنفُسِهِمْ ) وهو المستفاد من الآيات الأُخرى فهي تستخدم «من» التبعيضية في قوله تعالى: (مِن كُلِّ أُمَّة شَهِيداً).
فالشهيد هو كالأنبياء بشرٌ، لا هو من الملائكة ولا من الجن ولا من الكتب السماوية ولا اللوح المحفوظ، وفي هذا تأييد لما تقدّم في الحديث عن آيتي سورة الإسراء أنّ المقصود فيهما من الإمام شخص لا كتاب سماوي، إذ أن الآيتين تتحدثان عن الإحتجاج الإلهي به على أُمّته وهذا هو دور الشهيد في هذه الآيات أيضاً، فالمقصود واحد في كلتا الحالتين، فالإمام هو أيضاً منهم.
والآيات الكريمة تستخدم صيغة المفرد في وصفه، أي إنّ الشهيد على قومه واحد في زمانه الذي يعاصره حيّاً، وهذا ينسجم مع استخدام آية سورة الإسراء المتقدّمة لصيغة المفرد في ذكر الإمام (كُلَّ أُنَاس بِإِمَامِهِمْ ). الأمر الذي ينفي التفسير القائل بأنّ الأُمّة الإسلامية جمعاء أو جماعة المؤمنين الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر هي الشهيدة على أعمال قومها أو الأقوام الأُخرى المعاصرة لها، والأمر نفسه يصدق على نفي القول بأنّ مصداق هذه الآيات هم «الأبدال» الذين لا يخلو منهم زمان كما ورد في الروايات المروية من طريق الفريقين(46). بل شهيد الأعمال في زمانه واحدٌ لا أكثر.
وحيث إنّ دوره هو الشهادة على أعمال أُمته بالكفر والتكذيب أو الإيمان والتصديق كما تقدّم القول عن الزمخشري وهذه حالات قلبية وحيث إن: «من الواضح أن هذه الحواس العادية التي فينا والقوى المتعلّقة بها منا لا تتحمّل إلاّ صور الأفعال والأعمال فقط، وذلك التحمل أيضاً إنّما يكون في شيء يكون موجوداً حاضراً عند الحس لا معدوماً ولا غائباً عنه، وأما حقائق الأعمال والمعاني النفسانية من الكفر والإيمان والفوز والخسران، وبالجملة كلّ خفي عن الحس، ومستبطن عند الإنسان ـ وهي التي تكسب القلوب وعليه يدور حساب ربّ العالمين يوم تبلى السرائر كما قال تعالى: (وَلكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ )(47) ـ فهي ممّا ليس في وسع الإنسان إحصاؤها والإحاطة بها وتشخيصها من الحاضرين فضلاً عن الغائبين إلاّ رجل يتولى الله أمره ويكشف ذلك له بيده»(48).
لذلك يجب أن تكون للشهيد على أُمته إحاطة علمية ربانية بحقائق أعمالهم لأنّ قيمة الأعمال في الميزان الإلهي هي لحقائقها الباطنية ودوافعها ونواياها كما هو واضح، لذلك لا يمكن أن يكون هذا الشهيد على أُمته شخصاً عادياً بل من الذين يحظون بنعمة التسديد الإلهي المباشر ومن الذين ارتضاهم الله سبحانه فأطلعهم على غيبه إذ من مصاديق غيبه معرفة بواطن أعمال الناس.
«ومن المعلوم أنّ هذه الكرامة لا ينالها جميع أفراد الأُمّة، إذْ ليست ]هي [إلاّ كرامة خاصة للأولياء الطاهرين منهم، وأما مَن دونهم من المتوسطين في السعادة والعدول من أهل الإيمان فليس لهم ذلك... إنّ أقل ما يتصف به الشهداء ـ وهم شهداء الأعمال ـ أنهم تحت ولاية الله ونعمته وأصحاب الصراط المستقيم»(49).
الشهيد عنده «علم الكتاب»
وواضح أنّ هذا الإطلاع على بواطن الناس غير ممكن بالأسباب الطبيعية المتعارفة بل يحتاج الى نمط خاص من العلم يتفضل به الله تبارك وتعالى بحكمته على مَن يشاء من عباده ـ وهو عزّ وجلّ الأعلم حيث يجعل رسالته(50) ـ فيتمكن به العبد من تجاوز ما تعارف عليه الناس من الأسباب الطبيعية والقيام بما يمكن القيام به بواسطة هذه الأسباب فتكون له مرتبة من الولاية التكوينية وتجاوز الأسباب الطبيعية بإذن الله، وهذا النمط الخاص من العلم هو ما سُمّي في القرآن الكريم بـ «علم الكتاب».
كما نلاحظ ذلك في قصة إتيان آصف بن برخيا بعرش بلقيس من اليمن الى فلسطين في طرفة عين فقد علل القرآن قدرته على القيام بهذا العمل في زمن قصير للغاية بحيث لا يتصوّر تحقّقه على وفق الأسباب الطبيعية، بما كان لديه من علم الكتاب» لاحظ قوله عزّ وجلّ: ( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هذَا مِن فَضْلِ رَبِّي)(51).
وكان آصف بن برخيا وصيّاً لسليمان النبيّ((عليه السلام)) أراد أن يعرّف الناس بأنه الحجّة من بعده بإبراز علمه المأخوذ من الكتاب(52)، وكان عنده مقدار معيّن من علم الكتاب وليس كلّه كما هو واضح من استخدام «من» التبعيضية في الآية المتقدّمة.
ومنه يتّضح أنّ الذي لديه علم الكتاب كلّه تكون له مرتبة أعلى من هذه الولاية التكوينية والتصرّف في الأسباب والقدرة على الإحاطة ببواطن أعمال الناس وتقديم الشهادة الكاملة بأحقيّّة الرسالة الإلهية.
وعليه فالشهيد على قومه ينبغي أن يكون لديه علم من الكتاب ـ كلاً أو بعضاً ـ أو يمكن القول كحدٍّ أدنى بأنّ الذي عنده هذا النمط الخاص من العلم قادرٌ على ذلك. يقول عزّ من قائل في آخر سورة الرعد: ( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتابِ)(53).
وقد ثبت من طرق أهل السنّة ـ كما نقل ذلك الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل(54) ـ ومن عدة طرق، وكذلك ثبت من طرق مذهب أهل البيت((عليهم السلام))(55): إنّ الآية الكريمة نزلت في الإمام عليّ((عليه السلام))، وإنَّ علم الكتاب عنده وعند الأئمة من أولاده((عليهم السلام)).. وليس هناك من يدعيه غيرهم وقد صدّقت سيرتهم((عليهم السلام)) ذلك والكثير مما نقله عنهم حفاظ أهل السنّة والشيعة يشهد على صدق مدّعاهم هذا.
إذن فالمتحصل من الآيات الكريمة المتقدّمة:
1 ـ حتمية وجود من يجعله الله تبارك وتعالى شهيداً على أعمال العباد في كلّ عصر بحيث يحتج به على أهل عصره وأمته يوم القيامة، فهو إمام زمانهم الذي يُدعون به، ويكون من أنفسهم.
2 ـ وهذا الإمام الشهيد قد يكون نبياً وقد يكون من الأوصياء في الفترات التي ليس فيها نبيّ كما هو حال عصرنا الحاضر والعصور التي تلت عصر خاتم الأنبياء محمّد((صلى الله عليه وآله)). إذ الآيات مطلقة تشمل كلّ الأزمان كما هو ظاهر. فالإمام الشهيد موجود إذن في عصرنا الحاضر.
3 ـ والإمام الشهيد في عصرنا الحاضر حيٌّ أيضاً كما هو المستفاد مما حكاه القرآن الكريم على لسان عيسى((عليه السلام)).
4 ـ ولابدّ أن يكون هذا الإمام الشهيد على أهل زمانه مسدداً بالعناية الإلهية ممن تفضّل الله عزّ وجلّ عليه بنمط من الولاية التكوينية التي يصل بها الى حقائق أعمال من يشهد لهم أو عليهم يوم القيامة. ومظهر هذا التسديد والفضل الإلهي هو أن يكون لديه علم من الكتاب أو علم الكتاب كلّه.
5 ـ وحيث إنّ مثل هذا الشخص غير ظاهر فلابدّ من القول بغيبته الظاهرية، وقيامه بما يؤهله لأنّ يحتج الله تبارك وتعالى به يوم القيامة خلال غيبته.
6 ـ قد ثبت ـ من طرق أهل السنّة والشيعة ـ أن لدى الإمام عليّ والأئمة من أولاده((عليهم السلام)) علم الكتاب حسب ما نص عليه القرآن الكريم بالوصف الذي لا ينطبق على غيره.
وقد أثبت المفسر الكبير العلاّمة محمّد حسين الطباطبائي في كتابه القيّم (الميزان في تفسير القرآن)، عدم إنسجام الأقوال الاُخرى مع منطوق الآية الأخيرة من سورة الرعد لذلك فإن المواصفات المستفادة من الآيات الكريمة تنطبق عليهم، وحيث لم يدّعِ غيرهم ذلك فانحصر الأمر بهم. وقولهم في الإمام الثاني عشر منهم، وهو محمّد بن الحسن العسكري ـ عليهم السلام جميعاً ـ بغيبته وقيامه بمهام الإمامة وما تقتضيه مهمة الشهادة على أهل زمانه يوم القيامة; ينسجم بشكل كامل مع دلالات الآيات الكريمة المتقدّمة التي لا تنطبق على غيره كما هو واضح بالاستقراء لعقائد الفرق الأُخرى.
إنّ هذه الطائفة من الآيات الكريمة تهدي الى حتمية وجود مهدي آل البيت((عليهم السلام)) وغيبته وقيامه بما تقتضيه مسؤولية الشهادة الإحتجاجية يوم القيامة. وهذا ما تؤكده ـ كما سوف نرى ـ الآيات اللاحقة.
3 ـ لا يخلو زمان من هاد الى الله بأمره
قال تعالى: ( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد )(56).
تصرّح الآية الكريمة وعلى نحو الإطلاق بأنّ (لِكُلِّ قَوْم هَاد). واستناداً الى إطلاقها يُستفاد أن ثمة هاد الى الحقّ في كلّ عصر.
وهذه الحقيقة منسجمة مع ما تدل عليه الآيات الكريمة وصحاح الأحاديث الشريفة والبراهين العقلية من أنّ ربوبية الله لخلقه اقتضت أن يجعل سبحانه وتعالى لهم في كلّ عصر حجّة له عليهم يهديهم الى الحقّ، طبقاً لسنّته الجارية في جميع مخلوقاته في هدايتهم الى الغاية من خلقها فهو كما قال: ( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى* وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى)(57). وهذه السنّة جارية على بني الإنسان أيضاً فهو تعالى الذي خلقهم وقدّر بأنّ يهديهم الى كمالاتهم المقدّرة لهم ويدلهم على مافيه صلاحهم في دنياهم واُخراهم.
يقول السيّد الطباطبائي في معنى الآية الكريمة: ]أنّ الكفار[ يقترحون عليك ]أيّها النبيّ الخاتم((صلى الله عليه وآله))[ آية; وعندهم القرآن أفضل آية; وليس إليك شيءٌ من ذلك، وإنما أنت هاد تهديهم من طريق الإنذار، وقد جرت سنة الله في عباده أن يبعثَ في كلّ قوم هادياً يهديهم»(58).
معنى «الهادي» في القرآن
يقول السيّد الطباطبائي: «والآية ]التي ذكرت أعلاه[ تدل على أنّ الأرض لا تخلو من هاد يهدي الناس الى الحقّ أما نبي منذر وأما هاد غيره يهدي بأمر الله»(59). وإطلاق الآية الكريمة ينفي حصر مصداق «الهادي» في الآية بالأنبياء((عليهم السلام)) كما ذهب لذلك الزمخشري في الكشاف في تفسير الآية، لأنّ هذا الحصر يخرج الفترات التي لم يكن فيها نبيّ من حكم الآية
الكريمة العام وهذا خلاف ظاهرها المصرّح بوجود هاد في كلّ عصر لا تخلو الأرض منه.
فمَن هو الهادي في عصرنا الحاضر؟ نرجع الى القرآن الكريم للحصول على الإجابة، فنلاحظ الآيات الكريمة تحصر أمر الهداية الى الحقّ على نحو الأصالة بالله تبارك وتعالى، ثم تثبتها للهادين بأمره على نحو التبعية، يقول عزّ وجلّ: ( قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمْ مَن لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(60).
تلخّص الآية الكريمة وبلغة إحتجاجية الرؤية القرآنية لموضوع الهداية الى الحقّ التي فصلتها العديد من الآيات الكريمة، وهي حصر الهداية الى الحقّ بالله تبارك وتعالى على نحو الإطلاق: (قُلِ اللَّهُ يَهْدِي إِلىَ الْحَقِّ).
ثم قررت الآية الكريمة أن الذي يجب إتباعه من الخلق ليس الذي (لا يستطيع أن يهدي إلاّ أن يهتدي بغيره من البشر)، بل الذي يكون مهتدياً بنفسه دون الحاجة الى غيره من البشر، فإنّ الكلام في الآية ـ كما يقول العلاّمة الطباطبائي في تفسيرها: «قد قوبل فيه قوله: (يَهْدِي إِلىَ الْحَقِّ) بقوله (مَن لاَ يَهِدِّي) مع أن الهداية الى الحقّ يقابلها عدم الهداية الى الحقّ، وعدم الإهتداء الى الحقّ يقابله الإهتداء الى الحقّ، فلازمُ هذه المقابلة الملازمةُ بين الإهتداء بالغير وعدم الهداية الى الحقّ، وكذا الملازمة بين الهداية الى الحقّ والإهتداء بالذات فالذي يهدي الى الحقّ يجب أن يكون مهتدياً بنفسه لا بهداية غيره والذي يهتدي بغيره ليس يهدي الى الحقّ أبداً.
هذا ما تدل عليه الآية بحسب ظاهرها الذي لا ريب فيه وهو أعدل شاهد على أنّ الكلام موضوع فيها على الحقيقة دون التجوزات المبنية على المساهلة التي نبني عليها ونتداولها فيما بيننا معاشر أهل العرف فننسب الهداية الى الحقّ الى كلّ مَن تكلّم بكلمة حقٍّ ودعا إليها وإن لم يعتقد بها أو اعتقد ولم يعمل بها أو عمل ولم يتحقق بمعناها، وسواءٌ اهتدى إليها بنفسه أو هداه إليها غيره.
بل الهداية الى الحقّ أعني الإيصال الى صريح الحقّ ومتن الواقع ليس إلاّ لله سبحانه أو لمن اهتدى بنفسه أي هداه الله سبحانه من غير واسطة تتخلل بينه وبينه، فاهتدى بالله وهدى غيره بأمر الله سبحانه... وقد تبيّن بما قدّمناه في معنى الآية أُمور:
أحدها: أنّ المراد بالهداية الى الحقّ ماهو بمعنى الإيصال الى المطلوب دون ماهو بمعنى إراءة الطريق المنتهي الى الحقّ فإن من الضروري أنّ وصف طريق الحقّ يتأتى من كلّ أحد سواءٌ اهتدى الى الحقّ بنفسه أو بغيره أو لم يهتد.
وثانيها: أنّ المراد بقوله: (مَن لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى) هو من لا يهتدي بنفسه، وهذا أعم من أن يكون ممّن يهتدي بغيره أو يكون ممن لا يهتدي أصلاً لا بنفسه ولا بغيره...
وثالثها: أن الهداية الى الحقّ (بمعنى الإيصال إليه) إنما هي شأن مَن يهتدي بنفسه: أي لا واسطة بينه وبين الله سبحانه في أمر الهداية إما من بادئ أمره أو بعناية خاصة من الله سبحانه كالأنبياء والأوصياء من الأئمة. وأما الهداية بمعنى إراءة الطريق ووصف السبيل فلا يختص به تعالى ولا بالأئمة من الأنبياء والأوصياء، كما يحكيه الله تعالى عن مؤمن آل فرعون إذ يقول: ( وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ )(61)...
وأما قوله تعالى خطاباً للنبي((صلى الله عليه وآله)) وهو إمام: (إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ )(62) وغيرها من الآيات فهي مسوقة لبيان الأصالة والتبع كما في آيات التوفّي وعلم الغيب ونحو ذلك مما سيقت لبيان أنّ الله سبحانه هو المالك لها بالذات والحقيقة، وغيره يملكها بتمليك الله ملكاً تبعياً أو عرضياً ويكون سبباً لها بإذن الله، قال تعالى: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)(63)، وفي الأحاديث إشارة الى ذلك وأن الهداية الى الحقّ شأن النبيّ وأهل بيته «صلوات الله عليهم أجمعين». إنتهى قول العلاّمة الطباطبائي في تفسير الآية ملخصاً وقد عرض الأقوال الأُخرى الواردة في تفسير الآية وبيّن عدم إنسجامها مع منطوق الآية نفسها(64).
والمتحصّل من التدبر فيها هو حصر الهداية الى الحقّ بمعنى الإيصال الى صريحه بالله تبارك وتعالى بالأصالة وبالتبع بمن كان مهدياً بنفسه من قبل الله تبارك وتعالى إذ يتحلّى بدرجة عالية من الاستعداد الذاتي لتلقي المنح الخاصة بالهداية من الله تبارك وتعالى سواء عن طريق الوحي إذا كان نبيّاً أو عن طريق الإلهام الإلهي الخاص إذا لم يكن نبيّاً; وكذلك للحصول على «أمر الله» للقيام بمهمة الهداية إليه عزّ وجلّ، ومراجعة الآيات التي تتحدث عن «أمر الله» تقودنا ـ وبوضوح ـ الى معرفة أنه يشمل الولاية التكوينية والتصرّف الخاص إذ لا تجد آية في القرآن الكريم تذكر «أمر الله» دون أن يقتصر معناه على ولايته التكوينية أو يشملها الى جانب الولاية التشريعية «فالإمام هاد يهدي بأمر ملكوتي يصاحبه، فإلامامة بحسب الباطن نحو ولاية للناس في أعمالهم»(65).
وبهذه الولاية التكوينية يستطيع الهادي الى الله بأمره أن يتصرّف بالأسباب ويصل الى حقائق وبواطن العباد فيعطيهم من حقائق الهداية ما يناسبهم، وهذا التصرّف هو الذي ساقنا إليه التدبر في الآيات الناصة على وجود شهيد في كلّ زمان على أهل عصره.
الهادي منصوب من الله
وبالرجوع ثانية الى القرآن الكريم نجده يصرّح بأنّ الذي يكون هادياً للناس بأمر الله تبارك وتعالى هو الإمام المنصوب لذلك من قبل الله تعالى كما هو واضحٌ من قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)(66).
وفي هذا تأكيد لما دلّت عليه آيات الإمامة وأنها عهد إلهي يجعله الله فيمن يختاره من عباده، كما أشرنا لذلك في الحديث عن آيات سورة الاسراء وصفات الإمام.
نعود للآية مورد البحث من سورة الرعد فهي تصرّح بأنه (لِكُلِّ قَوْم هَاد) على نحو الإطلاق ومصداق الهادي المراد فيها لا يمكن أن يكون أحد الكتب السماوية للسبب نفسه الذي أوردناه في معرفة مصداق «الإمام» في آية سورة الإسراء، كما لا يمكن حصر المصداق بالنبي لما قلنا من أنه يخرج الفترات التي ليس فيها نبي من حكم الآية وهذا خلاف ظاهر الآية العام الذي يشمل جميع الأزمان.
كما لا يمكن أن يكون المصداق المقصود في الآية هو الله سبحانه وتعالى لأنّ هدايته تشمل جميع الأزمنة دونما تخصيص بقوم دون قوم وهذا خلاف ظاهر الآية خاصة وأنّ لفظة «هاد» جاءت بصيغة النكرة الأمر الذي يفيد تعدد الهداة.
يُضاف الى كلّ ذلك أنّ الهداية الإلهية للناس تكون بواسطة هداة من أنفسهم مرتبطين به تبارك وتعالى يتلقون منه الهداية وينقلونها الى عباده، وهؤلاء هم المهتدون بأنفسهم منه تبارك وتعالى دونما واسطة كما تقدّم في تفسير آية سورة يونس وهم الذين يهدون بأمره تعالى. وهم الأئمة المنصوبون للهداية بأمره تعالى كما تقدّم حيث لم يرد في القرآن الكريم وصف الهداية بأمره إلاّ في موردين اقترن فيهما بوصفي «الأئمة» وإختيارهم لذلك من قبل الله تعالى، والموردان هما آية سورة الأنبياء المتقدّمة وآية سورة السجدة: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا )(67).
وتكون النتيجة المتحصلة من التدبر في الآية الكريمة مورد البحث هي حتمية وجود إمام هاد الى الله بأمره تبارك وتعالى منصوب لذلك من قبله عزّ وجلّ في كلّ عصر فلا تخلو الأرض منه سواء أكان نبيّاً أو غير نبيّ. وحيث أن مثل هذا الشخص غير ظاهر في عصرنا الحاضر; إذ لا يوجد بين المسلمين ـ من أي فرقة كانت ـ مَن يقول بوجود إمام ظاهر هاد بأمر الله منصوب من قبله تعالى ورد النص عليه ممن قوله حجّة إلهية كما تقدّم في البحث عن آية سورة الإسراء; لذا فلا مناص من القول بغيبته واستتاره، وقيامه بمهام الإمامة والهداية مستتراً بأستار الغيبة، فيكون الانتفاع به مثل الانتفاع بالشمس إذا غيّبتها عن الأبصار السحب كما ورد في الأحاديث الشريفة(68). وهذا ما تقول به مدرسة أهل البيت((عليهم السلام)) في الإمام المهدي وغيبته.
المهدي الموعود وغيبته في المتّفق عليه من السُنّة
الى جانب الآيات الكريمة المتقدّمة توجد بين أيدينا الكثير من الأحاديث الشريفة التي صحت روايتها عند أهل السنّة والشيعة عن سيد المرسلين((صلى الله عليه وآله)) بطرق كثيرة ، تؤكد دلالات الطائفة المتقدّمة من الآيات الكريمة وتفصل مجملاتها وتكمل الصورة التي ترسمها فيما يرتبط بالدلالة على وجود الإمام المهدي الموعود((عليه السلام)) بالفعل وغيبته وتصرح بالمصداق الذي دلت عليه الآيات الكريمة بذكر صفاته العامة.
ونختار هنا نماذج من الأحاديث الشريفة المتواترة أو المستفيضة المروية بأسانيد صحيحة عند أهل السنّة والمروية في الكتب الستة المعتمدة عندهم لأنّ الإحتجاج بها أبلغ، ولأنّ تفسيرها وتقديم المصداق المعقول لها غير ممكن إلاّ على ضوء عقيدة أهل البيت في المهدي المنتظر((عليه السلام)) فيما يرتبط بعصرنا الحاضر خاصة; ولأنّ الرسول الأعظم ((صلى الله عليه وآله)) ، قد صرح في
هذه الأحاديث المختارة بالأهمية القصوى التى تحظى بها مضامينها كما سنرى.
1 ـ حديث الثقلين
وهو من الأحاديث المتواترة، رواه حفاظ أهل السنّة والشيعة بأسانيد صحيحة عن جم غفير من أصحاب رسول الله ((صلى الله عليه وآله))، عدَّ ابن حجر ـ من علماء أهل السنّة ـ أكثر من عشرين منهم في كتابه الصواعق المحرقة(69)، وألّف الحافظ أبو الفضل المقدسي المعروف بابن القيسراني ـ وهو من كبار حفّاظ أهل السنّة ـ كتاباً خاصاً عن طرق هذا الحديث الشريف(70). كما أثبتت العديد من الدراسات الحديثية تواتره بما لا يدع أي مجال للنقاش أو التشكيك ، نظير ما فعل العلاّمة المتتبع المير حسين حامد الموسوي في موسوعة عبقات الأنوار وغيره من العلماء(71).
ويتضح من روايات هذا الحديث الشريف أنّ النبيّ المكرم ((صلى الله عليه وآله)) قد كرر مضمونه بعبارات وألفاظ متقاربة في عدة مناسبات ، منها في يوم عرفة من حجّة الوداع، وموقف يوم الغدير في طريق عودته منها وبعد إنصرافه من الطائف، وفي الجحفة، وفي خطبة له في مسجده بالمدينة بعد عودته من هذه الحجّة، وفي حجرته أيام مرضه ((صلى الله عليه وآله)) وقد امتلأت الحجرة بالصحابة(72). وكلّ ذلك يكشف عن أهمية الوصية النبوية التي تضمنها الحديث بالنسبة للإسلام والمسلمين وإلاّ لما أولاها ـ وهو الحريص على المؤمنين الرؤوف الرحيم بهم ـ كلّ هذا الإهتمام في التكرار والتبليغ في تلك المواطن المهمة التي تجمع أكبر عدد من المسلمين ، خاصة وأنه((صلى الله عليه وآله)) كان يبادر لإعلان هذه الوصية ويؤكدها على الملأ العام دون أن ينتظر مَن يسأله عنها.
ويستفاد من بعض الروايات أنّ مضمون الوصية التي تضمنها هذا الحديث الشريف، هو الذي أراد رسول الله محمّد ((صلى الله عليه وآله)) كتابته للمسلمين في الأيام الأخيرة من حياته المباركة عندما طلب أن يأتوه بكتف ودواة ليملي عليهم وصية لكي لا يضلّوا بعده ، كما ورد في نص حديث الكتف والدواة المروي في صحيح البخاري(73) وغيره فمنعوه من ذلك ووقع الاختلاف فصرفهم كما في حديث رزية يوم الخميس المشهور دون أن يدون الوصية ، إذْ يُلاحظ أنّ عبارة «لن تضلوا بعدي » المذكورة في حديث طلبه كتابة الوصية عبارة متكررة في حديث الثقلين أيضاً، كما تكررت وصيته بأهل بيته وعترته خيراً في حديث الثقلين وفي وصاياه في الساعات الأخيرة من حياته المباركة.
ويظهر من ذلك بوضوح أنّ النبيّ الأكرم ((صلى الله عليه وآله)) أراد تسجيل مضمون الحديث الشريف في وثيقة نبوية حاسمة للجدال مدونة بحضور كبار صحابته قطعاً للجدال وتوكيداً للأمر. وكلّ ذلك يبيّن أنّ الموضوع الذي يتضمنه مهم للغاية وإلاّ لما أكد عليه هادي الأُمم ((صلى الله عليه وآله)) بهذه الدرجة المشددة، وهذا الأمر يكشف عنه نص الحديث نفسه المصرّح بأنّ العمل بالوصية التي يتضمنها هو سبيل النجاة من الضلالة بعده ((صلى الله عليه وآله))... كما سيتضح أكثر خلال دراسة نصه.
كما أنّ ثبوت تواتر الحديث الشريف عند المسلمين كافة يجعل من الممكن الإستناد إليه في المسائل الاعتقادية كما هو ثابت في علم الكلام الاسلامي، لذا يمكن الإستناد إليه في قضية الإمامة .
اللفظ المتواتر : كتاب الله وعترتي
واللفظ المتواتر لهذا الحديث الشريف هو الذي ورد فيه ذكر القرآن الكريم وأهل بيت النبيّ أو عترته ـ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم ـ كمصداق للثقلين والأمر بالتمسك بهما منجاة من الضلالة الى يوم القيامة، طبق ما رواه البخاري في كتابه التاريخ الكبير ومسلم في صحيحه والترمذي في سننه وكذلك النسائي في خصائصه وابن ماجه في سننه ، وأحمد بن حنبل في مسنده، والحاكم في مستدركه وصححه على شرط الشيخين ووافقه في ذلك الذهبي، وغيرهم كثير(74)، وما أخرجه مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم هو قوله: «... قام رسول الله((صلى الله عليه وآله)) فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر ، ثم قال :
«أما بعد، أيّها الناس، فإنما أنا بشر ويوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولّهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به... وأهل بيتي اذكركم الله في أهل بيتي، اذكركم الله في أهل بيتي، اذكركم الله في أهل بيتي »(75).
وأخرج الترمذي في سننه بسنده عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله((صلى الله عليه وآله)) قال: « إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدودٌ من السماء الى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما »(76).
وأخرج الحاكم في مستدركه ما نصّه:
«كأنني قد دعيت فأجبت ، إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله تعالى وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا ]يتفرقا[ حتى يردا عليَّ الحوض، إن الله عزّ وجلّ مولاي، وأنا مولى كلّ مؤمن ـ ثم أخذ بيد عليّ((رضي الله عنه)) فقال: مَنْ كنت مولاه فهذا وليّه. اللهم وال من والاه وعادِ مَن عاداه »(77).
وفي لفظ آخر أورده ابن حجر في صواعقه، قال: «وفي رواية صحيحة: «(انّي تارك فيكم أمرين لن تضلّوا إن تبعتموهما، وهما: كتاب الله وأهل بيتي عترتي)، زاد الطبراني: (انّي سألت ذلك لهما، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم، فإنّهم أعلم منكم)»(78) .
والألفاظ الأُخرى التي أخرجها باقي الحفّاظ مقاربة لهذه النصوص. وفي جميعها ورد الحديث بلفظ «كتاب الله وعترتي»، وهو اللفظ المتواتر، لذا فلا إعتبار في مقابله باللفظ المحرف الذي استبدل عبارة « عترتي أهل بيتي» بكلمة «سنّتي» ، فأهداف هذا التحريف واضحة والإصرار على ترويجه إرتبط بمصالح الأمويين والعباسيين السياسية، يُضاف الى ذلك أن هذا اللفظ المحرف لم يُروَ في المصادر المعتبرة(79)، وهو في أفضل الأحوال من روايات الآحاد الضعيفة التي لا تفيد علماً ولا عملاً خاصة في مسألة عقائدية مهمة كالتي يتناولها مضمون الحديث.
وحتى لو فرضنا صحة رواية هذا اللفظ المحرف ـ كما فعل ابن حجر في صواعقه ـ فانّ ذلك لا يعارض اللفظ المتواتر ولا ينقص من دلالته العقائدية المهمة ، بل إنّ الجمع بينهما ممكن وهو يضيف تأكيداً لحقيقة أنّ سنّة الرسول ((صلى الله عليه وآله)) هي عند أئمة عترته فهم العلماء بالكتاب والسنّة ، كما أشار لذلك ابن حجر حيث قال: «... وفي رواية (كتاب الله وسنّتي) وهي المراد من الأحاديث المقتصرة على الكتاب لأنّ السنّة مبينة له; فأغنى ذكره عن ذكرها، والحاصل أن الحث وقع على التمسك بالكتاب وبالسنة وبالعلماء بهما من أهل البيت، ويُستفاد من مجموع ذلك بقاء الأُمور الثلاثة الى قيام الساعة»(80).
دلالات الحديث على وجود الإمام
دلالات الحديث الشريف كثيرة ، وقد استدل به العلماء لإثبات معظم مسائل الإمامة حسب مذهب أهل البيت ((عليهم السلام))(81)، نقتصر هنا على ذكر أهمها ممّا يرتبط بموضوع بحثنا خاصة.
1 ـ صرّح الحديث الشريف بأنّ سبيل النجاة من الضلالة بعد وفاة الرسول ((صلى الله عليه وآله))، إنما يكون بالتمسك بالقرآن والعترة النبوية معاً : « ما إن تمسكتم بهما »، وليس بواحد منهما فقط، بمعنى أنّ التمسك بأحدهما لا يكون تاماً وحقيقياً ولن يضمن النجاة من الضلالة إلا إذا اقترن وقاد الى التمسك بالآخر، فلن يكون مدعي التمسك بأحدهما صادقاً في إدعائه لأنهما « لن يفترقا» .
2 ـ حدّد الحديث بوضوح هوية الثقل الثاني بقوله ((صلى الله عليه وآله)) : « عترتي أهل بيتي » ، والعترة كما يقول علماء اللغة : «نسل الإنسان، قال الأزهري: وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنّ العترة ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه ولا تعرف العرب من العترة غير ذلك »(82).
وبهذا تخرج نساء النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) من مصداق الحديث.
بل وحتى مع الأخذ بوصف « أهل بيتي » مجرداً تخرج نساء النبيّ من المصداق لما أخرجه مسلم في صحيحه في ذيل حديث الثقلين حيث وضّح راوي الحديث عن زيد بن أرقم المقصود عندما سألوه : «مَن أهل بيته، نساؤه؟ قال : لا وأيم الله ، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع الى أبيها وقومها . أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده»(83).
مصداق أهل البيت((عليهم السلام))
وقد حدّد رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) نفسه مصداق « أهل البيت » بعد نزول آية التطهير ، حيث خصصها ببيت فاطمة ((عليها السلام)) ، فقد جاء في الحديث: «إنه كان يمر ببيت فاطمة رضي الله عنها ستة أشهر إذا خرج الى الفجر فيقول: الصلاة يا أهل البيت، (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )، كما روى ذلك أحمد بن حنبل في مسنده(84).
يُضاف الى ذلك تصريحه بأنّ هؤلاء هم أهل بيته في حديث الكساء المشهور وإخراجه زوجته أُم المؤمنين أُم سلمة منهم وقوله لها إنها على خير لكنها ليست من أهل البيت. وحديث الكساء رواه مسلم في صحيحه والسيوطي في الدر المنثور بعدة أسانيد صحيحة طبق طرق أهل السنّة(85).
والثابت أن الإمام عليّاً ((عليه السلام)) أدخله في مصداق «أهل البيت » وإن لم يكن من صلبه كما هو ظاهر مما تقدّم.
عصمة الإمام وتوفر شروط الحديث
3 ـ إنّ معرفة مصداق « أهل بيتي وعترتي » في الحديث الشريف تبين صفة أُخرى للثقل الثاني هي تحلّيه بالعصمة كما هو واضح من دلالة آية التطهير المباركة(86)، وهذا ما ينسجم مع دلالة الحديث نفسه على عصمة الثقل الثاني، فهو يؤكد عدم افتراق الثقلين أبداً وفي أي حال كما هو المستفاد من استخدام أداة «لن» التأبيدية، ومن الثابت أنّه لا باطل في القرآن أبداً، لذا فعدم افتراق الثقل الثاني عنه دالّ على عصمته وإلاّ لافترق عن القرآن في حالات صدور الخطأ أو المعصية وكلّ مصاديق الباطل، وهذا ما ينفيه الحديث صراحةً الأمر الذي يدل على عصمة العترة.
ويُضاف الى ذلك أن الأمر بالتمسك بهما معاً مطلق ـ كما هو واضح لأنّه لم يُقيّد بشيء ـ ; لذلك فهو يشمل مختلف الأحوال والأزمان، ولو جاز وقوع العترة بما يخالف العصمة لأدّى ذلك الى القول بأنّ رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) أمر بالتمسك بها حتى في الحالات التي تقع في الخطأ وما يخالف القرآن، وهذا محال.
كما يتّضح ممّا تقدّم إخراج غير المعصومين من ذرية الرسول من مصداق الثقل الثاني المأمور بالتمسك به، يقول ابن حجر في دراسته لهذا الحديث : «ثم إنّ الذين وقع الحث عليهم منهم إنما هم العارفون بكتاب الله وسنة رسوله، إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب الى الحوض ويؤيده الخبر السابق: «ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم» وتميزوا بذلك عن بقية العلماء لأنّ الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً وشرفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة وقد مر بعضها»(87).
وقد أثبت الواقع التاريخي انحصار توفر هذا الشرط بعد رسول الله((صلى الله عليه وآله)) في الإمام عليّ والأحد عشر إماماً من أولاده وأولاد فاطمة بنت رسول الله أي من ذرية رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) ، كما نسب نبي الله عيسى الى إبراهيم من جهة البنت. فالإمامية مجمعون على عصمتهم وسائر فرق أهل السنّة مجمعة على محبتهم ونزاهتهم ولم يدع أحد صدور أي شيء يخالف عصمتهم رغم حرص الحكومات المعاصرة لهم على الحصول على أي شيء من هذا القبيل كما هو ثابت تاريخياً أيضاً(88).
4 ـ كما أنّ الأمر بالتمسك بالقرآن والعترة مطلقٌ زمانياً أيضاً كما هو واضحٌ من قوله ((صلى الله عليه وآله)) : «من بعدي » دونما تقييد ، فهو نافذ المفعول الى يوم القيامة لخلود الشريعة المحمّدية حيث لا نبيّ بعده ((صلى الله عليه وآله)) ، وحيث إنّ القرآن محفوظ من الله تبارك وتعالى ، والعترة هي الثقل الملازم له الذي لن يفترق عنه، لذلك فهي محفوظة من الله تبارك وتعالى الى يوم القيامة أيضاً.
من هنا يتضح أنّ في هذا الحديث الشريف المتواتر نصاً صريحاً على حتمية وجود ممثل لأهل بيت النبيّ وعترته ((صلى الله عليه وآله)) يتحلّى بالعصمة وملازمة القرآن في كلّ عصر لكي يتمسك العباد به وبالذكر الإلهي المحفوظ بهدف النجاة من الضلالة عملاً بوصية نبيهم الخاتم محمّد ((صلى الله عليه وآله)) ، وإلاّ لبطل مضمون هذا الحديث المتواتر الذي ثبت صدوره عمن لا ينطق عن الهوى.
فلابدّ إذن من وجود إمام معصوم من العترة النبوية في عصرنا الحاضر يكون مصداقاً للثقل الثاني ويكون التمسك به ممكناً. وقد تنبه لهذه الحقيقة والدلالة الواضحة في حديث الثقلين عدد من كبار علماء أهل السنّة وصرح بعضهم بها، مثل ابن حجر الهيتمي حيث قال: «وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة الى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به الى يوم القيامة كما أنّ الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض كما يأتي ويشهد لذلك الخبر السابق : «في كلّ خلف من أُمتي عدول من أهل بيتي ... »(89).
مصداق الحديث في العصر الحاضر
إذن الحديث الشريف يدل بصراحة على وجود متأهل من عترة النبيّ((صلى الله عليه وآله)) للتمسك به الى جانب القرآن الكريم في عصرنا الحاضر ويشترط فيه أن يكون معصوماً أيضاً، فمَن هو هذا الإمام؟
من الواضح أنّ ليس ثمّة إمام ظاهر يدعي ذلك أو تنطبق عليه الصفات المستفادة من هذا الحديث الشريف، فلابدّ إذن من القول بوجوده وغيبته لأنّ القول بعدم وجوده مردود بدلالة حديث الثقلين المتواتر، وهذه هي خلاصة عقيدة مذهب أهل البيت ((عليهم السلام)) في المهدي الموعود القائمة على الكثير من الأدلة النقلية والعقلية والقائلة بوجوده وغيبته عن الأبصار دون أن تمنع غيبته إمكانية الإنتفاع به كما ينتفع بالشمس إذا غيبتها عن الأبصار السحب.
2 ـ أحاديث الخلفاء الاثني عشر
روى أحاديث الخلفاء أو النقباء أو الأمراء أو القيمين الاثني عشر، أصحاب الصحاح والمسانيد المعتبرة عند أهل السنّة بأسانيد صحيحة عن جابر ابن سمرة، كما روَوها عن أنس بن مالك وابن مسعود وعبدالله بن عمر وحذيفة بن اليمان، وكلّها مسندة الى رسول الله ((صلى الله عليه وآله))، ومضمون الحديث مروي ـ بتفصيل أكثر ـ وبتواتر من طرق أتباع أهل البيت ((عليهم السلام)) وقد نقل آية الله الشيخ لطف الله الصافي أكثر من (270) حديثاً بهذا الشأن(90).
فهذه الأحاديث من المتفق عليه بين الفرق الإسلامية فلا مجال للتشكيك في صحة المقدار المشترك بينها على الأقل. لكننا نكتفي هنا بالنصوص المروية في الكتب المعتبرة عند أهل السنّة وتحديد دلالتها ومصداقها ـ على الرغم من خلوها من التفصيلات الموجودة في أحاديث الطرق الأُخرى لأسباب واضحة ـ لكي تكون النتيجة حجّة على الجميع .
ألفاظ الأحاديث
روى البخاري في صحيحه بسنده عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) يقول: «يكون إثنا عشر أميراً»، فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبي: إنه قال: «كلّهم من قريش»(91).
ورواه مسلم في صحيحه من عدة طرق عن جابر بن سمرة وبعدة ألفاظ وفي بعضها لفظ:
«إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي منهم إثنا عشر خليفة...».
« لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم إثنا عشر رجلاً...»(92).
« لا يزال الإسلام عزيزاً الى إثني عشر خليفة...».
وتشترك هذه الأحاديث في أنه لم يسمع ذيل الحديث فأخبره والده بلفظ «كلّهم من قريش » وهي التتمة الواردة في معظم نصوص الحديث.
ورواه الترمذي بلفظ : « يكون من بعدي إثنا عشر أميراً ...»(93) وأبو داود بلفظ: «لا يزال هذا الدين عزيزاً الى اثني عشر خليفة ، فكبّر الناس وضجوا ثم قال كلمة خفيت، قلت لأبي : يا أبه ما قال ؟ قال: كلّهم من قريش»(94).
ورواه أحمد في مسنده بطرق كثيرة منها بلفظ : « لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، ... »، وفي بعضها أنّ ما قاله رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) هو: «لا يزال هذا الدين ظاهراً على مَن ناواه، لا يضره مخالف ولا مفارق حتى يمضي من أُمتي إثنا عشر أميراً ...»، وفي روايات أُخرى أنه قاله في عرفات، وفي أُخرى في يوم جمعة عشية رجم الأسلمي، وفي بعضها أن الرسول عقب عليه بالقول : « ... وإذا أعطى الله تبارك وتعالى أحدكم خيراً فليبدأ بنفسه وأهله وأنا فرطكم على الحوض » ، وفي بعضها أنّ قريشاً جاءت إليه ((صلى الله عليه وآله)) وسألته عما يكون بعد ذلك فقال : «الهرج»(95).
ورواه الطبراني في المعجم الكبير وفي أوله : « يكون لهذه الأُمة إثنا عشر قيّماً لا يضرهم من خذلهم ... »(96).
ورواه المتقي الهندي في كنز العمال عن أنس بن مالك بلفظ : « لن يزال هذا الدين قائماً الى اثني عشر من قريش فإذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها(97)»(98).
دلالاتها على وجود الإمام المهدي((عليه السلام))
هذه هي النصوص المروية في المصادر المعتبرة عند أهل السنّة، وبعد عرضها نثبت الدلالات المستفادة منها كما يلي:
1 ـ المستفاد من روايات الحديث الشريف أنه جاء ضمن خطبة مهمة ألقاها الرسول الأكرم ((صلى الله عليه وآله)) على المسلمين في الأيام الأخيرة من حياته الشريفة ، وتصرح مجموعة من رواياته أنها كانت في عرفات في حجّة الوداع الشهيرة وهي الخطبة نفسها التي أعلن فيها وصيته الشهيرة بالتمسك بالقرآن وعترته في حديث الثقلين المتواتر الذي دل ـ كما عرفنا ـ على حتمية وجود متأهل من أهل البيت ((عليهم السلام)) للتمسك به الى جانب القرآن والى يوم القيامة. وهي الحجّة نفسها التي بلغ في طريق عودته منها الأمر القرآني بتنصيب الإمام عليّ ولياً ومرجعاً للمسلمين من بعده يخلفه في ذلك.
وهذا التقارن بين هذه الأحاديث الثلاثة وجمع تبليغها في الأيام الأخيرة من حياته الشريفة وإحاطتها بكثير من الأهمية يكشف عن أهمية مضامينها فيما يرتبط بهداية المسلمين الى ما يضمن لهم النجاة على المستويين الفردي والاجتماعي واستمرار تحرك المسيرة الإسلامية من بعده على الصراط المستقيم والمحجة البيضاء.
فهي تشترك في الموضوع المستقبلي الذي تدور عليه مضامينها، لذلك لا يمكن القول بأنّ رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) اراد من أحاديث الأئمة الاثني عشر مجرد الإخبار عن واقع تاريخي سيجري بعد وفاته، فهذا ما لا يمكنه تفسير الأهمية القصوى التي أحاط بها تبليغه لمضمون هذا الحديث، بل واضحٌ أنّ تبليغ هذا الحديث في الأيام الأخيرة من حياته الشريفة يأتي في ضمن مساعيه لهداية المسلمين الى ماينقذهم من الضلالة والإنحراف بعده وهو الهدف الذي صرح به في حديث الثقلين، لذا فذكر الأئمة أو الخلفاء الاثني عشر والإخبار عن مجيئهم بعده هو لهداية المسلمين وصوناً لمستقبل مسيرتهم من بعده وإتماماً للحجّة عليهم. وهذه نقطة محورية مهمة يجب أخذها بنظر الإعتبار لدراسة هذا الحديث ولمعرفة مصداقه.
ترابط أحاديث حجّة الوداع
2 ـ وعلى ضوء اشتراك الأحاديث الثلاثة في موضوع واحد، فإن مما يعين على فهم هذا الحديث الشريف مورد البحث، ملاحظة إرتباطه بالحديثين الآخرين اللذين بلغهما الرسول محمّد ((صلى الله عليه وآله)) في حجّة الوداع نفسها أو على الأقل في فترة زمنية واحدة هي الأيام الأخيرة من حياته الشريفة . وحقيقة الأمر أنّ الأحاديث الثلاثة ترسم صورة متكاملة لطريق اهتداء المسلمين لما يضمن مستقبل مسيرتهم من بعده ((صلى الله عليه وآله)) .
فحديث الثقلين يصرح ـ كما بيّنا سابقاً ـ بأنّ النجاة من الضلالة بعد رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) تكون بالتمسك بالقرآن والعترة وأن لكلّ زمان رجلاً من أهل بيته وعترته جديراً بأنّ يكون التمسك به الى جانب القرآن منجاة من الضلالة.
أما حديث الغدير فإنه يصرح باسم الإمام عليّ ((عليه السلام)) كولي للأُمة بعده ((صلى الله عليه وآله)) يجب عليهم التمسك بولايته كما وجب التمسك بولاية خاتم المرسلين، وهذا ما يدل عليه أخذه ((صلى الله عليه وآله)) الإقرار من المسلمين بأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثم قوله : « مَن كنتُ مولاه فهذا عليّ مولاه »(99).
أما حديث الأئمة الاثني عشر فإنه يصرح بأنّ الدين يبقى قائماً الى يوم القيامة بوجود هؤلاء الأئمة وبهذا العدد لا يزيد ولا ينقص، ويهدي الى التمسك بهم.
فتكون الصورة التي ترسمها الأحاديث الثلاثة معاً ـ وقد صدرت في حجّة واحدة أو على الأقل في فترة زمنية واحدة هي الأيام الأخيرة من حياته الشريفة وضمن مسعى واحد هو هداية المسلمين الى سبيل النجاة من الإنحراف والضلالة بعده وهي: أن النجاة من الضلالة وحفظ قيام الدين تكون بالتمسك بالقرآن الكريم وبأئمة العترة الطاهرة الذين لا يخلو زمانٌ من أحدهم وأن أولهم الإمام عليّ ((عليه السلام)) وعددهم إثنا عشر إماماً لا يزيد ولا ينقص.
مصداق الخلفاء الاثني عشر
وعندما نرجع للواقع التاريخي الاسلامي لا نجد مصداقاً للنتيجة المتحصلة سوى أئمة أهل البيت الاثني عشر بدءً بالإمام عليّ وانتهاءً بالمهدي المنتظر ـ سلام الله عليهم ـ لا يزيد عددهم عن الأثني عشر ولا ينقص فجاءوا المصداق الوحيد لما أخبر به الرسول الأكرم ((صلى الله عليه وآله)) إذْ لم يدّع غيرهم ذلك، تحقيقاً للنبوّة المحمّدية الثابتة عند المسلمين جميعاً.
وحيث قد ثبتت عند المسلمين كافة وفاة الأئمة الأحد عشر من هؤلاء الأئمة الاثني عشر، وثبت عند الإمامية عدموفاة الثاني عشر منهم، في حين أنّ الحديث المتقدم ينص على استمرار وجودهم الى يوم القيامة; لذا فلا مناص من القول بوجود الإمام الثاني عشر وغيبته ـ إذ من الثابت للجميع عدم ظهوره ـ وقيام الدين بوجوده في غيبته أيضاً تصديقاً لما نص عليه الحديث المتقدم . فيكون هذا الحديث الشريف دليلاً على وجود المهدي الإمامي وغيبته.
دراسة الأحاديث مستقلة
3 ـ الدلالة نفسها يمكن التوصل إليها من خلال دراسة الحديث المتقدم بصورة مستقلة وبغض النظر عن إرتباطه بحديثي الثقلين والغدير ، وإستناداً الى الدلالات المستفادة من الحديث نفسه وطبقاً للمروي في كتب أهل السنّة. فنصوصه تجمع على أن موضوعه الأوّل إخبارُ المسلمين بأنّ إثني عشر شخصاً سيخلفون النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) لقوله: « يكون من بعدي » ، أي في الفاصلة الزمنية بين رحيله والى يوم القيامة كما هو المستفاد من قوله في مقدمة الحديث : « إن هذا الأمر لا ينقضي » كما في صحيح مسلم وغيره والصيغ الأُخرى دالة على الأمر نفسه.
وعليه فالصفات والدلالات التي يشتمل عليها الحديث الشريف لا تنطبق على أكثر من إثني عشر شخصاً بعد رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) والى يوم القيامة، وإلاّ لما حصر رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) الأمر بهم. فمَنْ هم هؤلاء ؟
وللإجابة على هذا السؤال نرجع الى نصوص الحديث الشريف نفسه لمعرفة الصفات التي تحددها لهم ثم نلاحظ على مَن تنطبق .
إنّ الصفات التي تذكرها النصوص هي: امراءٌ ، قرشيون ، كونهم خلفاء، بقاء الإسلام عزيزاً بهم، قيام الدين بهم، قيّمون على الأُمّة، خذلان البعض لهم وتعريضهم للمعاداة. فلندرس كلّ واحدة من هذه الصفات.
إنّ معنى الإنتماء لقريش واضح ، وقد أجمعت معظم المذاهب الإسلامية على اشتراطه في الإمام . أما صفة «الخليفة» أو «الأمير» فالمعنى المتبادر منها هو مَن يخلف رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) في قيادة المسلمين أو مَن يلي أمرهم، فهل الوصف هذا يراد به من تولّى حكم المسلمين السياسي بعد وفاته ((صلى الله عليه وآله)) ؟!
من الواضح أنه لا يمكن حمل الوصف المذكور على هذا المعنى ، إذ إنّ هذا تنفيه أحاديث أُخرى صحت حتى عند إخواننا أهل السنّة وهي المصرحة بأنّ الخلافة بهذا المعنى لن تستمر بعد رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) لأكثر من ثلاثين عاماً ثم تصبح ملكاً(100). في حين أن الحديث الشريف يصرح باستمرار وجود هؤلاء الاثني عشر الى يوم القيامة. فلا معنى لحصر البحث عن مصاديق الحديث الشريف فيمن تولى حكم المسلمين بالفعل.
دلالة الواقع التاريخي
يُضاف الى ذلك أن الواقع التاريخي الاسلامي ينفي أن يكون المقصود بالخليفة هذا المعنى، إذْ انّ عدد مَن وصل للحكم من المسلمين بعد وفاة رسول الله((صلى الله عليه وآله)) وتسمى بهذا الاسم يفوق الاثني عشر بكثير.
أجل يمكن القول بأنّ الاثني عشر المقصودين في الحديث الشريف قد يكون بعضهم من هؤلاء الذين وصلوا الى الحكم وهم الجامعون للأوصاف الواردة في النصوص وليس مجرد تسلم حكم المسلمين بطريقة أو بأُخرى يجعلهم مصداقاً للخلفاء والاُمراء في هذا الحديث الشريف.
فإنّ الخلافة والإمرة بالمعنى المعروف والمتداول بين المسلمين هو أمر منقوض ومردود بتصريح الأحاديث الشريفة بسرعة زوال الخلافة بهذا المعنى كما تقدّم، ولأنه يستلزم أن يكونوا متفرقين على مدى التاريخ الإسلامي وهذا ما تنقضه الدلالات الأُخرى المستفادة من الحديث الشريف، لأنّ مصاديق هذا المفهوم قد انقطعت منذ مدة طويلة في حين أنّ الحديث ينص على استمرار وجود هؤلاء الخلفاء الاثني عشر الى يوم القيامة دونما انقطاع كما سنرى لاحقاً.
ولذلك لابدّ من حمل معنى «الخليفة» في هذا الحديث على ماهو أعم من التولي المباشر للحكم السياسي، أي أن يكون المقصود خلافته ((صلى الله عليه وآله)) في الوصاية على الدين والولاية على الأُمّة وهدايتها الى الصراط المستقيم سواء استلم الخليفة الحكم عملياً أو لم يستلمه، فالرسول ((صلى الله عليه وآله)) كان يقوم بهذه المهمة عندما كان في مكة يتابع نشر دعوته بسرية وعندما أعلنها وتعرض للأذى من المشركين وعندما هاجر الى المدينة وأقام دولته وتولى حكومتها. فقد كان((صلى الله عليه وآله)) قيّماً على الدين الحقّ حافظاً له وداعياً إليه في كلّ الأحوال، دون أن يكون لاستلامه الفعلي للحكم علاقة بإنجاز هذه المهمة وإن كان هو الأجدر باستلام الحكم في كلّ الأحوال.
وهذا ما يشير إليه تشبيهه ((صلى الله عليه وآله)) لهؤلاء الاثني عشر بنقباء بني إسرائيل وأوصياء موسى ((عليه السلام)) كما في حديث ابن مسعود المروي في مسند أحمد بن حنبل وغيره(101). وهذا ما يدل عليه الحديث الشريف نفسه عندما يربط ـ في بعض نصوصه ـ بين وجودهم وبين قيام الدين أي حفظه ، فهم أوصياء رسول الله((صلى الله عليه وآله)) وخلفاؤه في الوصاية على دينه والهداية إليه.
اتصال وجود الخلفاء الاثني عشر
وهذه الصفة ـ أي قيام الدين بهم ـ تدل على استمرار وجودهم ما بين وفاة رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) ويوم القيامة، لأنّ القول بتفرقهم وخلو بعض الأزمان من أحدهم مع ربط قيام الدين بهم، يعني ضياع الإسلام وعدم قيامه في بعض الأزمان وهذا خلاف ما يدل عليه الحديث الشريف بعبارات من قبيل « لا يزال الدين قائماً » « لا يزال الإسلام عزيزاً ».
من هنا لا يمكن أن يكون مصداق الحديث الشريف أشخاصاً متفرقين على طول التاريخ الإسلامي بل يجب أن لا يخلو زمان من واحد منهم. فيكون وجودهم متصلاً.
كما أنّ صفة قيام الدين بهم تؤكد أنّ المعنى المراد من الخلافة لرسول الله((صلى الله عليه وآله)) هو المعنى الشمولي المتقدم الذي يشمل بالدرجة الأُولى الوصاية على الدين الحقّ وحفظه والدعوة له والهداية إليه، الأمر الذي يؤهلهم للقيمومة على الأُمّة والولاية الشرعية عليهم المنتزعة من الولاية النبوية كما في حديث الغدير المشار إليه.
وهذا يستلزم تحليهم بالدرجة العليا من العلم بالدين الحقّ والعمل على وفقه لكي يكونوا أهلاً لحفظه وهداية الخلق إليه، وهذا ما يشير إليه قوله ((صلى الله عليه وآله)) في وصفه لهم : « كلّهم يعمل بالهدى ودين الحقّ » الوارد في ذيل بعض نصوص هذا الحديث الشريف(102).
وعلى ضوء ما تقدّم نفهم الصفة الاخرى التي يذكرها الحديث الشريف لهم وهي أنهم سيُعرضون للكثير من أشكال المعاداة والخذلان ـ ولو لم يكن كثيراً لما استحق الذكر ـ دون أن يضرهم ذلك ، فهذا العداء والخذلان لن يضرهم بمعنى أنّه لا يصدهم عن تحقيق مهمتهم الأساسية بالحفاظ على قيام الدين وعزته رغم كلّ الصعاب وبقائه محفوظاً عندهم في كلّ الأزمان رغم أنّ الكيان السياسي للمسلمين تعرض لحقب تاريخية عديدة أصابه فيها الذل والهوان وتولى حكمه فيها أبعد الخلق عن معنى خلافة رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) .
هذه هي صفات الخلفاء الأئمة الاثني عشر المستفادة من دلالات الحديث الشريف طبقاً لنصوصه المروية في أفضل الكتب المعتمدة عند إخواننا أهل السنّة ، فعلى من تنطبق؟
أئمة العترة هم المصداق الوحيد
الواقع التاريخي يثبت أنّ المصداق الوحيد الذي تنطبق عليه هم الأئمة الاثنا عشر من عترة النبيّ الأعظم ((صلى الله عليه وآله)) . وهم يختصون بهذا العدد تاريخياً كما هو معلوم وتنطبق عليهم الأوصاف المستفادة من دلالات الحديث الشريف، كما سنشير لذلك فيما يلي:
أدلة التطبيق
أوّلاً : إنّ الحديث يدلّ بصورة واضحة على لزوم توفر تلك الأوصاف في هؤلاء الخلفاء الاثني عشر والتي تؤهلهم لكي يكون الدين قائماً بهم. بمعنى أن يكونوا جميعاً معبرين عن خط واحد ومنهج واحد في الدفاع عن الدين وحفظه وتبليغه ـ كما فعل رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) ـ ، وقد توفرت هذه الصفات في أئمة العترة النبوية الطاهرة الذين ثبت أنّ علوم النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) عندهم وثبت عنه وصيته بالتمسك بهم للنجاة من الضلالة كما في حديث الثقلين ، وقد أخذ الكثير من المسلمين ـ ومنهم أئمة المذاهب الأربعة ـ علوم الدين منهم كما هو ثابت تاريخياً وثبت في روايات مختلف الفرق الإسلامية لجوء الجميع إليهم وفقرهم إليهم في علوم الدين واستغناؤهم ((عليهم السلام)) عن الجميع في ذلك(103).
كما أثبتت سيرتهم تفانيهم في الدفاع عن الإسلام ونشر علومه وإغاثة المسلمين عندما هاجمتهم الغزوات الفكرية . وإحتجاجاتهم على الملحدين وأرباب الديانات الأُخرى مدونة في كتب المسلمين وهي تثبت حقيقة قيام الدين بهم وخلافتهم للرسول الأعظم ((صلى الله عليه وآله)) في ذلك، وأهليتهم لقيادة المسلمين أيضاً كما صرح بذلك الذهبي مثلاً حيث قال بأهلية الإمام الحسن والحسين والسجاد والباقر((عليهم السلام)) ثم قال: وكذلك جعفر الصادق كبير الشأن من أئمة العلم كان أولى بالأمر من أبي جعفر المنصور ، وكان ولده موسى: كبير القدر جيد العلم أولى بالخلافة من هارون(104).
ثانياً: إنّ سيرتهم ((عليهم السلام)) تنسجم مع تصريح الحديث الشريف بتعريض الخلفاء الاثني عشر للمعاداة والخذلان دون أن يضر ذلك في قيامهم بإنجاز مهمتهم الأساسية في حفظ الدين والدفاع عنه كما لاحظنا ذلك في الفقرة السابقة، ومن المعروف تاريخياً أنّهم تعرضوا للأذى والملاحقة الشديدة من قِبَل السلطات الحاكمة التي لم تألُ جُهداً لإبادتهم مثل ما جرى في واقعة الطف للإمام الحسين ((عليه السلام)) وأهل بيته وأصحابه وتعريضهم للسجن والاغتيال بالقتل أو السم الأمر الذي أدى في نهاية المطاف الى ضرورة غيبة خاتمهم الإمام الثاني عشر((عليه السلام)) ، ولكن كلّ أشكال التعسّف والقهر والعداء والخذلان لم يُثنهم عن حفظ سنّة جدهم ((صلى الله عليه وآله)) وتبليغها حيث حفلت الأحاديث المروية عنهم والمدونة في كتب علماء مدرستهم بكلّ ما يحتاجه الإنسان في مختلف شؤونه الفردية والاجتماعية(105).
ثالثاً: تنطبق عليهم دلالة الحديث على استمرار وجودهم بصورة متصلة ما بين وفاة جدهم ((صلى الله عليه وآله)) وقيام الساعة، في سلسلة ذهبية لم تؤد الى قطعها كلّ حملات العداء والخذلان التي تعرِّضوا لها، وإن أدت الى غيبة خاتمهم الإمام المهدي((عليه السلام)) فاستمر دوره في حفظ الدين وقيامه بذلك من خلف استار الغيبة بأساليب متنوعة أثبتت أنّ الإنتفاع بوجوده متحقق مثلما ينتفع بالشمس إذا غيّبتها السُحب عن الأبصار كما ورد في الأحاديث الشريفة(106).
وبذلك يتّضح أنّ عقيدة مدرسة أهل البيت ((عليهم السلام)) كيف تفسر عدم تناسب طول الفترة الزمنية بين وفاة الرسول ((صلى الله عليه وآله)) وبين قيام الساعة، مع تحديد الحديث الشريف لعدد الخلفاء القيّمين على الإسلام بإثني عشر رجلاً لا أكثر، يستمر وجودهم متصلاً الى يوم القيامة لأنّ قيام الدين يكون بهم.
وبذلك يكون الحديث الشريف من الأحاديث المتفق على صحتها بين المسلمين والدالة على وجود الإمام المهدي وغيبته لأنه لا ينطبق على غير الأئمة الاثني عشر من أئمة العترة النبوية الذين أدى خذلانهم الى غيبة خاتمهم((عليه السلام)) .
الإتفاق على أنّ المهدي خاتم الخلفاء الاثني عشر
يؤيد ذلك موافقة عدد كبير من علماء أهل السنّة لعقيدة أهل البيت((عليهم السلام)) في كون المهدي المنتظر هو الخليفة الثاني عشر من الخلفاء الاثني عشر الذين أخبر الرسول ((صلى الله عليه وآله)) عن خلافتهم الدينية، أمثال أبي داود في سننه(107)وابن كثير في تفسيره(108) وغيرهم. وصرح بذلك المجمع الفقهي التابع للأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي في جوابه على استفتاء مسلم من كينيا بشأن الإمام الموعود، حيث ورد في جواب المجمع : «هو ]المهدي الموعود [آخر الخلفاء الراشدين الاثني عشر الذين أخبر عنهم النبيّ صلوات الله وسلامه عليه في الصحاح ...»(109) .
ولعلّ مستندهم في ذلك حديث الأُمّة الظاهرة القائمة بأمر الله الذي يتحدّث عن المصداق الذي يتحدث عنه حديث الأئمة الاثني عشر الذي يصرح بأنّ آخر اُمراء هذه الأُمّة الظاهرة هو المهدي الموعود كما سنلاحظ.
3 ـ حديث الأُمة الظاهرة القائمة بأمر الله
وهو من الأحاديث المشهورة المروية في الكتب الستة وغيرها من المجاميع الروائية المعتبرة عند إخواننا أهل السنّة من طرق كثيرة فقد رواه مثلاً أحمد بن حنبل وحده من سبعة وعشرين طريقاً(110).
فقد رواه البخاري في صحيحه بلفظ « لا يزال ناس من أُمّتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون »(111).
ورواه الطيالسي في مسنده بلفظ : «لا تزال طائفة من أُمتي على الحقّ حتى يأتي أمر الله عزّ وجلّ»(112).
ورواه البخاري في صحيحه ومسلم وأحمد بلفظ : « مَن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ولن
تزال ] من [ هذه الأُمّة أُمّة قائمة على أمر الله، لا يضرهم مَن خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس»(113).
ورواه مسلم وأحمد وغيرهم عن جابر بن سمرة : « لن يبرح هذا الدين قائماً تقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة »(114). وفيه أنّه((صلى الله عليه وآله)) قال ذلك في حجّة الوداع، وجابر هو نفسه راو حديث الأئمة الاثني عشر من قريش.
وفي رواية لمسلم : « لا تزال عصابة من أُمّتي يُقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك »(115).
وفي رواية صحيحة أخرجها أحمد بن حنبل في مسنده عن عمران بن حصين أنّ رسول الله((صلى الله عليه وآله)) قال: « لا تزال طائفة من أُمّتي على الحقّ ظاهرين على مَن ناواهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى، وينزل عيسى بن مريم»(116).
وفي رواية لمسلم وأحمد : « لا تزال طائفةٌ من أُمّتي على الحقّ ظاهرين الى يوم القيامة ، قال: فينزل عيسى بن مريم ((عليه السلام)) ، فيقول أميرهم : تعال صلّ بنا، فيقول : لا ، إنّ بعضكم على بعض أُمراء تكرمة الله لهذه الأُمّة»(117).
والحديث الشريف جاء في حجّة الوداع كما يصرح بذلك جابر بن سمرة فيما رواه عنه مسلم وأحمد والحاكم كما تقدّم، وهذه الحجّة هي نفسها التي بلّغ فيها رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) أحاديث الثقلين والغدير والأئمة الاثني عشر، لذا فهو يأتي في إطار التخطيط النبوي لهداية المسلمين الى ما يحفظ مسيرتهم بعده أو ما ينقذهم من الضلالة وميتة الجاهلية، فهو غير بعيد عن أجواء الأحاديث السابقة.
على أنّ من الواضح للمتدبر في هذا الحديث الشريف وحديث الأئمة الاثني عشر أنّ كليهما يتحدّثان عن مصداق واحد لا أكثر، كما هو مشهود في إشتراكهما في ذكر صفات تتحدّث وتهدي الى مصداق واحد، خاصة ما يصرح بربط قيام الدين وحفظه بوجود هذه الأُمّة الظاهرة القائمة بأمر الله في الحديث الثاني وبوجود الأئمة الاثني عشر في الحديث الأوّل . لأنّ ذلك يعني امتلاك هذه الجهة للقيمومة على الدين ومرجعيتها في معرفة حقائق الدين الحقّ وتعريضها بسبب ذلك للمعاداة والخذلان وهذا ما يشترك الحديثان في ذكره وفي التصريح بعدم إضراره في أصل مهمة هذه العصابة وهي الدفاع عن الدين الحقّ وحفظه .
ويؤكد حديث الأُمّة الظاهرة صراحة ـ فيما تقدّم من نصوصه ـ مادل عليه حديث الأئمة الاثني عشر ضمنياً من استمرار وجود هؤلاء الأئمة الى يوم القيامة وكذلك من أن مهمتهم الأساسية خلافة رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) في الدفاع عن الدين الحقّ وحفظه دون أنّ يؤثر في إنجاز أصل هذه المهمة إستلامهم الفعلي للحكم أو عدم استلامه وإن كانوا هم الأجدر بذلك.
كما أنه يصرح بأنّ خاتم أمراء هذه الأُمّة الظاهرة هو الإمام المهدي الموعود ـ كما دل على ذلك ضمنياً حديث الأئمة الاثني عشر ـ ، فهو يصرح باستمرار وجودها الى نزول عيسى ((عليه السلام)) ومناصرته لأميرها وصلاته خلفه وهذه الحادثة ترتبط بالإمام المهدي ـ عجل الله فرجه ـ باتفاق المسلمين.
ويصرح حديث الأُمّة الظاهرة بلزوم أن يكون هؤلاء الأئمة الإثنا عشر أئمة حق قائمين بأمر الله كما تصرح بذلك النصوص المتقدّمة، فهم يمثلون خطاً واحداً منسجماً في خلافة رسول الله الحقيقيّة والوصاية على شريعته، خطّاً متصلاً دون إنقطاع الى يوم القيامة، وهذا ما لا ينسجم بحال من الأحوال مع تاريخ خلفاء الدولة الإسلامية الذين حكموها فعلاً. لذلك فإنّ جميع الذين غفلوا عن هذه الدلالات في الحديثين المتقدمين وسعوا للعثور على مصاديق الأئمة الاثني عشر في الذين وصلوا للحكم بعد رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) بأي طريقة كانت، تاهوا في متاهات غريبة ولم يستطيعوا تقديم مصداق معقول ينسجم مع دلالات هذه الأحاديث الشريفة ولا مع الواقع التاريخي. فتعددت آراؤهم وعمدوا الى تأويلات باردة لما صرّحت به الأحاديث الشريفة الأمر الذي يتعارض بالكامل مع هدف الرسول الأكرم ((صلى الله عليه وآله)) من إخبار المسلمين بهؤلاء القائمين بأمر الله وهو الهداية إليهم وإرجاعهم ودعوتهم للتمسك بهم.
فأي انسجام في الخط والمنهج وتمثيل الدين الحقّ والصدق في التعبير عن خلافة رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) بين الإمام عليّ ((عليه السلام)) ومعاوية، أو بين الإمام الحسين ((عليه السلام)) ويزيد بن معاوية لكي يعتبروهم جميعاً من الخلفاء الاثني عشر الذين يقوم بهم الدين ؟ ! وكيف يمكن القول بأنّ أمثال يزيد بن معاوية أو الوليد بن عبدالملك يمكن أن يصدق عليهم الوصف النبوي للأمة الظاهرة والأئمة الاثني عشر بأنهم على الحقّ وقائمون بأمر الله وخلفاء رسوله وكيف ذاك وسيرتهم شاهدة بأنهم أبعد الناس عن العلم بالدين وممثلو نهج رسول الله((صلى الله عليه وآله)) .
هذا بعض ما يُقال بشأن المصاديق التي عرضها للأئمة الاثني عشر العلماء الذين راعوا دلالة الأحاديث على اتصال سلسلة هؤلاء الأئمة وأغفلوا عدم إنطباق الصفات الأُخرى عليهم كما لاحظنا. يُضاف الى ذلك إغفالهم لتصريح الأحاديث باستمرار وجود هؤلاء الأئمة الى يوم القيامة; إذ أنّ المصاديق التي عرضوها تنتهي بإنتهاء العصر الأُموي(118) !
أما الذين سعوا لمراعاة الصفات الأُخرى فيمن حكموا المسلمين فقد أغفلوا دلالة الحديث على استمرار وجودهم دون انقطاع إذْ تركوا الخلفاء الذين أعقبوا معاوية الى عمر بن عبدالعزيز ليجعلوه خامس أو سادس الاثني عشر وتركوا ما بعده الى هذا أو ذاك من الخلفاء العباسيين ممن رأوهم أقرب الى الصفات التي يذكرها الحديث ورغم ذلك لم يكتمل العدد حتى قال السيوطي: «وبقي الاثنان المنتظران أحدهما المهدي لأنه من آل بيت محمّد صلّى الله عليه وسلّم»(119) . وأما الثاني فسكت عنه!!
وما كانوا بحاجة الى كلّ هذه التأويلات الباردة والمتاهات المحيرة لو تدبروا بموضوعية في تلك الأحاديث الشريفة واستندوا الى مدلولاتها الواضحة التي تنطبق بالكامل على الأئمة الاثني عشر من عترة رسول الله((صلى الله عليه وآله)) وعلى القول بعدم انقطاع سلسلتهم الى يوم القيامة في ظل القول بوجود الإمام الثاني عشر المهدي الموعود((عليه السلام)) وغيبته وقيامه حتى في ظل غيبته عن الأبصار بمهام حفظ الدين ولو بأساليب خفية لكنها كاملة في إتمام حجّة الله على خلقه كما دلت على ذلك الأحاديث المتقدّمة وتدل عليه أيضاً الأحاديث اللاحقة.
4 ـ أحاديث عدم خلو الزمان من الإمام القرشي المنقذ من الميتة الجاهلية
وهي أيضاً من الأحاديث الشريفة المروية من طريق الفريقين ، نختار منها المروي في الكتب المعتبرة عند أهل السنّة، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما وأحمد بن حنبل في مسنده وغيرهم بأسانيدهم عن رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) أنّه قال: « لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان»(120).
وروى أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه والطيالسي في مسنده والطبراني والهيثمي وغيرهم بألفاظ متقاربة وأسانيد عديدة عن رسول الله((صلى الله عليه وآله)) أنّه قال واللفظ للطيالسي : « مَن مات بغير إمام مات ميتةً جاهلية ، ومَن نزع يداً من طاعة جاء يوم القيامة لا حجّة له »(121).
وعلّق ابن حبان على الحديث موضحاً معناه بقوله : قال أبو حاتم: قوله ((صلى الله عليه وآله)) : «مات ميتة الجاهلية» معناه : مَن مات ولم يعتقد أنّ له إماماً يدعو الناس الى طاعة الله حتى يكون قوام الإسلام به عند الحوادث والنوازل، مقتنعاً في الإنقياد على مَن ليس نعته ما وصفنا مات ميتةً جاهلية(122).
معنى « الأمر » في الكتاب والسنّة
إنّ الحديث الأوّل قد صرّح ببقاء «الأمر» في قريش ما بقي ناسٌ على الأرض فلا تخلو الأرض من قرشي يكون له « الأمر » ، فما هو المقصود من « الأمر » هنا ؟ ! وهل يمكن تفسيره بالاستلام الفعلي للحكم الظاهري للمسلمين ؟ !
الجواب: أنّ الواقع التاريخي ينفي هذا التفسير، وعلى الأقل منذ سقوط الخلافة العباسية الى اليوم لم يكن حكم المسلمين لقرشي كما هو معلوم، لذا لا يمكن تفسير « الأمر » بغير القول بمعنى الخلافة العامة لرسول الله ((صلى الله عليه وآله)) في الوصاية على الدين وحفظه والدفاع عنه وهداية الخلق إليه، الأمر الذي يؤهل صاحبه لقيادة المسلمين والحكم الظاهري ، فالأمر هنا هو من نوع «الأمر » الوارد في سورة النساء في آية الطاعة، وهي قوله تعالى: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )(123) ، وهي الآية الدالة على عصمة اُولي الأمر لاشتراكهم في الأمر بالطاعة مع الرسول ((صلى الله عليه وآله)) ولأنّ : «الله تعالى أمر بطاعة اُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومَن أمر بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابد وأن يكون معصوماً عن الخطأ... كما قال الفخر الرازي في تفسيره(124) .
فلابدّ أن يكون في زماننا الحاضر أيضاً قرشي يكون له « الأمر » هذا ويقوم به الدين ويتحلى بالعصمة ويخلف رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) في مهمة حفظ الدين والهداية إليه إذ لا يخلو زمان من مصداق لذلك كما ينص الحديث الشريف المتقدم، وحيث إنّه لا يوجد إمام ظاهر يدعي ذلك فلابد من القول بوجوده واستتاره وغيبته وقيامه بمهمة حفظ الدين تصديقاً للحديث الشريف وهذه هي عقيدة أهل البيت ((عليهم السلام)) في المهدي وغيبته.
يُضاف الى ذلك أنّ أحاديث الخلفاء الاثني عشر قد حصرت عدد خلفاء الرسول بهذا المعنى الى يوم القيامة باثني عشر ، وقد إتّضحت دلالتها على وجود الإمام المهدي وغيبته، لذلك يكون حديث عدم خلو الزمان من الإمام القرشي مؤكداً لهذه الدلالة.
والدلالة نفسها يمكن التوصل إليها من أحاديث وجوب معرفة إمام الزمان وإتباعه والتي تقدّم نموذج لها، حيث تنصّ على أن لا حجّة يوم القيامة لمن عمي عن معرفته وخرج عن طاعته كما رأينا، لذا فلا مناص من القول بحتمية وجوده وإمكانية التعرف عليه والتمسك بعرى طاعته وإلاّ لما كان للاحتجاج الإلهي على الغافلين عن معرفته وطاعته معنى، إذْ كيف يكون الإحتجاج بمن لا وجود له.
وحيث إنّ أمر الطاعة له مطلق فهو دال على عصمته ويؤكده صدر الحديث على أن عدم معرفته والتمسك به يقود الى ميتة الجاهلية، وأنّ طاعته واجبة لأنه يدعو الى طاعة الله وبه يكون قوام الإسلام كما صرح بذلك ابن حبان فيما نقله عن أبي حاتم من دلالة الحديث الواضحة، ولذلك صرح أبو حاتم بأنّ طاعة غيره ممن لم يتصف بهذه الصفات تؤدي الى ميتة الجاهلية. وهذا هو المستفاد من الحديث الأوّل فالدلالة مشتركة وتكون المحصلة : حتمية وجود إمام معصوم قرشي يكون الإسلام به قائماً يدعو الى طاعة الله ويكون له الأمر ويتحمل مسؤولية حفظ الدين الحقّ، وحيث إنّ مثل هذا الإمام غير ظاهر فلابد من القول بغيبته وقيامه بهذه المهام من خلف أستار الغيبة الى حين زوال الأسباب التي أدت الى غيبته فيظهر حينئذ ليقيم الدولة العادلة على أساس قيم الدين الذي حفظه .
ولا يمكن القول بتعدد الغائبين لأنّ أحاديث الأئمة الاثني عشر حصرت عدد خلفاء الرسول ((صلى الله عليه وآله)) بهذا العدد وثبت أنّ المصداق الوحيد الذي تنطبق عليه الشروط المستفادة من دلالات هذه الأحاديث هم أئمة أهل البيت النبوي، وقد ثبتت وفاة الأئمة الأحد عشر ولم يبق إلاّ خاتمهم المهدي الموعود(125) فلابد من القول باستمرار وجوده الى يوم القيامة استناداً الى الأحاديث المتقدّمة، ولأنّ الصحيح من الأقوال هو أنّ الأرض لا تخلو من حجّة كما يقول ابن حجر العسقلاني في شرحه لصحيح البخاري: وفي صلاة عيسى((عليه السلام)) خلف رجل من هذه الأُمّة مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة دلالة للصحيح من الأقوال : «إنّ الأرض لا تخلو من قائم لله بحجّة»، والله أعلم(126).
ولابدّ من الإشارة هنا الى أن الدلالات المستفادة من هذه الأحاديث الشريفة على وجود المهدي الإمامي وغيبته هي دلالات واضحة إلاّ أنّ مما أثار بعض الغموض عليها وأوجد الحاجة الى الاستدلال عليها والتحليل المفصل لها هو السكوت عنها والتعتيم عليها أو محاولات تأويلها وصرفها عن المصداق الحقيقي بسبب طغيان الخلافات السياسية التي شهدها العالم الإسلامي وانعكاساتها على الأُمور العقائدية وهو السبب نفسه الذي أدى الى إحجام بعض المحدثين عن نقل وتدوين طائفة أُخرى من الأحاديث التي صحت عن رسول الله((صلى الله عليه وآله)) والتي صرّحت بما أشارت إليه هذه الأحاديث وشخصت مصاديقها، لأنّ المصالح السياسية للحكام الأمويين والعباسيين منعت من اشتهار مثل هذه الأحاديث ومنعت من انتشار الكتب التي تنقلها . كما هو واضح لمن راجع التاريخ الإسلامي.
الهوامش
* اقتبس هذا المقال من موسوعة أعلام الهداية ج14 (الإمام المهدي المنتظر خاتم الأوصياء / الناشر: المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام).
(1) ثواب الأعمال للشيخ الصدوق : 77، مصباح المتهجد للشيخ الطوسي : 798، 829، إقبال الأعمال للسيّد ابن طاووس : 718، الأمالي، الصدوق: 79، ح 46/1.
(2) سنن ابن ماجة 1: 444 ـ 445، 1388، 1389، 1390، سنن الترمذي 3: 116 / 739، المعجم الكبير، الطبراني 20: 108 / 215.
(3) راجع هذه الروايات في كتاب النجم الثاقب للميرزا النوري 1:141 ومابعدها من الترجمة العربية، وراجع الكافي 1: 514 باب مولد الصاحب((عليه السلام)) ، كمال الدين : 424 باب (42) ما روي في ميلاد القائم((عليه السلام)).
(4) نقصد بالتقويم التطبيقي التقويم الذي يطبق بين أيام تقويم السنّة الشمسية مع ما يصادفها من أيام تقويم السنّة القمرية، وقد أعدت عدة تقاويم من هذا النوع على شكل كتب أو برامج كومبيوترية حددت ما يصادف كلّ يوم من أيام السنة الهجرية القمرية مع تقويم السنة الهجرية الشمسية والسنة الميلادية الشمسية، وقد راجعنا في البحث التقويم التطبيقي الذي أصدرته جامعة طهران والذي يبدأ بالتطبيق من اليوم الأوّل من السنة الاُولى لهجرة النبيّ الأكرم((صلى الله عليه وآله)) الى نهاية القرن الهجري الخامس عشر.
(5) راجع تفصيلات أقوالهم في الاحصائية التي أوردها السيّد ثامر العميدي في كتابه دفاع عن الكافي:
1: 546 ـ 592 .
(6) راجع غيبة الشيخ الطوسي الفصل الخاص بإثبات ولادة صاحب الزمان ((عليه السلام)) : 74 وما بعدها، وكتاب كمال الدين للشيخ الصدوق: 424 باب (42) ما روي في ميلاد القائم((عليه السلام)) .، وراجع الروايات التي جمعها السيّد البحراني بشأن قصة الولادة من المصادر المعتبرة في كتابه تبصرة الولي : 6 وما بعدها، وكذلك التلخيص الذي أجراه الميرزا النوري في النجم الثاقب 1: 141 وما بعدها .
(7) غيبة الشيخ الطوسي : 234 / ح208، وعنه المجلسي في بحار الأنوار 51: 20 / 27.
(8) كمال الدين: 315 ـ 316، كفاية الأثر : 225 ـ 226.
(9) كمال الدين : 303/ ح14.
(10) كمال الدين : 321 ـ 322.
(11) كمال الدين : 316 ـ 317 / ح1.
(12) الكافي 1: 324 / 26، الغيبة، النعماني: 171 / ح7.
(13) ذكر تراجمهم الدكتور محمّد مهدي خان مؤسس صحيفة الحكمة في القاهرة في كتابه «باب الأبواب» الذي خصص جانباً منه لدراسة حركات أدعياء المهدوية.
(14) الصواعق المحرقة، ابن حجر 2: 601، الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي : 1090، وذكر ابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول: 477 أنّه((عليه السلام)) مات عن 29 سنة.
(15) مروج الذهب للمسعودي: 4/ 169، مطالب السؤول، ابن طلحة: 474، الفصول المهمة لابن الصباغ: 1077، الصواعق المحرقة لابن حجر 2: 599.
(16) الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي : 1057، مطالب السؤول: 470.
(17) لقد امتدّت هذه المحاولات الى داخل بيت الإمام((عليه السلام)) فزرعت العيون من النساء لمراقبة ما يحدث داخل بيت الإمام((عليه السلام))، للقضاء على الإمام المهدي((عليه السلام)) إن وَلد، بل قد امتدت هذه الجهود للحيلولة دون ولادة الإمام((عليه السلام)) ومن هنا لم يتزوّج الإمام الحسن العسكري((عليه السلام)) بشكل رسمي كما هو المتعارف والمتداول حينذاك.
(18) راجع الفصل الخاص بذلك في كتاب حياة الإمام العسكري ((عليه السلام)) للشيخ الطبسي : 421 ـ 424.
(19) إثبات الهداة للحر العاملي 3: 570/ 685 ب (32)، منتخب الأثر للشيخ لطف الله الصافي : 359 ب 34 ح 4 عن كشف الحقّ للخاتون آبادي وبذيله ما يدل عليه من سائر الأخبار غير القليلة ، معجم أحاديث الإمام المهدي، عليّ الكوراني: 221 وذكر له عدّة مصادر منها إثبات الرجعة للفضل بن شاذان على ما نقله الحرّ العاملي في إثبات الهداة.
(20) مثل رسائل الشيخ المفيد في الغيبة وهي خمس رسائل إضافة الى كتاب الفصول العشرة في الغيبة، وكتاب المقنع في الغيبة للسيّد المرتضى، وكتاب الغيبة للشيخ الطوسي، وكتاب إكمال الدين للشيخ الصدوق، وكتاب الغيبة للشيخ النعماني، وعموم كتب الإمامة كالشافي وتلخيصه وغيرها فقد حفلت بأشكال الأدلة على هذا الموضوع وهي كثيرة للغاية.
(21) الإسراء (17): 71 ـ 72.
(22) الأنبياء (21): 73.
(23) البقرة(2): 124.
(24) القصص (28): 5.
(25) الفرقان (25): 74.
(26) التوبة (9): 12.
(27) القصص (28): 41. والجعل هنا بمعنى «تصييرهم سابقين في الضلال يقتدي بهم اللاحقون» الميزان: 16/38، فليس هنا بمعنى النصب كما هو حال أئمة الهدى.
(28) هود (11): 17.
(29) يس (26): 12.
(30) تفسير الميزان: 13/ 165 ـ 169، وما أوردناه مستفادٌ من بحثه التفسيري لهما.
(31) البقرة (2): 124.
(32) الزخرف (43): 28، ولاحظ قوله تعالى (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ)العنكبوت (29): 27.
(33) راجع في الباب مثلاً كتاب منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر لآية الله الشيخ لطف الله الصافي فقد جمع الكثير من النصوص المروية من طرق أهل السنّة والشيعة، وراجع أيضاً كتاب إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات للحر العاملي، وفرائد السمطين للحمويني الشافعي، وينابيع المودة للحافظ القندوزي الحنفي وغيرها كثير.
(34) راجع هذا الاستدلال في مقدمة كتاب كمال الدين للشيخ الصدوق: 12، والفصل الخامس من الفصول العشرة في الغيبة للشيخ المفيد، وكذلك الرسالة الخامسة من رسائل الغيبة. وكتاب الغيبة للشيخ الطوسي: 101 وما بعدها، وإعلام الورى للشيخ الطبرسي: 2/257 وما بعدها وكشف المحجة للسيّد ابن طاووس: 104، وغيرها.
(35) النساء (4): 41.
(36) النحل (16): 84.
(37) النحل (16): 89.
(38) القصص (28): 75.
(39) تفسير الميزان: 1/320.
(40) تفسير الكشاف: 3/189 تفسير آية (75) سورة القصص.
(41) تفسير الكشاف: 2/423 تفسير آية (84) سورة النحل.
(42) المائدة (5): 117.
(43) تفسير الكشاف: 3/189 تفسير آية (75) سورة القصص.
(44) التفسير الكبير: 25/12 ـ 13 راجع في ذلك مجمع البيان 7: 454 في ذلك الآية (75) سورة القصص.
(45) التفسير الكبير 20: 98، وتفسير الكشاف 2: 424 ، بحار الأنوار، المجلسي 7: 309، تفسير ابن كثير 2: 603، تفسير آية (89) سورة النحل.
(46) راجع معجم أحاديث الإمام المهدي: 1/274، نقلاً عن مسند أحمد وغيره من المجاميع الروائية لأهل السنّة.
(47) البقرة (2): 225.
(48) تفسير الميزان: 1/320 ـ 321.
(49) تفسير الميزان: 1/321.
(50) إشارة الى قوله تعالى: (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) الأنعام: 124.
(51) النمل (27): 40.
(52) الاختصاص، الشيخ المفيد: 93، مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب 3: 507 .
(53) الرعد (13): 43.
(54) شواهد التنزيل 1: 400 ـ 405 / ح422 ـ 427 نقل ستة أحاديث مسندة الى أبي سعيد الخدري، وابن عباس، وابن الحنفية، والإمام الباقر وأبي صالح، وكلّهم يقول انّه عليّ بن أبي طالب((عليه السلام))، تفسير الثعلبي 5: 303 نقل حديثين أحدهما بسنده الى الإمام الباقر((عليه السلام)) والثاني الى محمّد بن الحنفية، فيهما أنّ من عنده علم الكتاب هو عليّ بن أبي طالب.
(55) بصائر الدرجات، محمّد بن الحسن الصفار: 232 ـ 236، ح1 ـ 21 باب مما عند الأئمة عليهم الصلاة والسلام من اسم الله الأعظم وعلم الكتاب، الكافي، الكليني 1: 228 باب: أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلاّ الأئمة((عليهم السلام)) وأنّهم يعلمون علمه كلّه.
(56) سورة الرعد (13): 7.
(57) الأعلى (87) 2 ـ 3 وراجع تفسيرها في الجزء العشرين من تفسير الميزان.
(58) تفسير الميزان 11: 305.
(59) تفسير الميزان 11: 305.
(60) يونس (10): 35.
(61) المؤمن (40): 38.
(62) القصص (28): 56.
(63) الأنبياء (21): 73.
(64) تفسير الميزان: 10/ 56 ـ 61.
(65) تفسير الميزان: 1/272.
(66) الأنبياء (21): 73.
(67) السجدة (32): 24.
(68) كمال الدين، الصدوق: 207 / ح22، و 485 / ح4، الغيبة، الشيخ الطوسي: 290/ح247، الخرائج والجرائح،قطب الدين الراوندي 3: 1113/ح30.
(69) الصواعق المحرقة 2: 440.
(70) أهل البيت في المكتبة العربية للسيّد عبدالعزيز الطباطبائي : 277 ـ 279.
(71) أصدرت دار التقريب الإسلامية في مصر رسالة مفصلة ألفها أحد أعضاء الدار عن هذا الحديث استوفى فيها أسانيد الحديث في الكتب المعتمدة عند أهل السنّة. وقال بتواتره أبو المنذر المصري في كتابه «الزهرة العطرة في حديث العترة»، وكذلك أبو الفتوح التليدي في كتابه «الأنوار الباهرة»، والحديث موضع اتفاق المسلمين جميعاً فلا حاجة الى تتبع طرقه وإثبات صحتها فإنّ ذلك من الفضول.
(72) الصواعق المحرقة لابن حجر 2: 440، أهل البيت في المكتبة العربية : 279.
(73) صحيح البخاري 4: 31 باب دعاء النبيّ((صلى الله عليه وآله)) الى الإسلام والنبوّة 5: 137 باب مرض النبيّ((صلى الله عليه وآله)) ووفاته 7: 9 باب كتاب المرضى والطلب 8: 161 باب قول النبيّ((صلى الله عليه وآله)) لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء.
(74) راجع تلخيص وتعريب السيّد عليّ الميلاني للجزء الخاص بطرق حديث الثقلين من موسوعة عبقات الأنوار وقد طبع هذا التلخيص مرتين. الأولى في مجلدين والثانية في ثلاث مجلدات.
(75) صحيح مسلم 7: 123.
(76) سنن الترمذي : 5/ 328 / 3874.
(77) المستدرك على الصحيحين 3: 118 / 4576 وقال الحاكم عنه: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله».
(78) الصواعق المحرقة 2: 439.
(79) راجع رسالة الثقلين الصادرة عن دار التقريب الإسلامية في مصر : 18 وراجع مناقشة السيّد محمّد تقي الحكيم لإعتبار هذه الرواية ضمن حديثه عن دلالات حديث الثقلين في فصل السنة من كتابه الأصول العامة للفقه المقارن.
(80) الصواعق المحرقة 2: 439.
(81) راجع مثلاً كتاب «حديث الثقلين، تواتره ، فقهه» للسيّد عليّ الميلاني.
(82) المصباح المنير للفيومي 2: 391، مادة العترة.
(83) صحيح مسلم 4: 1873 / 2408.
(84) مسند أحمد بن حنبل 3: 259 / 13754.
(85) راجع صحيح مسلم 4: 1501/ 2424، وما رواه الحاكم في المستدرك وصححه على شرط البخاري في 3: 159 / 4707، والدر المنثور للسيوطي 6: 603، مسند أحمد بن حنبل 7: 455 / 26206، مشكل الآثار، الطحاوي 1: 334 ـ 335.
(86) راجع البحث القرآني الذي أورده العلاّمة الطباطبائي((رحمه الله)) في تفسير الميزان، في تفسير الآية الكريمة ودلالاتها.
(87) الصواعق المحرقة 2: 442.
(88) راجع تراجمهم ـ سلام الله عليهم ـ فيما كتبه علماء الرجال من أهل السنّة، وقد ألف العديد منهم كتباً خاصة بالأئمة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) ، أمثال ابن طولون الدمشقي والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ومطالب السؤول في مناقب آل الرسول، لابن طلحة الشافعي، وهناك مصادر كثيرة أُخرى أفردت لهم فصول مطوّلة كرشفة الصادي للحضرمي، والصواعق لابن حجر، والاتحاف بحب الأشراف للشبراوي وغيرهم الكثير.
(89) الصواعق المحرقة 2: 442.
(90) راجع كتابه : منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر.
(91) صحيح البخاري 6: 2640 / 6796.
(92) صحيح مسلم 3: 1452 / 1821.
(93) سنن الترمذي 4: 501 / 2223.
(94) سنن أبي داود 2: 508 / 4280.
(95) مسند أحمد بن حنبل 5: 87 ـ 108 / 20833 ـ 21088.
(96) المعجم الكبير: 196/1794 .
(97) كنز العمال 12: 60 / 33861.
(98) راجع هذه النصوص والتعريف بمصادرها في كتاب منتخب الأثر ومعجم أحاديث الإمام المهدي ((عليه السلام)): 2 / 255 ـ 265 ، وكذلك كتاب أحاديث المهدي في مسند أحمد بن حنبل.
(99) عن دلالات حديث الغدير وتواتره وطرقه راجع موسوعة الغدير للعلامة الأميني((رحمه الله)) ، والجزء الخاص به من عبقات الأنوار وغيرها.
(100) ذكره الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري 8: 77، وأشار الى مصادره حيث قال: «وإشارته بهذا الكلام تطابق الحديث الذي أخرجه أحمد وأصحاب السنن وصحيحة ابن حبّان وغيره من حديث السفينة أن النبيّ((صلى الله عليه وآله)) قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً».
(101) مسند أحمد 1: 398/3781، المعجم الكبير للطبراني 10: 157 / 10310 ، المستدرك للحاكم: 4/ 546/8529.
(102) فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني 13: 213، نقله عن ابن الجوزي والأخير نقله عن المسند الكبير.
(103) راجع «الإمام الصادق والمذاهب الأربعة» للشيخ أسد حيدر، وما ورد بشأنهم في تاريخ دمشق لابن عساكر وفي تاريخ بغداد للخطيب البغدادي والصواعق المحرقة لابن حجر وسير أعلام النبلاء للذهبي ووفيات الأعيان لابن خلكان وغيرها. وسائر من ترجم لهم ((عليهم السلام)) من مختلف الفرق الإسلامية.
(104) سير أعلام النبلاء: 13/ 120 وراجع ما جمعه الشيخ الطبرسي في كتاب الإحتجاج تجد نماذج كثيرة لدفاعهم عن الإسلام بوجه الأفكار الدخيلة.
(105) جمعت هذه الأحاديث الشريفة في موسوعات ضخمة مثل بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي ووسائل الشيعة للحر العاملي.
(106) مثل إصداره «التوقيعات» وهي الرسائل التي كان((عليه السلام)) يبعثها للمؤمنين ويجيب فيها عن أسئلتهم الدينية المختلفة وقد دونت كتب الغيبة عدداً كبيراً منها، تجدها في كتاب «كلمة الإمام المهدي» والصحيفة المهدوية وغيرها.
(107) فقد وضع أبو داود حديث جابر بن سمرة (الأئمة إثنا عشر من قريش) في أوّل كتاب المهدي من سننه وهذا يدلل على أنّ أبا داود فهم أنّ المهدي هو من الأئمة الإثني عشر وهو آخرهم بالنتيجة.
(108) تفسير القرآن العظيم 2: 45 في تفسير الآية 12 من سورة المائدة، حيث قال بعد ذكره الحديث الاثني عشر: «والظاهر أنّ منهم المهدي المبشّر به في الأحاديث».
(109) راجع النسخة المصوّرة لفتوى رابطة العالم الإسلامي، المجمع الفقهي المنشورة في كتاب أحاديث المهدي من مسند أحمد بن حنبل : 162 ـ 166.
(110) راجع كتاب «أحاديث المهدي ((عليه السلام)) من مسند أحمد بن حنبل» ، إعداد السيّد محمّد جواد الجلالي: 68 ـ 76 .
(111) صحيح البخاري 3: 1331 / 3441.
(112) مسند الطيالسي 1: 9 / 38، مسند الشهاب 2: 76 / 913.
(113) صحيح البخاري 3: 1134 / 2948، وصحيح مسلم: 3/1524 حديث 1037 ، ومسند أحمد: 4/101 ح16973.
(114) صحيح مسلم 3: 1524 / 1922، مسند أحمد 5: 98 / 20970، مسند الطيالسي 1: 104/756.
(115) صحيح مسلم 3: 1524 / 1924.
(116) مسند أحمد: 4/429/ 19864 وعلق عليها محقق المسند شعيب الأرناؤوط قال: «إسناده صحيح على شرط الشيخين».
(117) صحيح مسلم 1: 137 / 156، مسند أحمد 3: 384 / 15167، وللوقوف أكثر على هذه الأحاديث راجع معجم أحاديث الإمام المهدي: 1/ 51 ـ 68، فقد ذكر لكلّ حديث الكثير من المصادر من المجاميع الروائية المعتبرة عند أهل السنّة وقد أخترنا بعضها من المتن والبعض الآخر من الهوامش.
(118) وهذا أضعف الآراء وأبعدها عن دلالات الحديث الشريف ورغم ذلك رجحه ابن باز في تعليقه على محاضرة الشيخ عبدالمحسن العباد عن المهدي الموعود، وقد طبعت المحاضرة والتعليقة في كتاب بعنوان «عقيدة أهل السنّة والأثر في المهدي المنتظر» راجع ص6 منه.
(119) تاريخ الخلفاء، السيوطي 1: 16، وراجع أيضاً في مناقشة هذه الآراء ما ذكره الشيخ لطف الله الصافي في كتابه منتخب الأثر: في الهامش، ودلائل الصدق للشيخ محمّد حسن المظفر، 2: 315 وما بعدها، وما أورده الحكيم صدر الدين الشيرازي في شرح أصول الكافي : 463 ـ 470 من الطبعة الحجرية.
(120) صحيح البخاري 3: 1290/3310، صحيح مسلم 3: 1452/ 1820، مسند أحمد 2: 29/ 4832، و2: 93/5677 .
(121) مسند أحمد 4: 96 / 16922، صحيح ابن حبان 10: 434 / 4573، مسند الطيالسي 1: 259 / 1913، المعجم الكبير للطبراني 19: 388/ 910، مجمع الزوائد 5: 393/ 9102.
(122) صحيح ابن حبان 10: 434.
(123) النساء (4): 59 .
(124) التفسير الكبير: 10/ 144 ، وراجع البحث المفصل الذي أورده العلاّمة الطباطبائي في تفسير هذه الآية الكريمة ودلالاتها في تفسير الميزان: 4/ 387 ـ 401 .
(125) يُلاحظ هنا أنّ كلّ المؤرخين من مختلف المذاهب الإسلامية الذين ترجموا للأئمة الاثني عشر من أهل البيت((عليهم السلام)) ذكروا تواريخ وفيات الأئمة الأحد عشر باستثناء المهدي بن الحسن العسكري فقد ذكروا تاريخ ولادته فقط. وهذا الأمر يصدق حتى على الذين لم يقولوا بأنه هو المهدي الموعود المبشر به في صحاح الأحاديث النبوية.
(126) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العقسلاني: 6/ 494.
الإمام المهدي المنتظر(ع) في بشارات الأديان (*)

إنّ قضية الإمام المهدي المنتظر الذي بشّر به الإسلام وبشّرت به الأديان من قبل، قضية إنسانية قبل أن تكون دينية أو إسلامية ; فإنّها تعبير دقيق عن ضرورة تحقّق الطموح الإنساني بشكله التام.
وقد تميّز مذهب أهل البيت((عليهم السلام)) بالاعتعقاد بإمامة محمّد بن الحسن المهدي((عليه السلام)) الذي ولد في سنة 255 هـ (1) ، واستلم زمام الأمر وتصدى لمسؤولياته القيادية سنة 260 هـ وهو الآن حيٌّ يرزق يقوم بمهامّه الرسالية من خلال متابعته الأحداث فهو يعاصر التطورات ويرقب الظروف التي لابدّ من تحققها كي يظهر الى العالم الإنساني بعد أن تستنفذ الحضارات الجاهلية كلّ ما لديها من قدرات وطاقات، وتتفتح البشرية بعقولها وقلوبها لتلقّي الهدي الإلهي من خلال قائد ربّاني قادر على قيادة العالم أجمع، كما يريد الله له.
عراقة الإيمان بالمصلح العالمي
يعتبر الإيمان بحتمية ظهور المصلح الديني العالمي وإقامة الدولة الإلهية العادلة في كلّ الأرض من نقاط الإشتراك البارزة بين جميع الأديان، والاختلاف فيما بينها إنّما هو في تحديد هوية هذا المصلح الديني العالمي الذي يحقق جميع أهداف الأنبياء ((عليهم السلام)).
وقد استعرض الدكتور محمّد مهدي خان في الأبواب الستة الاُولى من كتابه «مفتاح باب الأبواب» آراء الأديان الستة المعروفة بشأن ظهور النبيّ الخاتم((صلى الله عليه وآله)) ثم بشأن المصلح العالمي المنتظر وبيّن أنّ كلَّ دين منها بشّر بمجيء هذا المصلح الإلهي في المستقبل، أو في آخر الزمان ليصلح العالم وينهي الظلم والشرّ، ويحقق السعادة المنشودة للمجتمع البشري(2). كما تحدث عن ذلك الميرزا محمّد الإسترابادي في كتابه «ذخيرة الأبواب» بشكل تفصيلي، ونقل طرفاً من نصوص وبشارات الكثير من الكتب السماوية لمختلف الأقوام بشأنه.
وهذه الحقيقة من الواضحات التي أقرَّ بها كلّ مَن درس عقيدة المصلح العالمي حتى الذين أنكروا صحتها، أو شككوا فيها كبعض المستشرقين مثل جولد تسيهر المجري في كتابه «العقيدة والشريعة في الإسلام»(3)، فاعترفوا بأنها عقيدة عريقة للغاية في التاريخ الديني وجدت حتى في القديم من كتب ديانات المصريين والصينيين والمغول والبوذيين والمجوس والهنود والأحباش فضلاً عن الديانات الكبرى الثلاث: اليهودية والنصرانية والإسلامية(4).
البشارات بالمنقذ في الكتب المقدسة
والملاحظ في عقائد هذه الأديان بشأن المصلح العالمي أنها تستند الى نصوص واضحة في كتبهم المقدسة القديمة وليس الى تفسيرات عرضها علماؤهم لنصوص غامضة حمّالة لوجوه تأويلية متعددة(5).
وهذه الملاحظة تكشف عراقة هذه العقيدة وكونها تمثل أصلاً مشتركاً في دعوات الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ ، حيث إن كلّ دعوة نبوية ـ وعلى الأقل الدعوات الرئيسة والكبرى ـ تُمثل خطوة على طريق التمهيد لظهور المصلح الديني العالمي الذي يحقق أهداف هذه الدعوات كافة(6).
كما أنّ للتبشير بحتمية ظهور هذا المصلح العالمي تأثيراً على هذه الدعوات فهو يشكل عامل دفع لأتباع الأنبياء للتحرك باتجاه تحقيق أهداف رسالتهم والسعي للمساهمة في تأهيل المجتمع البشري لتحقيق أهداف جميع الدعوات النبوية كاملة في عصر المنقذ الديني العالمي.
ولذلك كان التبشير بهذه العقيدة عنصراً أصلياً في نصوص مختلف الديانات والدعوات النبوية.
الإيمان بالمهدي ((عليه السلام)) تجسيد لحاجة فطرية
إنّ ظهور الإيمان بفكرة حتمية ظهور المنقذ العالمي في الفكر الإنساني عموماً يكشف عن وجود أُسس متينة قوية تستند إليها تنطلق من الفطرة الإنسانية، بمعنى أنها تعبّر عن حاجة فطرية عامة يشترك فيها بنو الإنسان عموماً، وهذه الحاجة تقوم على ما جُبل عليه الإنسان من تطلّع مستمر للكمال بأشمل صوره وأنّ ظهور المنقذ العالمي وإقامة دولته العادلة في اليوم الموعود يُعبّر عن وصول المجتمع البشري الى كماله المنشود.
يقول العلاّمة الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر ((قدس سره)): «ليس المهدي ((عليه السلام)) تجسيداً لعقيدة إسلامية ذات طابع ديني فحسب، بل هو عنوانٌ لطموح اتجهت إليه البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها، وصياغة لإلهام فطري أدرك الناس من خلاله ـ على الرغم من تنوع عقائدهم ووسائلهم الى الغيب ـ أنّ للإنسانية يوماً موعوداً على الأرض تحقق فيه رسالات السماء بمغزاها الكبير وهدفها النهائي. وتجد فيه المسيرة المكدودة للإنسان على مرِّ التاريخ استقرارها وطمأنينتها بعد عناء طويل.
بل لم يقتصر الشعور بهذا اليوم الغيبي، والمستقبل المنتظر على المؤمنين دينياً بالغيب، بل امتد الى غيرهم أيضاً وانعكس حتى على أشد الايدلوجيات والاتجاهات العقائدية رفضاً للغيب والغيبيات، كالمادية الجدلية التي فسرت التاريخ على أساس التناقضات وآمنت بيوم موعود، تُصفّى فيه كلّ تلك التناقضات ويسودُ فيه الوئامُ والسلامُ.
وهكذا نجد أن التجربة النفسية لهذا الشعور والتي مارستها الإنسانية على مرَّ الزمن من أوسع التجارب النفسية وأكثرها عموماً بين أفراد الإنسان»(7).
إذن الإيمان بالفكرة التي يجسدها المهدي الموعود هي من أكثر وأشد الأفكار إنتشاراً بين بني الإنسان كافة لأنها تستند الى فطرة التطلّع للكمال بأشمل صوره، أي أنها تعبّر عن حاجة فطرية، ولذلك فتحققها حتمي; لأنّ الفطرة لا تطلب ماهو غير موجود كما هو معلوم.
موقف الفكر الإنساني من غيبة المهدي ((عليه السلام))
إنّ الفكر الإنساني لا يرى مانعاً من طول عمر هذا المصلح العالمي الذي يتضمنه الإيمان بغيبته وفقاً لمذهب أهل البيت ((عليه السلام))، بل يرى طول عمره أمراً ضرورياً للقيام بمهمته الإصلاحيّة الكبرى كما لاحظنا في كلام المفكر الإيرلندي برناردشو. وعليه فالفكر الإنساني العام لا يرفض مبدئياً الإيمان بالغيبة إذا كانت الأدلة المثبتة لها مقبولة عقلياً.
وقد تناول العلماء ايضاح الإمكان العقلي لطول عمر الإمام المهدي وعدم تعارضه مع أي واحد من القوانين العقلية، كما فعل الشيخ المفيد في كتابه «الفصول العشرة في الغيبة»(8) والعلاّمة الكراجكي في رسالته «البرهان على طول عمر إمام الزمان ((عليه السلام))» التي تضمنها كتابه كنز الفوائد في جزئه الثاني(9)، والشيخ الطبرسي في «اعلام الورى»(10)، والسيّد الصدر في بحثه عن المهدي(11) وغيرهم كثير، بل قلّما يخلو كتاب من كتب الغيبة من مناقشة هذا الموضوع والاستدلال عليه.
الفكر الديني يؤمن بظهور المصلح العالمي بعد غيبة
إنّ الإجماع على حتمية ظهور المصلح العالمي مقترنٌ بالإيمان بأنّ ظهوره يأتي بعد غيبة طويلة، فقد آمن اليهود بعودة عزير أو منحاس بن العازر بن هارون، وآمن النصارى بغيبة المسيح وعودته، وينتظر مسيحيو الأحباش عودة ملكهم تيودور كمهدي في آخر الزمان، وكذلك الهنود آمنوا بعودة فيشنوا، والمجوس بحياة أوشيدر، وينتظر البوذيون عودة بوذا ومنهم مَن ينتظر عودة إبراهيم ((عليه السلام)) وغير ذلك(12).
إذن قضية الغيبة قبل ظهور المصلح العالمي ليست مستغربة لدى الأديان السماوية، ولا يمكن لمنصف أن يقول بأنها كلّها قائمة على الخرافات والأساطير، فالخرافات والأساطير لا يمكن أن توجد فكرة متأصلة بين جميع الأديان دون أن ينكر أي من علمائها أصل هذه الفكرة، فلم ينكر أحدٌ منهم أصل فكرة الغيبة وإن أنكر مصداق الغائب المنتظر في غير الدين الذي اعتنقه وآمن بالمصداق الذي إرتضاه.
إنّ إنتشار أصل هذه الفكرة في جميع الأديان السماوية كاشفٌ عن أرضية اعتقادية مشتركة رسخها الوحي الإلهي فيها جميعاً. ودعمتها تجارب الأنبياء ((عليهم السلام)) التي شهدت غيبات متعددة مثل غيبة إبراهيم الخليل وعودته، وغيبة موسى عن بني إسرائيل وعودته إليهم بعد السنين التي قضاها في مدين، وغيبة عيسى ((عليه السلام)) وعودته في آخر الزمان التي أقرّتها الآيات الكريمة واتفق عليها المسلمون من خلال ورودها في الأحاديث النبوية الشريفة، وغيبة نبي الله إلياس التي قال بها أهل السنّة كما صرّح بذلك مفتي الحرمين الكنجي الشافعي في الباب الخامس والعشرين من كتابه (البيان في أخبار صاحب الزمان)، وصرّح كذلك بإيمان أهل السنّة بغيبة الخضر ((عليه السلام)) وهي مستمرة الى ظهور المهدي ((عليه السلام)) في آخر الزمان حيث يكون وزيره.
بل إنّ إنتشار فكرة غيبة المصلح العالمي في الأديان السابقة قد تكون مؤشراً على وجود نصوص سماوية صريحة بذلك كما سنلاحظ ذلك في نموذج النبوة الواردة في سفر الرؤيا من الكتاب المقدس والتي طبقها الباحث سعيد أيوب على المهدي الإمامي(13).
أما الاختلاف في تشخيص هوية المصلح الغائب فهو ناشئ من الخلط بين النصوص المخبرة عن غيبات بعض الأنبياء ((عليهم السلام)) وبين النصوص المتحدثة عن غيبة المصلح العالمي، بدوافع عدة سنشير إليها لاحقاً.
الاختلاف في تشخيص هوية المنقذ العالمي
إذن الإجماع قائم في الأديان السماوية على حتمية اليوم الموعود، وكما قال العلاّمة المتتبع آية الله السيّد المرعشي النجفي في مقدمة الجزء الثالث عشر من «إحقاق الحقّ»: قال «وليعلم أنّ الأُمم والمذاهب والأديان اتفقت كلمتهم ـ إلاّ من شذ وندر ـ على مجيء مصلح سماوي إلهي ملكوتي لإصلاح ما فسد من العالم وإزاحة ما يُرى من الظلم والفساد فيه وإنارة ما غشيه من الظلم، غاية الأمر إنه اختلفت كلمتهم بين من يراه عُزيراً، وبين مَن يراه مسيحاً، ومن يراه خليلاً، ومَن يراه ـ من المسلمين ـ من نسل الإمام مولانا أبي محمّد الحسن السبط ومَن يراه من نسل الإمام مولانا أبي عبد الله الحسين السبط الشهيد...».
وإذا اختلفت الأديان بل الفرق والمذاهب المتشعبة عنها في تحديد هوية المصلح العالمي رغم اتفاقهم على حتمية ظهوره وعلى غيبته قبل عودته الظاهرة، فما هو سر هذا الاختلاف؟
يبدو أنّ سبب هذا الاختلاف يرجع الى تفسير النصوص والبشارات السماوية وتأويلها استناداً الى عوامل خارجة عنها وليس الى تصريحات أو إشارات في النصوص نفسها، وإلى التأثر العاطفي برموز معروفة لأتباع كلّ دين أو فرقة وتطبيق النصوص عليها ولو بالتأويل، بمعنى أنّ تحديد هوية المصلح الموعود لا ينطلق من النصوص والبشارات ذاتها بل ينطلق من انتخاب شخصية من الخارج ومحاولة تطبيق النصوص عليها. يُضاف الى ذلك عوامل أُخرى سياسية كثيرة لسنا هنا بصدد الحديث عنها، ومعظمها واضحٌ معروف فيما يرتبط بالأديان السابقة وفيما يرتبط بالفرق الإسلامية، ومحورها العام هو: إنّ الإقرار بما تحدده النصوص والبشارات السماوية ينسف قناعات لدى تلك الأديان وهذه الفرق يسلبها مبرر بقائها الاستقلالي، ومسوغ إصرارها على عقائدها السالفة.
أما بالنسبة للعامل الأوّل فنقول: إنّ النصوص والبشارات السماوية وأحاديث الأنبياء وأوصيائهم ((عليهم السلام)) بشأن المصلح العالمي تتحدث عن قضية ذات طابع غيبي وشخصية مستقبلية وعن دور تاريخي كبير يحقق أعظم إنجاز للبشرية على مدى تأريخها ويحقق في اليوم الموعود أسمى طموحاتها، والإنسان بطبعه ميال لتجسيد القضايا الغيبية في مصاديق ملموسة يحس بها، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى فكل قوم يتعصبون لشريعتهم ورموزهم وما ينتمون إليه ويميلون إلى أن يكون صاحب هذا الدور التاريخي منهم.
لذا كان من الطبيعي أن يقع الاختلاف في تحديد هوية المصلح العالمي، لأنّ من الطبيعي أن يسعى أتباع كلّ دين الى اختيار مصداق للشخصية الغيبية المستقبلية التي تتحدث عنها النصوص والبشارات الثابتة في مراجعهم المعتبرة والمعتمدة عندهم ممن يعرفون ويحبون من زعمائهم، يدفعهم لذلك التعصب الشعوري أو اللاشعوري لشريعتهم، ورموزها، والرغبة الطبيعية العارمة في أن يكون لهم افتخار تحقق ذاك الدور التاريخي على يد شخصية تنتمي إليهم أو ينتمون إليها.
البشارات وأوصاف المهدي الإمامي
وردت في البشارات أيضاً اشارات الى ألقاب اختص بها المهدي الإمامي ((عليه السلام)) مثل وصف «القائم»(14) والذي جاء فيها البشارة التالية من سفر أشعيا النبيّ ـ وقد تقدّم حديث القاضي جواد الساباطي عن دلالتها على المهدي وفق عقيدة الإمامية الاثني عشرية فهي تشير الى المعاني التالية: «2 ـ ويحلُ عليه روح الرب، وروح الحكمة والفهم، وروح المشورة، والقوة، وروح المعرفة ومخافة الرب. 3 ـ ولذته في مخافة الرب، ولا يقضي بحسب مرأى عينيه ولا بحسب مسمع اُذنيه، 4 ـ ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض، ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه... 6 ـ ويسكن الذئب والخروف، ويربض النمر مع الجدي، والعجل والشبل معاً وصبي صغير يسوقها... 9 ـ لا يسيئون ولا يفسدون في كلّ جبل قدسي لأنّ الأرض تمتلئ من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر. 10 ـ وفي ذلك اليوم سيرفع (القائم) راية الشعوب والاُمم التي تطلبه وتنتظره ويكون محله مجداً»(15).
ومثل وصف «صاحب الدار» المعدود من ألقاب الإمام المهدي((عليه السلام))(16)، فقد وردت ضمن بشارات عن إنتظار المنقذ العالمي الذي لا يختصّ به المسيحيون إشارة الى عدم هذا الاختصاص وتحدّثت عن ظهوره المفاجئ وهي في «إنجيل مرقس، 13: 35»(17).
ومثل وصف «المنتقم لدم الحسين ((عليه السلام)) المستشهد عند نهر الفرات» كما ورد في بشارة في «سفر أرميا ، 46 / 2 ـ 11».
وقد صرّح بذلك الاُستاذ الأردني عودة مهاوش في دراسته (الكتاب المقدس تحت المجهر) وذكر أنّها تتعلق بالمهدي المنتقم لدم الحسين ((عليه السلام))(18).
وهناك نظائر كثيرة لا يتسع المقام لذكرها.
الإهتداء الى هوية المنقذ على ضوء البشارات
إذن معرفة هذه الخصوصيات تقودنا الى إثبات أنّ المصلح العالمي الذي بشرت به جميع الديانات هو المهدي بن الحسن العسكري ((عليهما السلام)) كما تقوله عقيدة أهل البيت((عليهم السلام)) لأنّ البشارات السماوية لا تنطبق على العقائد الاُخرى، فتكون النتيجة هو أنّ الديانات السابقة لم تبشر بظهور المنقذ العالمي في آخر الزمان بعنوانه العام وحسب بل شخّصت أيضاً هويته الحقيقية من خلال تحديد صفات وتفصيلات لا تنطبق على غيره ((عليه السلام))، وهكذا تكون هذه البشارات دليلاً إضافياً على صحة عقيدة أهل البيت ((عليهم السلام)) بهذا الشأن.
ونكتفي هنا بالإشارة الى بعض البشارات الواردة في العهدين القديم والجديد (أسفار التوراة والأناجيل) بهذا الصدد، بحكم كونها معتبرةً عند أكبر وأهم الديانات السابقة على الإسلام أي اليهودية والنصرانية; ولأنّ هذين العهدين الموجودين حالياً قد مرّا بالكثير من التحقيق والتوثيق عند علماء اليهود والنصارى واُجريت بشأنها الكثير من الدراسات ودونت الكثير من الشروح لهما، ونسخها كثيرة ومتداولة بترجمات كثيرة لمختلف اللغات، غير أنّ الاعتماد على الاُصول العبرية أدق لوقوع أخطاء ولبس في الترجمات.
فالإقتصار على العهدين لا يعني إنحصار البشارات ـ التي لا يمكن تفسيرها بغير المهدي المنتظر((عليه السلام)) طبق عقيدة مذهب أهل البيت ((عليهم السلام)) ـ بهما ، بل على العكس فإنّ أمثالها موجودة في مختلف كتب الأديان الاُخرى وبتصريحات ودلالات أوضح ذكرتها الدراسات المتخصصة في هذا الباب(19). ولكنها غير مشهورة عند الجميع ونسخها غير متداولة وأغلبها لم تترجم عن لغاتها الاُم إلاّ قليلاً. على أنّ الاقتصار على النماذج المتقدّمة من العهدين القديم والجديد فيه الكفاية في الاستدلال على المطلوب، والتفصيلات موكولة للمراجع المتخصصة.
الإستناد الى ما صدّقه الإسلام من البشارات
1 ـ ومن الثابت إسلامياً أنّ الرسول الأكرم ((صلى الله عليه وآله)) قد بشّر بالمهدي الموعود من أهل بيته ومن ولد فاطمة ـ سلام الله عليها(20) ـ ، لذلك فإن البشارات الواردة في كتب الأديان السابقة ـ والتي لم تطالها يد التحريف ـ ما دامت منسجمة مع ما صرّحت به النصوص الشرعية الإسلامية. لا مانع من الإستناد إليها والإحتجاج بها.
2 ـ يُضاف الى ذلك أنّ القرآن الكريم نفسه قد بشّر بالدولة الإلهية العالمية وإقامتها في آخر الزمان كما صرّحت بذلك آياته الكريمة التي دلّ عددٌ منها على المهدي الموعود وحتمية وجوده وغيبته، كما سنوضح ذلك في بحث لاحق إن شاء الله تعالى. وهذا يعني تصديق ما ورد في بشارات الأديان السابقة الواردة بالمضمون نفسه، الأمر الذي يعني صدورها من نفس المصدر الذي صدر منه القرآن الكريم، وبالتالي الحكم بصحتها وعدم تطرق التحريف إليها، فلا مانع حينئذ من الإستناد إليها والإحتجاج بها في إطار المضامين التي صدّقها القرآن الكريم.
3 ـ إنّ بعض هذه البشارات ترتبط بواقع خارجي معاش أو ثابت تاريخياً، بمعنى أنّ الواقع الخارجي الثابت جاء مصدِّقاً لها. فمثلاً البشارات التي تشير الى أنّ المصلح العالمي هو الإمام الثاني عشر من ذرية إسماعيل وأنه من ولد خيرة الإماء وأنّ ولادته تقع في ظل اوضاع سياسية خانقة ومهددة لوجوده فيحفظه الله ويغيّبه عن أعين الظالمين الى حين موعد ظهوره وأمثالها، كلها تنبّأت بحوادث ثابتة تاريخياً، وهذا يضيف دليلاً آخر على صحتها، مادام أنّ من الثابت علمياً أنها مدونة قبل وقوع الحوادث التي أخبرت عنها، فهي في هذه الحالة تثبت أنها من أنباء الغيب التي لا يمكن أن تصدر إلاّ ممّن له ارتباط بعلاّم الغيوب تبارك وتعالى. وبذلك يمكن الحكم بصحّتها وعدم تطرق التحريف إليها، وبالتالي يمكن الإستناد إليها والإحتجاج بها(21).
تأثير البشارات في صياغة العقيدة المهدوية
أما القضية الثانية; فهي ترتبط بالاعتراض القائل بأنّ: الإستناد الى هذه البشارات في إثبات عقيدة اهل البيت في المهدي((عليه السلام)) يفتح باب التشكيك والادّعاء بأنّ هذه العقيدة تسللت الى الفكر الاسلامي من الاسرائيليات ومحرفات الأديان السابقة.
والجواب على هذا الإعتراض يتّضح من الإجابة السابقة، فهو يصح إذا كانت العقيدة الإمامية المهدوية تستند الى تلك البشارات وحدها في حين أنّ الأمر ليس كذلك.
ولو قلنا بأنّ كلّ فكرة اسلامية لها نظير في الأديان السابقة هي من الأفكار الدخيلة في الإسلام; لأدى الأمر الى إخراج الكثير من الحقائق والبديهيات الإسلامية التي أقرّها القرآن الكريم وصحاح الأحاديث الشريفة وهي موجودة في الأديان السابقة، وهذا واضح البطلان ولا يخفى بطلانه على ذي لب. فالمعيار في تشخيص الأفكار الدخيلة على الإسلام هو عرضها على القرآن والسنّة والأخذ بما وافقهما ونبذ ما خالفهما ، وليس عرضها على ما في كتب الديانات السابقة ونبذ كلّ ما وافقها مع العلم بأنّ فيها ما لم تتطرق له يد التحريف وفيه ما ثبت صدوره عن نفس المصدر الذي صدر عنه القرآن الكريم.
يُضاف الى ذلك أنّ عقيدة الإمامية في المهدي المنتظر((عليه السلام)) تستند الى واقع تاريخي ثابت، فكون الإمام المهدي هو الثاني عشر من أئمة أهل البيت((عليهم السلام)) ثابت تاريخياً وحتى ولادته الخفية من الحسن العسكري ((عليهما السلام)) قد سجلها المؤرخون من مختلف المذاهب الإسلامية وأقرها علماء مختلف المذاهب حتى الذين لم يذعنوا أنّه هو المهدي الموعود وإن كان عدد الذين صرّحوا بأنه هو المهدي من علماء أهل السنّة غير قليل أيضاً(22).
نتائج البحث
نصل الى القسم الأخير من البحث، وهو تسجيل النتائج الحاصلة منه في النقاط التالية:
1 ـ إنّ أصل فكرة الإيمان بالمصلح العالمي في آخر الزمان وإقامة الدولة العادلة التي تحقق السعادة الحقّة للبشرية جمعاء تستند الى جذور فطرية في الإنسان تنبع من فطرة تطلّعه الى الكمال، ولذلك لاحظنا إجماع مختلف التيارات الفكرية الإنسانية حتى المادية منها على حتمية تحقق هذا اليوم الموعود. أما الفكر الديني فهو مجمع عليها لتواتر البشارات السماوية في كتب الأديان المختلفة بذلك. فلا يمكن قبول ما زعمه بعض المستشرقين بأنّ هذه الفكرة المجمع عليها تستند الى الخرافات والأساطير.
2 ـ إنّ القول بوجود المهدي الموعود بالفعل وغيبته ـ وهو الذي يؤمن به مذهب أهل البيت ((عليهم السلام)) ويتميز عن عقيدة أهل السنّة في المهدي الموعود ـ غير مستبعد لا في الفكر الإنساني الذي يرى أنّ من الضروري أن يكون عمر المصلح العالمي طويلاً، ولا من الفكر الديني الذي اقترن إيمانه بالمصلح العالمي بالإيمان بأنه يعود بعد غيبة . بل إنّ وقوع الغيبات في تاريخ الأنبياء ((عليهم السلام)) يدعم هذا القول ويعززه.
3 ـ إن اجماع الأديان السماوية على الإيمان بالمصلح العالمي وغيبته قبل الظهور اقترن بالاختلاف الشديد في تحديد هويته، وهو اختلاف ناشئ من جملة من العوامل، منها: إن البشارات الواردة في الكتب المقدسة بشأنه تتحدث عن قضية غيبية والإنسان بطبعه ميّال لتجسيد الحقائق الغيبية في مصاديق محسوسة يعرفها. ومنها : أنّ التعصب المذهبي والرغبة في الفوز بافتخار الانتماء لصاحب هذا الدور التاريخي المهم دفعت أتباع كلّ دين الى تأويل تلك البشارات أو خلطها بالبشارات الواردة بشأن نبي أو وصي معين غير المصلح العالمي أو تحريفها لتطبيقها على الأقرب من المواصفات التي تذكرها من زعمائهم ورموزهم الدينية. فالاختلاف ناشئ من سوء تفسير وتطبيق البشارات السماوية وليس من نصوص البشارات نفسها.
4 ـ إنّ سبيل حلّ الاختلاف هو تمييز البشارات الواردة بشأن المصلح العالمي عن غيرها المرتبطة بغيره من الأنبياء والأوصياء ((عليهم السلام))، ثم تحديد الصورة التي ترسمها بنفسها للمصلح العالمي بعيداً عن التأثر بالمصاديق المفترضة سلفاً. ثم عرض المصاديق عليها لمعرفة هويته الحقيقية إستناداً الى الواقع التاريخي القابل للإثبات وبعيداً عن حصر هذه المصاديق المفترضة برموز دين معين، بل عرض كلّ مصداق مرشح من قبل أي دين او مذهب على الصورة التي ترسمها نصوص البشارات بصورة تجريدية.
5 ـ إنّ تلك البشارات السماوية تهدي ـ بناءً على هذا المنهج العلمي ـ الى أنّ المصلح العالمي الذي تبشّر به هو الإمام الثاني عشر من عترة خاتم الأنبياء ـ صلوات الله عليه وآله ـ وهو صاحب الغيبة التي يضطر إليها بسبب تربّص الظلمة به لتصفيته، أي أنّها تهدي الى المهدي الإمامي الذي يقول به مذهب أهل البيت ((عليهم السلام))، وقد صرّحت تلك البشارات بالهداية إليه من خلال ذكر صفات لا تنطبق إلاّ عليه، ومن خلال ذكرها لخصائص امتاز بها واشتهرت عنه كما لاحظنا.
6 ـ إنّ الإستناد الى هذه البشارات في إثبات صحة عقيدة أهل البيت ((عليهم السلام)) في المهدي المنتظر((عليه السلام)) يشكل دليلاً آخر في إثبات هذه العقيدة يضاف الى الأدلة العقلية والقرآنية وما صح لدى المسلمين من الأحاديث الشريفة، ولا مانع من الإستدلال بهذه البشارات بعدما ثبت أن التحريف في الديانات السابقة لم يشمل كلّ نصوصها الموحاة، فيمكن الإستناد الى ما صدقته النصوص الشرعية الإسلامية مما ورد في كتب الديانات السابقة; وكذلك ما صدقه الواقع التاريخي الكاشف عن صحة ما أخبرت عنه بإعتباره من أنباء الغيب التي لا يعلمها سوى الله تعالى، ومنها أخبار المهدي ((عليه السلام)).
7 ـ إنّ في الإستناد الى بشارات الأديان السابقة في إثبات صحة عقيدة أهل البيت ((عليهم السلام)) في المهدي الموعود وإضافته الى الأدلة الشرعية والعقلية الاُخرى، ثمارٌ عديدة، منها: الكشف عن أهمية هذه العقيدة وترسيخ الإيمان بها لدى أتباعها، ومنها: إعانة أتباع الديانات والمذاهب الأُخرى على الإهتداء لمعرفة هوية المصلح العالمي الذي بشرت به نصوص كتبهم المقدسة ودعوتهم الى الإسلام من هذا الطريق، والإحتجاج عليهم بالنصوص المعتبرة عندهم وهو احتجاج أبلغ في الدلالة ، ومنها: إيجاد محور توحيدي لدعاة الإصلاح الديني من أتباع مختلف الديانات يعزز جهودهم وينسقها، يقوم على أساس الإيمان بهذا المصلح العالمي ووجوده فعلاً ورعايته لجهود المُمهدين لظهوره طبقاً للعقيدة الإسلامية الأوسع شمولية وتفصيلاً في عرض هذه الفكرة العريقة في الفكر الديني والإنساني.
يقول العلاّمة الشهيد آية الله العظمى السيّد محمّد باقر الصدر: وإذا كانت فكرة المهدي أقدم من الإسلام وأوسع منه، فإن معالمها التفصيلية التي حددها الإسلام جاءت أكثر اشباعاً لكلّ الطموحات التي إنشدّت إلى هذه الفكرة منذ فجر التاريخ الديني، وأغنى عطاءاً وأقوى إثارة لأحاسيس المظلومين والمعذّبين على مر التاريخ. وذلك لأنّ الإسلام حوّل الفكرة من غيب الى واقع، ومن مستقبل الى حاضر، ومن التطلع الى منقذ تتمخض عنه الدنيا في المستقبل البعيد المجهول الى الإيمان بوجود المنقذ فعلاً، وتطلعه مع المتطلعين الى اليوم الموعود الى اكتمال كلّ الظروف التي تسمح له بممارسة دوره العظيم.
فلم يعد المهدي ((عليه السلام)) فكرة ننتظر ولادتها، ونبوءة نتطلع الى مصداقها، بل واقعاً قائماً ننتظر فاعليته، وإنساناً معيّناً يعيش بيننا بلحمه ودمه، نراه ويراناً، ويعيش آمالنا وآلامنا ويشاركنا أحزاننا وأفراحنا، ويشهد كلّ ما تزخر به الساحة على وجه الأرض من عذاب المعذّبين وبؤس البائسين وظلم الظالمين، ويكتوي بذلك من قريب أو بعيد، وينتظر بلهفة اللحظة التي يُتاح له فيها أن يمد يده الى كلّ مظلوم وكلّ محروم وكلّ بائس ويقطع دابر الظالمين.
وقد قُدّر لهذا القائد أن لا يُعلن عن نفسه ولا يكشف للآخرين هويته ووجوده على الرغم من أنه يعيش معهم انتظاراً للحظة الموعودة.
ومن الواضح أن الفكرة بهذه المعالم الإسلامية تقرّب الهوّة الغيبية بين المظلومين ـ كلّ المظلومين ـ وبين المنقذ المنتظر، وتجعل الجسر بينهم وبينه في شعورهم النفسي قصيراً مهما طال الإنتظار.
ونحن حينما يُراد منّا أن نؤمن بفكرة المهدي بوصفنا تعبيراً عن إنسان حيّ محدد يعيش فعلاً كما نعيش، ويترقب كما نترقب، يُراد الإيحاء إلينا بأنّ فكرة الرفض المطلق لكلّ ظلم وجور، والتي يمثلها المهدي، تجسدت فعلاً في القائد الرافض المنتظر، الذي سيظهر وليس في عنقه بيعة لظالم كما في الحديث، وإنّ الإيمان به إيمان بهذا الرفض الحيّ القائم فعلاً ومواكبة له...»(23).
الهوامش
*اقتبس هذا المقال من موسوعة أعلام الهداية ج14 (الإمام المهدي المنتظر خاتم الأوصياء / الناشر: المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام).
(1) ستأتي الإشارة الى توثيق وتخريج هذه التواريخ من مراحل حياة الإمام المهدي((عليه السلام)) في الفصول القادمة فانتظر.
(2) نقله عنه آية الله المرعشي النجفي في كتابه «ملحقات إحقاق الحقّ» 29: 621 ـ 622 ونقله عنه أيضاً آقابزرك الطهراني في كتابه «الذريعة الى تصانيف الشيعة» 21: 319/5267 قال: «(مفتاح باب الأبواب) في تاريخ البابية، مختصر كالفهرس لباب الأبواب في بيان مبدأهم وشرح عقائدهم، للميرزا مهدي خان الدكتور بن الميرزا محمّد تقي بن جعفر الأمير الملقب بزعيم الدولة، صاحب جريدة الحكمة نزيل مصر ـ القاهرة والمتوفى سنة (1333 هـ ) طبع سنة (1321 هـ )، ابتدأ بذكر أنواع الديانات السبعة: (المسلمون، النصارى، اليهود، المجوس، البوذية، البرهمنية، الشفتية) واتفاقهم على المعهود، والبشارة بإتيان أنّ موعود مكمل للدين».
(3) العقيدة والشريعة في الإسلام : 218 حيث وصفها بأنها من الأساطير ذات الجذور غير الإسلامية لكنه لم ينكر اتفاق كلمة الأديان عليهاوأنكرها أيضاً المستشرق رونلدسن في كتابه «عقيدة الشيعة»: 231، والمستشرق فان فلوتن في كتابه «السيادة العربية»: 110 ـ 116، وتابعهم بعض المتأثرين بهم من المسلمين أمثال أحمد أمينومحمّد فريد وجدي، والسائح الليبي وغيرهم، راجع المزيد في ذلك دفاع عن الكافي للسيّد العميدي: 206 وما بعدها.
(4) راجع أيضاً الإمامة وقائم القيامة للدكتور مصطفى غالب : 270 ـ 272، المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي، ثامر العميدي: 12 ـ 13، الإمام المهدي في الكتب السابقة، محمّد رضا حكيمي: 52 ـ 57 .
(5) راجع النصوص الخاصة بالمهدي الموعود من كتاب «بشارات عهدين» بالفارسية للشيخ محمّد الصادقي ، وراجع أيضاً كتاب «أهل البيت في الكتاب المقدّس»، لأحمد الواسطي: 121 وما بعدها وكتاب «الإمام المهدي في كتب الأُمم السابقة والمسلمين» لمحمّد رضا حكيمي: 52 ـ 57 ، «عقيدة المسيح الدجّال» لسعيد أيوب: 379 ـ 380 .
(6) لمعرفة تفصيلات هذا التمهيد يُراجع كتاب تاريخ الغيبة الكبرى للسيّد محمّد الصدر، في حديثه عن التخطيط الإلهي لليوم الموعود قبل الإسلام : 251 وما بعدها.
(7) بحث حول المهدي: 53 ـ 54 .
(8) الفصول العشرة في الغيبة، المفيد: 91 ـ 107 .
(9) كنز الفوائد، الكراچكي 2: 114 ـ 134.
(10) إعلام الورى بأعلام الهدى، الطبرسي 2: 304 ـ 310 المسألة السادسة.
(11) بحث حول المهدي، الشهيد الصدر: 63 ـ 89 .
(12) راجع كتاب دفاع عن الكافي للسيّد العميدي: 1/180 ـ 181، وإحقاق الحقّ، 13: 3ـ4. والإمام المهدي
في كتب الأُمم السابقة والمسلمين، محمّد رضا حكيمي: 52 ـ 57، والإمامة وقائم القيامة، د. مصطفى غالب:270 ـ 271 .
(13) عقيدة المسيح الدجّال في الأديان، سعيد أيوب: 379 .
(14) اختص هذا اللقب بأئمة العترة الطاهرة، وإذا اُطلق كان المراد منه الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر((عليه السلام))، راجع كتاب النجم الثاقب لآية الله الميرزا حسين النوري 1: 211 من الطبعة المترجمة الى العربية، وقد ذكر الميرزا النوري أنّ هذا اللقب مذكور في الزبور الثالث عشر وغيره، نقل ذلك عن كتاب ذخيرة الألباب للشيخ محمّد الاسترآبادي.
(15) أهل البيت في الكتاب المقدس: 123 ـ 127، فقد نقل النص كاملاً من سفر أشعيا باللغة العبرية وذكر ترجمته والإشارة الى مدلولاته.
(16) النجم الثاقب 1 : 198.
(17) بشارات عهدين : 277.
(18) الكتاب المقدس تحت المجهر: 155 .
(19) راجع ما نقله الشيخ الصادقي في كتابه بشارات عهدين من كتب الأديان الاُخرى.
(20) بل أثبتت دراسات عدد من علماء أهل السنّة تواتر هذه الأحاديث الشريفة، مثل كتاب «التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجّال والمسيح» للإمام الشوكاني، وكتاب «الإشاعة في أشراط الساعة» للبرزنجي، وكتاب «التصريح» للكشميري وقال به الكتاني في كتابه «نظم المتناثر من الحديث المتواتر»: 236 ـ 239/289 ونقل القول بالتواتر عن الحافظ السخاوي والآبري والشوكاني وغيرهم الكثير.
(21) هذا الحكم يصدق أيضاً على الأحاديث الشريفة المروية عن الرسول الأكرم وأئمة العترة ـ صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين ـ والتي تنبأت بولادة المهدي من الحسن العسكري وغيبته، فثبوت صدورها وتدوينها قبل وقوع الولادة والغيبة بما يزيد على القرن وأكثر ثم تحقق ما أخبرت عنه عملياً يثبت صحتها حتى لو كان ثمة نقاش في بعض أسانيدها، لأنّ تصديق الواقع لها دليل على صحة صدورها من ينابيع الوحي المتصلة بالله تبارك وتعالى الذي لا يعلم الغيب سواه ولا يطلع على غيبه إلاّ من ارتضى، وقد استدل العلماء بهذا الدليل الوجداني على صحة الغيبة وصحة إمامة المهدي ابن العسكري ((عليهما السلام)) مثل الشيخ الصدوق في إكمال الدين: 1 / 19، والشيخ الطوسي في كتاب الغيبة : 101 ـ 107، والطبرسي في أعلام الورى، وابن طاووس في كشف المحجة وغيرهم.
(22) ذكر الشيخ القندوزي الحنفي في ينابيع المودة الكثير من علماء أهل السنّة القائلين بأنّ المهدي الموعود هو ابن الحسن العسكري وأنه حي وغائب، كما ذكر الميرزا النوري في كتاب كشف الأستار أربعين عالماً منهم ونقل تصريحاتهم في ذلك، وكذلك فعل العلاّمة نجم الدين العسكري في كتابه المهدي الموعود المنتظر عند علماء أهل السنّة والإمامية، وجمع أقوالهم وتصريحاتهم السيّد ثامر العميدي في الجزء الأوّل من كتابه (دفاع عن الكافي). وكذلك السيّد الأمين العاملي ج5 من المجالس السنية والاُستاذ الدخيّل في: الإمام المهدي((عليه السلام)) .
(23) بحث حول المهدي: 12 ـ 14.
عندما تتبنى قطر ان تكون قاعدة للارهابيين!

تم وبشكل رسمي افتتاح اول مكتب سياسي لحركة طالبان في الدوحة عاصمة قطر يوم الثلاثاء 18 - 6 – 2013 وبذلك فقد تم الاعلان عن تبني قطري للحركات الاجتثاثية والتكفيرية وبشكل رسمي بعد ان كانت قطر تعمل لسنوات عن ايجاد غطاء اعلامي قوي لتنظيم القاعدة وكل القوى التكفيرية والارهابية .. ولم يعد من اللازم على قطر ان تواصل عملها بشكل سري بعد ان اتضح للقاصي والداني دورها المباشر في تبني و تمويل وتدريب القوى الارهابية في ساحات عديدة من العالم العربي والاسلامي ولعل هناك ساحات اخرى لاعلم لنا بها .
وقبل نحو اسبوعين كانت قطر قد شهدت تجمعا لمختلف قوى التكفير والارهاب تم فيه التباري باشد الوان التطرف والتشدد والتكفير واهدار الدم وكان في مقدمة الركب يوسف القرضاوي الذي يطمح الى توسيع دائرة الفتنة الى اقصى مايستطيع عليه ، حيث طرح تساؤلا استفزازيا ومشحونا بكم هائل من الحقد على الشيعة وبنبرة تدعو الى اقتتا ل شيعي سني على مستوى العالم .
هذا المنهج الذي تتبعه قطر في تصدير الفكر الارهابي والتكفيري الى مختلف البلدان ، واثارة القلاقل والتوترات المذهبية والطائفية فيها ، لهو منهج خطر ويمكن ان يعود عليها وتكتوي قطر بناره ، مثلما ا كتوت اميركا بنار دعم طالبان والقاعدة واوصلتهم الى الاستئثار بالحكم في افغانستان من عام 1996 الى 2001 وتلقت من جراء ذلك ضربة 11 سبتمبر / ايلول عام 2001 التي هزت العقل الاميركي بقوة ودفعت الاميركان الى تبني نهج واسلوب مغاير للسابق في عملية التعاطي مع قوى التكفير والارهاب بما يمكنها من الانتقام بواسطة هذه القوى العمياء التي لاتبصر الى ابعد من قدمها والانتقام منها ، في عملية تشديد الصراع المذهبي والطائفي ، وبعيد عن الساحة الاميركية ، وهذا مايتكرس بالفعل الان ، وهي المعادلة التي يهم الغرب ان يجدها متكرسة في واقع المسلمين ، ضمن اطار خطة جهنمية تستهدف ايجاد واقع جديد لدى شعوب المنطقة تنبذ العنف ، وتقبل الحوار ، وتتبنى كل مايلقى عليها من مشاريع ترسمها القوى الكبرى .
لقد رات حكومة كابل ان اسراع اميركا في فتح باب التفاوض مع حركة طالبان يعطيها مشروعية اكثر ويبرر لها افعالها وماتقوم به من اعتداءات يومية ، وفي هذا الاطار قالت شكرية باراكزاي عضو البرلمان الافغاني والمعروفة بدفاعها عن حقوق المرأة "اعتقد ان الادارة الاميركية ترتكب خطأ تاريخيا عبر اعطاء شرعية والاعتراف بشبكة ارهابية تقتل يوميا مدنيين افغان ونساء واطفال في افغانستان واماكن اخرى، وايضا اميركيين".
ان قطر هي الاخرى سوف لن تكون بمامن عن استهداف هذه القوى التي لايسيرها عقل او منطق ، خاصة وان شعار بعض نماذجها ( من تمنطق فقد تزندق ) وعندها سوف لايحق لقطر ان تندب حظها ، وعليها ان تقبل بما جنتها بايديها .
ان الدور القطري يستهدف بالاساس جسور تواصل بين هذه القوى والدول الكبرى التي يهمها ان يكون لديها راس خيط يوصلها للحوار مع هذه القوى العمياء التي هي بحاجة الى ترتيب العلاقات معها وجرها عند الضرورة لتحقيق ماتصبوا اليه عبر قنوات الحوار التي لابد منها .
مقتل عدد من مسلحي "جبهة النصرة" بريف اللاذقية

افاد المراسلون ان الجيش السوري تمكن من قتل عدد من مسلحي ما يسمى بـ "جبهة النصرة" باستهدافه تجمعا لهم بمنطقة السكرية بريف اللاذقية، وذلك اثر سيطرته على قرية البحدلية القريبة من مقامِ السيدة زينب عليها السلام بريف دمشق.
وأكدت المصادر العسكرية أن العمليات التي بدأتها القوات السورية في المنطقة الجنوبية من ريف دمشق قبل ثلاثة ايام ترمي الى تطهير هذه المناطق من الجماعات المسلحة.
كما قال مصدر عسكري سوري الاربعاء ان الجيش السوري استعاد السيطرة على الجبال الغربية المتاخمة للحدود اللبنانية من جهة الريف الشمالي الغربي لدمشق.
كما شن الطيران الحربي السوري عدة غارات على تجمعات لمقاتلي المعارضة في الرقة، ما اسفر عن مقتل عدد منهم في المنصورة والثانوية الصناعية.
ودمر الطيران الحربي كذلك مقار لمقاتلي المعارضة في محيط مطار حلب الدولي ومطار النيرب العسكري وحي طريق الباب.
من جانبهم، قصف مقاتلو المعارضة مطار منغ شمال حلب بعدد من القذائف الصاروخية فردت وحدة حماية المطار على مصادر النيران دون تسجيل اصابات.
كما شهد محيط الكلاسة وباب انطاكيا بحلب اشتباكات عنيفة.
وفي الريف الغربي لدمشق، استهدف الجيش السوري مقار لمقاتلي المعارضة في الزبداني ووداي بردى.
كما اعتقلت وحدة من الجيش السوري 30 مسلحا في بلدتي بيت سابر وبيت تيما في القنيطرة القريبة من خط وقف اطلاق النار مع اسرائيل.
انقسام غربي حول سوريا وبحث مساعدة المعارضة بقطر

قال مسؤول في الخارجية الفرنسية إن ما أسماها مجموعة اصدقاء سوريا ستجتمع في الدوحة السبت لبحث تقديمِ مساعدة ملموسة للمعارضة.
واضاف المسؤول الذي طلب عدم نشر اسمه ان الاجتماع سيحضره وزراء خارجية الدول الاحدى عشرة التي تشكل المجموعة ومنها فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا ومصر والسعودية.
في هذه الاثناء رفضت المانيا تسليح المجموعات المسلحة في سوريا، في وقت رفض الرئيس الاميركي باراك اوباما من جانبه تحديد طبيعة المساعدة العسكرية الجديدة وقال إن التقارير عن استعداد الولايات المتحدة للدخول في حرب في سوريا مبالغ فيها وكرر القول بأن حكومة الرئيس السوري بشار الاسد استخدمت أسلحة كيماوية ولا يمكن أن تستعيد شرعيتها.
وأبلغ اوباما مؤتمرا صحفيا مشتركا مع المستشارة الالمانية انجيلا ميركل "بعض التقارير التي ترددت علنا تجاوزت الحد فيما يتعلق بأن الولايات المتحدة تستعد بشكل ما للمشاركة في حرب أخرى وقال : ما نريده هو انهاء الحرب."
ومن جانبها قالت ميركل ان المانيا لن تسلح المعارضة حتى بالرغم من انتهاء الحظر الذي فرضه الاتحاد الاوروبي على السلاح في سوريا.
الاحتجاجات ضد اردوغان تدخل اسبوعها الرابع

تتواصل الاحتجاجات ضد رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان في مختلف أنحاء تركيا لليوم الحادي والعشرين لتدخل اسبوعها الرابع.
وشهدت العاصمة انقرة احتجاجات ضد الحكومة وقمع الشرطة، وتجمعا للمحتجين في الميادين، وفرقت قوات الشرطة المتظاهرين مستخدمة مدافع المياه، واعتقلت عددا منهم، ونظم المئات من المحتجين وقفة صامتة في ميدان تقسيم باسطنبول احتجاجا على منع الشرطة التركية للمتظاهرين من الاقتراب من الميدان، وقامت قوات الأمن باحتجاز العشرات منهم لرفضهم أوامرها بالتحرك.
وقد أدى الحراك الشعبي منذ بدئه الى سقوط أربعة قتلى، ويرقد ستة متظاهرين في العناية الفائقة من بين ثمانية آلاف جريح، فضلا عن أكثر من ألف معتقل.
آية الله خامنئي يهنىء تأهل المنتخب الايراني للمونديال

هنأ قائد الثورة الاسلامية اية الله السيد على خامنئي اليوم الثلاثاء في بيان بفوز المنتخب الوطني الايراني لكرة القدم على مضيفه الكوري الجنوبي وصعوده الى مونديال البرازيل.
وفي رسالة وجهها آية الله خامنئي بمناسبة صعود المنتخب الايراني الى مونديال البرازيل 2014 اعرب فيها عن ابتهاجه بهذا الفوز.
واضاف قائد الثورة ان هذا الفوز ادخل السرور والبهجة على قلوب كافة ابناء الشعب الايراني.
وفي نفس السياق ، هنأ الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد والرئيس المنتخب حسن روحاني ورئيس مجلس الشورى بفوز المنتخب الايراني لكرة القدم على مضيفه الكوري الجنوبي وتأهله لمونديال البرازيل 2014.
واعرب الرئيسان احمدي نجاد وروحاني في رسالتين منفصلتين بهذا الشأن عن ابتهاجهما لصعود المنتخب الايراني الى المونديال للمرة الرابعة.
واعربا عن املهما باستمرار المنتخب الايراني لكرة القدم بتحقيق نتائج طيبة في المونديال حيث اثبت جدارته خلال الاشهر الاخيرة وعرض صورة ناصعة عن النشاطات الرياضية في ايران.
وقد أهلت إيران لمونديال كأس العالم 2014 في البرازيل بعد فوزها على كوريا الجنوبية 1-0 اليوم الثلاثاء في أولسان في الجولة التاسعة والأخيرة من منافسات المجموعة الأولى ضمن الدور الرابع الحاسم من التصفيات الآسيوية.
وانتزعت إيران الصدارة من كوريا الجنوبية بعدما رفعت رصيدها إلى 16 نقطة مقابل 14 لكوريا الجنوبية التي ضمنت تأهلها بفارق الأهداف أمام أوزبكستان التي سحقت ضيفتها قطر 5-1 بيد أن ذلك لم يكن كافياً لحجزها البطاقة المباشرة إلى المونديال وستخوض بالتالي الملحق الآسيوي أمام ثالث المجموعة الثانية الأردن أو عمان اللتين تلتقيان لاحقا.
وعمت الفرحة العارمة أرجاء إيران إثر هذا الفوز وشهدت شوارع طهران احتفالات بهذا النجاح الوطني.
وبهذا شهدت إيران احتفالين وطنيين في أيام معدودة الأولى كانت قبل بضعة أيام حيث احتفل الإيرانيون بالعرس الانتخابي بانتخاب الرئيس الحادي عشر الشيخ حسن روحاني والاحتفال الثاني هو تأهل إيران لمونديال البرازيل.
سيرة فاطمة بنت أسد عليها السّلام
![]()
کان العربُ فی الجاهليّة و قبل بعثة رسول الله صلّى الله عليه وآله نموذجاً لعبوديّة الشيطان، فكانوا يتسابقون في القتل والغارة على بعضهم البعض، ويفتخرون بوأد بناتهم،و بکثرة الأموال و الأولاد، بل تفاخروا بكثرة أمواتهم في قبورهم. وكان الشيطان يزيّن لهم تلك الأعمال المنكرة، ويحتبل عقولهم بأحابيله، ويضلّهم بأضليله، ويبعدهم عن فطرتهم ـبوساوسه ومكره لکیلا تدلهم الفطرة الإلهیة الی الحقیقة و یبقون غافلین عن عظمة مقام الخلافة الإلهیة ، وكي لا تدعوهم إلى عبادة الواحد الأحد الذي لا شريك له ولا وزير.
وكان ذلك زماناً قبع فيه الإنسان ( خليفة الله ) في قعر الظلمات، وتخبّط في مستنقعات الضلالة بعيداً عن ربّه، لا يُقيم وزناً لعِلمٍ ولا لمعرفة، ولا يستنكف عن تلويث نفسه فأحسنَ وَصْفَه ـ أميرُ المؤمنين عليه السّلام، في قوله:
«... وأنتم ـ معشرَ العرب ـ على شرِّ دِين، وفي شرّ دار، مُنيخون بين حجارةٍ خُشنٍ، وحيّاتٍ صُمّ، تَشربون الكَدِرَ، وتأكُلون الجَشِب، وتَسفِكون دماءكم، وتَقطعون أرحامَكم؛ الأصنامُ فيكم منصوبة، والآثامُ بكم مَعصوبة » (1).
وعاش في تلك الحقبة المظلمة من التاريخ أُناس تصدّوا للشرک و الضلالة كالجبل الراسخ المنيع، ولم يلوّثوا فطرتهم التوحيدية السّليمة بعبادةِ أصنام من الحجارة والخشب، ولم يُودعوا قلوبهم غير الله الواحد الأحد، أُناس لم تترك عليهم البيئة لوثها و صِبغتها، إذ أنِفوا لأنفسهم أن يتشرّبوا بآثارها وينطبعوا بنهجها، فبقيت قلوبهم طافحة بحبّ الله تعالى، عامرةً بالإيمان به سبحانه.
وكان من بين هؤلاء الموحّدين فتىً شريف لم ينزّه فطرته عن عبادة الأصنام والتفاخر الباطل والحروب والغارات والآثام فحسب، بل كان فوق ذلك ، يدعو ربّه الواحد الأحد في خلوته من أجل نجاة قومه من أعمال السفهاء، ويأخذ بأيديهم إلى سبل الهداية والرشاد.
وكان هذا الشاب من أحفاد إبراهيم الخليل عليه السّلام، وكان يقتفي أثر جدّه الخليل، ويجهد نفسه على صعيد الفِكر والعمل في اللَّحاق بخُطى جدّه الكبير.
كان هذا الشاب يُدعى « أسد »، واسم أبيه الجليل « هاشم ». ولم يَغِب عن بال «أسد» بفكره ودرايته أنّ أفضل سُبل طمأنينة الروح والجسد بالنسبة إلى شاب في مُقتبل العُمر هو الزواج، ولذلك اغتنم ذات يوم فرصةً مناسبة فأخبر والديه برغبته في الزواج، فاستحسن أبوه رأيه و وعداه أن يساعداه على تحقيق ما أراد.
وشرع الأبوان يبحثان عن فتاة شريفة من أسرة كريمة تكون زوجة صالحة لابنهما، فعثرا على بُغيتهما في فتاة تُدعَى « فاطمة » تنحدر من نسب عريق أصيل، ويشترك أجدادها من الأب والأم مع أجداد النبيّ صلّى الله عليه وآله في جدّه الأكبر «فِهْر» (2).
الخِطبة
ثمّ إنّ أبا أسد فاتَحَ أبا فاطمة وخطب منه ابنته فاطمة لابنه أسد، وتزوّج أسد من فاطمة قبل هجرة النبيّ صلّى الله عليه وآله بما يقرب من 60عاماً، فرُزق من هذه الزوجة الطاهرة ابنة وسيمةً سمّاها فاطمة أيضاً.
كان أسد يُحِبُ ابنته فاطمة كثيراً على الرغم من أنّ العرب كانوا في ذلك الوقت إذا بُشِّرَ أحدُهُم بالأُنثى ظَلَّ وجهُهُ مُسْوَدّاً وهو كظيم * يَتوارى من القَومِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ به: أيُمْسِكُهُ على هُونٍ أم يَدُسُّهُ في التراب (3). وكان من العرب من يئد بناته الصغار خوفاً من أن يلحقهم بسببهنّ العار إذا ما سُبين. وكان أوّل من سنّ ذلك فيهم: قبيلة «بنو تميم»، فقد أرسل إليهم النعمان بن المنذر ـ حاكم العراق ـ جيشاً كبيراً فأغار عليهم ونهب أموالهم وسبى نساءهم، فأرسل إليه كبار بني تميم وفداً وسألوه أن يُطلق سراح بناتهم ـ وكان بعضهنّ قد تزوّج في الأسر ـ فخيّرهن النعمان بين العودة أو البقاء، فاختارت ابنة « قيس بن عاصم » أن تبقى مع زوجها، فصدم ذلك هذا الشيخَ الكبير ـ وكان مقدّماً في قومه ـ فعاهد نفسه أن يَئد كلّ فتاة تولَد له بعد ذاك، ثمّ انتشرت هذه السنّة والطريقة بين قبائل العرب الأخرى (4).
المرأة قبل الإسلام
كانت المرأة يومذاك تُباع وتُشترى، شأنها شأن البضاعة، كائناً محروماً من جميع الحقوق الفرديّة والاجتماعية، حتّى من حقّ الإرث. وكان رجالات العرب يعتبرون المرأة في عداد الحيوانات، ويجعلونها في عداد لوازم المعيشة ومتطلّباتها. وكانت المرأة إذا طلّقها زوجها، لا يحقّ لها الزواج من غيره إلاّ بإذن منه، وإذنهُ مرهون في الغالب ـباسترجاعِه المَهر الذي دفعه إليها. وكانت المرأة فوق ذلکـ تنتقل وتُورث كما يُورث أثات البيت ولوازمه.
وعلى الرغم من هذا الجوّ الحاكم على محيط بلاد الحجاز، خالَفَ أسد کل هذه التقالید و الأفکار و المُمارسات، مدفوعاً بفطرته وإيمانه وتوحيده ـ وكان يغرس في قلب « فاطمة » الصغيرة عقائدَ التوحيد، حتّى نشأت امرأةً كاملة مؤمنة . فكانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإيمان، وكانت امرأة طيّبة السيرة، لبيبة عاقلة، بصيرة بأمور آخرتها، ذكيّة، عفيفة، طاهرة. وكانت على (الحنيفيّة) دين النبيّ إبراهيم الخليل عليه السّلام، فلم تسجد حتّى قبل الإسلام لصنمٍ قطّ (5). ويكفي في جلالة قدرها ما قيل في حقّها:
كانت فاطمة بنت أسد من فُضلَيات الهاشميّات، بَزَغتْ في عصرها شمساً في سماء الكمال تتنقّل في أبراجه. شَرَفُ حَسَبٍ، فكَرَمُ مَحتِدٍ، فمكارمُ أخلاقٍ، فذكاءُ قلبٍ، فرجاحة حِجى، فطهارةُ نفسٍ، فجمالُ ذاتٍ، ففضيلةُ صفات. تلك حِلية هذه السيّدة الجليلة، ولذا اختارها سيّد قريش ولم يستبدل بها سواها مدّة حياته (6).
العلقة الأبدیة ما بین زوجین فی منتهی العبودیّة
مرّت على فاطمة بنت أسد في أحد أيّام مكّة الحارّة لحظات حسّاسة لا تُنسى، لحظات تمرّ بها جميع الفتيات في مثل هذه المرحلة من العمر، فقد تقدّم لخطبتها شابّ مؤمن موحّد يُدعى « أبو طالب »، شاب ينحدر من سلالة كريمة ومَحتِد أصيل، وقيل لها بأنّ جدّه هو « عبدالمطّلب »، ومَن مِن فتيات مكّة فضلاً عن رجالها،لم يَقرَع سمعها اسمُ عبدالمطّلب، ومَن منهنّ لم تبلغها جلالةُ قدره وكرم نسبه.
وجرت مراسم العقد، فدعا أسدٌ الناسَ ليحضروا، فلمّا التأم عقد المجلس نهض فيهم أبو طالب، فالتفت إلى أسد وقال:
الحمدُ للهِ ربّ العالَمين، ربِّ العرشِ العظيم، والمقامِ الكريم، والمَشْعَرِ والحَطيم، الذي اصطفانا أعلاماً وسَدَنَةً وعُرَفاءَ خُلَصاءَ، وحَجَبةً بَهاليلَ، أطهاراً من الخَنى والرَّيْب، والأذى والعَيْب، وأقام لنا المشاعرَ، وفضَّلنا على العشائر، نُخَبَ آل إبراهيم وصفوته، وزَرعَ إسماعيل... وقد تزوّجتُ فاطمةَ بنت أسد، وسُقْتُ المهر ونفذت الأمر، فاسألوه واشهَدوا، فقال أسد: زوّجناكَ ورَضِينا بك، ثمّ أطعَمَ الناس (7).
والتأمّل في مضامين هذه الخطبة الغرّاء التي أُلقيت قبل هجرة النبيّ صلّى الله عليه وآله بما يقرب من 60 عاماً يُقرّ في النفس بأنّ قائلها موحّد حكيم لا يُلقي بالاً إلى ما يفتخر به قبائل قومه يومذاك من القتل والغارة والتكاثر بالأموال والأولاد و...
وكان ذلك فضلاً جديداً في حياة فاطمة بنت أسد، فقد انتقلت إلى بيت زوج كريم موحّد هو أبو طالب عليه السّلام. وكان لهذا الزواج المبارك أثره الكبير الذي سيشهده العالم الإسلامي قريباً.
نبذه عن ابی طالب زوج فاطمة بنت اسد رضی الله عنها :
ينحدر أبو طالب من عائلة شريفة ذات نسب عريق، عُرفت باتّباع الحنيفيّة الإبراهيميّة، وبانحدارها من نبيّ الله إبراهيم الخليل عليه السّلام؛ فأبوه « عبدالمطّلب » الذي دانت له قريش بالفضل والسماحة والكرم والسؤدد، وكان لعبد المطّلب عشرة أبناء، منهم أبو طالب ( والد أمير المؤمنين عليه السّلام ) وعبدالله ( والد النبيّ رسول الله صلّى الله عليه وآله )، وهما لأمّ واحدة تُدعى فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عِمران بن مَخزوم (8) تُوُفیَ عید الله قبل ان یولد ابنه محمد صلی الله علیه و آله فانتقلت ولایته الی جَدِّه عبد المطلب وأحسّ باقتراب أجله، وكان هاجسه وهمّه الذي يشغله أمر كفالة النبيّ صلّى الله عليه وآله ـ وكان يومذاك في الثامنة من عمره الشريف ـ فجمع أبناءه ذات يوم وسألهم: أيّكم يكفل محمّداً بعدي ؟ فردّوا: هو أعلمُ منّا، فليختَر منّا مَن يشاء! فالتفت عبدالمطّلب إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وقال له: يا محمّد، إنّ جدّك راحلٌ إلى الآخرة عمّا قريب، فاختَرْ مِن أعمامك أو عمّاتِك مَن يَكفُلك ويقومُ بأمرك بعدي. فتطلّع النبيّ صلّى الله عليه وآله إليهم ثمّ أشار إلى أبي طالب، فقال عبدالمطّلب لأبي طالب: يا أبا طالب، لقد عَهِدتُ فيك دِينَك وأمانتك، فاكفُلْ محمّداً كما كفلتُه، وارعَه كما رَعَيتُه . فلمّا قُبض عبدالمطّلب انتهت الصَّدارة إلى ابنه أبي طالب، فعُرف بشيخ الأبطح، وبشيخ قريش ورئيسها.
وهذه المنزلة کانت من العوامل الأساسیة فی قدرة ابیطالب للدفاع عن ابن اخیه و نصرته و حمایته ، فكان لأبي طالب الدَّور الكبير في رعاية النبيّ صلُّى الله عليه وآله وكفالته صغيراً يافعاً، وفي الدفاع عنه ومؤازرته شاباً، ولمّا بُعث النبی صلی الله علیه و آله اشتد دفاعه وکان هو المحامی الرؤف له فی کل المجالات! ومن الشاهد علی هذا المُدَّعَی تحمل العناء والصعوبات والحیاة المُرّةِ القاسیة طیلة ثلاث سنوات فی شِعب ابیطالب. ويكفي في معرفة دوره الكبير في المحاماة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّ أبا طالب لمّا توفّي، هبط جبرئيل عليه السّلام على النبيّ صلّى الله عليه وآله فأمره بالخروج من مكّة قائلاً: يا محمّد! اخرُج عن مكّة فما لكَ بها ناصر بعد أبي طالب (9). وقد قال الصادق المصدّق صلّى الله عليه وآله: لَم تَزَل قريشٌ كاعّةً عنّي حتّى تُوفّي أبو طالب (10).
ومن المؤسف أنّ هذه الشخصيّة العظيمة قد تعرّضت لهجمات ظالمة من قِبل أعداء أمير المؤمنين عليه السّلام الذين وَتَرهم في الدِّين، فأشاع بعضُهم ـ مع صراحةِ أبيات أبي طالب في الإيمان بالنبيّ صلّى الله عليه وآله والإقرار بما جاء به ـ أنّه مات ولم يؤمن!
وقد روي عن الإمام زين العابدين عليه السّلام أنّه سئل عن أبي طالب: أكان مؤمناً ؟ فقال: واعَجَباه! أيطعنون على أبي طالب أو على رسول الله صلّى الله عليه وآله، وقد نهاه الله أن يُقرّ مؤمنةً مع كافر في غير آيةٍ من القرآن (11) ؟!
ولا يشكّ أحد أنّ ( فاطمة ) بنت أسد من المؤمنات السابقات، وأنّها لم تزلْ زوجةً لأبي طالب حتّى مات أبو طالب رضي الله عنه (12)
فکیف یمکن أن لا یؤمن ابو طالب؟!وهل یمکن أن ینال الکافر مقام الشفاعة بإذن الله تعالی ؟!عن أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام أنّه قال: لو شَفَع أبي في كلِّ مُذنبٍ إلى وجه الأرض، لَشَفَّعه اللهُ فيهم (13).
روی ایضاً بأنه اصاب أهلَ مكّة جفافٌ وقحط في إحدى السنين قبل البعثة النبويّة، فلجأوا إلى أبي طالب ليستسقي لهم، فتوسّل إلى الله تعالى بالنبيّ صلّى الله عليه وآله ـ وكان حينذاك صبيّاً يافعاً فسقاهم الله تعالى (14)..
عناية فاطمة بنت أسد بالنبيّ صلّى الله عليه وآله
ولما دخل محمد صلی الله علیه و آله الی بیت عمه كانت فاطمة بنت أسد تُعنى به عناية خاصّة کالأُم الحنون وتُؤثِره على أولادها. وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله يناديها بـ أمّي (15) » لم يدّخر أبو طالب وسعاً في الدفاع عن ابن أخيه النبيّ صلّى الله عليه وآله، حتّى بلغ به الحال أن كان يُنهضه من فراشه ليلاً فيُرقِد ابنَه عليّاً في موضعه خشيةَ أن يغتاله أعداؤه وهو نائم وتحمّل أبو طالب من أجل الدفاع عن النبيّ صلّى الله عليه وآله المشقّة والمعاناة في شِعب أبي طالب، ونافح عنه بأشعاره المُنبئة عن إيمانه وثباته (16).. وعُرف عنها أنّ أبا طالب لمّا أتاها بالنبيّ صلّى الله عليه وآله بعد وفاة عبدالمطّلب وقال لها:
اعلمي أنّ هذا ابنُ أخي، وهو أعزّ عِندي من نَفسي ومالي، وإيّاكِ أن يتعرّض عَلَيه أحدٌ فيما يريد.
فتبسّمت فاطمة ( بنت أسد ) من قوله، وكانت تؤثره على سائر أولادها ـ وكان لها عقيل وجعفر ـ فقالت له:
توصيني في وَلدي محمّد، وإنّه أحبُّ إليّ من نفسي وأولادي ؟!
ففرح أبو طالب بذلك (17).
وعلى الرغم من تصريح هذه الرواية بأنّ فاطمة بنت أسد كانت ذات أولاد عند كفالتها للنبيّ صلّى الله عليه وآله، فإنّ بعض الروايات تدلّ على أنّها لم تكن ذات ولد حينذاك، وأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله رأى رغبتها في الولد، فقال لها:
يا أُمّه، قرِّبي قُرباناً لوجه الله تعالى خالصاً، ولا تُشركي معه أحداً، فإنّه يرضاه منكِ ويتقبّله ويُعطيك طلبتَكِ ويُعجّله، فامتثلتْ فاطمة أمره وقَرَّبتْ قرباناً لله تعالى خالصاً، وسألَتْهُ أن يرزقها لداً ذَكَراً، فأجاب الله تعالى دعاءها (18).
ويمكن الجمع بين هاتين الروايتين بأنّ كلام النبيّ صلّى الله عليه وآله قد تقدّم على زمن كفالة أبي طالب له صلّى الله عليه وآله، وينبغي الالتفات إلى أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان يَكبُر أميرَ المؤمنين عليه السّلام بثلاثين عاماً، ممّا يستوجب أن يكون عمره مماثلاً لعمر طالب ولد أبي طالب، ولابدّ إذاً أن يكون عقيل وطالب ـ على أقلّ تقدير ـ قد وُلدا في زمن كفالة فاطمة بنت أسد رسولَ الله صلّى الله عليه وآله.
وعلى أيّ حال ـ فقد اعتَنَت فاطمةُ بنت أسد بالنبيّ صلّى الله عليه وآله عناية فائقة، وأولَتْه رعايتها وحبّها، وكانت تُؤثِره على أولادها في المطعم والملبس. وقد أشار الإمام الصادق عليه السّلام إلى ذلك بقوله: كانت ( فاطمة بنت أسد ) مِن أبَرِّ الناسِ برسول الله صلّى الله عليه وآله (19).
وكانت تغسّله وتدهن شَعره وتُرجّله، وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله يحبّها ولا يناديها إلاّ بـ أمّي (20).
فلمّا جاءه أميرُ المؤمنين عليه السّلام مضطرباً بعد ذلك بسنين، سأله النبيّ صلّى الله عليه وآله عمّا به، فقال: أمّي ماتت. قال: فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: وأمّي واللهِ، ثمّ بكى وقال: واأمّاه (21).
وينبغي أن لا ننسى أنّ لعلائم النبوّة التي كانت فاطمة بنت أسد تشاهدها في محمّد صلّى الله عليه وآله وهو صبيّ صغير، الأثرَ الكبير في المحبّة الخاصّة التي انطبعت في قلب فاطمة، ممّا جعلها تكثر إكرامه ورعايته. ومن تلك العلامات والكرامات: ما شاهدته في بستان دارها.
قالت: كان في بستان دارنا نَخلات، وكان أوّل إدراك الرُّطَب، وكان أربعون صبيّاً من أتراب محمّد صلّى الله عليه وآله يدخلون علينا كلّ يوم في البستان ويلتقطون ما يسقط، فما رأيت قطّ محمّداً أخذ رُطبةً من يدِ صبيّ سَبَقَ إليها، والآخرون يختلس بعضُهم من بعض. وكنتُ كلّ يوم ألتقط لمحمّد صلّى الله عليه وآله حَفنةً فما فوقَها، وكذلك جاريتي. فاتّفق يوماً أن نَسيتُ أن ألتقط له شيئاً ونَسِيَتْ جاريتي، وكان محمّد صلّى الله عليه وآله نائماً، فدخل الصِّبيان وأخذوا كلّ ما سقط من الرطب وانصرفوا، فنمتُ ووضعتُ الكُمّ على وجهي حياءً من محمّد إذا انتبه.
قالت: فانتبه محمّد ودخل البستان، فلم يَرَ رطبةً على الأرض فانصرف، فقالت له الجارية: إنّا نَسِينا أن نلتقط شيئاً، والصِّبيان دخلوا وأكلوا جميع ما سقط.
قالت: فانصرف محمّد صلّى الله عليه وآله إلى البُستان، وأشار إلى نخلة وقال: أيّتها الشجرة أنا جائع. قالت: فرأيتُ الشجرة قد وَضَعتْ أغصانَها التي عليها الرُّطب حتّى أكل منها محمّد صلّى الله عليه وآله ما أراد، ثمّ ارتفعتْ إلى موضعها (22).
الرؤیا الصادقة
بعد كفالتها لرسول الله صلّى الله عليه وآله رأت فاطمة بنت أسد ذات ليلة رؤيا عجيبة صادقة قالت: «... رأيتُ في منامي كأنّ جبال الشام قد أقبلَتْ تَدِبّ وعليها جَلابيبُ الحديد. وهي تصيح من صدورها بصوتٍ مهيب، فأسرَعَتْ نحوها جبالُ مكّة وأجابَتْها بمِثل صياحها وأهْوَل، وهي تتهيّج كالشَّرر المحمرّ، وأبو قُبيَس ينتفض كالفَرَس، وفصاله ( أي قِطَعه ) تسقط عن يمينه وشماله، والناس ) يلتقطون ذلك، فلقطتُ معهم أربعة أسياف وبيضةَ حديدٍ مُذَهّبة، فأوّل ما دخلتُ مكّة سقط منها سيفٌ في ماء فغيّر وطار، و( طار ) الثاني في الجوّ فاستمرّ، وسقط الثالث إلى الأرض فانكسر، وبقي الرابع في يدي مسلولاً. فبينا أنا به أصول، إذ صار السيف شِبلاً الشبل: ابن الأسد، فتبيّنته فصار ليثاً مَهُولاً، فخرج عن يدي ومرّ نحو الجبال يَجوب بلاطمها، ويخرق صلاطحها (23)، والناس منه مُشفِقون ومِن خوفه حَذِرون، إذ أتى محمّدٌ فقبض على رقبته، فانقادَ له كالظَّبية الألُوف. فانتبهتُ وقد راعَني الزمع والفزع، فالتمستُ المفسّرين وطلبتُ القائفين والمُخبِرين، فوجدتُ كاهناً زَجَر لي بحالي وأخبرني بمنامي، وقال لي: أنتِ تلدين أربعة أولاد ذكور وبنتاً بعدهم، وإنّ أحد البَنين يَغرَق (24)، والآخر يُقتَل في الحرب (25)، والآخر يموت بعد أن يُعمّر، ويبقى له عَقِب (26)، والرابع يكون إماماً للخلق صاحب سيفٍ وحق (27)، ذا فضلٍ وبراعة، يُطيع النبيَّ المبعوثَ خير طاعة (28)».
وقد تحققت هذه الرؤيا الصادقة، وأثمرت هذه الشجرة الطيّبة ـ التي قوامها رجلٌ مؤمن موحّد وامرأة مؤمنة موحّدة ـ ثمارها، فقد رزقهما الله تعالى أربعة أولاد، هم: طالب، ثمّ عقيل، ثمّ جعفر، ثمّ عليّ عليه السّلام؛ وابنتَين هما فاختة وتلقّب بـ « أمّ هانئ » (29) وجُمانة.
وأم هانئ هي زوجة أبي وهب هبيرة بن عمرو بن عامر المخزومي، وكانت لها منزلة كبيرة عند النبيّ صلّى الله عليه وآله، وقد شَفَعت عام الفتح لجماعة، فشفّعها النبيّ صلّى الله عليه وآله فيهم (30)؛ أمّا جُمانة ـ أو أسماء، أو رَيطة ـ فهي زوجة سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب (31).
ونتعرّض في هذا المجال ـ وباختصار ـ إلى ذكر أبناء فاطمة بنت أسد، لنتعرّف ـ من خلال مقاماتهم الشامخة ـ على الذروة الرفيعة التي رَقَت إليها هذه المرأة العظيمة.
ابناء فاطمة بنت أسد رضی الله عنها:
1- عقیل ابن ابیطالب: وُلِدَ عقيل وهو الابن الثاني لفاطمة في حدود 40 عاماً قبل هجرة النبيّ صلّى الله عليه وآله، وكان يحظى بمحبّةٍ خاصة من قِبل النبيّ صلّى الله عليه وآله، فقد روي أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قال لرسول الله صلّى الله عليه وآله: يا رسول الله، إنّك لَتُحبُّ عقيلاً ؟ قال: إي والله، إنّي لأحبّه حُبَّين: حبّاً له وحباً لحبّ أبي طالب، وإنّ وَلَده لَمقتولٌ في محبّة وَلَدِك، فتدمع عليه عيونُ المؤمنين، وتصلّي عليه الملائكة المقرّبون. ثمّ بكى رسول الله صلّى الله عليه وآله حتّى جَرَتْ دموعُه على صدره، ثمّ قال: إلى الله أشكو ما تلقى عِترتي مِن بعدي (32).
وكان عقيل من الذين لم تَغرَّهم الدنيا فيتنكّروا للحقّ الذي عرفوه واتّبعوه، وقد ذكر لنا التاريخ أنّ معاوية أرسل إليه عدّة صِلات وهدايا مالية، لكنّه دوّن ـ وبأحرفٍ من نور ـ صلابة إيمان عقيل وجهره بالحقّ أمام معاوية رغم عَوَزه وشدة حاجته.
ومن مواقفه المحمودة: رسالته التي أرسلها لأخيه أمير المؤمنين عليه السّلام بعد غارة الضحّاك بن قيس على الحيرة في جيشٍ أمّره عليه معاوية، فقد روى ابن أبي الحديد أنّه قال في رسالته تلك: «.. وقد تَوَهّمتُ ـ حيث بَلَغني ذلك ( يُشير إلى غارة الضحّاك وعودته سالماً لم يتعرّض له أحد بسوء ) أنّ شيعتَك وأنصارك خَذلوك، فاكتُبْ إليّ يا بن أمّي برأيك، فإن كنتَ الموتَ تريد، تحمّلتُ إليك ببني أخيك وولد أبيك، فَعِشنا معاً ما عِشتَ، ومِتنا معاً إذا مِتَّ، فواللهِ ما أُحبّ أن أبقى في الدنيا بعدكَ فُوَاقاً ( أي مقدار ما بين الحلبتين للناقة ). وأقسم بالأعزّ الأجَلّ، إنّ عيشاً نَعيشُه بعدك في الحياة لَغيرُ هنيء ولا مريء ولا نجيع، والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته (33).
وخلّد التاريخ لعقيل موقفه من معاوية، فقد أمر له بمائة ألف، ثمّ قال له يوماً بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السّلام وصُلح الإمام الحسن عليه السّلام مع معاوية : يا أبا يزيد، أخبِرني عن عسكري وعسكر أخيك، فقد وَردتَ عليهما!
قال: أُخبرك، مَرَرتُ واللهِ بعسكرِ أخي، فإذا ليلٌ كلَيْلِ رسول الله صلّى الله عليه وآله، ونهارٌ كنهارِ رسول الله صلّى الله عليه وآله، إلاّ أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله ليس في القَوم: ما رأيتُ إلاّ مُصلّياً، ولا سمِعتُ إلاّ قارئاً. ومررتُ بعسكركَ، فاستقبلني قومٌ من المنافقين ممّن نَفَرَ برسول الله ليلةَ العَقَبة (34) ـ الحديث، وفيه أنّه فضح معاوية وفضح قادته وذكر لهم من سوء أنسابهم ما أزرى بهم.
2-جعفربن ابیطالب: هو الولید الثانی الذی أنعم الله به علی فاطمة و ابوطالب، وكَفَله عمُّه العبّاس في ضائقة حلّت بأبي طالب. ورَأسَ جعفرٌ وفد المهاجرين الذين هاجروا إلى الحبشة فراراً من ظُلم قريش وأذاها، وكان له مع ملكها النجاشيّ ذلک الموقف المشهورالّذی اثّر فیه حتی رَحَّب بالمهاجرین و اتاح لهم الفرصة للعیش الرغید فی ظلّ حکومة عادلة ، و بالرغم من کل التحدیات و التهدیدات التی قام بها المشرکون و الإتهامات التی اتهموا بها المسلمین لم یستطیعو من تغییر رأی النجاشی و هذا دلیل علی قدرة جعفر فی بیان حقیقة الدعوة المحمدیه صلوات الله علیه و آله، فلمّا عادوا بعد 15 عاماً إلى المدينة ( في السنة السابعة من الهجرة )، استقبلهم النبيّ صلّى الله عليه وآله، فاعتنق جعفراً وقبّل جبينه، فقال ودموعه تتقاطر من شدّة سروره:
واللهِ لا أدري بأيِّهما أنا أشدّ سروراً: بِقُدومِكَ يا جعفر، أم بفتحِ الله على أخيك خيبر ؟ (35)
ثمّ إنّه صلّى الله عليه وآله أهدى إليه هدية معنوية نفيسة، إذ علّمه الصلاة المعروفة بـ « صلاة جعفر » أو « صلاة التسبيح ». ومن مفاخر جعفر أنّه ثالثُ مَن أسلم وآمن بالنبيّ صلّى الله عليه وآله واتّبع دعوته (36).
أمّا شجاعته وتضحيته في سبيل إعلاء كلمة « لا إله إلاّ الله » فقد تجلّت في أروع صورها في غزوة « مُؤتة » التي دارت بين جيش المسلمين وبين الروم، فقد روي أنّه أخذ اللواء فقاتل قتالاً شديداً، فقُطِعتْ يمينُه، فأخذ اللواء بيساره فقُطعتْ يساره، فاحتضنه وقاتل حتّى قُتل. وقد وُجد فيه بضعة وسبعون جرحاً ما بين ضربةٍ بسيف وطعنةٍ برُمح، ليس فيها شيء مِن ظَهرِه، أي أنّه لم يُدبر فارّاً لحظةً واحدة، بل كلّها في حال الإقبال لفرط شجاعته. وكان قد نزل عن فَرَس له شقراء فعَقَرها ثمّ قاتل حتّى قُتل، وفي هذا دليل على عظيم شجاعته (37).
وأمّا خَلْقه وخُلُقه فكانا في الذروة من الكمال، فروي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال له: «أشبَهت خَلقي وخُلُقي (38).
وقد أثاب الله تعالى جعفر بن أبي طالب على تضحيته، فعوّضه عن يديه اللتين قُطعتا دفاعاً عن دين الله بجناحَين يطير بهما في الجنّة مع الملائكة. وروي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه قال: رأيتُ جعفرَ بن أبي طالب مَلَكاً يطير مع الملائكة بجناحَين (39)، وروي أنّه صلّى الله عليه وآله قال: نحن ـ بني عبدالمطّلب ـ سادة أهل الجنّة: أنا وعليّ وجعفر وحمزة والحسن والحسين والمهديّ (40).
3- علی بن ابیطالب: آخر أولاد فاطمة بنت أسد وأفضلهم بل أفضل الخلق بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله، جَمَع الفضائل والكمالات، ونال درجةً من الإيمان لا تعلوها إلاّ درجة أخيه رسول الله صلّى الله عليه وآله. سبق إلى الإسلام وهو صغير السنّ، فصلّت عليه وعلى أخيه النبيّ صلّى الله عليه وآله الملائكةُ سبع سنوات، لأنّه لم يكن هناك مسلم مصلّ سواهما، وسَبَق إلى الجهاد والفداء، ففدى النبيَّ صلّى الله عليه وآله بنفسه وباتَ على فراشه يقيه خطرَ الاغتيال، حتّى باهى الله تعالى به ملائكته، وكان السابقَ دوماً إلى كلّ فضيلة، حتّى نزل في شأنه باعتراف جميع المسلمين ما لم ينزل في غيره من الآيات الكريمة (41).
قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: لو أنّ الرياضَ أقلام، والبحرَ مِداد ( أي: حبر )، والجِنّ حُسّاب، والإنس كُتّاب، ما أحصَوا فضائلَ عليّ بن أبي طالب (42).
وقال صلّى الله عليه وآله: النَّظرُ إلى وجهِ أميرِ المؤمنينَ عليِّ بن أبي طالب عليه السّلام عِبادة، وذِكره عبادة؛ لا يَقبَلُ اللهُ إيمانَ عبدٍ إلاّ بولايته والبراءةِ من أعدائه (43) وقال صلّى الله عليه وآله: أُوصي مَن آمن بي وصَدَّقني بولايةِ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، مَن تَوَلاّه فقد تَوَلاّني، ومَن تَوَلاّني فقد تولّى الله عزّوجلّ (44).
وروي عن الإمام الصادق عليه السّلام أنّ فاطمة بنت أسد جاءت إلى أبي طالب لتبشّره بمولد النبيّ صلّى الله عليه وآله، فقال أبو طالب: اصبِري سَبْتاً أُبشرّكِ بمثله إلاّ النبوّة. وقال: السبت ثلاثون سنة، وكان بين رسول الله صلّى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السّلام ثلاثون سنة (78).
4- ام هانی: امرأة جليلة ارتفعت في إيمانها وقدرها حتّى استحقّت أن يكون معراج النبيّ صلّى الله عليه وآله من بيتها (45) وقد أشرنا إلى منزلتها الكبيرة لدى رسول الله صلّى الله عليه وآله، حتّى أنّها قَدِمتْ عليه وأخبرته أنّ جماعة استجاروا بها، فقال صلّى الله عليه وآله: قد أجَرتُ من أجَرتِ (46).
وروي أنّه صلّى الله عليه وآله قال يوماً مُشِيداً بفضلِ الحسنَين عليهما السّلام: ألا أُخبركم أيّها الناس بخيرِ الناس عمّاً وعمّة ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الحسن والحسين عليهما السّلام؛ عمُّهما جعفر بن أبي طالب، وعمّتهما أم هانئ بنت أبي طالب ـ الحديث (47).
ومن مفاخر أم هانی أنّها كانت من رواة الحديث عن النبيّ صلّى الله عليه وآله، ومن الروايات التي روتها عنه صلّى الله عليه وآله أنّه قال:
يأتي على الناس زمانٌ، إذا سمعت باسم رجلٍ خيرٌ من أن تَلقاه، فإذا لَقِيتَهُ خيرٌ من أن تُجرّبه، ولو جَرّبتَه أظهَر لكَ أحوالاً؛ دِينهم دراهمهم، وهمّتهم بُطونهم، وقِبلتهم نساؤهم، يركعون للرغيف ويسجدون للدرهم، حَيارى سُكارى لا مسلمين ولا نصارى (48).
هجرة فاطمة بنت أسد مع علی و فاطمة سلام الله علیهما الی المدینه :
لقد تمت الإرادة الإلهیة علی هجرة النبی صلی الله علیه و آله الی مدینة یثرب، لکی یتسعَ نداء الحق و التوحید! کان من المُقَدَّر ان تحل البرکة فی هذه المدینه، کی یتعلموا و یقتبسوا من هَدیِ محمد صلی الله علیه و آلهو کی یمتحن الله قلوبهم للتقوی وینالو فخر الإتسام بشرف عنوان (الأنصار)ویکونوا ملجأً و ملاذاً للمهاجرین. أجل، إنه کان من المُقدّر آن تکون المدینة المنورةعاصمة الدولة و الحکومة الإسلامیة، و لذا ترک مکّة فی لیل مظلم، خائفاً یترقب، قاصداً یثرِب و ذلک بعدأن خلَّف ابن عمه علی ابی ابیطالب فی فراشه، و بعد ما وصل للمدینة، کتب رسول الله صلّى الله عليه وآله كتاباً إلى الإمام عليّ عليه السّلام، بيد أبي واقِد اللَّيثي ، يأمره فيه بالمسير إليه، فخرج عليّ عليه السّلام بفاطمةَ عليها السّلام بنتِ رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأمِّه فاطمةَ بنت أسد، وفاطمةَ بنتِ الزبير بن عبدالمطّلب، وتَبعَهُم أيمَنُ مولى رسول الله صلّى الله وأبو واقد اللَّيثي، فجعل أبو واقد يسوق بالرَّواحل فأعنَفَ بهم، فقال علي عليه السّلام: ارفُقْ بالنسوة أبا واقد، إنّهن من الضعائف. قال: إنّي أخاف أن يُدرِكَنا الطَّلَب، فقال عليّ عليه السّلام: أربِعْ عليك، فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال لي: يا عليّ! إنّهم لن يصلوا من الآن إليك بأمرٍ تكرهه. ثمّ جعل الإمام عليّ عليه السّلام يَسوق بهنّ سَوقاً رفيقاً وهو يرتجز ويقول:
ليس إلاّ الله فارْفَعْ ظَنَّكا يَكفيكَ ربُّ الناسِ ما أهمَّكا وسار، فلمّا شارف « ضَجْنان » أدركه الطَّلَب: سبعُ فوارس من قريش مُستلئمين بسلاحهم، وثامنهم مولى الحارث بن أميّة يُدعى جَناحاً، فأقبل عليّ عليه السّلام على أيمن وأبي واقد، وقد تراءى القوم فقال لهما: أنِيخا الإبل واعقِلاها! وتقدّم حتّى أنزل النسوة؛ ودنا القوم فاستقبلهم الإمام عليّ عليه السّلام منتفياً سيفه، فأقبلوا عليه فقالوا: ظَنَنتَ أنّك يا غدّار ناجٍ بالنسوة، ارجع لا أباً لك! قال: فإن لَم أفعل ؟ قالوا: لَترجِعَنّ راغماً، أو لَنَرجِعنّ بأكثرك شَعراً (أي رأسك) وأهوِنْ بكَ مِن هالِك!
ودنا الفوارس من النسوة والمطايا ليثوّروها، فحال عليّ عليه السّلام بينهم وبينها، فأهوى له جناح بسيفه، فراغ عليّ عليه السّلام عن ضربته، وتَخَتّله عليّ عليه السّلام فضربه على عاتِقه، فأسرع السيفُ مُضيّاً فيه حتّى مَسّ كابثة فَرَسِه، فكان عليّ عليه السّلام يشدّ على قدمه شدّ الفَرَس، أو الفارس على فرسه، فشدّ عليهم بسيفه وهو يقول:
خَلُّوا سَبيلَ الجاهدِ المُجاهدْ آلَيْتُ لا أعبدُ إلاّ الواحدْ
فتصدّع القوم عنه، فقالوا له: أغنِ عنّا نفسَك يا ابن أبي طالب، قال: فإنّي مُنطِلقٌ إلى ابن عمّي بيثرب، فمَن سَرَّه أن أفري لحمه وأهريق دمَه، فليتبعني ـ أو: فلْيَدْنُ منّي. ثمّ أقبل على صاحبَيه أيمن وأبي واقد فقال لهما: أطلِقا مطاياكما!
ثمّ سار ظاهراً قاهراً حتّى نزل « ضَجْنان »، فتلوّم ( أي مكث ) بها قَدْر يومه وليلته، ولَحِق به نفرٌ من المستضعفين من المؤمنين، وفيهم أمّ أيمن مولاة رسول الله صلّى الله عليه وآله، فصلّى ليلته تلك هو والفواطم: أمّه فاطمة بنت أسد رضي الله عنها، وفاطمة عليها السّلام بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله، وفاطمة بنت الزبير، يُصلّون لله ليلتهم، ويذكرونه قِياماً وقُعوداً وعلى جُنوبهم، فلم يزالوا كذلك حتّى طلع الفجر، فصلّى بهم عليّ عليه السّلام صلاة الفجر، ثمّ سار لوجهه، فجعل وهم يصنعون ذلك مَنزِلاً بعد المدينة.
وقد نزل الوحيُ بما كان من شأنهم قبل قدومهم الَّذِينَ يَذْكُرونَ اللهَ قِياماً وقُعُوداً وعلى جُنوبِهم ويَتفكّرونَ في خَلْقِ السماواتِ والأرضِ ربَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً إلى قوله: فَاسْتَجَابَ لَهُم رَبُّهُم أنّي لا أُضيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أَو أُنثى : الذَّكَر: عليّ عليه السّلام، والأُنثى فاطمة عليها السّلام، بعَضُكم مِن بعض يقول: عليّ من فاطمة ـ أو قال الفواطم ـ وهنّ من عليّ (49).
وذكروا أنّ مدّة سفرهم هذا دامت 15 يوماً (50).
وقصّ علينا ابن الأثير في تاريخه كيفيّة قدوم أمير المؤمنين عليه السّلام المدينة فقال:
وأمّا علي، فإنّه لمّا فرغ من الذي أمَرَه به رسول الله صلّى الله عليه وآله ( من ردّ الودائع ) هاجر إلى المدينة، وكان يسير الليل ويكمن النهار حتّى قدم المدينة وقد تفطّرت قدماه، فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: ادعوا لي عليّاً، قيل: لا يَقدِر أن يمشي. فأتاه النبيّ صلّى الله عليه وآله واعتنقه وبكى رحمةً لما بقدمَيه من الورم، وتَفَل في يدَيه وأمَرَّهما على قدمَيه فلم يَشتَكِهما قُتِل (51).
ونالت فاطمةُ بنت أسد في هجرتها مزيداً من السؤدد والفَخار، فقد مدحها الله تعالى في كتابه الكريم وذُكرت في المؤمنين الذاكرين الذين استجاب لهم ربّهم وأثابهم على أعمالهم، وتلك صفحة وهّاجة مُشرقة تضاف إلى كتاب مناقب فاطمة بنت أسد.
من الأماني التي تراود ذهن المُسلم، أن يأمَن نارَ جهنّم، ولمّا كان أنبياءُ الله تعالى وأولياؤه هم دون غيرهم ـ الذين يأمنون شرّ هذه النار المستعرة المتأجّجة، فلا غرو أنّ على المسلم أن يستعيذ من عذابها بالله عزّوجلّ ونبيّه وأئمّته الأطهار عليهم السّلام، الذين جعلهم الله أبواب أمانٍ للأمة وسُبُلاً لبُلوغ رحمته والفوز بجِنانه.
ومن الذين آمَنَهُم الله تعالى من نار جهنّم: فاطمة بنت أسد، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السّلام أنّ الله تعالى أوحى إلى نبيّه صلّى الله عليه وآله: إنّي حرّمتُ النارَ على صلبٍ أنزَلَك، وبَطنٍ حَمَلَك، وحِجرٍ كَفَلَك، وأهلِ بيتٍ آوَوك، فعبدُ الله بنُ عبدالمطّلب: الصُّلب الذي أخرجه، والبطن الذي حمله آمنة بنت وهب، والحِجر الذي كفله فاطمة بنت أسد، وأمّا أهل البيت الذين آوَوه فأبو طالب (52).
ولقد رَعَت فاطمة بنت أسد رسول الله صلّى الله عليه وآله في صِغره، ورَبَّته، وحَنَت عليه حُنوَّ الأم الشفيق على ولدها، فجزاها الله تعالى عن حُسن صنيعها في نبيّه الكريم بأنْ حرّم عليها النار.
ایمان فاطمة بنت أسد برسالة النبی صلی الله علیه و آله:
ذكر المؤرّخون أنّ فاطمة بنت أسد كانت أوّل امرأة بايَعت النبيَّ صلّى الله عليه وآله بعد خديجة، وذكر بعضهم أنّ فاطمة بنت أسد تعرّضت بسبب بيعتها لملامة رجال قريش ونسائهم، لكنّ إيمان بنت أسد لم يَضعُف وصلابتها لم تتزعزع قيد أنملة رغم مخالفة قريش وتهديداتها.
وروي عن الزبير بن العوّام قال: سمعتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وآله يدعو النساء إلى البيعة لمّا نزلت هذه الآية؛ يقصد قوله تعالى: يا أيّها النبيُّ إذا جاءكَ المؤمناتُ يُبايِعْنَكَ ، فكانت فاطمةُ بنت أسد أُمُّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام أوّلَ امرأةِ بايَعَت.
وكانت فاطمة بنت أسد من السابقين في الإسلام والإيمان، والبيعة، والهجرة، وقد خطتْ في هذا النهج بإرادة حديديّة وشوق وعزم راسخ وإيمان عميق، واستقبلتْ ـ صابرةً ـ كلّ أنواع الأخطار والأذى، فكانت حقّاً من مصاديق قوله تعالى: والسابقونَ الأوَّلُونَ مِن المهاجرينَ والأنصارِ والذينَ اتّبعوهُم بإحسانٍ رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنه وأعَدَّ لهم جَنّاتٍ تجري تحتَها الأنهارُ خالِدِينَ فيها أبداً ذلكَ الفَوزُ العظيم لا يختلف في هذا أحدٌ من علماء المسلمين و المؤرخین ان فاطمة کانت من السابقات للإسلام و لکنهم اختلفوا فی تعیین الوقت الدقیق لإعتناقها دعوة النبی صلی الله علیه و آله، وقد صرّح بعضهم بأنّها أسلَمتْ بعد عشرة من المسلمين، وكانت الحادية عشرة(53)، وقال عنها أحدهم: « جلالة فاطمة بنت أسد رضي الله عنها يُعلَم مِن ولادتها أميرَ المؤمنين عليه السّلام في الكعبة، وأنّها كانت من السابقين إلى الإيمان، أسلَمتْ بعد عشرة من المسلمين، فكانت الحادي عشر، وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله يُكرمها ويُعظّمها ويدعوها: أُمّي (54).
ويعتقد البعض بأنّ فاطمة بنت أسد إنّما كانت الحادية عشرة ممّن يُظهِر إسلامه، ويستبعدون أمر كَونها حادي عشر مَن أسلم (55) وذلك أنّ التأمّل في مناجاتها اللهَ تعالى وقت طَلْقِها بأمير المؤمنين عليه السّلام عند الكعبة يبعث المرء على الاطمئنان بأنّها لم تتدنّس قطّ بعبادة الأصنام، وأنّ وجود النبيّ صلّى الله عليه وآله في بيتها عند طفولته وصباه ومشاهدتها الكرامات المتتالية منه صلّى الله عليه وآله، يجعل من المُستبعد أنّها تأخّرت في إسلامها إلى ما بعد عشرة أشخاص من المسلمين.نعم اذا تمعن المرء فی مناجاة هذه المرأة الجلیلة سیجد فیها عُمق فهم التوحیدفی الخالقیة و التوحیدفی الربوبیة والتوحید الأفعالی! انها لم تکن کالمشرکین الذین اعتقدوا بخالقیة الله دون ربوبیته،ولم تتصور لأی موجودٍ فی العالم ربوبیةً من دون الله !أجل إنها لم تعتقد بأربابٍ متفرقون ، زعمَ العربُ ءانذاک بتدبیرهم للعالم!!
النیل من فاطمة وزوجها نیلٌ من النبی الأکرم (ص) وتنفیذه لِلأَحکام الإلهیة:
تطرّقنا إلى الوضع العام لجزيرة العرب قبل الإسلام، ورأينا فاطمة بنت أسد صُلبةَ الإيمان، لا تتزحزح عن توحيد الله المتعال، ولا تركع لصنمٍ لا يقدر على استجلاب النفع لنفسه ولا الإضرار بها، وشاهدناها مرفوعة الرأس في الامتحان الذي خسر فيه الكثيرون، وعهدناها لا تأكل ممّا ذُبح على الأنصاب،لکن و علی الرغم من کل هذه الأدلة الشاهدة علی ایمان فاطمة و ابو طالب، لم ینجوا کلیهما من انوع الإتهامات و خصوصاً الطعن بهما فی انهما لم یؤمنا برسالة المصطفی صلی الله علیه و آله!ولا عجب لهذه الأکاذیب و الإفتراءات اذ اتهم المنافقین و المشرکین نفس النبی صلی الله علیه و آله بالکذب و الجنون وما شابه ذلک، وقد لاحظنا في حديثٍ سابق أنّ الإمام السجّاد عليه السّلام يصرّح بكَوْن فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإسلام، فقد سئل عليه السّلام عن أبي طالب: أكان مؤمناً أم لا، فقال:
« واعجباً! إنّ اللهَ تعالى نهى رسولَه أن يُقِرّ مسلمةً على نِكاحِ كافر، وقد كانت فاطمةُ بنت أسد من السابقات إلى الإسلام، ولم تَزَلْ تحت أبي طالب حتّى ماتفآلَ ذلك إلى طهارة الروح والجسد كليهما، واستحقّت بذلك ـ شرف ولادة مولى الموحّدين أمير المؤمنين عليه السّلام. يقول جابر بن عبدالله الأنصاري:
سألتُ رسول الله صلّى الله عليه وآله عن ميلاد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، فقال: آهٍ آه، لقد سألتَني عن خير مولودٍ وُلِد بعدي على سُنّة المسيح عليه السّلام، إنّ الله تبارك وتعالى خَلَقني وعليّاً من نورٍ واحد قبل أن خَلَقَ الخَلْق بخمسمائة عام. فكنّا نُسبّح الله ونُقدّسه، فلمّا خلق اللهُ تعالى آدمَ قَذَف بنا في صُلبه، واستَقرَرتُ أنا في جنبه الأيمن، وعليّ في الأيسر، ثمّ نُقِلنا من صُلبه في الأصلاب الطاهرات إلى الأرحام الطيّبة، فلم نَزَل كذلك حتّى أطلَعَني اللهُ تبارك وتعالى من ظَهرٍ طاهر، وهو عبدالله بن عبدالمطّلب، فاستودَعَني خيرَ رَحِمٍ وهي آمنة، ثمّ أطلَعَ اللهُ تبارك وتعالى عليّاً من ظَهرٍ طاهر وهو أبو طالب، واستودعه خيرَ رَحِمٍ وهي فاطمة بنت أسد (56)
إن التدقیق فی هذا الحدیث المروی عن خیر صحابیٍ یدلنا علی المرتبة العالیة فی ایمان ابیطالب و زوجته فاطمة! ولم یبقی ای سبیل لإیراد اتهاماتٍ من هذا القبیل! ولکن للأسف أن بعض السفهاء والجهلاء و آخرین عملاء خبثاء یسعون و بکل جهدهم لطمح و إخفاء ذلک النور الوضاء لعلی علیه السلام، فقاموا بإتهامٍ وخلق أکاذیبٍ، کَکُفر ابیه و التأنی فی ایمان أُمه رضی الله عنهما،لینقصوامن شأنه، غافلین عن وعد الله عزوجل حینما قال: (یریدون لیُطفِؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره و لو کَرِه الکافرون). تُری هل یمکن إطفاء النور الإلهی بأفواه الکفار و المنافقین؟ و هل یمکن آن یربوعلیاً فی رحم عابدة الوثن؟ وهل یضم علیاً فی صلبه رجل من المشرکین؟!کلا و لا حاشا لمثل علیٍ ابوان لا یدینان الإسلام ! "أشهد انکم کنتم نوراً فی الأصلاب الشامخة و الأرحام المطهرة " و في حديث مرويّ یؤید ایمان هذین الزوجین حتی قبل بعثة نبینا بالرسالة ، تقول بنت أسد: عن النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّه قال عن ولادته وولادة عليّ عليهما وآلهما السّلام: «... ثمّ نُقِلنا من صُلبه ( أي من صلب آدم ) في الأصلاب الطاهرات إلى الأرحام الطيّبة... »، وعابدُ الوَثَنَ المشرك لا يمكن أن يكون له صُلب طاهر ولا رَحِم طيّب.
وروي أنّ فاطمة بنت أسد رأت النبيّ صلّى الله عليه وآله يأكل تمراً له رائحة تزداد على كلّ الأطائب من المِسك والعنبر، من نخلةٍ لا شَماريخَ لها، فقالت: ناوِلْني أَنَلْ منها، قال: لا تصلح إلاّ أن تشهدي معي أن لا إله إلاّ الله وأنّي محمّد رسول الله، فشهدتِ الشهادتَين، فناوَلَها فأكلتْ، فازدادت رغبتها، وطلبتْ أُخرى لأبي طالب، فعاهدها أن لا تُعطيه إلاّ بعد الشهادتَين ـ الحديث، وفيه أنّ أبا طالب شهد الشهادتَين فأطعمه النبيّ صلّى الله عليه وآله، وأنّ فاطمة عَلِقَت بعليّ عليه السّلام في تِلك الليلة ، ويُلاحظ أنّ فاطمة بنت أسد قد تشهدّت بالشهادتَين قبل النبوّة الظاهرية للنبيّ صلّى الله عليه وآله إضافةً الی شهادتهما بتوحید الله عزوجل لأنهما کانا حنفاء موحدین علی دین جدهما ابراهیم الخلیل(57)
ءایة من ربٍ قدیر فی اظهار مکانةِ اُمٍ و ولیدٍ لیس لهُما نظیر:
شاء الله عزّوجلّ أن يُكرم هذه المرأة الوفيّة المضحية بما لم يُكرم به امرأة من نساء العالَمين، وهو عزّوجلّ يختصّ برحمته مَن يشاء مِن عباده، فقدّرَتْ إرادة المُهيمن الأحد لفاطمة بنت أسد أن تَضعَ حَملَها المقدّس في مكّة المكرّمة أشرف بقاع الأرض يومذاك، وفي المسجد الحرام أشرف بقاع مكّة، وفي بيته الحرام: الكعبة أشرف بقاع المسجد، لم يسبقها في هذا الشرف سابق، ولم يُعقِبها فيه مخلوق.
يقول يزيد بن قُعنب: كنتُ جالساً مع العبّاس بن عبدالمطّلب وفريق من عبد العُزّى بإزاء بيت الله الحرام، إذ أقبَلَتْ فاطمة بنت أسد أُم أمير المؤمنين عليه السّلام، وكانت حاملةً به لتسعة أشهُر، وقد أخذها الطَّلْق، فقالت: ربِّ إنّي مؤمنةٌ بكَ وبما جاء من عندكَ من رُسُل وكُتُب، وإنّي مصدّقةٌ بكلام جدّي إبراهيم الخليل عليه السّلام، وأنّه بَنَى البيتَ العتيق، فبحقِّ الذي بنى هذا البيت، وبحقِّ المولودِ الذي في بطني، لَما يَسَّرْتَ علَيَّ ولادتي.
قال يزيد بن قعنب: فرأينا البيت وقد انفتح عن ظهره ودَخَلت فاطمةُ فيه وغابت عن أبصارنا والتزق الحائط، فرُمنا أن ينفتح، فعلمنا أنّ ذلك أمرٌ مِن (أمر) الله عزّوجلّ، ثمّ خَرَجتْ بعد اليوم الرابع وبيدها أميرُ المؤمنين عليه السّلام، ثمّ قالت: إنّي فُضِّلتُ على مَن تقدّمني من النساء، لأنّ آسية بنت مُزاحم عَبَدت اللهَ عزّوجلّ سِرّاً في موضعٍ لا يُحبّ أن يُعبَد الله فيه إلاّ اضطراراً [ أي: بيت فرعون ]، وإنّ مَريمَ بنت عمران هَزّتِ النخلة اليابسة بيدها حتّى أكَلتْ منها رُطباً جَنِيّاً، وإنّي دخلتُ بيتَ الله الحرام، وأكلتُ من ثِمار الجنّة وأرزاقها، فلمّا أردتُ أن أخرج هَتَف بي هاتفٌ: يا فاطمة، سَمِّيه عليّاً، فهو عليّ، واللهُ العليّ الأعلى يقول: إنّي شَقَقْتُ اسمَه من اسمي، وأدَّبْتُه بأدبي، ووَقَفْتُهُ على غامض عِلمي، وهو الذي يكسر الأصنامَ في بيَتي، وهو الذي يُؤذّن فوق ظهرِ بيتي ويُقدّسني ويُمجّدني، فطُوبى لِمن أطاعه، ووَيلٌ لمن أبغَضَه وعصاه(58).
وقد ذكر المؤرّخون المسلمون مسألة ولادة أمير المؤمنين عليه السّلام في الكعبة، وأوردوا في صددها طائفة من الأحاديث المستفيضة والمعتبرة، وقد أحصى الشيخ محمد علي الأُردوبادي في كتابه (عليٌّ مولود الكعبة) ما يزيد على مائة مصدر من المصادر التي ذكرت هذه الفضيلة.
ومن الجدیر بالذکر آن المؤرخون الذین ذکروا هذه الواقعة رجال معروفون بالصدق و العلم وحتی من غیر اتباع مذهب اهل البیت علیهم السلام،کبارٌ کالحاکم النیشابوری فی المستدرک ، الحافظ الکنجی الشافعی فی الکفایة، الآلوسی فی شرح القصیدة العینیة، المسعودی فی مروج الذهب و غیرهم ، مما یتم الحجة العقلیه علی جمیع المحققین و الباحثین عن الحقیقة!
شخصیة فاطمة بنت أسد الروائیة:
امتاز صدر الإسلام بأهمیةٍ فائقة للصحابةِ فی حفظهم لما یسمعون عن النبی صلی الله علی و اله و ینقلونه باعتبار السنة النبویة الشریفة، ومن بین الرواة کان هناک نسوة عاصرن الرسول وسمعن و حفظن تراثه و خلَّدنَهُ للأجیال القادمة، فمِنهنَّ فاطمة بنت أسد و ابنتها ام هانی.نقل بعض المورخین أنها روت سته و اربعون حدیت و قد أشرنا الی بعضها فی موارد، فإنها نقلت بعض التصرفات و الأقوال للنبی صلی الله علیه و آله و هو ابن الثامنة من عمره الشریف، و بعض ما روته هذه المرأة الجلیلة حکایاتٌ و إشارات کانت تدل علی نبوته و امتیازه عن ما عداه! وایضا هی کانت من رواة کیفیة کفالة عمه ابوطالب له بعد ارتحل جده عبد المطلب،و نُقِلَ هذا الخبر بالتفصیل فی کتاب " الخرائج والجرائح " للقطب الراوندی. لا شک فی أنَّ فاطمة من مصادیق المرأة الصالحة! ومقام الصالحین مقام رفیع و وصفٌ عظيم لا يرقى إليه إلاّ مَن نال مرضاة الله عزّوجلّ، ويكفي في بيان جلالته أنّ الله تعالى نعتَ به أنبياءه، فقال عن يحيى عليه السّلام : إنّ اللهَ يُبشِّرُكَ بيَحيى مُصدِّقاً بكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وسَيِّداً وحَصُوراً ونَبيّاً مِنَ الصّالِحين (59) وقال تعالی عن إبراهيم الخليل عليه السّلام:
.. إنّهُ في الآخرةَ مِنَ الصّالِحين (60).
و فاطمةُ نالت مقام الصالحین بإیمانها وتقواها،بإستقامتهاو صمودها وبحمایتها و عنایتها لحبیب الله جلَّ وعلی، بهجرتها و تحملها لأنواع الأذی فی جنب الله تبارک وتعالی!
لا شک أن کمالات خاتم الأنبياء محمّد المصطفى صلّى الله عليه وآله ممّا لا يُحصيه العادُون، ولا يُحيط به المحيطون، فهو صلّى الله عليه وآله رحمة للعالمين، وهو الأُسوة الحسنة لجميع البشر الذين فطرهم الخالق على هذه البسيطة، وهو خاتم أولياء الله الخاصّين، وإكليل فخر جميع الخلائق، ولا عَجَب أن باهى سكّانُ الأرض به نظراءهم من سكّان السماوات صفات و کمالات لا یشک فیها ای مسلم! کمالات بینها شخصه الکریم حینما قال : أنَّ لی مع الله حالات لا یسعنی فیها ملک مقرّب و لا نبی مرسل، فهو فخر البشریة جمعاء و افضلهم بلا منازع.
لكنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله يعدّ ـ في حديث له مع أمير المؤمنين عليه السّلام ـ أنّه يفتقد مزايا خصّ اللهُ تعالى بها أخاه أمير المؤمنين عليه السّلام، فقد قال له ـ كما في الحديث الشريف:
يا عليّ! لك أشياء ليس لي مِثلها: إنّ لك زوجة مثل فاطمة وليس لي مثلها، ولك وَلَدان من صُلبك وليس لي مثلهما من صُلبي، ولك مِثل خديجة أمُّ أهلك وليس لي مثلها حَماة، ولك صِهر مثلي وليس لي صهر مثلي، ولك أخ في النَّسَب مثل جعفر وليس لي مثله في النسب، ولك أمّ مثل فاطمة بنت أسد الهاشميّة المهاجرة وليس لي مثلها(61)
بلى، من المؤكَّد أنّ کلام النبی صلی الله علیه و آله لا یدل علی تفضیل علی علیه السلا علی شخصه الشریف و لکن من المؤکد أن الروایة تدل علی کرامة وشرافة المنتسبین بعلی ٍعلیه السلام.تزویجه من فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه و آله أمر لا مثیل له إذ لا کفؤ لها غیره!الحسنین فی عداد نورین امتدَّا فی ابد الأبدین، اما انتسابه لخدیجة سلام الله علیها و النبی صلی الله علیه و آله ،فهو بمثابة شق طریق لقمة الرقی والعلو نحو الملکوت،وبنوته لفاطمة، هذه المرأة الجلیلة الطاهرة أدَّی لفخر ولادته فی البیت العتیق الذی بناه جده ابراهیم الخلیل.
ومن الجدير بالتأمّل أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله أشار إلى خصلتَين من خِصال فاطمة بنت أسد: أنّها هاشميّة، وأنّها مهاجرة. ممّا يدلّنا على أنّ هذه المرأة حازت ـ فوق شرف النَّسَب ـ شرفاً اكتسبته في ظِلّ الإيمان بالله ورسوله واتّباع نهج الحقّ وامتثال أوامر الله سبحانه. وقد حازت بنت أسد قَصَبَ السَّبق في هذا المضمار على كثير من الرجال والنساء، فاستحقّت الفخر في الدارَين.
امتحان آخر
من المصائب التي ثَقُل وَطؤُها على رسول الله صلّى الله عليه وآله: فراق زوجته الوفيّة خديجة عليها السّلام أمّ المؤمنين، فقد فارقت هذه السيّدةُ المضحّية الحياةَ في العام الذي توفّي فيه أبو طالب، فسمّى النبيُّ صلّى الله عليه وآله ذلك العامَ بـ « عام الحُزن »، وقد فقد النبيّ صلّى الله عليه وآله بوفاة خديجة الصدرَ الحنون الذي كان يُشاطره أفراحه وأحزانه، وفَقَد الرفيقَ الوفيّ الودود الذي وقف إلى جانبه في رسالته الشاقّة، وضحّى من أجل إعلاء الإسلام بكلّ ما يملك.
وكان عمرُ الصدّيقة فاطمة الزهراء عليها السّلام عند وفاة أمّها السيدة خديجة في السنة العاشرة من البعثة النبويّة لا يتجاوز خمس سنوات، وكانت أحوَج في طفولتها الغضّة إلى صدر حنون تأوي إليه، وقلب رحيم ودود يعوّضها بالحبّ الذي يُغدقه عليها عن بعض ما تجده جرّاء فقدها أمّها الحبيبة، ولم يكن ذلك الصدر الحنون والقلب الرحيم الودود سوى صدر فاطمة بنت أسد وقلبها الكبير، الصدر الذي نبض قلبه بحبّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وليداً، وأحرى به اليوم أن ينبض كذلك بحبّ فاطمة الزهراء عليها السّلام ريحانة رسول الله صلّى الله عليه وآله وبضعته وفلذة كبده.
وهكذا خاضت هذه المرأة المؤمنة امتحاناً آخر في الحبّ والودّ، خَرَجت منه مُكلَّلة بإكليل الفخر والعزّ، فقد فازت دون نساء العالَمين بخدمة سيّدة نساء العالَمين.(62)
الرحیل من دار الفناء بتودیع نبیٍ مثَّل روح الوفاء
لَملَمتْ فاطمة بنت أسد ذات يوم ذكرياتها وخواطرها خلال مسيرة حياتها المفعمة بالفداء والتضحية والثبات على المبدأ، وهُرعت صوبَ خالقها الودود الذي أكرمها في حياتها كما لم يُكرم امرأة قطّ، يحدو بها شوقٌ لا حدّ له لِلقاء ربِّها الكريم، والوفود على بَعلِها العظيم. وقد نقل المؤرّخون أن وفاتها كانت في السنة الثالثة أو الرابعة من الهجرة النبويّة، ودُفنت في المدينة المنوّرة، وكان لها عند وفاتها 65 عاماً تقريباً.
وروي عن الإمام الصادق عليه السّلام ( ضمن حديث ) أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان جالساً ذات يوم، إذ أتاه أمير المؤمنين عليه السّلام وهو يبكي، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله: ما يُبكيك ؟ فقال: ماتت أُمّي فاطمة. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: وأمّي والله. وقام مُسرعاً حتّى دخل ونظر إليها وبكى، ثمّ أمر النساء أن يُغسّلنها، وقال صلّى الله عليه وآله: إذا فَرَغتُنّ فلا تُحدِثْنَ شيئاً حتّى تُعْلِمْنَني. فلمّا فَرَغْنَ أعْلَمْنَه بذلك، فأعطاهنّ أحدَ قميصَيه الذي يلي جَسَدَه، وأمرهنّ أن يُكَفِّنَّها فيه، وقال للمسلمين: إذا رأيتُموني قد فعلتُ شيئاً لم أفعله قبلَ ذلك فسَلوني لِمَ فَعَلتُه. فلمّا فَرَغْنَ من غسلها وكفنها دخل صلّى الله عليه وآله فحمل جنازتها على عاتقه، فلم يَزَل تحت جنازتها حتّى أوردها قبرها، ثمّ وضعها ودخل القبر فاضطجع فيه، ثمّ قام فأخذها على يَدَيه حتّى وَضَعَها في القبر، ثمّ انكبّ عليها طويلاً يُناجيها ويقول لها: ابنكِ ابنكِ.(63) ثمّ خرج وسوّى عليها التراب،ثمّ انكبّ على قبرها، فسمعوه يقول: لا إله إلاّ الله، اللهمّ إنّي أستَودِعُها إيّاك. ثمّ انصرف، فقال له المسلمون: إنّا رأيناك فعلتَ أشياء لم تفعلها قبلَ اليوم، فقال: اليوم فَقَدت بِرّ أبي طالب، إنْ كانت لَيَكون عندها الشيءُ فتُؤثِرني به على نفسها ووُلدها، وإنّي ذكرتُ القيامة وأنّ الناس يُحشَرون عُراةً، فقالتْ: واسَوْأتاه! فضمنتُ لها أن يبعثها اللهُ كاسيةً، وذكرتُ ضغطةَ القبر، فقالت: واضَعفاه! فضمنتُ لها أن يكفيَها اللهُ ذلك، فكفّنتُها بقميصي واضطجعتُ في قبرها لذلك، وانكببتُ عليها فلقَّنْتُها ما تُسأل عنه، فإنّها سُئلتْ عن ربِّها فقالت، وسئلتْ عن رسولها فأجابت، وسئلتْ عن وليِّها وإمامِها فأُرتِج عليها، فقلتُ: ابنكِ، ابنكِ.
هكذا غَرَبتْ أمُّ الأئمّة وكفيلة النبيّ صلّى الله عليه وآله؛ورَحَلتْ فاطمة بنت أسد بعد عمر أنفقته في امتثال أمر خالقها وطاعة سيّدها ونبيّها المصطفى صلّى الله عليه وآله، فلم يكن عجباً أن يحزن نبيّ الرحمة صلّى الله عليه وآله لأجلها، ويدعو في حقّها بما دعا، ويلقّنها الولاية لإكمال إيمانها كما فَعَل.
وذُكر في كتاب (علل الشرائع) أنّها دُفنت في « الرَّوحاء » مقابل حمّام أبي قطيفة، وقد اندثرت هذه الآثار فلم يبقَ من معالمها إلاّ أحجار يسيرة تشير إلى موضع قبرها وقبور الأئمّة الأطهار من بَنيها: الحسن المجتبى، وعليّ بن الحسين زَين العابدين، ومحمّد بن عليّ الباقر، وجعفر بن محمّد الصادق صلوات الله عليهم أجمعين. (64).
زيارتها«: السّلام على نبيّ الله، السّلامُ على رسولِ الله، السّلام على محمّدٍ سيّدِ المرسَلين، السلامُ على محمّدٍ سيّدِ الأوّلين، السّلامُ على محمّدٍ سيّدِ الآخِرين، السّلام على مَن بَعَثهُ اللهُ رحمةً للعالَمين، السّلامُ عليكَ أيّها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاته. السّلامُ على فاطمةَ بنتِ أسدٍ الهاشميّة، السّلامُ عليكِ أيّتها الصدّيقةُ المرَضيّة، السّلامُ عليكِ أيتّها التقيّة النقيّة، السّلامُ عليكِ أيتّها الكريمةُ الرضيّة، السّلام عليكِ يا كافلةَ محمّدٍ خاتَمِ النبيّين، السّلامُ عليكِ يا والدةَ سيّدِ الوصيّين، السّلامُ عليكِ يا مَن ظَهَرتْ شَفَقتُها على رسول اللهِ خاتمِ النبيّين، السّلامُ عليكِ يا مَن تَرْبِيَتُها لِوليّ اللهِ الأمين، السلامُ عليكِ وعلى روحِك وبدنِك الطاهر، السلام عليكِ وعلى وَلَدِكِ ورحمةُ اللهِ وبركاته.
أشهد أنّكِ أحسَنتِ الكفالةَ، وأدّيْتِ الأمانة، واجتَهدتِ في مرضاةِ الله، وبالَغْتِ في حِفْظِ رسولِ الله، عارفةً بحقِّه، مؤمنةً بصِدقِه، مُعترفةً بنُبوّتهِ، مُستبصرةً بنِعمتِه، كافلةً بتربيتِه، مُشفِقةً على نَفْسِه، واقفةً على خِدمتِه، مختارةً رِضاه. وأشهدُ أنّكِ مَضَيتِ على الإيمانِ، والتمسّكِ بأشرفِ الإديان، راضيةً مرضيّةً، طاهرةً زكيّة، تقيّةً نقيّة، فرضِيَ اللهُ عنكِ وأرضاكِ، وجَعَلَ الجنّةَ منزلَكِ ومأواكِ.
اللهُمَّ صَلِّ على محمّدٍ وآلِ محمد وانفَعْني بزيارتِها، وثبِّتني على محبّتِها، ولا تَحرِمْني شفاعتَها وشفاعةَ الأئمّةِ مِن ذُرّيتها، وارزُقْني مُرافَقتَها، واحشُرْني معها ومع أولادِها الطاهرين.
اللهُمَّ لا تَجعَلْه آخِرَ العهدِ مِن زيارتي إيّاها، وارزُقني العَوّدَ إليها أبداً ما أبقَيْتَني، وإذا توفَّيتَني فاحشُرني في زُمرتِها، وأدخِلني في شفاعتِها، برحمتك يا أرحمَ الراحمين.
اللهمَّ بحقِّها عندك ومنزلتِها لَدَيك، اغفِرْ لي ولوالديَّ ولجميع المؤمنينَ والمؤمنات، وآتِنا في الدنيا حَسَنةً وفي الآخرة حسنةً وقِنا برحمتِكَ عذابَ النار(65).
الهوامش
1ـ نهج البلاغة: الخطبة 21
2ـ فاطمة هي بنت هرم بن رَواحة بن حِجر بن عبد بن معيص بن وهب بن تغلبة بن واثلة بن عمرو بن شيبان بن مُهارب بن فِهر. وأمّها فاطمة بنت أبي همهمة بن عامر بن عمرو بن وديعة بن الحارث بن فِهر. شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 6:1، وبحار الأنوار، للمجلسي 182:35.
3ـ النحل: 58 ـ 59
4ـ أُسد الغابة، لابن الأثير ـ ترجمة قيس بن عاصم
5ـ رياحين الشريعة ( بالفارسية ) 6:3
6ـ شيخ الأبطح، للسيّد محمد شرف الموسوي 111
7ـ الحجّة على الذاهب إلى عدم ايمان أبي طالب، للسيّد فخّار بن معد الموسوي 185، بحار الأنوار، للمجلسي 98:35
8ـ إعلام الورى، للطبرسي 282:1، ب 5، ف 2. الحجّة على الذاهب 158
9ـ بحار الأنوار 111:35 ـ 112
10ـ الحجّة على الذاهب 261
11ـ كقوله تعالى: « ولا تُمْسِكوا بِعِصَمِ الكوافِر »
12ـ الحجّة على الذاهب 123 ـ 124
13ـ بحار الأنوار، للمجلسي 110:35
14ـ السيرة الحلبيّة، للحلبي 125:1. الحجّة على الذاهب 313 ـ 315
15ـ الخرائج والجرائح، للقطب الراوندي 138:1
16ـ من أشعار أبي طالب ( الحجّة على الذاهب 241
لِيَـعْلَم خيـارُ الناسِ أنّ مـحمّداً
نبيٌّ كموسى والمسيحِ ابنِ مريم
أتـانـا بهَدْيٍ مِثـلَ ما أَتَيا بهِ
فـكلٌ بـأمـرِ اللهِ يَهدي ويَعصِمِ
17ـ بحار الأنوار، للمجلسي 383:15 ( ضمن حديث
18ـ بحار الأنوار 40:35، حديث 38 ـ الباب الأول ( ضمن حديث
19ـ أصول الكافي، للكليني 453:1، حديث 2
20ـ بحار الأنوار 83:35، حديث 26
21ـ بحار الأنوار 81:35، حديث 23
22ـ الخرائج والجرائح، للراوندي 138:1 ـ 139، حديث 225. بحار الأنوار 83:35 ـ 84، حديث 26
23- مكان سُلاطح: عريض، ومنه قول الساجع: صُلاطح بُلاطح، بلاطح إتباعٌ. لسان العرب 387:7 « صلطح »
24ـ وهو طالب الذي توفّي صغيراً
25ـ وهو جعفر الطيّار الذي استُشهد في وقعة مُؤتة، وأخبر النبيُّ صلّى الله عليه وآله المسلمين بمنزلته، وأنّ الله تعالى عوّضه عن يديه اللتين قُطعتا في الحرب جناحَين يطير بهما في الجنّة مع الملائكة، فلُقِّب بجعفر الطيّار
26ـ وهو عقيل الذي عمّر وبقي له عَقِب
27ـ وهو أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام
28ـ بحار الأنوار 41:35 ـ 42، حديث 38 ( ضمن حديث
29ـ رياحين الشريعة 3:3. بحار الأنوار 40:35
30ـ الخصائص الفاطميّة، للمولى محمد باقر واعظ الطهراني 216
31ـ الخصائص الفاطميّة، للمولى محمد باقر واعظ الطهراني 216
32ـ أمالي الشيخ الصدوق 111، المجلس 27. بحار الأنوار 287:44 ـ 288. ويقصد صلّى الله عليه وآله بولد عقيل المقتول في محبّة الحسين عليه السّلام: مُسلم بن عقيل سفير الإمام الحسين إلى الكوفة
33ـ شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 118:2 ـ 119
34ـ شرح نهج البلاغة 124:2 ـ 125
35ـ بحار الأنورا 23:21. المستدرك، للحاكم النيسابوري 233:3، حديث 539
36ـ شرح نهج البلاغة 224:13
37ـ السيرة النبويّة، لأحمد بن زيني دحلان 34:2
38ـ المستدرك، للحاكم 233:3، حديث 537
39ـ المستدرك، للحاكم 231:3، حديث 533
40ـ المستدرك 233:3، حديث 538
41ـ انظر مثلاً: الصواعق المحرقة، لابن حجر 76
42ـ المناقب، للخوارزمي 328، حديث 61. ينابيع المودّة، للقندوزي 246:1، حديث 28
43ـ المناقب، للخوارزمي 32 ـ 33، حديث 2. كفاية الطالب، للگنجي الشافعي 252. فرائد السمطين، للحمويّ 18:1
44ـ الفردوس، للديلمي 429:1، حديث 1751. مناقب عليّ بن أبي طالب، لابن المغازلي 230، حديث 277
45ـ بحار الأنوار 282:18
46 ـ بحار الأنوار 131:21. سفينة البحار، للقمّي 714:8 مادّة: « هنأ »46-
47ـ بحار الأنوار 302:43. المعجم الأوسط، للطبراني 237:7 ـ 238، حديث 6458. ذخائر العقبى، للمحبّ الطبري 130
48 - بحار الأنورا 166:74. سفينة البحار 494:3 مادة « زمن »
49ـ بحار الأنوار، للمجلسي 64:19 ـ 67
50ـ بحار الأنوار 106:19
51ـ الكامل في التاريخ، لابن الأثير 106:2
52ـ الحجّة على الذاهب 50. بحار الأنوار 109:35
53ـ شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 14:1
54ـ سفينة البحار، للمحدّث القمّي 122:7 مادّة: فطم
55ـ رياحين الشريعة، للمحلاّتي 6:3 بالفارسيّة
56روضة الواعظين، للفتّال النيسابوري 76. بحار الأنوار 10:35، حديث 12
57ـ إ شارة ال ذریة ابراهیم الخلیل الذین کانوا موحدین حتی وصولهم لِفهر
58ـ الأمالي، للصدوق 114 ـ المجلس 27
59ـ آل عمران: 39
60ـ البقرة: 130
61- انظر التفاصيل في70 61- رياحين الشريعة 3:3 ـ
الرَّوَح: السَّعَة، والرَّوَح: انبساط في صدر القدم، وقُصعة روحاء: قريبة القعر، ويبدو أنّ اسم الروحاء يشير إلى فسحة في أرض - 62- البقيع قريبة من المسجد النبويّ، حيث يقع قبر فاطمة بنت أسد
63- بحار الأنوار 298:48
64- مصباح الزائر، لابن طاووس 60.
65- الکافی ج1 ص452-454،100.218. حدیث17
إخواننا
" إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ" (سورة الأنبياء الآية 92)
"لا يوجد في الإسلام أي فرق بين الشيعة والسنّة؛ ولا ينبغي أن يكون هناك فرق بين الشيعة والسنّة. ويجب أن تحفظ وحدة الكلمة، فنحن أخوة لهم، وهم أخوة لنا"
"الإمام الخميني رحمة الله عليه"
( یحرم النیل من رموز إخواننا السنّة فضلاً عن اتهام زوجة النبي بما یخل بشرفها بل هذا الأمر ممتنع على نساء الأنبیاء وخصوصاً سیدهم الرسول الأعظم "ص" )
"الإمام الخامنئي مد ظله العالي"
• المقدمة
كانت إيران منذ القدم مهداً للتعايش السلمي بين الأقوام والشعوب والفرق والمذاهب المختلفة. وتفتخر هذه الأرض بأنها احتضنت مختلف الديانات والمذاهب. وعاشت إيران قروناً متمادية متآلفة بالسلام والطمأنينة تحت راية المحبّة والصداقة والتسامح.
وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران أكد الإمام الخميني على ضرورة التمسك بالوحدة الإسلامية وتوفير الأرضية المناسبة للتعايش والتعاون بين أتباع مختلف الفرق الإسلامية في البلاد. واعترف دستور الجمهورية الإسلامية في إيران بحقوق الأقليات وبذل مسؤولوها جهوداً حثيثة لتوفير الأمن والراحة لهؤلاء الأعزاء، وهيأوا لهم كل مستلزمات المشاركة الفعّالة في الأنشطة الإجتماعية والسياسية. ولم يغفل دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذي صوّت الشعب لصالحه بعد انتصار ثورته الإسلامية عام (1978 م) بنسبة (98.2) بالمئة في عموم البلاد؛ لم يغفل حقوق الأقليات بل أكد ضرورة الإهتمام الكامل بهذه الحقوق. ومن أبرز الأقليات في إيران التي كان لها حضور فعّال في مختلف مراحل الثورة وبعد انتصارها هم أهل السنّة الذين لعبوا دوراً مهماً في حفظ مكتسبات الثورة ونظامها الإسلامي.
ونظام الجمهورية الإسلامية لا يميّز أبداً بين المواطنين والجميع يتمتعون بحقوقهم التي نص عليها الدستور. ورغم المؤامرات الكثيرة والمتواصلة التي يحيكها الإستكبار العالمي لبث الفرقة بين السنّة والشيعة في إيران إلا انه ولحسن الحظ باءت جميع هذه المؤامرات بالفشل. وأخفقت جميع محاولات الأعداء المتربصين بالجمهورية الإسلامية والتي سعوا من خلالها لعزل السنّة عن إخوانهم الشيعة وتشويش أذهانهم لإساءة الظن بمسؤولي النظام.
ومن أجل توضيح الحقائق بشأن وضع السنّة في إيران لأولئك الذين قد تؤثر عليهم المزاعم الواهية التي يطلقها أعداء الإسلام وتجعلهم يصدرون أحكاماً مجانبة للواقع بسبب قلة معلوماتهم في هذا المجال، شرحنا في هذا الكتاب جميع ما يتعلق بهذا الموضوع ليطلع القارئ على مكانة السنّة في إيران قبل وبعد الثورة الإسلامية والخدمات التي قدمها لهم النظام الإسلامي من خلال الإحصائيات والأرقام التي تبين هذه الحقائق. ويركّز الكتاب بشكل خاص على المدن التي تقطنها نسبة معتبرة من السنّة في إيران.
• الدستور
الإسلام هو دين الدولة الرسمي في إيران طبقاً للمادة الثانية عشرة من دستور الجمهورية الإسلامية. والمذهب الجعفري هو المذهب الرسمي للبلاد باعتباره يمثل الأكثرية المطلقة للسكان. ولكن رغم ذلك فان بقية المذاهب وفي مقدمتها الحنفي والشافعي والمالكي، والحنبلي والزيدي تحظى بالاحترام الكامل في الدستور.
واتباع هذه المذاهب يتمتعون بكامل الحرية في إقامة شعائرهم الدينية طبقاً للأحكام الفقهية لمذاهبهم. ولهم كامل الحرية في تعليم أبنائهم وتربيتهم طبقاً لهذه الأحكام وإجرائها فيما يتعلق بالأحوال الشخصية من زواج وطلاق وإرث ووصية. والدعاوى القضائية المرتبطة بهذه الأمور معترف بها رسمياً في محاكم الدولة. وكل منطقة تسكنها أغلبية من اتباع أحد هذه المذاهب تكون مقرراتها في المجلس المحلي "البلدي" لتلك المنطقة تكون طبقاً لأحكام ذلك المذهب.
ومن هنا يتبين مدى اهتمام النظام الإسلامي باتباع سائر المذاهب ومراعاة حقوقهم تبعاً للدستور. وهو أمر يقل نظيره في دساتير باقي الدول الإسلامية.
وطبقاً لهذا المبنى الحقوقي الذي قرره دستور الجمهورية الإسلامية يتمتع اتباع جميع المذاهب الإسلامية الآنفة الذكر بما يلي:
1 – الإحترام: من ضروريات العلاقات السليمة في أي بلد هو الاحترام المتقابل بين مواطنيه والذي بدوره يسهل إقامة هذه العلاقات فيما بينهم على أحسن وجه. وقد أكد دستور الجمهورية الإسلامية في إيران على أهمية الاحترام الكامل بين المواطنين وضرورة الابتعاد عن جميع أشكال التفرقة لبناء مجتمع سليم تحكمه العلاقات الأخوية والودية بين جميع المسلمين. ولهذا يمنع القانون الإساءة إلى اتباع أي مذهب إسلامي طبقاً للدستور.
2 – حرية إقامة الشعائر الدينية: إقامة الشعائر الدينية لأي مذهب تعكس بالإضافة إلى جانبها العبادي المكانة السياسية لهذا المذهب في البلد. ولهذا فإن المجتمعات التي تنتشر فيها الخلافات المذهبية والطائفية تبتلى غالباً بالتنافس والحقد والعداوات في إقامة هذه الشعائر. ولهذا تعمد الكثير من الحكومات إلى وضع قيود على هذه الشعائر وتتخذ إجراءات صارمة بحق الأقليات إلا أن الوضع في الجمهورية الإسلامية يختلف تماماً، فاتباع جميع المذاهب الإسلامية وحتى الأقليات غير الإسلامية يتمتعون بحرية واحترام كاملين لإقامة شعائرهم الدينية.
3- الاعتراف الرسمي بحرية التعليم والتربية الدينية والأحوال الشخصية: جميع الطوائف والمذاهب الإسلامية في إيران يجب أن تتبع تعاليم وأحكام القرآن الكريم وسنّة النبي الأكرم (ص) . وحرية المذاهب تلزم الدولة بتوفير الأرضية المناسبة لاتباع هذه المذاهب لممارسة هذه الحرية وتهيئة كافة الإمكانات اللازمة لهم في مجال التربية والتعليم طبقاً لمذاهبهم التي اعترفت بها المادة الثانية عشرة من الدستور.
4- الاعتراف الرسمي المناطقي: أجاز الدستور لأتباع أي مذهب بوضع مقررات تتناسب مع مذهبهم في المجالس المحلية لمناطقهم إذا كانوا يشكلون الأغلبية السكانية في تلك المناطق شريطة أن تكون هذه المقررات في إطار المعايير الإسلامية وقوانين البلاد.
5 - الحقوق السياسية والإدارية: إضافة إلى الحقوق المذكورة آنفاً هناك مميزات مهمة أخرى منحها دستور الجمهورية الإسلامية لأتباع جميع المذاهب الإسلامية وهي عبارة عن:
الف) حرية تشكيل الأحزاب والجمعيات السياسية والمهنية والهيئات الإسلامية استناداً للمادة 26 من الدستور.
ب) عضوية مجلس الشورى الإسلامي استناداً للمادة 26 من الدستور.
ج ) المساواة في جميع الحقوق الإنسانية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية بما يتفق والمعايير الإسلامية استناداً للمادتين التاسعة عشرة والعشرين من الدستور.
• الموقع الجغرافي والكثافة السكانية
يتواجد إخواننا السنّة في إيران في محافظات سيستان وبلوشستان وکردستان وآذربایجان الغربية وخراسان الرضوية وخراسان الشمالية وخراسان الجنوبية وبوشهر وجنوب محافظة فارس وشرق محافظة جلستان وعدد قليل منهم يقطن في محافظة جيلان فيما يعيش آخرون بصورة متفرقة في بعض المحافظات الأخرى.
واكثر أهل السنّة يتركزون في محافظة سيستان وبلوشستان في شرق البلاد خصوصاً في مدن زاهدان وجابهار وايرانشهر وخاش وسراوان وسرباز وكنارك وهم من أتباع المذهب الحنفي.
وتأتي محافظة كردستان في غرب إيران في المرتبة الثانية من حيث الكثافة السكانية لإخواننا السنّة. واكثر سكان هذه المحافظة المحاذية للعراق هم من أتباع المذهب الشافعي ويتركزون في مدن: سنندج وسردشت ومريوان وبانة ونقدة.
كما تضم مدن مهاباد وأشنوية في محافظة أذربيجان الغربية في غرب إيران والمحاذية لحدودَيْ العراق وتركيا قسماً آخر من إخواننا السنّة فيما يتركز التركمان السنّة في ميناء تركمن وفي شمال شرق إيران وتحديداً في محافظة جلستان.
• مدارس العلوم الدينية
وفقاً للمادة الثانية عشرة من دستور الجمهورية الإسلامية ونظراً للإهتمام الكبير الذي يوليه النظام المقدس للجمهورية الإسلامية فإن إخواننا السنّة ليس فقط لا يعانون من أي عوائق في مجال التربية والتعليم الديني بل أن جهوداً حثيثة ومتواصلة بذلت وتبذل لتوفير كافة الإمكانيات والتسهيلات اللازمة لهم لدراسة العلوم الدينية المطابقة لمذاهبهم.
وإذا ما ألقينا نظرة سريعة على الإحصاءات الخاصة بالمدارس والمعاهد الدينية في المناطق التي يقطنها السنّة في مختلف أرجاء الجمهورية الإسلامية فستكون الصورة واضحة تماماً للعيان بأن هذه المدارس والمعاهد تضاهي الحوزات العلمية الشيعية في البلاد بل تفوقت عليها بمرات في بعض المحافظات قياساً للكثافة السكانية في هذه المحافظات.
وقد ساهم تشكيل مجلس شورى يُعنى بمدارس ومعاهد العلوم الدينية لأهل السنّة في تحديث هذه المدارس والمعاهد من خلال رفدها بالخدمات اللازمة بشكل منسق ومنتظم.
واستجابة لتأكيدات قائد الثورة الإسلامية آية الله العظمى السيد علي الخامنئي على ضرورة توفير الخدمات الأكاديمية العلمية والرعاية الاجتماعية لجميع الحوزات العلمية السنية والشيعية على حد سواء صادق المجلس الأعلى للثورة الثقافية في الجمهورية الإسلامية على تشكيل مجلس أعلى لتطوير المدارس والمعاهد الدينية السنية.
وتقوم الأمانة العامة لهذا المجلس الذي يديره علماء من أهل السنّة في طهران وفي جميع المحافظات السنية في عموم البلاد بمتابعة أمور هذه المدارس والمعاهد والعمل على تطويرها باستمرار في جميع المجالات .
• مركز خدمات الحوزات العلمية
طلبة العلوم الدينية وبالتوكل على الله سبحانه شمروا عن سواعدهم لدراسة هذه العلوم في الحوزات العلمية وكلهم ثقة بالله تعالى بأنه هو الذي يدبر أمورهم ولا ينتظرون الحصول على شيء مادي، إلا إن التفرغ لدراسة هذه العلوم يتطلب وقتاً كافياً وراحة بال، وهذا لا يتم إلا من خلال تأمين متطلباتهم المعيشية لمواجهة الصعوبات التي تواجههم في هذا المجال.
وللتخلص من العوائق المعيشية لطلبة العلوم الدينية السنية عمد مركز خدمات الحوزة العلمية في جميع أنحاء البلاد إلى وضع جميع هؤلاء الطلاب تحت رعايته المباشرة للإستفادة من خدماته الإجتماعية.
ومن جملة هذه الخدمات التأمين على حياة هؤلاء الطلاب، ومنحهم تسهيلات مصرفية وقروض لتسهيل زواجهم، وتخصيص حصة لهم لأداء العمرة، وتأمين متطلباتهم المعيشية من خلال حصة مقررة تمنح لهم على شكل دفعات، وتجهيز مدارسهم ومعاهدهم بأجهزة الحاسوب والمكتبات العامة والتخصصية وغيرها من الخدمات. ويستفيد حالياً أكثر من 30 ألف طالب من إخواننا السنّة من هذه الخدمات.
ويمنح مركز خدمات الحوزة العلمية كذلك جميع أساتذة ومدرسي المعاهد والمدارس الدينية السنية رواتب شهرية شأنهم في ذلك شأن أساتذة الجامعات والمعاهد الأكاديمية في البلاد كلاً حسب اختصاصه ودرجته وشهادته العلمية. كما يحظى كبار السن والأسر اليتيمة من إخواننا السنّة باهتمام هذا المركز وتقدم لهم رواتب شهرية وخدمات خاصة تتناسب مع احتياجاتهم وتليق بشأنهم.
وجميع طلبة المدارس الدينية السنية يُعفون من الخدمة العسكرية وتمنح لهم شهادات تخرج معتبرة بعد إكمال دراساتهم الحوزوية . كما يمنح الطلبة العاملون في إدارات ومؤسسات الدولة وثائق عمل معتبرة وقيِّمة. وهذا الموضوع يحظى باهتمام الكثير من الطلبة.
وساهمت الإمكانات الخدمية والرعاية الاجتماعية التي تقدم لطلبة المدارس والمعاهد الدينية السنية في زيادة نسبة الطلب للمتقدمين للدراسة في هذه المدارس والمعاهد إلى درجة أن الكثير من الأشخاص الذين لم تكن لهم رغبة في دراسة العلوم الدينية بسبب قلة الإمكانيات باتوا يرجحون الدراسة في المدارس والمعاهد الدينية على الدراسة في الجامعات الأكاديمية، وأضحت العوائل السنية تشجع أبناءها على الدراسة الدينية وتفضلها على الدراسة الجامعية.
• مدارس العلوم الدينية في محافظة سيستان وبلوشستان
من المحافظات التي تتميز بكثرة مدارسها ومعاهدها الدينية لإخواننا السنّة في البلاد هي محافظة سيستان وبلوشستان.
وقبل انتصار الثورة الإسلامية كانت المدارس العلمية في هذه المحافظة قليلة ولا يتجاوز عددها أصابع اليد، ويضطر الراغبون بدراسة العلوم الدينية للهجرة إلى الهند وباكستان. وكان مستوى الدراسة في المدارس الدينية بمحافظة سيستان وبلوشستان في حده الأدنى نظراً لقلة الإمكانات وندرة العلماء الجديرين بالاضطلاع بهذا الواجب.
وبعد انتصار الثورة والنمو المضطرد للمدارس الدينية في المحافظة انعدمت الحاجة للهجرة إلى البلدان الأخرى لتلقي العلوم الدينية.
ووصل عدد المدارس والمعاهد والحوزات الدينية في محافظة سيستان وبلوشستان في الوقت الحاضر إلى اكثر من 100 مدرسة وحوزة ومعهد. واستقطب التطور النوعي لهذه الحوزات الكثير من مواطنينا من إخواننا السنّة من مختلف أنحاء البلاد للدراسة في هذه الحوزات التي جذبت إليها أيضاً اهتمام الراغبين بتلقي العلوم الدينية من أفغانستان وإقليم بلوشستان في باكستان.
ويقدر عدد طلبة العلوم الدينية في هذه المحافظة في الوقت الحاضر بـ 7000 شخص في حين كان لا يتجاوز الـ 300 قبل انتصار الثورة الإسلامية.
وتُدرّس العلوم الدينية الآن على أعلى المستويات في المعاهد والحوزات الدينية السنية في هذه المحافظة.
وإلى جانب هذه الحوزات هناك مؤسسات ومراكز ثقافية تنشط في مجال تدريس العلوم الدينية لإخواننا السنّة في محافظة سيستان وبلوشستان. كما تقوم المكتبات المجهزة بأرقى الأجهزة وصالات المطالعة الحديثة بتقديم افضل الخدمات لطلبة هذه العلوم في مختلف أرجاء المحافظة.
• محافظة کردستان
توجد حالياً 26 حوزة علمية في محافظة کردستان تتوزع على مدن مریوان وبانة وسروآباد وسنندج وسقز ودیواندره. وهناك 1300 طالب من إخواننا وأخواتنا السنّة يدرسون العلوم الدينية في هذه الحوزات. وتوجد حالياً 10 مدارس أخرى لا زالت في طور الإنشاء.
• محافظة أذربيجان الغربية
توجد 11 مدرسة لتدريس العلوم الدينية لإخواننا السنّة في محافظة أذربيجان الغربية تتوزع على مدن أرومیة وبوکان ومهاباد ونقدة وبیرانشهر وأشنویة.
• محافظة کرمانشاه
توجد 15 مدرسة حالياً في محافظة کرمانشاه لتدريس العلوم الدينية لـ 200 طالب من إخواننا وأخواتنا السنّة. وهناك أكثر من أربع مدارس دينية في بعض مدن هذه المحافظة.
• محافظة كلستان "جلستان"
في شرق محافظة كلستان "جلستان" أكثر من 120 مدرسة للعلوم الدينية لإخواننا السنّة ويتلقى هذه العلوم 3500 طالب وطالبة في هذه المدارس في الوقت الحاضر.
• محافظة خراسان الرضوية
محافظة خراسان الرضوية وفي ظل الفيوضات الإلهية وعناية الإمام علي بن موسی الرضا عليه السلام تحولت إلى أرض يُمن وسلام للمشتاقين من إخواننا السنّة لدراسة العلوم الدينية. وتوجد الآن 30 مدرسة لتدريس اكثر من 1500 طالب وطالبة في أجواء آمنة مطمئنة ودعم كامل من قيادة ونظام الجمهورية الإسلامية.
• محافظة خراسان الجنوبية
محافظة خراسان الجنوبية فيها الآن 10 مدراس علمية دينية تضم أكثر من 200 طالب وطالبة من إخواننا وأخواتنا السنّة. وهذه المحافظة لم يكن فيها سوى مدرستين قبل انتصار الثورة الإسلامية، وكانت هاتان المدرستان تفتقدان لأبسط الإمكانات التدريسية في ذلك الوقت.
• محافظة خراسان الشمالية
تنشط في محافظة خراسان الشمالية ثلاثون حوزة علمية لتدريس العلوم الدينية السنية وهو عدد لا يمكن مقارنته بما كان قبل انتصار الثورة الإسلامية. ويتلقى العلم يومياً نحو ألف طالب وطالبة من إخواننا وأخواتنا السنّة في هذه الحوزات المنتشرة في مختلف أرجاء المحافظة.
• محافظة هرمزكان "هرمزجان"
يقطن أتباع المذهب الشافعي في إيران مدن بندر عباس وقشم ومیناب وجاسك وبستك وکیش وبندر لنكه "ميناء لنجه" من توابع محافظة هرمزكان "هرمزجان" في جنوب إيران والمطلة على الخليج الفارسي. ولأهل السنّة في هذه المدن مدارس ومراكز علمية خاصة بهم كما في بقية المحافظات.
وفي حين لم يكن عدد المدارس الدينية السنية يتعدى عدد أصابع اليد قبل انتصار الثورة الإسلامية فانه وببركة الجمهورية الإسلامية في إيران واهتمام مسؤوليها وصل هذا العدد إلى 40 مدرسة تتوفر فيها كافة الإمكانيات اللازمة للدراسة والبحث في العلوم الدينية من قبل إخواننا وأخواتنا السنّة.
• محافظة بوشهر
يقطن بعض مواطنينا السنّة في محافظة بوشهر التي تضم 8 مدارس علمية دينية لتدريس 1100 شخص من هؤلاء المواطنين بينهم 700 طالبة.
• محافظة فارس
اختار مواطنونا السنّة في محافظة فارس السكن في المدن الجنوبية لهذه المحافظة التي تضم 20 مركزاً علمياً لتدريس حوالي 1000 طالب وطالبة يومياً من هؤلاء المواطنين الأعزاء في مختلف المراحل.
• محافظة كیلان " جيلان "
تضم محافظة كیلان "جيلان" الواقعة على ساحل بحر الخزر "قزوين" 7 مدارس دينية لمواطنينا السنّة وهي تضم نحو 200 طالب وطالبة.
• حرية ممارسة الشعائر الدينية
من المسائل المهمة في دراسة حقوق الأقليات في إيران ما يتعلق بحريتهم في ممارسة شعائرهم الدينية والمذهبية. فهناك ما يقرب من (13000) مسجد للمواطنين السنّة في الجمهورية الإسلامية ومن خلال عملية حسابية بسيطة يمكن القول أن لكل (500) مواطن سني مسجداً واحداً على الأقل من هذه المساجد.
والإحصائيات الصادرة عن مراكز التحقيق والنشر السنية والمؤسسات التابعة لمنظمة الإعلام الإسلامي في البلاد تشير إلى أن اكثر هذه المساجد يقع في محافظة سیستان وبلوشستان وعددها (3700) مسجد تليها محافظتا كردستان وأذربيجان الغربية واللتان تضمان (2000) و(1500) مسجد على الترتيب.
وعدد المساجد في محافظات كلستان "جلستان" (1560)، وهرمزكان "هرمزجان" (1200)، وخراسان التي تضم ثلاث محافظات (746)، وکرمانشاه (420)، وفارس (290)، وبوشهر (135) وكيلان "جيلان" (95) مسجداً. وهناك العديد من مساجد أهل السنّة في كل من محافظتي کرمان وخوزستان.
وكمثال على الزيادة الحاصلة في عدد المساجد السنية في إيران نشير هنا إلى أن عدد المساجد الموجودة الآن في مدينة زاهدان قد تضاعف (10) مرات مقارنة مع ما كان قبل (32) عاماً.
وتقام صلاة الجمعة لأهل السنّة في (400) مكان في محافظة سیستان وبلوشستان في حين كان هذا الرقم لا يتعدى الـ 11 قبل انتصار الثورة الإسلامية.
وتقام هذه الصلاة في (12) مكاناً في مدينة زاهدان وحدها ويشارك فيها الكثير من إخواننا السنّة.
وجميع أئمة الجمعة ومدرسي وطلاب وخدام مساجد أهل السنّة في محافظة سیستان وبلوشستان يحصلون على رواتب شهرية وهدايا في مختلف المناسبات إضافة إلى رعايتهم من قبل مؤسسة التأمين الاجتماعي في البلاد.
ولا يخضع ائمة وخطباء الجمعة لأهل السنّة لأي ضغوط فيما يقولونه على منبر صلاة الجمعة خلافاً للكثير من الدول التي تملي على خطبائها ما تريد.
• محافظة کردستان
محافظة کردستان الواقعة في غرب إيران هي ثاني محافظة من حيث الكثافة السكانية لأهل السنّة في البلاد وفيها أكثر من (200) مسجد في مختلف ضواحيها والمواطنون السنّة أحرار في ممارسة شعائرهم الدينية والمذهبية في هذه المدينة.
ومن بركات زيارة قائد الثورة الإسلامية آية الله السيد الخامنئي لهذه المدينة عام (2009م) رفع الأذان وفقاً للتوقيت الشرعي لأهل السنّة استجابة لطلب العلماء السنّة في هذه المدينة من سماحته والذي حظي بترحيب واسع من قبل أهالي كردستان.
• محافظة أذربيجان الغربية
ومن المناطق الأخرى التي اختارها مواطنونا السنّة لسكنهم هي محافظة أذربيجان الغربية الواقعة في غرب البلاد وهذه المحافظة تضم (1500) مسجد من مساجد إخواننا السنّة.
• محافظة کرمانشاه
منذ ظهور الإسلام وحتى عام (1978) وهو عام انتصار الثورة الإسلامية لم يكن في محافظة کرمانشاه سوى (95) مسجداً لأهل السنّة ولكنها تبلغ الآن (491) مسجداً في الوقت الحاضر وذلك ببركة انتصار الثورة وقيام نظام الجمهورية الإسلامية المقدس أي ما يعادل أربعة أضعاف العدد السابق.
ويقطن السنّة في محافظة کرمانشاه في مدن جوانرود وروانسر وباوة وباباجاني، ويقيمون (120) صلاة جمعة في مختلف أنحاء المحافظة.
• محافظة هرمزكان " هرمزجان "
مواطنون آخرون من إخواننا السنّة يقطنون في محافظة هرمزكان "هرمزجان" المطلة على الخليج الفارسي، وحسب الإحصائيات المتوفرة هناك (1200) مسجد في هذه المحافظة ويؤمها المواطنون السنّة كل يوم.
• محافظة كلستان "جلستان "
في هذه المحافظة (1500) مسجد لأهل السنّة وتقام فيها يومياً المناسك العبادية بكل نشاط وبهجة.
• محافظة بوشهر
إرتفع عدد المناطق التي تقام فيها صلاة الجمعة في محافظة بوشهر إلى (34) منطقة بعد أن كانت لا تتعدى الثلاثة قبل انتصار الثورة الإسلامية. وفي هذه المحافظة (57) إمام جمعة دائم ومؤقت وجميعهم يحظون بالدعم المعنوي والتأمين الإجتماعي ويتقاضون رواتب شهرية من نظام الجمهورية الإسلامية في إيران.
وهناك مسجداً للسنّة في جزيرة شیف (جزيرة شیخ سعد) في محافظة بوشهر وهو قريب من بندر "ميناء" بوشهر.
• النشاطات الإجتماعية والسياسية
يمثل 18 نائباً المواطنين السنّة في مجلس الشورى الإسلامي وهم منتخبون من قبل سكان (6) محافظات يقطنها إخواننا السنّة، والجدول التالي يبين أسماء هذه المحافظات وأسماء ممثليها في المجلس بدورته التاسعة إضافة إلى النواب الذين مثلوا هذه المحافظات في الدورة الثامنة.
| اسم المحافظة | دورة المجلس الثامنة | دورة المجلس التاسعة |
| کردستان: سقز و بانة | فخرالدین حیدری | محسن بیگلری |
| قروه و دهکلان | سید عماد حسینی | حامد قادر مرزی |
| مریوان و سرو آباد | آقبال محمدی | امید کریمیان |
| سنندج | امین شعبانی | الدور الثانی |
| سنندج | عبدالجبار کرمی | الدور الثانی |
| أذربیجان الغربیة: ارومیه | عابد فتاحی | |
| مهاباد | جلال محمودزاده | عثمان احمدی |
| بوکان | محمد قسیم عثمانی | محمد قسیم عثمانی |
| بیرانشهر و سردشت | محمد علی برتویی | رسول خضری |
| نقده و أشنویه | علی زنجانی حسنلویی | عبدالکریم حسین زاده |
| بلوشستان: زاهدان | بیمان فروزش | ناصر کاشانی |
| خاش | حمید رضا بشنک | حمید رضا بشنک |
| سراوان | عبدالعزیز جمشید زهی | هدایت الله میرمرادزهی |
| جابهار و نیک شهر و کنارک | یعقوب جنکال | یعقوب جنکال |
| ایرانشهر و سرباز | محمد قیوم دهقانی | سعید اربابی |
| کلستان: مینودشت و کلاله | سید نجیب حسینی | عبدالکریم رجبی |
| کرمانشاه: باوه | قدرت الله حسینی | نعمت منوتشهری |
| خراسان الرضویة: خواف | محمد رضا سجادیان | محمود نکهبان سلامی |
كما أن لأهل السنّة ثلاثة ممثلين في مجلس خبراء القيادة الذي يتولى مسؤولية الإشراف على أعلى مقام في الدولة. وهؤلاء الممثلون "النواب" يُنتخبون مباشرة من قبل الشعب حسب مناطق سكناهم. وليس هناك أي قيود أو موانع أمام المواطنين السنّة للعمل في مؤسسات ودوائر الدولة. كما أن الكثير من المسؤوليات في المدن والمحافظات التي يسكنها السنّة هي بيد مواطنين يمثلونهم ومن مذهبهم.
إضافة إلى ذلك بإمكان الأخوة السنّة العمل ضمن المؤسسات العسكرية والأمنية في الدولة.
وفي الوقت الحاضر هناك أكثر من (5000) شخص من إخواننا السنّة أعضاء في قوات حرس الثورة الإسلامية في محافظة كردستان وحدها.
ووفقاً لبعض الإحصائيات هناك أكثر من (60%) من مسؤولي المدن والأقضية التابعة لمحافظة سيستان وبلوشستان وحوالي (98%) من أعضاء مجالس المدن والقرى في هذه المحافظة هم من السنّة أيضاً.
وعدد كبير من محافظي المدن ورؤساء البلديات هو من المذهب السني، إضافة إلى أن الكثير من المدراء العامين ومساعدي المحافظين هم من السنّة أيضاً وهذا الأمر لا نظير له في كل الدول الإسلامية.
والكثير من مدراء المدارس والمفتشين العامين في مديرية التربية والتعليم بمحافظة سيستان وبلوشستان وکردستان هم من السنّة أيضاً.
و(90%) من أعضاء مجالس حل الإختلافات هم من المعتمدين من أهل السنّة في المناطق ذات الأكثرية السنية وهؤلاء ينتخبون ويصادق على أحكام مسؤولياتهم من قبل محاكم المحافظات التي يقطنون فيها.
وخريجو كليات الحقوق من المواطنين السنّة ينتخبون من قبل السلطة القضائية وينسبون إلى المحاكم حسب الحاجة بمنصب مدعي عام مساعد أو محقق أو قاض.
• الخدمات العمرانية والرفاهية الإجتماعية
في هذا الفصل نشير إلى منجزات الثورة الإسلامية في محافظتي کردستان وسيستان وبلوشستان باعتبارهما يضمان أكثر المواطنين السنّة في البلد.
• منجزات الثورة الإسلامية في محافظة کردستان
وتتجلى خدمات الجمهورية الإسلامية بشكل ملموس في هذه المحافظة من خلال ملاحظة النمو المضطرد في بناها التحتية وازدهار مستوى الرفاه الإجتماعي لمواطنيها وتحويلها إلى محافظة متطورة في مختلف المجالات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والزراعية والأمنية.
ويمكن القول بثقة واطمئنان أن هذه المحافظة أصبحت من المحافظات المتقدمة في كافة المجالات لما تشهده من تطور على جميع الأصعدة. فالتطور العمراني والتميز الأمني والإجتماعي المشهود في كردستان يعد من الأهداف المهمة التي سعى النظام الإسلامي إلى تحقيقها. ومن الموارد التي حظيت باهتمام خاص في هذه المحافظة باعتبارها تمثل أساساً مهماً في البنى التحتية هي عملية تعبيد الطرق التي شهدت تطوراً محسوساً في ظل الحكومة في الجمهورية الإسلامية. فهناك أكثر من (2300 كيلومتر) من الطرق المعبدة التي تربط بين الأقضية والقرى التابعة إلى محافظة كردستان وتتصل مع مركز المحافظة، إضافة إلى (750 كيلومتر) هي عبارة عن طرق سريعة داخل المحافظة. وتحظى هذه المحافظة بـ 7 بالمئة من المياه السطحية للبلد والتي يذهب أكثرها إلى المناطق المجاورة والبعيدة خارج المحافظة. وهناك نية لبناء (30) سداً للسيطرة على هذه المياه والإستفادة منها في تطوير القطاع الزراعي والحيواني وتربية الأحياء المائية. ويوجد حالياً (7) سدود تقوم بهذا الغرض إلا أنها لا تسد الحاجة الفعلية للمحافظة .
وبالاستفادة من منابع المياه المسيطر عليها تم تجهيز 40 ألف هكتار من الأراضي الخصبة في هذه المحافظة بنظام الري المضغوط . وقبل انتصار الثورة الإسلامية كانت هناك تسع قرى فقط مجهزة بالطاقة الكهربائية في محافظة كردستان ولكنها بلغت الآن 683 قرية ببركة الثورة الإسلامية. ومن المؤشرات الأخرى على التقدم الذي أحرزته محافظة كردستان هو التطور الكبير الذي شهدته في مجال مد أنابيب الغاز الطبيعي إلى الأقضية والقرى التابعة لهذه المحافظة. وتعد كردستان واحدة من ثلاث محافظات كبيرة في إيران من حيث نسبة الإستفادة من الغاز الطبيعي والتي بلغت (99.6) بالمئة في هذه المحافظة. و63٪ من سكان قرى هذه المحافظة والبالغة 624 قرية يستفيدون حالياً من نعمة الغاز الطبيعي. وهناك 48 محطة لوقود الغاز الطبيعي المضغوط " CNG " تنشط في هذه المحافظة إضافة إلى 10 مدن صناعية تستفيد بالكامل من شبكة الغاز الطبيعي في المحافظة. وببركة الجمهورية الإسلامية الإيرانية يوجد حالياً 960 وحدة صناعية كبيرة وصغيرة في هذه المحافظة والتي وفرت فرص عمل لـ 15870 شخص في عموم المحافظة. ويعد مصنع الصلب في مدينة قروة الذي وفر 1800 فرصة عمل ويبلغ إنتاجه السنوي 70 ألف طن من سبائك الحديد ، ومعملا الإسمنت والجرارات الزراعية في مدينتي بيجار وسنندج من الصناعات الرئيسية في محافظة كردستان. وتحتضن هذه المحافظة الثقافية في الوقت الحاضر أكثر من 65 ألف طالب وطالبة يتلقون العلم في أكثر من 250 فرع ومرحلة دراسية في 37 مركزاً جامعياً وأكاديمياً. أي ما يعادل نحو 4.5 بالمائة من مجموع سكان هذه المحافظة. وكانت نسبة المتعلمين في هذه المحافظة لا تتجاوز 29 بالمئة قبل انتصار الثورة الإسلامية، في حين وصلت هذه النسبة إلى 90 بالمئة في الوقت الحاضر. أما في مجال الرعاية الصحية والعلاجية فكان عدد الأطباء في هذه المحافظة قبل انتصار الثورة الإسلامية 99 طبيباً و35 أخصائياً في حين وصل عددهم إلى 300 طبيب أخصائي و20 طبيباً (بورد) و135 طبيب أسنان في الوقت الحاضر. ويوجد حالياً 621 بيتاً صحياً و75 مركزاً صحياً قروياً و66 عيادة و12 مستشفى تضم 1626 سريراً لتقديم الخدمات الطبية لسكان هذه المحافظة.
• منجزات الثورة الإسلامية في محافظة سیستان وبلوشستان
قبل انتصار الثورة الإسلامية كانت أكثر مناطق هذه المحافظة خصوصاً الريفية والنائية منها لم يصلها العمران وتفتقد إلى المدارس وتكثر فيها الأمية بسبب الإهمال. ومعظم سكان هذه المحافظة ممن تجاوز الـ 40 عاماً والذين يقطنون المناطق الريفية كانوا أميين ولم تكن لهم القدرة على التعلم والحصول على المعرفة. وبعد انتصار الثورة الإسلامية، وإنشاء المؤسسات الثقافية وازدهار مستوى التربية والتعليم في المناطق الريفية والعشائرية في المحافظة زادت نسبة المتعلمين في هذه المحافظة ووصل عددهم إلى 802-825 شخصاً من مجموع 124-860 شخصاً من مختلف الفئات العمرية "من ستة أعوام وصاعداً" وفقاً لإحصائيات مركز إحصاء إيران لعام (1997).
ونسبة المتعلمين بين النساء أكثر من الرجال، حيث وصل عدد المتعلمين من الرجال إلى 487-336 رجلاً والمتعلمات من النساء إلى 338-466 امرأة. وبسبب عدم وجود مدارس للبنات ومدرسات في المناطق الريفية والعشائرية التابعة لهذه المحافظة في السنوات التي سبقت انتصار الثورة الإسلامية بقيت غالبية نساء هذه المحافظة أميات. وكانت جامعة سيستان وبلوشستان في مركز المحافظة هي الوحيدة في زمن النظام البهلوي في هذه المحافظة وكان عدد الطلاب فيها من غير السكان الأصليين والقادمين من مختلف مناطق البلاد محدود جداً. ولكن بعد انتصار الثورة وإنشاء جامعة زاهدان للعلوم الطبية، وجامعة "بيام نور"، والجامعة الحرة الإسلامية في مدن زاهدان و إیرانشهر وزابل وباقي مدن المحافظة عُبِّدَ الطريق لتطوير الجوانب الثقافية والاجتماعية في المحافظة.
• نظرة على التطور والإزدهار الذي تحقق في سيستان وبلوشستان خلال السنوات الأربعة والثلاثين الماضية من عمر الثورة الإسلامية
تبلغ مساحة محافظة سيستان وبلوشستان 187500 كيلومتراً مربعاً، أي ما يعادل 11.4 بالمئة من المساحة الكلية لإيران.
ومن خلال نظرة سريعة إلى مؤشرات التقدم الذي تحقق في هذه المحافظة بعد انتصار الثورة الإسلامية نستطيع أن نكتشف مدى الإهتمام الذي يوليه نظام الجمهورية الإسلامية للقضاء على الفقر والحرمان في هذه المنطقة. والنمو الذي بلغت نسبته 90 بالمئة في قطاع التعليم وتزايد عدد المدارس في سيستان وبلوشستان إلى عشرة أضعاف يبين حجم الإهتمام والتطور الذي حصل في إعداد البنى التحتية اللازمة لتدريب وتخريج الكوادر البشرية في هذا القطاع. والنمو الحاصل في شبكات إيصال مياه الشرب إلى القرى والذي بلغت نسبته 99 بالمئة، وكذلك في مجال نصب الهواتف الثابتة بنسبة 70 بالمئة وفي عدد المستشفيات بنسبة 140بالمئة والبيوت الصحية بنسبة 96 بالمئة وزيادة عدد المراكز الصحية إلى سبعة أضعاف لا يمثل إلا جزءاً يسيراً من هذه الخدمات.
وزودت محافظة سيستان وبلوشستان بشبكة طرق واسعة تتناسب مع حجم التطور الصناعي والزراعي في المحافظة، حيث زاد مجموع الطرق التي تربط الأرياف في هذه المحافظة إلى 50 ضعفاً والطرق المعبدة إلى أربعة أضعاف. كما شهد قطاع الصيد تطوراً بنسبة 75 بالمئة وزاد عدد المدن الصناعية إلى أربعة أضعاف. ووفقاً لإحصاءات مؤسسة تحديث وتطوير وتجهيز مدارس سيستان وبلوشستان توجد حالياً 3200 مدرسة تشتمل على 15450 صفاً في هذه المحافظة.
وهناك أكثر من (80 ألف) طالب جامعي يدرسون حالياً في أكثر من 40 مركزاً للتعليم العالي في هذه المحافظة التي شهدت أيضاً تطوراً ملحوظاً للبنية التحتية بعد انتصار الثورة الإسلامية ولاسيما في مجالي الطرق وسكك الحديد والقطاعين الجوي والبحري وصناعة السفن وفتح أسواق حدودية وغيرها من المجالات. وهذه المحافظة فيها اكثر من 2000 منطقة مسكونة، أكثر من 95 بالمئة منها مزودة بالكهرباء وأكثر من 85 بالمئة منها مزودة بمياه الشرب، في حين هذه الإحصائيات معكوسة في زمن النظام السابق. ومعظم الطرق المؤدية إلى القرى في سيستان وبلوشستان معبدة وتتوفر فيها البيوت الصحية والعيادات الطبية. وتشهد أقضية هذه المحافظة تطوراً ملحوظاً في المجالات الرياضية والتعليمية والثقافية والأكاديمية إلى درجة أن المراكز الجامعية لمدينة جابهار " شاباهار " التابعة للمحافظة تستقبل طلاباً من جميع أنحاء العالم.
ومنذ انتصار الثورة الإسلامية اهتمت الجمهورية الإسلامية بدعم ذوي الدخل المحدود. وتشكلت بأمر مؤسس الجمهورية الإسلامية الإمام الخميني رحمة الله عليه لجنة إغاثة سميت باسمه لمساعدة المحتاجين. وشملت هذه العناية المحافظات السنية وقامت لجنة الإغاثة بنشاطات متميزة في هذه المحافظات. ويعمل الآن 700 ألف شخص من إخواننا السنّة في هذه اللجنة لمساعدة نحو (75000) عائلة في محافظة سيستان وبلوشستان وقرابة (50000) عائلة في محافظة كردستان و(30000) في محافظة أذربيجان من المواطنين السنّة. وتحصل هذه العوائل على مرتبات شهرية من هذه اللجنة. وتتنوع أشكال الدعم التي تقوم بها لجنة الإغاثة بتقديم المساعدة للأعمال المنزلية التي تديرها النساء المعيلات لأسرهن ومنحهن قروضاً بلا فوائد، وتحمّل نفقات طلبة الجامعات المعوزين وتهيئة متطلبات الزواج لبنات هذه الأسر وغيرها من الخدمات. وعلى سبيل المثال يستفيد اكثر 133 ألف شخص من خدمات لجنة الإغاثة في محافظة كردستان وحدها. ولجنة الإمام الخميني للإغاثة تقدم دعمها لجميع المحتاجين دون النظر إلى انتماءاتهم السياسية أو دينهم أو مذهبهم أو قوميتهم بل إن هذه المؤسسية ذات الطابع الثوري تسعى لخدمة مختلف الشرائح بصدق وأمانة. وكون الشخص شيعياً أو سنياً ليس معياراً لتقديم الخدمات له من قبل هذه المؤسسة المقدسة والهدف الأساس في هذه الخدمة هو التغلب على المشاكل التي تواجه المحتاجين وإزالة العقبات عن طريق المسلمين. وتقدم الخدمات الواسعة من قبل هذه المؤسسة المقدسة بأشكال مختلفة في الوقت الحاضر بينها بناء المساكن للمحتاجين وتوفير فرص العمل لهم وتهيئة متطلبات الزواج لهم وكل ما شأنه أن يمكنهم للتغلب على مشاكلهم. ويستفيد من الخدمات المختلفة التي تقدمها لجنة الإمام الخميني رحمة الله عليه للإغاثة في الوقت الحاضر 10 بالمائة من مجموع نفوس محافظة كردستان ونحو 17 ألف طالب وطالبة، و26 ألف امرأة معيلة لأسرة و7000 يتيم تقل أعمارهم عن 15 عاماً.
وقد وفرت لجنة الإمام الخميني رحمة الله عليه 18900 فرصة عمل للمحتاجين المشمولين برعايتها في هذه المحافظة منذ تأسيسها وحتى الآن.
• أهل السنة والثورة الإسلامية
في هذا القسم سنتطرق إلى دور السنّة في بلورة وانتصار الثورة الإسلامية وما بعدها.
ويمكن توضيح ذلك من خلال تقسيم البحث إلى ثلاثة أقسام أو ثلاث مراحل:
1 – قبل انتصار الثورة الإسلامية وأثناء فترة النضال.
2- خلال سنوات الدفاع المقدس والحرب التي فرضها الإستكبار العالمي على الجمهورية الإسلامية في ثمانينات القرن الماضي.
3 – المشاركة في الانتخابات والمسيرات الداعمة للثورة الإسلامية.
فأهل السنّة في إيران يحبون الإسلام ومن الدعاة لإقرار العدالة في زمن الشاه المقبور بعد أن تعرضوا للظلم والإجحاف على يد السلطة الغاشمة في ذلك الزمان. وبسبب ابتعاد مناطق سكناهم عن مركز البلاد وتركيز دولة الشاه على العاصمة فقط تعرض الأخوة السنّة إلى الحرمان من أبسط حقوقهم ومن الحد الأدنى من الإمكانات اللازمة لنيل الراحة والإستقرار. وكان السنّة يشعرون بهذا الحرمان بكل وجودهم. وقد أدى إهمال الجهاز الحاكم في زمن الشاه للمناطق المحرومة إلى أن تكون حياتهم في المناطق الحدودية صعبة للغاية. ولهذا تصاعدت وتيرة الإستياء والسخط في أوساط الشعب. وبعثت نهضة الإمام الخميني رحمة الله عليه التي انطلقت من الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة بصيص أمل في قلوب أهل السنّة التواقة للانعتاق من الظلم والحرمان. واختار السنّة الإمام لأن يكون قائداً ثورياً لهم بعد أن لمسوا فيه مواصفات الإنسان والرجل المعبّر عنهم وعن طموحاتهم. ومنذ ذلك الوقت بدأوا يساندون نضاله وثورته. وزاد الشاه من ضغوطه على أهل السنّة خصوصاً علمائهم واغلق العديد من حوزاتهم الدينية لأنه لم يكن يتصور أن يقفوا إلى جانب المجاهدين الثوار ويساندوا نضالهم. وإعلان التضامن مع الثورة الإسلامية من قبل علماء السنّة من الطراز الأول في محافظتي سيستان وخراسان الجنوبية من الأمور التي سجلها التاريخ لأهل السنّة في إيران. وأبرز مثال لتضامن السنّة مع الثوار ومساندتهم للنضال الثوري تجلى في الإستقبال والتواصل والتعاون الصادق من قبل الاخوة السنّة في مدينة إيرانشهر أثناء نفي أحد أبرز المجاهدين الثوريين إلى هذه المدينة. فالنظام الحاكم في ذلك الوقت ولأجل زيادة الضغط على الثوار وبث الفرقة بينهم عمد إلى نفي عالم الدين المجاهد سماحة آية الله السيد الخامنئي إلى مدينة إيرانشهر لإلحاق الهزيمة بالثوار. فنظام الشاه الظالم كان يتصور أن مدينة إيرانشهر ولكونها منطقة سنية ستكون مكاناً مناسباً لنفي قائد الثورة إليها ليكون هذا العالم الشيعي المجاهد في مأزق اجتماعي ونفسي، ولهذا نفاه إلى هذه المدينة. ولكن هذا النظام لم يكن في حسبانه أن هذا النفي سرعان ما سيتحول إلى علاقة صميمية وأواصر ودية للغاية بينه وبين أهل السنّة في هذه المدينة بسبب الحب العميق والإخلاص والمشاعر الدينية الصادقة التي يتحلى بها أهل هذه المدينة.
ويذكر قائد الثورة الإسلامية علاقته هذه مع أهل السنّة بحفاوة وتقدير ويشير إلى ذلك بالقول "أنا لم أكن أشعر بالوحدة والغربة في إيرانشهر".
• بعد انتصار الثورة الإسلامية
في بداية انتصار الثورة الإسلامية كان الأعداء يشيعون بأن هذه الثورة هي ثورة شيعية وكانوا يتوقعون أن أهل السنّة لا يتضامنون معها، إلا أن مؤسس الجمهورية الإسلامية الإمام الخميني رحمة الله عليه بعقيدته الراسخة وإدراكه الثاقب لمؤامرة العدو ورداً على أحد الصحفيين عندما سأله هل أن ثورتكم ثورة شيعية فأجابه الإمام: "ثورتنا إسلامية." وتيقن الأخوة السنّة عند ذلك وأكثر من أي وقت مضى بأن الثورة الإسلامية هي ثورتهم. ولهذا اعتبروا المشاركة في ترسيخ أسس نظام الجمهورية الإسلامية من واجباتهم ولم يألوا جهداً في الدفاع عن المكاسب التي تحققت في سنوات الجهاد والنضال. ومن المصاديق البارزة لمشاركة السنّة في الدفاع عن القيم والمثل العليا للجمهورية الإسلامية هي مشاركتهم الفعّالة في جبهات الحرب في زمن الدفاع المقدس جنباً إلى جنب مع إخوانهم الشيعة. والإحصائيات المتوفرة حول حجم مشاركة أهل السنّة في قوات حرس الثورة الإسلامية والجيش وقوات التعبئة الشعبية والمتطوعين الآخرين بصفة فدائيين خاصة في محافظة كردستان وتصديهم لعناصر (الكوملة) دليل واضح على صدق هذا المدعى. وتضحيتهم بأكثر من (5500) شهيد لنصرة الثورة الإسلامية تبين بوضوح أن أهل السنة لم يخدعوا بشائعات الأعداء اليائسة.
• المشاركة في الانتخابات والمسيرات
إحدى المظاهر البارزة للمشاركة الفعّالة لأي شعب في تقرير مصيره والتي تبيّن مدى إخلاصه وحبه لدولته وحكومته هي المشاركة في الانتخابات. فالمشاركة في الانتخابات من جانب أي فئة أو قومية كلما كانت أكثر فعالية ونشاطاً تشير إلى مشروعية ومقبولية النظام الحاكم في البلد. وطبقاً للوثائق المتوفرة فإن محافظتي كردستان وسيستان وبلوشستان اللتان يقطنهما أكبر عدد من أهل السنّة في البلاد تبيّن أنهما الأكثر مشاركة في الانتخابات التي أجريت بعد انتصار الثورة الإسلامية. وكان للأخوة السنّة حضور واسع في جميع المسيرات التي شهدتها البلاد بعد انتصار الثورة جنباً إلى جنب مع إخوانهم الشيعة، وبهذه المشاركة أعلنوا عن مدى حبهم وتضامنهم مع النظام الإسلامي.





























