دروس في معرفة الشيعة والتشيُّع

قيم هذا المقال
(0 صوت)
دروس في معرفة الشيعة والتشيُّع

مقدَّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ التشيُّع بالمعنی الخاص هو: الإيمان بوجود النص من الکتاب والسنَّة على إمامة الإمام علي(ع) وسائر الأئمة من ولده، والقول بعصمتهم، ولذا فالفرقة الشيعية الأصلية والأصيلة هي الفرقة الإمامية الإثني عشرية التي نشأت من بداية الإسلام واستمرَّت إلی يومنا هذا، وقد انشعب منها سائر الفرق التي يمکن إدخالها في المفهوم العام للتشيُّع، وإنَّ الهدف من عرض هذه السلسلة من البحوث حول الشيعة والتشيُّع هو التعريف بهذا المذهب وهويته التاريخية والعقائدية وجلاء الضباب الذي حجب الرؤية الواضحة لشيعة أهل البيت(ع)عن أنظارسائر المسلمين من المذاهب المختلفة خاصَّة الباحثين منهم ممَّا سبَّب كثيراً من الجهلِ والخَلط والعداء علی مرِّ العصور. و لعلَّ بهذه المعرفةِ الأولية نخطو خطوة نحو إزالة تلک الحُجُب ممَّا يساهم في تقارب الآراء وتأليفِ القلوب، وجمعِ الكلمة علی الهُدی والصَواب، و لتكون مجرد مؤشر لمن يريد التوسع ويبحث عن حقيقة عقائد هذا المذهب الأصيل بعيداً عن الأهواء والتضليل والأقاويل.

أسأل الله العلي القدير أن يتقبَّل منَّا هذا الجُهد المتواضع بأحسن قبول، وأن ينفع بثوابه أرواح جميع المؤمنين لاسيَّما علماء الدين، وآخردعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلَّى الله على نبيه محمد وآله الطاهرين، لا سيما مولانا الإمام المهدي المنتظر(عج) أمل المحرومين والمستضعفين.

«وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ....»([1]).

 

مدخل البحث
إفتراق الاُمَّة الإسلامية وعواملها
لقد وقعت الإنشعابات في جميع الأديان السماوية وغير السماوية، وافترقت الاُمم إلی مذاهب وفرق، ودين الإسلام وأتباعه لم يسلَم من هذا الإنشعاب والإفتراق وقد أخبر النبي(ص) بهذا الإفتراق بقوله: «إنَّ اُمَّة موسى افترقت بعده على إحدى و سبعين فرقة، فرقة منها ناجية و سبعون في النَّار و افترقت اُمَّة عيسى (ع) بعده على اثنتين و سبعين فرقة، فرقة منها ناجية و إحدى و سبعون في النَّار و إن اُمتي ستفترِق بعدي على ثلاث و سبعين فرقة، فرقة منها ناجية و إثنتان و سبعون في النَّار»([2]). و لسنا في صدد تحقيق سند الحديث، أوإحصاء الفرق المذکورة وتعيين الفرقة الناجية منها، وقد وصفها رسول الله(ص) وحدَّدها بنفسه وکلُّ من يبحث في أحاديثه يجدها، خاصَّة حديث الثقلين وحديث تشبيه أهل البيت بسفينة نوح، والأمر المتفق عليه بين المسلمين أنَّ الفرقة المتمسکة بالکتاب والسنة هي الفرقة الناجية بأيِّ إسم من الأسماء ظهرت، ولا ريب أنَّ من السنة محبَّة أهل البيت(ع) والإقتداء بهم، فالمتمسِّک بهم والراکب في سفينتهم ينجو لامحالة، کما نصَّت عليه الآيات والروايات. ولکن وللأسف لم يرکب المسلمون تلک السفينة إلاَّ القليل فوقع الإختلاف بينهم بعد لحوق النبي الأكرم(ص) بالرفيق الأعلى فصارت الأُمّة فرقتين باقيتين إلى الآن فرقة قائلة بأنّ منصب الإمامة وخلافة المسلمين بعد رسول الله(ص) هو منصب إلهي وأنّ الإمام يقوم بالوظائف التي كانت على عاتق النبي(ص) من تبيين الأحكام الشرعية وتفسير كتاب اللَّه وصيانة الدين مضافاً إلى إدارة المجتمع واُمور الناس والتي يعبر عنها بالخلافة أوالحكومة الإسلامية، وقد قام النبي(ص) قبل رحيله بتعيين علي بن أبي طالب(ع) لهذا المنصب. والفرقة الاُخری تقول بأنّ منصب الإمامة والخلافة منصب عادي يجب أن يقوم به واحد من آحاد الأُمّة لإدارة المسلمين و اُمور المجتمع الإسلامي سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وغير ذلك، وأنّه لم يرد في أمر الخلافة نص على شخص معين بل هو موکول إلی الاُمَّة تختار من تشاء عن طريق أهل الحل والعقد وبالشوری بينهم ثمَّ البيعة من قبل الناس، وهؤلاء هم الموسومون بأهل السنّة. وکان هذا الإختلاف بين الشيعة والسُّنة في کيفية إدارة النظام الإسلامي بعد النبي(ص) في الواقع يرجع إلی العقيدة في الإمامة والخلافة بعده(ص) وهي من اُمَّهات المسائل الخلافية، وهکذا استمرَّ الخلاف في المسائل الکلامية وحتَّی الفقهية، فجماعة أهل السنة افترقوا إلی عدة  فرق کلامية،(أهل الحديث ،الأشاعرة والمعتزلة) ، وافترقت بعد ذلک إلی مذاهب فقهية أربعة (الحنفي، المالکي، الشافعي، الحنبلي).

وکذلک افترقت الشيعة إلی عدة مذاهب کلامية أشهرها الفرق الثلاث الباقية إلی يومنا هذا وهي: الإمامية الاثني عشرية، الزيدية، الإسماعيلية، وفي الفقه کل اتبع مذهباً خاصَّاً به، فالإمامية علی المذهب الجعفري، والزيدية والإسماعيلية علی مذهب فقهي مختلط.

أمَّا فرقة الخوارج التي ظهرت في القرن الأول فلايعترف بهم أهل السنة ولا الشيعة فهم کانوا في برزخ يتخبَّطون، وقد انقرضوا وما بقي منهم إلاَّ القليل ،وقد تشعب منهم المذهب الأباظي وهو يختلف معهم في الاُصول و الفروع و قد تطور و أصبح مذهباً مستقلاً وأکثرمايقطن أتباعه حالياً في سلطنة عمان.

إذن كبار المذاهب الکلامية التي نشأت في صدر الإسلام لا تتجاوز الأربع: 1- المعتزلة (القدرية)  2- أهل الحديث والأشاعرة (وهم الصفاتية) 3- الشيعة (وهم العدلية) 4- الخوارج.

والمهم في مايتعلق بالبحث ومايناسب الموضوع أن نتعرَّف علی الشيعة وفرقها، ولکي تکون دراسة هذه البحوث مترابطة بعضها مع بعض منطقياً و تاريخياً  ليسهل فهمَها  نعرضنها ضمن دروس متتالية، ولکن قبل الخوض في صلب الموضوع لابدَّ من معرفة علل وأسباب نشأة تلک المذاهب والفِرَق وتکوينها وإنتشارها في المجتمع الإسلامي فنلخصها في الاُمور التالية:

أسباب نشأة المذاهب والفِرَق الإسلامية
أولاً- التعصبات القبلية والاتجاهات الحزبية: وبتلک الاتجاهات و التعصبات اجتمع عدد قليل من المهاجرين والأوسيين في سقيفة بني ساعدة واغتنموا فرصة عدم وجود الإمام علي(ع) بينهم حيث کان مشغولاً بتجهيز النبي(ص) ودفنه فاختاروا أبابکر خليفة عليهم، ومن ذلک اليوم افترق الناس بين المؤيد لهکذا خلافة وهم جمع غفير من المسلمين وقد اشتهروا بعد ذلک بأهل السنة، وبين مخالف لهم وهم القائلون بتعين ونصب الإمام علي(ع) بالخلافة من قبل الله ورسوله وقد اشتهروا بشيعة علي(ع) أي: أتباعه.

ثانياً- سوءالفهم لحقائق الدين واعوجاج التفكير: ومن هؤلاء: فرقة الخوارج التي ظهرت بعد حرب  صفين وبعد قضية التحکيم وقد زعموا أنّ مسألة التحكيم تخالف قوله سبحانه: «إِنِ الحُكْمُ إِلّاللَّه»([3])، وقد كان لظهور الخوارج أثر بارز في حدوث الفتن وظهور الحوادث الأُخر في المجتمع الإسلامي، وقد نجمت منها المُرجئة حيث إنّ الإرجاء بمعنى التَّأخير، قال سبحانه: «أَرْجه وَأَخاهُ وَأَرسل فِي المدَائنِ حاشِرين» ([4]). وأساس إختلاف هذه الفرقة وبداية ظهورها کان في أمر علي(ع) وعثمان، فالخوارج كانوا يحترمون الخليفتين أبا بكر وعمر ويبغضون علياً وعثمان، على خلاف أكثرية المسلمين، ولكن المُرجئة الأُولى لمَّا لم يوفقوا لحلّ هذه المشكلة التجأوا إلى القول بالإرجاء فقالوا: نحن نقدّم أمر أبي بكر وعمر، ونؤخّر أمر الآخرين إلى يوم القيامة، فصارت المرجئة فرقة نابتة من خلاف الخوارج في أمر الخليفتين، والعامل لتكوّنها كأصلها، هو سوء الفهم واعوجاج التفكير.

هذا هو أصل الإرجاء، ولكنّه قد نسي هذا المعنی للإرجاء في عصره وأخذ المعنی الآخر مكانه، و هو كون العمل داخلًا في الإيمان أو لا؟ وبعبارة أُخرى: هل مرتكب الكبيرة مؤمن أو لا؟ ذهبت الخوارج إلى دخول العمل في صميم الإيمان، فصار مرتكب الكبيرة كافراً، وذهبت المُرجئة الأُولى إلى خروج العمل من الإيمان، فصار مرتكب الكبيرة مؤمناً وأنّ إيمانه كإيمان الملائكة والأنبياء بحجّة عدم دخالة العمل في الإيمان، فاشتهروا بالقول: «قدّموا الإيمان وأخّروا العمل» فصار هذا أصلًا وأساساً ثانوياً للمرجئة، فكلّما اُطلقت المرجئة لا يتبادر منها إلّا هؤلاء.

إنّ الاكتفاء في تفسير الإيمان بالشهادة اللفظية أو المعرفة القلبية، وأنّ‏ عصاة المؤمنين لا يُعذَّبون أصلًا، وانّ النار للكافرين‏ واقتحام الكبائر لا يضر أبداً، فكرة خاطئة تسير بالمجتمع وخصوصاً الشباب فيه إلى الخلاعة والانحلال الأخلاقي وترك القيم. ولمَّا كان مذهب الإرجاء لصالح السلطة الأموية أخذت تروّجه وتسانده.

ثالثاً: المنع عن كتابة حديث رسول اللَّه(ص) ونقله: لقد خسر الإسلام والمسلمون خسارة عظمى‏ من جرّاء حظر تدوين الحديث ونشره بل التحدّث عنه بعد رسول اللَّه(ص) إلى عهد المنصور العباسي، وسبَّب الخلافات و الإفتراقات بين الاُمة الإسلامية، لأنَّ النَّبي(ص) قد أخبر بکثير من القضايا و بيَّن الحق من الباطل منها، وحدَّد المنهاج الصحيح للاُمَّة لکي لا تفترق وأمرها أن ترکب سفينة نوح لتنجو من الغرق وبذلک شخَّص الفرقة الناجية، ولکن بعض هذه الأحاديث اُوِّلت وبعضها حُرِّفت وبعضها حُذِفت ومُنِعت من الکتابة فکانت الکارثة الکبری علی الإسلام والطَّامة العظمی علی المسلمين، وسبَّب ذلک تفرُّقهم إلی مذاهب وفرق.

رابعاً: فسح المجال للأحبار والرهبان والفرس للتحدّث عن قصصهم وأفکارهم: إنّ الفراغ الذي خلَّفه منعُ کتابةِ الحديث، أوجد أرضيةً مناسبةً لظهور بِدَعٍ يهوديةٍ، وسخافاتٍ مسيحيةٍ، وأساطير مجوسية، خاصَّة من ناحية كَهَنةِ اليهُود، ورُهبان النصارى الذين افتعلوا أحاديثَ كثيرة ونسبوها إلى الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام كما افتعلوا على لسان النبي الأكرم(ص) الأساطير، يقول الشهرستاني:«وضع كثير من اليهُود الذين اعتنقوا الإسلام، أحاديث متعددة في مسائل التجسيم والتشبيه، وهي كلُّها مستمدة من التوراة». ويقول جولد تسيهر في هذا المضمار في كتابه (العقيدة والشريعة):« هناك جمل أخذت من العهد القديم والعهد الجديد وأقوال للربانيّين، أو مأخوذة من الأناجيل الموضوعة وتعاليم من الفلسفة اليونانية، وأقوال من حكم الفرس والهنود، كلّ ذلك أخذ مكانه في الإسلام عن طريق الحديث...» ([5]).

خامساً: الإحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري بين المسلمين وغيرهم: مضى النبي الأكرم (ص) إلى جوار ربِّّه وقام المسلمون بعده بفتح البلاد ومكافحة الأُمم المخالفة للإسلام والسيطرة على أقطارها، وكانت تلك الأُمم ذات حضارة وثقافة في المعارف والعلوم والآداب، وكان بين المسلمين رجال ذوو دراية و رغبة في كسب العلوم وتعلم ما في تلك الحضارات من آداب وفنون فأدّت هذه الرغبة إلى المذاكرة، ونقل كتبهم إلى اللغة العربية، فصار ذلك سبباً لانتقال كثيرمن آراء الرومان والفرس والبربر والهنود إلى المجتمع الإسلامي وانتشارها بينهم، ولا شكّ أنّ بين تلك المعارف ما كان يضاد مبادئ الإسلام وأُسُسُه، وكان بين المسلمين من لم يتدّرع في مقابلها ومنهم من لم يتوّرع في أخذ الفاسد منها فأقبلوا عليها وتبنّوها، أمثال: ابن أبي العوجاء، ويحيى بن زياد، ومطيع بن أياس، وعبد اللَّه بن المقفع، فهؤلاء وغيرهم  اهتموا بنشر الفکرالإلتقاطي بين المسلّمين، وكانوا ينشرون آراءهم علناً ويهاجمون بها عقائد المؤمنين.

سادساً: الاجتهاد في مقابل النصّ: إذا كانت العوامل الماضية من عوامل تكوِّن المذاهب الكلامية فالاجتهاد في مقابل النص ممّا يتكَّون به المذاهب الكلامية والفقهية، فنرى أنّ الأُمّة بعد رسول اللَّه(ص) رجعوا إلى كلّ صحابي وتابعي وإلى من أدرك صحبة النبي(ص) ولو شهراً أو أقلّ ومع ذلك أعرضوا عن أهل بيته وعترته، فأُسّست في ظل هذا العامل المذاهب الفقهية فاجتهدوا في إسقاط سهم المؤلّفة قلوبهم من الزكاة و إسقاط سهم ذوي القربى من الخمس مع النصّ عليه في محكمات الفرقان وصحاح والسنن، ونهوا عن متعة الحجّ و متعة النساء مع وجود النصوص علی حليتها. وأسقطوا «حي على خير العمل» من الأذان والإقامة مع كونه جزءاً من كلّ منهما. إلى غير ذلك من الموارد التي جمعها العلّامة السيد شرف الدين العاملي في كتابه «النص والاجتهاد».

هذه هي أهمِّ الاُمور التي سبَّبت الإفتراق بين المسلمين وتکوين المذاهب والفرق بينهم، وعلی هذا الأساس ومن هذا المنطلق والمدخل ينبغي دراسة المذاهب و الفرق الإسلامية ومنها البحث حول الشيعة وفرقها، وبهدف التعرف علی هويتها التاريخية والعقائدية وجلاء الضباب الذي حجب الرؤية الواضحة عنها زمناً طويلاً حتَّی عن الباحثين ممَّا سبَّب كثيراً من الجهلِ والخَلط والعِداء ([6]).

الشيخ أيوب الحائري

الهوامش:
([1]) التوبة: 105.
([2]) الخصال 2: 585 ،عن الحسين بن علي بن أبي طالب( ع). وقدنقل الحديث بأسانيد اُخری ونصوص ومضامين مختلفة.
([3]) يوسف:40.
([4]) الأعراف: 111.
([5]) العقيدة والشريعة في الإسلام للمستشرق «جولد تسيهر»:  43، وراجع أضواء على السنّة المحمدية، لأبي ريَّه : 190.
([6]) إقتباس من موسوعة «الملل والنحل»  لآية الله السبحاني(دام ظله) مع تصرف في العبارات وتلخيص وإضافات . 

قراءة 1906 مرة

أضف تعليق


كود امني
تحديث