ملابسات استهداف ناقلة النفط الإيرانية في البحر الأحمر

قيم هذا المقال
(0 صوت)
ملابسات استهداف ناقلة النفط الإيرانية في البحر الأحمر

نور الدين اسكندر

هذا الاستهداف يجد تفسيراً منطقياً له إذا ما ربطناه بالمحاولات الإسرائيلية المستمرة منذ أشهر لتفجير المنطقة، وتهشيم حالة الحذر الهشّة التي تمر بها.

 

ملابسات استهداف ناقلة النفط الإيرانية في البحر الأحمر

في اللحظة التي اشتعلت فيها ساحة جديدة في المنطقة، مع دخول تركيا إلى شرق الفرات واقتحامها مناطق الكرد في الشمال السوري، شهد البحر الأحمر حدثاً بالغ الخطورة والدلالة.
استهداف طال ناقلة نفطٍ إيرانية كانت تبحر في مياه البحر الأحمر، وأدى إلى أضرارٍ فيها أرغمتها على الإبحار ببطء نحو مياه الخليج.
في المكان، وقع الحدث في مياه البحر الأحمر بالقرب من مدينة جدة السعودية. وفي دلالة المكان، وإلى جانب قربه من السعودية، فإن مياه البحر الأحمر ظلّت في الآونة الأخيرة مجالاً لتركيز أميركي وإسرائيلي على حركة العبور فيه، مع محاولاتٍ دائمة لمنع أي تواجد إيراني هناك، إن كان عن طريق العلاقات الثنائية مع الدول المشاطئة له، أو حتى من خلال العبور المريح الذي يعتبر حقاً للدول في المياه الدولية.
هذه المحاولات أكدها الجمعة المتحدث باسم الخارجية الإيرانية عباس موسوي حين أعلن أن ناقلات النفط الإيرانية تعرضت خلال الأشهر الماضية لعمليات تخريبية في البحر الأحمر.
وما يعزز المعاني المتضمنة في هذا الحدث، إعلان الولايات المتحدة بعد ساعاتٍ من استهداف ناقلة النفط الإيرانية عن إرسال قاذفات وطائرات إلى السعودية "لتعزيز الردع ضد إيران"، كما صرّح وزير الدفاع الأميركي.
خطوة أميركية تصعيدية في المنطقة قال عنها المبعوث الأميركي الخاص بشأن إيران براين هوك، إنها "تحمي مصالحنا ومصالح حلفائنا وتردع إيران"، معتبراً أن إرسال المعدات العسكرية والجنود إلى السعودية سيجعلها في موقع أفضل.
الإشارات التي يحملها خبر إرسال المعدات والجنود إلى السعودية، وتلك التي يحملها تفجير ناقلة النفط الإيرانية، تعبّر عن حاجة السعودية المستمرة إلى الحماية الأميركية، واستنادها إليها في تأمين أمنها، ومشروعها في المنطقة، وذلك بخلاف ما تروج له في المنطقة على أنها قادرة على الدفاع عن نفسها، بل الانتصار في حربٍ تشنها ضد اليمن.
ومن جانبٍ آخر، فإن هذا الاستهداف يجد تفسيراً منطقياً له إذا ما ربطناه بالمحاولات الإسرائيلية المستمرة منذ أشهر لتفجير المنطقة، وتهشيم حالة الحذر الهشّة التي تمر بها، وتحويلها إلى حربٍ طاحنة بين أميركا والسعودية من جهة، وإيران من جهةٍ أخرى.
ففي الأشهر الماضية حاولت إسرائيل دفع الجميع نحو الحرب من خلال أعمال أمنية عدائية نفذتها في العراق وسوريا ولبنان، وهي لم تتمكن من جر إدارة ترامب إلى الحرب من خلال حلفائها داخل إدارته، بل انقلب السحر عليهم، فأقيل جون بولتون، وتم ترويض مايك بومبيو، وفهم الآخرون خطورة الخيار العسكري.
يتعزز هذا المنطق بالنظر إلى المحاولات الإسرائيلية الدائمة لتكريس نفوذها في وسيطرتها على البحر الأحمر، ومنع أية قوة معادية من التواجد فيه. بالإضافة إلى معطيات مستجدة تحدثت عنها الصحف الإسرائيلية في اليومين الماضيين، مفادها أن الإسرائيليين خائفون من تخلي الأميركيين عنهم، كما فعلوا بحلفائهم الكرد. وبالتالي فإن من مصلحة "إسرائيل" السعي إلى خلط الأوراق وزج واشنطن في خياراتها الخاصة من خلال تفجير حربٍ مع إيران.

لكن تفجير ناقلة النفط الإيرانية يؤشر أيضاً إلى انزعاج محور الحصار على إيران الذي تقوده واشنطن من استمرار قدرة طهران على تصدير نفطها على الرغم من وصول استراتيجية الضغوط القصوى التي تمارسها واشنطن عليها إلى أقسى ما يمكن لها أن تفعله. وبالتالي فإن استمرار ناقلات النفط الإيرانية بالعمل والإبحار عبر الممرات الدولية يعتبر فشلاً أميركياً يحرج الرئيس دونالد ترامب من جهة، ويساعد طهران على التأقلم مع مرحلة الضغوط القصوى الجديدة من جهةٍ أخرى، مع دخول ولاية ترامب عامها الأخير خلال الشهر الجاري، ما يعني وقوع الرئيس الأميركي تحت ضغط الحاجة إلى قطف ثمرة ضغوطه ضد إيران قبل انتهاء ولايته، خصوصاً وأنه يواجه مساراً داخلياً متصاعداً لمحاكمته وعزله، الأمر الذي قد يشكل تهديداً لفرصه بولايةٍ ثانية.
لكن الجانب الأكثر إثارة للغرابة في هذه المسألة، هو إصرار الإدارة الأميركية على ممارسة القوة متفلتةً من كل الضوابط الأخلاقية والقانونية، وبعيداً من الأعراف الدولية وآليات حل الخلاف المعتمدة.
فإلى جانب الشكوك التي يمكن إدراجها حول الطرف المستفيد من تفجير ناقلة النفط الإيرانية، يصرّح هوك بأن رسالة بلاده لإيران هي الدعوة للتصرف مثل باقي الدول أو مشاهدة اقتصادها ينهار. هي اذن ممارسةٌ للبلطجة العلنية من قبل واشنطن، واعتراف مباشر باستخدام سلاح تجويع الشعوب لتطويع مواقفها الخارجية. فماذا يعني "التصرف مثل باقي الدول"؟ بالنسبة إلى الأميركيين هذا يعني التصرف وفق الرغبة الأميركية.
هوك الذي قال إن زيارة وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان إلى واشنطن "مهمة جداً"، أوضح المسألة بقوله هذا. السعودية تستأجر تهديداً جديداً من إدارة ترامب لإيران، تمت ترجمته من خلال إرسال المعدات والجنود الى السعودية، كما من خلال تصريحات هوك، أما الحاجة إليه فهي متصلة بفشل الرياض في كل مكان حاولت فيه مواجهة طهران.

قراءة 50 مرة

أضف تعليق


كود امني
تحديث