آية اللّه الأعرافيّ: القائد الشهيد كان مهندس صناعة القوّة لإيران.. والشعب ماضٍ في الثأر لدم القائد الشهيد

قيم هذا المقال
(0 صوت)
آية اللّه الأعرافيّ: القائد الشهيد كان مهندس صناعة القوّة لإيران.. والشعب ماضٍ في الثأر لدم القائد الشهيد

ألقى آية اللّه عليرضا الأعرافيّ، مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة، كلمةً مساء أمس (19 أغسطس 2026م) خلال مراسم أربعينيّة تشييع ودفن جثمان القائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه)، التي أُقيمت برعاية قائد الثورة الإسلاميّة سماحة آية اللّه السيّد مجتبى الخامنئي (حفظه اللّه) في المرقد المطهّر للسيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام).

 واستهلّ سماحته كلمته بتلاوة آياتٍ من القرآن الكريم والصلاة على محمّدٍ وآل محمّدٍ (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)، معزّيًا باستشهاد الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) إلى العلماء والمراجع العظام والحاضرين في المراسم الموجودين في جوار الروضة الملكوتيّة للسيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام)، ومُهنّئًا بحلول ذكرى بدء إمامة وليّ اللّه الأعظم الإمام المهديّ (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف).

كما أحيا سماحته ذكرى الأولياء الإلهيّين والشهداء الأبرار، ولا سيّما شهداء الحرب المفروضة والدفاع المقدّس وفي مقدّمتهم القائد الشهيد العزيز، وأرسل الصلوات على أرواحهم الطاهرة.

وأعرب عن تقديره لحضور المراجع العظام، وأعضاء بيت الإمام الراحل، وممثّلي قائد الثورة الإسلاميّة، والشخصيّات العلميّة، وأعضاء مجلس خبراء القيادة، وأعضاء جماعة المدرّسين، وأعضاء المجلس الأعلى للحوزات العلميّة، وسائر المؤسّسات العلميّة والحوزويّة والجامعيّة والثقافيّة، وقال: أودّ في مستهلّ كلامي أن أتطرّق بإيجازٍ إلى الظروف الراهنة، ثمّ أتناول محورين من سيرة القائد الشهيد ونهجه المبارك.

الثأر لدم القائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه) ليس قضيّةً شخصيّةً

وقال آية اللّه الأعرافيّ: إنّنا ما زلنا نعيش في حدادٍ على قائدنا العزيز، ونطالب بالثأر له ولسائر الشهداء الأبرار، ونقف ثابتين على عهدنا في الاقتصاص لدمائهم الطاهرة الزكيّة.

وأضاف: يجب التأكيد والتذكير بأنّ الثأر لدم قائدنا الشهيد والانتقام من أعداء استقلال إيران والأمّة الإسلاميّة، ليسا قضيّةً شخصيّةً، بل هما ثأر الأمّة الإسلاميّة بأسرها.

وتابع: إنّ هذه المطالبة هي المطالبة بدم سيّد الشهداء وجميع المظلومين في العالم، ولا ينبغي المغالطة في هذه الحقيقة. فمطالبة الشعب الإيرانيّ العظيم وجبهة المقاومة بالقصاص لدم القائد الشهيد وسائر الشهداء الأجلّاء ليست قضيّةً شخصيّةً حتّى يعارضها أحدٌ.

وأضاف: إنّ هذا الثأر هو ثأر شعبٍ بأكمله، وثأر المستضعفين في العالم، ونحن ثابتون على عهدنا في هذا الثأر، وشعبنا يواصل هذا العهد متمسّكًا بتوجيهات قائد الثورة الإسلاميّة.

وصرّح قائلًا: إنّ ستّة أشهر ليست شيئًا، بل حتّى لو امتدّ الأمر ستّ سنواتٍ، فإنّ هذا الشعب سيظلّ حاضرًا في الميدان، وفيًّا لنهج سيّد الشهداء، ومتمسّكًا بالثأر للقائد الشهيد (رضوان اللّه تعالى عليه).

وقال معربًا عن تقديره للشعب الإيرانيّ: طوبى لهذا الشعب الذي لا يزال يقف بكلّ قلبه وروحه وبكلّ ما يملك من عزيمةٍ وحماسةٍ، في ميدان الدفاع عن الإسلام ومبادئ الشهداء. إنّ يد اللّه معكم، وبفضل اللّه تعالى ستواصلون السير في هذا الدرب.

القائد الشهيد؛ شخصيّةٌ جامعةٌ متعدّدة الأبعاد

وفي معرض حديثه عن شخصية القائد الشهيد، قال آية اللّه الأعرافيّ: إنّ المقدّمة الأولى في الحديث عن شهيدنا الكبير تتمثّل في أنّ الشخصيّات التي نطالعها في صفحات التاريخ ونسعى إلى تقييمها قد تكون أحيانًا ذات بعدٍ واحدٍ أو بعدين أو ثلاثة أبعادٍ، غير أنّنا نواجه في بعض الأحيان شخصيّةً تتّسم بتعدّد أبعادها وتنوّع ملامحها، بحيث تتجلّى في آفاقٍ متعدّدةٍ وتكتنز خصائص متنوّعةً.

وأضاف قائلًا: إنّ القائد الشهيد كان من تلك الشخصيّات النيّرة والمشرقة التي امتازت بتعدّد أبعادها في العلم والمعرفة والكفاءة والإدارة والقيادة. وعندما نتناول الشخصيّات الأخرى بالتحليل، فإنّنا نحتاج إلى كثيرٍ من التأمّل والتدقيق لاكتشاف بعض جوانب عظمتها وإبرازها، أمّا حين نقف أمام هذه القامة السامقة، فإنّنا نجد من الإشراق والتألّق في هذه الشخصيّة العزيزة الكريمة ما يدعونا إلى التروّي والتفكير مليًّا: أيُّ خصلةٍ نختار من هذه المنظومة الزاخرة بالمكارم؟ وأيُّ فضيلةٍ ننتقي من هذه المجرّة الحافلة بالفضائل والمزايا الكثيرة لنسلّط عليها الضوء؟

وتابع: إنّ قائدنا الشهيد كان من تلك الشخصيّات الجامعة والمتسامية، التي تميّزت بتعدّد أبعادها وتكامل خصائصها؛ وهي شخصيّةٌ تستدعي عقد عشرات الندوات وإقامة العديد من المحاضرات، لاستجلاء معالمها وبيان مختلف جوانبها وإبراز منزلتها السامية.

وصرّح آية اللّه الأعرافيّ قائلًا: إنّ شموليّة شخصيّة القائد الشهيد وتألّق تلك الشخصيّة المتعالية وما اتّسمت به من خصائص ومزايا بلغت من السموّ والرفعة حدًّا يجعلنا مبهورين أمام هذه المنظومة المتكاملة من الفضائل.

وتابع: اقلبوا صفحات تاريخ المنطقة وتاريخ إيران على مدى آلاف السنين؛ وبصرف النظر عن الأبعاد الدينيّة، فإنّنا لا نجد في عظمة الإمام الراحل وعظمة قائدنا الشهيد أحدًا في مثل هذا المستوى.

وأضاف مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة: إنّ الشعب الإيراني العظيم كان له شرفٌ أن يحظى، في بلاده وفي ظلّ الثورة الإسلاميّة، بمثل هؤلاء الرجال العظام الفريدين والمتعاليّين. ونحن مستعدّون لمقارنة الحياة العلميّة والإيمانيّة والأخلاقيّة وجهاد هؤلاء القادة العظام بجميع القادة الذين سبقوهم في إيران والمنطقة. فبإمكاننا أن نثبت أنّ إمامَي الثورة الإسلاميّة كانا يتمتّعان بعظمةٍ ومجدٍ وتألّقٍ منقطع النظير، بحيث لا يمكن العثور على نظيرٍ لهما في مكانٍ آخر.

القائد الشهيد؛ الجامع بين الفكر والعمل

وفي سياق حديثه، أشار آية اللّه الأعرافيّ إلى سمةٍ أخرى من سمات القائد الشهيد، موضحًا: يمكن تقسيم قادة الدول إلى قسمين أو ثلاثة أقسامٍ؛ فبعض القادة أصحاب الفكر والرأي، لكنّهم ليسوا على قدرٍ كبيرٍ من القوّة في ميدان العمل والإدارة. وهناك قسمٌ آخر، وهو فئةٌ كبيرةٌ من القادة والمديرين، يكون قويًّا في ميدان العمل، لكنّه يفتقر إلى القوّة في المبادئ الفكريّة والمعرفيّة. وهناك قسمٌ قليلٌ من القادة يتمتّع بالقوّة والرسوخ في الفكر والرأي، وفي الوقت نفسه يكون مقتدرًا وحاذقًا في ميدان العمل والإدارة والقيادة، وكان قائدنا الشهيد من قبيل هذا القسم.

وأفاد مدير الحوزات العلميّة الإيرانيّة بأنّ القائد الشهيد كان قائدًا عظيمًا وقف طوال حياته النورانيّة إلى جانب الإسلام، وضحّى بنفسه من أجل الشعب، وكان جامعًا بين الفكر والعمل. وإنّه جمع بين ثلاث مزايا كبرى وهي:

 أوّلًا: كان منظّرًا ومؤسّسًا للنظريّة الإسلاميّة

وقال آية اللّه الأعرافيّ موضحًا: كان قائدنا الشهيد منظّرًا إسلاميًّا ومؤسّسًا للنظريّة الإسلاميّة، وتزخر منظومته ومنطقه وخطابه بعالمٍ واسعٍ من النظريّات في مجال الحوكمة الإسلاميّة. فعلى مدى ما يقارب أربعة عقودٍ، طرح سماحته عشرات النظريّات العميقة في الحوكمة الإسلامية بمجالاتها المختلفة.

وتابع: إنّ هذا المقام ليس مقام بسط الحديث في هذا الشأن، لكنّ القائد الشهيد كان يمتلك نظريّاتٍ وأفكارًا متنوّعةً في مجالات الاجتماع والثقافة والاقتصاد والسياسة. وإنّه لو لم يكن قائدًا، لكان منظّرًا، ومرجعًا للتقليد، وعالمًا بارعًا، وصاحب رصيدٍ وافرٍ من النظريّات في الحوكمة الإسلاميّة، في مسار بناء الحضارة الإسلاميّة. كان هذا القائد منظّرًا وصاحب معرفةٍ ومؤسّسًا للنظريّة في سبيل الإسلام.

ثانيًا: كان مهندسًا ميدانيًّا وقائدًا عمليًّا

وأوضح: لقد كان القائد الجليل، إلى جانب كونه منظّرًا، مهندسًا ميدانيًّا وقائدًا عمليًّا؛ إذ كان ينقل النظريّة من دائرة الفكر والمنطق إلى ميدان العمل والواقع، وسأشير إلى بعض نتائج ذلك. فقد كان القائد الشهيد مُنظّرًا ومهندسًا ميدانيًّا وقائدًا للحركات والتيّارات، وصانعًا للشبكات العمليّة والميدانيّة لتحقيق الحوكمة الإسلاميّة.

ثالثًا: كان مهندسًا لصناعة القوّة

وقال موضحًا: إنّ الميزة الثالثة لقائدنا الشهيد تمثّلت في أنّ مشروعه لم يتوقّف عند حدود التنظير وبناء الأطر العمليّة؛ بل استطاع أن يحوّل النظريّات الإسلاميّة والهندسة الميدانيّة إلى إنتاج القوّة في ميادين المجتمع والثقافة والعلم والمعرفة والدفاع.

وتابع: هناك قادةٌ يصنعون الهيبة ويؤسّسون للاقتدار، غير أنّ قائدنا الشهيد، إلى جانب امتلاكه هاتين الميزتين العظيمتين؛ التنظير والقيادة الميدانيّة، كان مهندسًا لإنتاج القوّة؛ تلك القوّة التي يقف العالم اليوم مبهورًا أمامها.

وأضاف: إنّ قوّة هذا الشعب المبعوث هي ثمرة تلك القيادة وتلك الهندسة التي أرسى دعائمها ذلك القائد العظيم. فهو الذي منحنا هذه القدرة والتمكّن، وهو الذي بثّ فينا روح العزيمة والثقة، وهو الذي صنع عناصر القوّة لإيران ولمحور المقاومة وللأمّة الإسلاميّة.

القائد الشهيد؛ مهندس إنتاج الاقتدار لإيران والأمّة الإسلاميّة

وقال آية اللّه الأعرافيّ: لقد سجّلتُ هنا ستّ ساحاتٍ في مجال إنتاج القوّة والقيادة للقائد الشهيد، وسأكتفي بالإشارة إلى واحدة أو اثنتين منها. لقد كان قائدنا الشهيد مهندسًا لإنتاج الاقتدار لنا ولكم وللأمّة الإسلاميّة، وأسهم في ترسيخ عناصر القوّة والاقتدار في شتّى الميادين والأبعاد.

الاقتدار العلميّ والتقنيّ؛ الساحة الأولى للقوّة

واعتبر عضو المجلس الأعلى للحوزات العلميّة أنّ إحدى الساحات الهامّة للاقتدار هي الاقتدار العلميّ والتقنيّ، قائلًا: إنّ هذه القضيّة بالغة الأهميّة. وأدعو شبابنا الأعزّاء والأكاديميّين وأبناء شعبنا الشريف إلى أن يتعلّموا من القائد الشهيد نهج بناء الاقتدار العلميّ والتقنيّ، وأن يواصلوا السير في هذا الطريق.

وأضاف: أيّها الإخوة والأخوات، لقد تخلّفت الأمّة الإسلاميّة عن ركب الاقتدار العلميّ والتقنيّ طوال مئتي عامٍ. وقد عانينا سنواتٍ وقرونًا من التبعيّة العلميّة والتقنيّة للغرب، وكانت شؤوننا العلميّة والفنيّة كلّها مرتهنةً بالغرب.

وتابع إمام جمعة قم: واليوم أيضًا يعاني العالم الإسلاميّ من التبعيّة على نطاقٍ واسعٍ؛ غير أنّ قائدنا الشهيد انتهج طوال نحو أربعين عامًا من زعامته الإلهيّة وولايته نهجًا راسخًا وثابتًا، تمثّل في بناء الاقتدار العلميّ والتقنيّ لإيران.

وفي تبيين مرتكزات هذا النهج، قال آية اللّه الأعرافيّ: كان سماحته يعتقد أنّ جامعاتنا وحوزاتنا العلميّة ونخبنا ومجتمعنا العلميّ والتقنيّ ينبغي أن تتحرّك على تخوم المعرفة والتقنية، وأن تواكب أحدث ما بلغته العلوم والتقنيات. وثانيًا، كان يؤكّد أنّ هذه المعرفة والتقنية ينبغي أن تنبعا من عقولٍ إيرانيّةٍ ومسلمةٍ، وأن تستندا إلى أحدث منجزات المعرفة. وثالثًا، كان يؤكّد ضرورة أن نتحرّك بروحٍ جهاديّةٍ، وأن نسلك المسارات المختصرة، ونخترق حدود المعرفة، ونتغلّب على مظاهر التخلّف التاريخيّ. هذه كانت مبادئٌ ثابتةٌ عمل على ترسيخها؛ فالحفاظ على النخب، واعتماد مقاربةٍ إسلاميّةٍ في العلوم الإنسانيّة، والاهتمام بالاستقلال العلميّ والتقنيّ، كانت من المرتكزات الأساسيّة في مشروع القائد الشهيد لبناء الاقتدار العلميّ والتقنيّ.

وأضاف: لقد لاحظتم مرارًا كيف كان ذلك القائد الجليل يزجر المسؤولين وينبّههم بحزمٍ، وقد بادر إلى تأسيس معاونيّة الشؤون العلميّة وتعزيزها، وكان يحثّ على دعم مراكز العلم والمعرفة، ويتابع هذا الملفّ باستمرارٍ. وكان سماحته يسأل مرارًا عن مرتبتنا العلميّة والتقنيّة في العالم، وكان يحذّر بحسّاسيّةٍ بالغةٍ من أن نتخلّف عن ركب التقدّم العلميّ في المنطقة والعالم.

تعويض التخلّف التاريخيّ الذي امتدّ قرنين في إيران

وقال مدير الحوزات العلميّة: إنّ التخلّف الذي عانت منه إيران على مدى قرنين جرى تداركه إلى حدٍّ كبيرٍ بفضل همّته، ونلمس ثمار ذلك في مجال التكنولوجيا النوويّة، والخلايا الجذعيّة، والعلوم المعرفيّة، والتقنيات المتقدّمة والذكيّة، وتكنولوجيا النانو، والصناعات الدوائيّة، وسائر الطاقات والقدرات التي تفجّرت من مواهب شبابنا ونخبنا وعلمائنا؛ حتى غدت إيران دولةً متقدّمةً ومستقلّةً علميًّا.

وأضاف مخاطبًا الشباب: تذكّروا أيّها الشباب الأعزّاء والإخوة والأخوات الكرام، أنّنا كنّا نعاني التبعيّة والتخلّف في شتّى المجالات. فجاءت هذه الثورة، وجاء الإمام الراحل والقائد الشهيد، فعملا على توطين العلوم والتقنيات المتقدّمة، وجعلا إيران دولةً مستقلّةً في مسيرة الجهاد العلميّ.

وتابع: أحيانًا كنت ألتقي ببعض الشخصيّات غير الإيرانيّة وألمس مدى دهشتهم واستغرابهم من هذا الأمر؛ إذ كانوا يتساءلون كيف لبلدٍ يرزح تحت العقوبات والحصار والحرب أن يحقّق مثل هذا التقدّم في مختلف الصناعات، وأن يطوّر التقنية النوويّة بالاعتماد على نفسه وبسواعد أبنائه؟

واعتبر آية اللّه الأعرافيّ هذا الأمر من عجائب العصر، قائلاً: هذا من الأمور الخارقة والعجيبة في زماننا. وقد لاحظتم أنّه كان يغضب أحيانًا في بعض الاجتماعات عندما كانت الإحصاءات والأرقام تشير إلى تراجع ترتيب إيران العلميّ في المنطقة ولو بمقدارٍ يسيرٍ. لقد كان عاشقًا لهذا الشعب وللأمّة الإسلاميّة ولإيران العزيزة، وكان يريد لإيران أن تتبوّأ الصدارة في المنطقة.

وأضاف: لقد قطعت إيران خطواتٍ كبيرةً في هذا المسار، وكان القائد الشهيد لا يتهاون في هذا الشأن ولا يقبل بالتراجع عنه. وإنّ منجزات هذا المسار وثماره لا تكاد تُحصى، ولا بدّ لنا اليوم أيضًا من مواصلة السير في هذا الطريق والمضيّ فيه قدمًا.

الاقتدار الدفاعيّ والعسكريّ؛ الساحة الثانية للقوّة

وانتقل آية اللّه الأعرافيّ إلى الساحة الثانية من الاقتدار، أي الاقتدار الدفاعيّ والعسكريّ، قائلاً: نعلم أنّنا كنّا شعبًا حين تعرّضت بلادنا للهجوم من قِبل الأجانب في الحرب العالميّة الثانية، انهارت منظومتنا الدفاعيّة بأكملها في غضون ساعاتٍ قليلةٍ. فتنحّى قادة الجيش والفرق العسكريّة جميعًا، ونزعوا رتبهم العسكريّة وفرّوا، كما فرّ الشاه الملعون من البلاد. واضطربت أوضاع البلاد برمّتها رغم أنّنا لم نكن طرفًا في الحرب أصلًا. هكذا كان حال اقتدارنا آنذاك؛ فقد انهارت ترسانتنا العسكريّة برمّتها، وتهاوى اقتدارنا الدفاعيّ بأكمله أمام موجةٍ واحدةٍ.

وتابع: لقد أثبت التاريخ مرارًا هذه الحقيقة؛ ففي أحداث 28 مرداد (19 أغسطس 1953م)، جاءت موجةٌ؛ ففرّ الشاه، وتراجع الجميع وانكفأوا، ثمّ جاء الأمريكيّون فأنقذوهم وأعادوا فرضهم على الشعب وحكموا البلاد من خلالهم. وكانت قوّاتنا الجوّيّة والبحريّة والعسكريّة جميعها تابعةً ومحتاجةً، ولم تكن لها أيّ قيمةٍ من دون أوامرهم وإرادتهم. أمّا قائدنا الشهيد، فقد أرسى الاقتدار الدفاعيّ على أساس عقيدةٍ عسكريّةٍ متقدّمةٍ جدًّا.

الدفاع، لا الحرب والعدوان

وقال عضو فقهاء مجلس صيانة الدستور الإيرانيّ: كان أحد المبادئ الراسخة أنّنا لسنا دعاة حربٍ ولا نسعى إلى إشعالها، ولكن إذا اقتضى الأمر الدفاع، فإنّنا نمضي فيه حتّى الرمق الأخير، ولا نتراجع قيد أنملةٍ. وقد وقف القائد الشهيد في وجه الأفكار التي كانت تدعو إلى التراجع والتخلّي عن السلاح والصواريخ.

وأشار إلى طرح بعض النظريّات الداعية إلى التخلّي عن التقدّم التسليحيّ قائلًا: قبل عشرين أو ثلاثين عامًا، طُرحت فكرةٌ ونظريّةٌ مفادها أنّه لا ينبغي لنا الدخول في مجال التقدّم التسليحيّ؛ فتصوّروا لو أنّنا استسلمنا لهذه النظريّة قبل ثلاثين عامًا، فأين كنّا اليوم؟ كنّا نرزح اليوم تحت وطأة المذلّة والهوان.

وقال مؤكّدًا: إنّ سماحته وقف بحزمٍ في وجه نظريّة تجريد البلاد من السلاح، والتعويل على حسن النيّات، والانسحاب من إنتاج الأسلحة والمعدّات الدفاعيّة.

الدفاع الذكي واستشراف المستقبل العسكريّ

وأشار آية اللّه الأعرافيّ إلى النهج الدفاعي الذي اتبعه القائد الشهيد: وكذلك تبنّي نهج الدفاع الذكي والردع الهجوميّ؛ فمن آخر ما قاله القائد الشهيد: «إذا دخلتم في الحرب، فهذه الحرب لن تقتصر على إيران، بل ستشمل المنطقة برُمّتها». نحن لسنا دعاة حربٍ، ولكن عند الدفاع سنكون مهاجمين وسنجعل حياة أعدائنا جحيمًا.

وأضاف مؤكّدًا: إنّ ما اتّسم به هذا القائد الكبير من ذكاءٍ استراتيجيٍّ، واستشرافٍ للمستقبل، وقدرةٍ على التنبّؤ، وقيادةٍ رشيدةٍ في المجالين الدفاعيّ والعسكريّ، جعل من إيران قوّةً فريدةً في المنطقة، وبلدًا رائدًا على مستوى العالم.

وتابع: لقد جعل سماحته إيران القوّة الوحيدة التي وقفت في وجه أقوى جيوش العالم، وبفضل اللّه تعالى وبتوجيهات قائد الثورة الإسلاميّة وتضحيات القوّات المسلّحة، فإنّ هذا التفوّق والصمود في مواجهة أعداء الإسلام وإيران سيستمرّان ويتواصلان.

إرساء منظومةٍ دفاعيّةٍ مستقلّةٍ وعلميّةٍ وشعبيّةٍ

وقال آية اللّه الأعرافيّ: إنّ قائدنا الشهيد دفع بالصناعات العسكريّة والمعدّات الدفاعيّة نحو الاستقلال، وعمل على إعداد الكوادر القياديّة وتأهيل أفراد القوّات المسلّحة، ووجّه إيمانهم وعزّز دوافعهم، بما أسهم في ترسيخ جاهزيتهم وقدرتهم على أداء مهامّهم.

وأضاف: جعل سماحته الدفاع قائمًا على أسسٍ علميّةٍ، وأرسى دعائم دفاعٍ شعبيٍّ قوامه مشاركة الجماهير وإيمانها، ويرتكز على العلم والمعرفة، وذلك من خلال التعبئة الشعبيّة. وقد رُسمت معالم هذه المنظومة الدفاعيّة بدموع العين ومرارة المعاناة، وبُنيت بتضحياتٍ جسامٍ.

وتابع: إن من ثمار ذلك صمودكم في الميدان على مدى ستّة أشهرٍ، ومن ثمار ذلك أيضًا التألّق الذي أظهرته قوّاتنا المسلّحة على الساحة العالميّة، وكذلك ما أصاب ترامب وأعداء إيران ومحور المقاومة من عجزٍ وتخبّطٍ واستيصالٍ. وسيستمرّ هذا الطريق، بفضل اللّه تعالى، في ظلّ وحدتنا المقدّسة والاقتداء بتوجيهات قائد الثورة الإسلاميّة.

تجديد العهد مع مبادئ القائد الشهيد والثورة الإسلاميّة

وقال آية اللّه الأعرافيّ: إنّنا نجدّد العهد الليلة هنا، في رحاب السيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام)، مع قائد الثورة الإسلاميّة، بأنّنا سنظلّ ثابتين حتّى الرمق الأخير على نهج القائد الشهيد والإمام الراحل العظيم، متمسّكين بمبادئ الثورة الإسلاميّة وماضين عليها حتّى آخر قطرةٍ من دمائنا.

وأضاف: لقد أشرت إلى ساحتين من ساحات هذا الاقتدار، إلّا أنّ على مسؤولي الحكومة ومجلس الشورى الإسلاميّ والقوى التنفيذيّة وجميع أبناء هذا الوطن أن يواصلوا مسيرة استقلال إيران وعظمتها، وأن يمضوا قدمًا في ترسيخ اقتدارها الشامل في المجالات الثقافيّة والعلميّة والإيمانيّة والجهاديّة والدفاعيّة.

ضرورة مواصلة نهج الاستقلال والاقتدار في جميع مؤسّسات الدولة

وشدّد آية اللّه الأعرافيّ على عدم التراجع عن هذه المبادئ قائلًا: ينبغي أن يصدح شعار "هيهات منّا الذلّة" في أرجاء السلطة القضائيّة، وأن يتغلغل في أعماق دوائرنا وأجهزتنا ومؤسّساتنا، وأن يمتدّ صداه إلى أعماق الحوزات العلميّة والجامعات ومؤسّسات التربية والتعليم، ليغدو واقعًا متجسّدًا فيها.

وأضاف مدير الحوزات العلميّة: لا رجعة لنا عن هذا الطريق. وعلى الجميع أن يواصلوا، بوحدةٍ إلهيّةٍ وقلوبٍ قويّةٍ وإراداتٍ راسخةٍ، نهج ذلك القائد في ظلّ توجيهات قائد الثورة الإسلاميّة. وإنّنا نعلن هذه الليلة من هنا أنّ هذا الشعب في كافة أرجاء إيران، والمخلصين للثورة الإسلاميّة في مختلف أنحاء المنطقة والعالم، والمستضعفين في أرجاء المعمورة، ثابتون على عهدهم بالوقوف في وجه قوى الاستكبار ومواصلة نهج القائد الشهيد؛ ونجدّد اليوم عهدنا وميثاقنا بأنّنا ماضون في هذا الطريق وثابتون عليه.

وفي ختام كلمته، ثمّن آية اللّه الأعرافيّ حضور أبناء الشعب والعلماء والأساتذة والشخصيّات من إيران وسائر البلدان في هذه المراسم، وقال: أجدّد الترحيب بحضوركم جميعًا، أيّها الإخوة والأخوات الكرام، وبحضور الشخصيّات العزيزة القادمة من إيران وسائر البلدان، وأعلن من جديدٍ البيعة والعهد مع الإمام الراحل، والقائد العزيز الشهيد، وقائد الثورة الإسلاميّة، والتمسّك بمبادئهم ونهجهم.

قراءة 8 مرة