في لحظة تاريخية فارقة، يواجه النظام الدولي "أحادية القطب" اختباراً وجودياً على ضفاف مضيق هرمز. وبينما يتحدث البيت الأبيض بلغة "الحرب"، تكشف التحركات الدبلوماسية الأخيرة عن حقيقة مغايرة؛ واشنطن لم تعد تملك زمام المبادرة، وهي اليوم تطرق أبواب الخصوم والحلفاء على حد سواء، بحثاً عن مخرج من "الفخ الجيوسياسي" الذي نصبته لنفسها.
أولاً: "هرمز" يفرض معادلة الردع الشامل
أثبتت التطورات الأخيرة أن القوة العسكرية الغربية، رغم ضجيجها، وقفت عاجزة أمام "الإرادة السيادية" في أهم ممر مائي بالعالم.
الفشل التقني والميداني: لم تفلح التهديدات الأمريكية في تأمين عبور ناقلة واحدة دون "إذن" القوى الإقليمية الفاعلة، مما جعل سلاح "الحصار البحري" يرتد ليخنق الاقتصاد العالمي الذي تقوده واشنطن.
تحطم أسطورة "الحماية": إحجام شركات التأمين والشركات الملاحية الدولية عن الثقة بالوعود الأمريكية عكس حقيقة أن "المظلة الأطلسية" باتت مثقوبة، وغير قادرة على مواجهة تكتيكات "الردع الذكي".
ثانياً: استجداء "التدخل" من بكين يساوي اعتراف بالهزيمة
تأتي دعوات دونالد ترامب للصين ودول أخرى لإرسال قطعها البحرية لفك "العقدة" في مضيق هرمز كاعتراف صريح بعجز البحرية الأمريكية.
الاستنجاد بالخصم: حين يطلب ترامب من بكين التدليل على قوتها في ممر مائي حيوي، فهو يقر رسمياً بأن مفاتيح الاستقرار الطاقي لم تعد في "المكتب البيضاوي"، بل في العواصم التي تملك علاقات استراتيجية متوازنة مع القوى الصاعدة في غرب آسيا.
قلب الطاولة على الناتو: محاولة واشنطن إشراك الصين وفرنسا وبريطانيا في "مهمة انتحارية" لتأمين الملاحة، تهدف لتوريط هذه القوى في مواجهة لا تريدها، لكنها في الواقع كشفت أن واشنطن لم تعد قادرة على دفع فاتورة "الشرطي العالمي" بمفردها.
اللعب على حافة العجز: ترامب الذي طالما هدد الصين تجارياً، يظهر اليوم في ثوب "المتوسل" لاستقرار إمدادات الطاقة، مدركاً أن أي فشل في فتح المضيق يعني انهياراً كاملاً لخططه الاقتصادية الداخلية.
ثالثاً: الانقسام الأطلسي
أظهرت ردود الفعل الباردة من الحلفاء الأوروبيين تجاه "النداء الأمريكي" أن الناتو يعيش حالة من "التفسخ الاستراتيجي":
رفض التبعية العمياء: دول كبرى في الحلف باتت تفضل الحوار مع القوى الإقليمية (وعلى رأسها طهران) على الانجرار خلف مغامرات ترامب غير المحسوبة، إدراكاً منها أن أمن الطاقة يمر عبر "التفاهمات السيادية" لا عبر فوهات المدافع.
فقدان الثقة بـ "القيادة": التصريحات المتناقضة داخل الإدارة الأمريكية أدت إلى فقدان الحلفاء الموثوقية في أي عمل جماعي تقوده واشنطن، مما عزز من نزعة "الخلاص الفردي" والبحث عن قنوات اتصال مستقلة مع الشرق.
الخلاصة: "هرمز" كمنصة لنظام عالمي جديد
إن لجوء واشنطن للاستغاثة بالصين وتوجيه دعوات يائسة لدول العالم للتدخل، هو إعلان غير رسمي عن نهاية "القرن الأمريكي". مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر للنفط، بل أصبح "المقصلة" التي أطاحت بهيبة الناتو، والمكان الذي أُجبر فيه "القيصر الأمريكي" على التنازل عن كبريائه أمام جبروت الجغرافيا السياسية الجديدة.
بقلم: سبطين الجبوري، الخبير الأول في الشؤون السياسية و الدولية




























