emamian

emamian

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين، ولا سيّما بقيّة الله في الأرضين.

أهلاً وسهلاً بكم، أيّها الإخوة الأعزاء، والأخوات العزيزات، ومعلِّمو البلاد والمفتخَرون بهداية أجيال المستقبل، فكل ما نقوله في منقبة المعلِّمين ليس كثيراً. إن شاء الله، يوفقنا الله جميعاً -أنتم ونحن أيضاً- لنتمكن من فعل ما يُرضي الله المتعالي عنكم وعنا.
أشكر السيد الوزير، فقد ذكرَ نقاطاً جيّدة في كلمته[1]: القرارات التي اتخذتموها والوثائق التي صغتموها، لكن أود أن أوضح نقطة له ولمجموعة هيئتكم كافّة: ليس لدينا أيّ نقص في القرارات والقوانين والوثائق الجيدة. لدينا قرارات ووثائق جيدة وما شابه في البلاد بقدر ما تودّون. المهم هو العمل بهذه القرارات. تابعوا هذا الأمر. إنشاء مقر أمر سهل، سواء أكان مقراً عسكرياً، أو مقرات لمواضيع أخرى [بما في ذلك] الاقتصاديّة والثقافيّة وغيرها، لكن استمرار عمل هذه المقرات ونتاجاتها مهمان جداً. انطلقوا وراء عملٍ جادٍّ وجهادي حتى يتم العمل الذي ترومون إليه، إن شاء الله -أرى أنكم مهتمون بالنقاط المهمة في التربية التعليم- وتابعوا ذلك حتى يكتمل، إن شاء الله.

حسناً، الهدف والغرض من لقائنا السنوي مع معلِّمينا الأعزاء -كان [اللقاء] في السنة والسنتين الماضيتين غير تامّ وقد وُفّقنا هذه السنة لرؤيتكم وجهاً لوجه، بحمد الله- هو إبراز دور المعلِّمين في الثقافة العامة للبلاد. هذا هو هدفنا. نريد أن يُعرَف المعلِّم، وتكون قيمة مهنة التعليم لدى الرأي العام قيمة راسخة وخالدة، فالحال ليست كذلك الآن. يجب أن نتصرف بطريقة يفخر بها المعلِّم نفسُه بمهنة التعليم، وتفتخر عائلته بمهنته، وينظر إليه المجتمع على أنه كائن مفتَخَر. يجب أن نصل إلى هنا. يتطلب الأمر بعض القول وبعض العمل. الآن بشأن الأقوال سنعرض اليوم شيئاً موجزاً في هذا الصدد.

لكلمة المعلِّم تطبيقان لا تطبيق واحد. التطبيق الأوّل هو أخذ المعلِّم بمعنى المدرِّس والأستاذ [بالمعنى العام]. حسناً هذه قيمة كبيرة جداً وسامية. الله المتعالي هو من المعلِّمين: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾[2]، ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾[3]، هذه ينسبها الله إلى نفسه. إنّها قيمة سامية جدّاً... أو بشأن الأنبياء (ع) أو النبي الأكرم (ص) مثلاً [يقول]: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾[4]. المعلِّم بهذا المعنى... أو الحكماء والعلماء والفقهاء والعرفاء والشخصيات البارزة كافة، وهذا الشهيد مطهري العزيز نفسه ونحوهم هم معلِّمون بهذا المعنى، فهي قيمة عظيمة جداً، أي الشخص الذي يعلّم شيئاً للمخاطب. هذا تطبيق.

التطبيق الآخر [لمعنى] المعلِّم هو معلِّم التربية والتعليم، وهو تطبيق ثانٍ. نحن نناقش الآن هذا التطبيق الثاني. النقاش ليس عن مطلق المعلِّمين؛ النقاش هو عن هذا المعلِّم على وجه الخصوص. ثقل القيمة لهذا التطبيق هو ضعف ثقل القيمة للتطبيق الأول. لماذا؟ من أجل الفئة المخاطبة لهذا التعليم، فمخاطب هذا التعليم هم مجموعة من الأناس الذين من المرجح أن تأثير هذا التعليم فيهم أعلى بمراتب من تأثيره في الفئات الأخرى كافة. هذه هي أهميّة عمل المعلِّم، أي معلِّم التربية والتعليم يتمتع بقيمة التطبيق الأول بالإضافة إلى أن عمله في ميدان وساحة لا بديل عنه. ليس هناك أيّ بديل.

مخاطبوكم هم في أفضل سنّ لقابليّة التأثير وقابليّة التربية. مخاطبوكم هم الذين لن ينسوا ما تعلِّمونهم إياه إلى آخر عمرهم. هذه [نقطة] مهمة جداً. نحن نتعلم المعلومات باستمرار. وفق اختلاف السن واختلاف ذاكرة الأفراد نتعلم من هذا الجانب، وننسى من ذاك الجانب، لكننا لا ننسى ما تعلمناه في الطفولة. عادة لا ننساه حتى آخر عمرنا. هناك مثل عربي مشهور يقول: «العلم في الصغر كالنقش في الحجر»[5] أو «كالنقر في الحجر»، كأنكم تنقشون وتنقرون شيئاً في الحجر، أيْ هناك انقشوا على الحجر أو كما يقال: اعملوا على الحجر واكتبوا فإنه لا يمحى وموجود دائماً. مخاطبكم على هذا النحو.

حسناً لقد تحدثنا مراراً وتكراراً عن «الحضارة الإسلاميّة الجديدة»[6] أو فلنعبّر هكذا: «الحضارة الإسلاميّة المزدهرة». حضارة إسلاميّة تزدهر مواهبها بما يتناسب مع الزمان وتظهر نفسها. لقد قلنا هذا مراراً وتكراراً. إن البنية التحتيّة الأساسيّة لأي حضارة هي الموارد البشريّة، فالطاقة البشريّة هي ما يمكن أن يجعل الحضارة محتملة وممكنة وتتحقق. مَن الذين يشكلون هذه الطاقة في بلادنا؟ مَن الذين يستطيعون أن يفعلوا مثل هذا العمل العظيم في المستقبل؟ جيلٌ يمتلك امتيازات ما. هذا الجيل أنتم من سيبنيه اليوم. جيل عصامي ويمتلك هويّة، هويّة إيرانيّة-إسلاميّة متينة وعميقة، وليس مولهاً ومفتوناً بهذا أو ذاك وببقايا حضارة الشرق والغرب المنسوخة. جيل مطّلع وعالم وفعّال وماهر وملمّ بنمط العيش الإسلامي والتقاليد الإيرانيّة. مثل هذا الجيل لازمٌ ليكون قادراً على بناء تلك الحضارة. لقد كنا في صدد إنشاء هذا الجيل منذ بداية الثورة. بالطبع، لا يمكن القول إننا لم ننجح تماماً. لا، الحمد لله، لقد كان لدينا بعض النجاحات. وفي مختلف المجالات، تحققت العناصر التي تربّت على هذا النحو ببركة هؤلاء المعلِّمين وازدهرت وأظهرت نفسها في مجالات مختلفة -أنتم تعلمونها طبعاً- كالاقتصاد والمسائل العسكريّة وفي السياسة وغيرها، لكن هذا لا يكفي. إذا كنا نريد أن تنشأ تلك الحضارة بذلك التوسع، فعلينا تنمية هذا الجيل، ولا بد أن تنتشر هذه التربية وتصير واسعة. لذا، إذا كنا نريد ذلك، فليس هناك أيّ فرصة للجمهوريّة الإسلاميّة أكبر وأفضل من هذه السنوات الاثنتي عشرة. هذه السنوات الاثنتا عشرة هي أعظم فرصة للجمهوريّة الإسلاميّة لتكون قادرة على نقل قيم الثورة ومُثلها على نحو صحيح إلى هذا الجيل، وترسيخ الهويّة الإسلاميّة والإيرانيّة فيه. هذه السنوات الاثنتا عشرة هي أفضل فرصة.

حسناً هذه هي رسالة التربية والتعليم، رسالة المعلِّمين. كما ترون، إنها عمل كبير جداً، عمل عظيم جداً. هذا ليس مجرد تعليم عادي؛ إنه تعليم بنيوي. لحسن الحظ، لقد تمت تهيئة الأرضيّة للتربية والتعليم أيضاً من أجل هذا العمل، أي لدى حكومة الجمهوريّة الإسلاميّة مؤسسة وطنيّة مترامية تسمّى وزارة التربية والتعليم التي تمتد إلى أقصى نقاط البلاد وأعماق المدن والقرى. حسناً هذه فرصة مهمة جداً. على كل هذا المستوى الشاسع، تكون كلٌّ من الآذان والقلوب جاهزة للاستماع، وفي انتظاركم [لتتكلموا] إليهم. غالباً ما كنت أذكّر بعض الفضلاء والمعممين الذين كانوا مثلاً يعملون في قطاعات التعليم المدرسي أو الجامعي، أذكّرهم بهذا المطلب وأقول: «دائماً عندما كنا نذهب إلى المنبر كنا ننتظر مثلاً أن يتجمّع بعض المستمعين هناك حتى نتمكن من التحدث إليهم، والآن هذا الحشد الكبير من التلاميذ يجلس تحت منبركم». هذا القول يصدق على المعلِّمين أيضاً. ثمة آذان وقلوب جالسة هناك لساعات طويلة في الأسبوع تنتظر خروج كلامٍ من فمكم فيستقر في قلوبهم شئنا أم أبينا. المهم أن كلامكم هذا يستقر في قلوبهم إذا قيل بطريقة صحيحة. يجب أن نرى هذا الأمر مَغنماً. هذه مسألة مهمة للغاية. إنها فرصة مهمة.

وهذا التعريف للتربية والتعليم يُظهر كم هي مؤسسة عظيمة. وجنابه كان محقاً في قوله إنه يمكن معرفة مستقبل البلاد من النظر إلى التربية والتعليم. نعم، هذا صحيح. [إذا] نظرنا اليوم إلى التربية والتعليم، يمكننا تخمين التربية والتعليم في غد البلاد من اليوم ومعرفة كيف سيكون. حسناً هذا الآن ثناء على التربية والتعليم؛ ثناء حقيقي وليس تشريفياً.

لكن هناك مشكلات في التربية والتعليم عندنا، وسأوضح الآن بعض النقاط في هذا الصدد. إنّ حلّ هذه المشكلات والوصول إلى الوضع المنشود يتطلب كُلّاً من التدبير والمعرفة والهمّة والسعي والمُجاهَدة والتحمّل والتصبّر والحلم. يجب ألا يكلّ المديرون، وألا يرتبكوا، وأن يتابعوا العمل بحلم.

بالطبع، نحتاج أيضاً إلى أدوات. من الضروري في المقام الأول وجود متن تعليمي لهذه الأعمال، أي الالتفات إلى أهميّة المتن التعليمي. لا يكون الموضوع بالقول والحديث والتوصية فقط. يجب أن تعدّ التربية والتعليم متناً تعليمياً لهذه الأهداف التي قلنا أنْ يتابعها المعلِّمون، سواء المتن التعليمي وكذلك كميّة المعلِّمين. لدينا مشكلة من ناحية عدد المعلِّمين. ما أبلغوني به في تقرير هو أن نحو سبعين ألفاً من معلِّمينا على مشارف التقاعد الآن، فيما يمكننا جذب نحو نصف هذا العدد ونريد ذلك. [هذه] مشكلة كبيرة. لا بد من العمل على هذه القضيّة، وسأتطرق إليها في إشارة إلى جامعة فرهنكيان.

نوعيّة المعلِّم مهمة أيضاً، جودة المعلِّم! سواء نوعيّة المستوى العلمي والدرس والعلم وما إلى ذلك... لا ينبغي أن تكون الحال، على سبيل المثال، أن الرتب الدنيا من امتحان القبول تذهب إلى هذه القضيّة (مهنة التعليم). كلا! رتبوا الأمر [لتدخل] الرتب العلميّة العالية، ثمّ من الجانب الأخلاقيّ والتربية الأخلاقيّة والتربية الدينيّة والتديّن والاعتقاد الدينيّ. هذه السمات النوعيّة في المعلِّم، وهي المطلوبة. إذا أردنا تحقيق هذه الأهداف، فإن قضيّة المعلِّم هي أحد هذه الأشياء. بالطبع، البرامج والأعمال فوق المخطط ضروريّة وحبذا لو تُنفّذ. بالطبع، في السابق أيضاً، كان لدينا معلِّمون جيدون وملتزمون من داخل التربية والتعليم -كان الأمر دائماً على هذا النحو- وحتى في مرحلة ما قبل الثورة لدينا أولئك المعلِّمون أنفسهم الذين تصرفوا مع التلاميذ في ذلك اليوم على نحو أوجد حركة طالبيّة عظيمة حول قضايا الثورة، وهذا يعني أن من الأمور اللافتة للنظر حقاً في الثورة حضور فئة التلاميذ، وبالطبع حدث فيها بعض المجازر أيضاً، وإحداها يوم 13 آبان (04/11/1978م)، وتلك المذبحة بالقرب من جامعة طهران. هذا يدل على أن المعلِّمين كانوا فعّالين... أو في بداية الثورة، هؤلاء المعلِّمون الذين ملأ الشبّان المتربّون على أيديهم الجبهات واستشهد عدد كبير منهم، كما استشهد العديد من المعلِّمين أنفسهم. والأمر على هذا النحو اليوم أيضاً. فحتى اليوم -بحمد الله- ليس لدينا عدد قليل من المعلِّمين الملتزمين والمؤمنين والمعتقدين بالدين والحريصين. بالطبع، لدينا معلِّمون على نحو آخر أيضاً.

حسناً، من الجيد أن نقسّم قضايا التربية والتعليم. بعض القضايا تتعلق بالتربية والتعليم عامة، وبعضها بالمعلِّمين خاصة. لا ينبغي خلطها، بمعنى أنه يجب أن يكون واضحاً أين تكمن النقاط ووجهات النظر في كل قضيّة، ومَن المخاطب ومَن المسؤول.

بشأن التربية والتعليم هناك نقطة عامة أؤكدها وأكررها أيضاً في الكلمات والكتابات. يجب أن نقوم على عمل ليصير تلاميذنا يتمتعون بهويّة وطنيّة. ينبغي ألّا يكون الهدف من تربية التلميذ ومن مجيئه إلى المدرسة، الابتدائيّة أو الثانويّة، مجرد أنه يريد أن يتعلم الدروس. نعم، يجب أن يتعلم الدروس، وأن يتعلم العلم، ولكن الأهم من تعلّم العلم، أو على الأقل في منزلة تعلّم العلم، أن يشعر بالهويّة، وأن يُصنع هنا إنسان ذو هويّة فيحصل على الهويّة الوطنيّة والشعور بالثقة الوطنيّة، ويتعرف طفلنا من أعماق روحه إلى مفاخر الوطن. هذا شيء غير موجود اليوم. يوجد كثير من المفاخر. ولقد ذكرَ جنابه الآن اسم المرحوم كاظمي آشتياني[7]. أجروا استطلاعاً بين أبناء مدارسكم لمعرفة النسبة المئويّة للذين يعرفون المرحوم كاظمي آشتياني بكل تلك الخدمات وبكل تلك القيمة الوجوديّة التي كان يتمتع بها هذا الرجل وهذا الشاب -كان شاباً- ونسبة مَن يعرفون رونالدو مثلاً! أحياناً يذكر الأطفال الصغار في عائلتنا أسماء لا أستطيع حتى أن أتعلّمها! إنهم يعرفونهم تماماً ما هو عملهم. لماذا لا نعرف مفاخرنا الوطنيّة؟ هذه [قضيّة] مهمّة جداً.

جانبٌ من الأمور التي نُسمّيها «هويّة وطنيّة» هو أن يتعرّفوا إلى هذه المفاخر الوطنيّة: الماضي العلميّ، الماضي السياسيّ، الماضي الدوليّ، الجهود التي بُذلت، الجهاد الذي تمّ. كم عدد أبناء اليوم، من الجيلين الثالث والرّابع، الذين يعرفون بصورة صحيحة قضايا الثورة الإسلاميّة؟ كم يعرفون الإمام [الخمينيّ] الجليل، غيرَ اسمه وبعض تعبيرات الثناء؟ كم لديهم اطّلاع على علماء البلاد؟ هذه مفاخرُ وطنيّة. كم هم على معرفة بمبادئ الثورة الإسلاميّة؟ حسناً، هذه الثورة التي استطاعت إطلاق هذا الطوفان الضّخم، وتحريك هذا المحيط، ليست مزحة. أن تتمكّن حركة ثوريّة من تحريك بلدٍ بكلّ أجزائه -خلال الثورة الإسلاميّة، حين كانت المسيرات والمظاهرات تنطلق، لم يكن الأمر منحصراً في طهران أو المدينة الفلانيّة الكبيرة، فقد كانت هذه المسيرات نفسها تحدث في القرى الفلانيّة- هذا يعني تلاطم المحيط.

ما الذي استطاع تحريك هؤلاء على ذاك النّحو؟ ما الذي فعله الإمام؟ ما الذي كان يقوله الإمام؟ ماذا كان الكلام الأساسيّ للإمام؟ هناك أكثر من عشرين مجلّداً تحتوي على تصريحات الإمام وخطاباته وكتاباته وهي مُتاحة اليوم، فكم جرت قراءتها؟ كم جرى الاهتمام بهذه المجلّدات؟ فليعرفوا مبادئ الثورة الإسلاميّة. ولا يقتصر الأمر على المعرفة، فليندمجوا مع هذه الأمور، فليندمج هذا الشّاب وهذا الفتى في المرحلتين الابتدائيّة والثانويّة مع هذه المبادئ وليتعرّف قلبُه وروحه إليها. حسناً، نحن أيضاً بحاجة إلى معادلات الكيمياء والرياضيّات واللغة الأجنبيّة وأمثال هذه الأمور. هذا الكلام لا يعني أن نضع الدراسة جانباً. لا، فالدراسة ضروريّة، ونحن نعتقد بوجوب أن تُرفع راية العلم عالياً في البلاد أكثر فأكثر كلّ يوم، لكن إلى جانبها لا بدّ أن تُرفع أيضاً راية الهويّة الوطنيّة، والهويّة الباعثة على الفخر، والهويّة الثوريّة، والهويّة الإسلاميّة.

[لا بُدّ] أن يُدرك الأطفال قيمة أن يكون المرء مقاوِماً، [أي] كون أجزاء شعبٍ ما كلها أجزاء مقاومة. ما معنى مقاوِم؟ أي لا يتراجعون أمام الابتزاز، ولا ترتعد فرائصهم حين يُشنّ هجومٌ عليهم، ولا يتنازلون أمام التجبّر، هذا ما تعنيه كلمة مقاوِم. هذا هو إكسير العلاج لمشكلات البلد: الشعور بالمقاومة وروحيّة المقاومة. حسناً، فالعالم عالمُ التجبّر. الجميع يمارسون التجبّر وكلّ من يقدر على التجبّر يتجبّر، ولا فرق في ذلك بين صغيرٍ وكبير، ولا شرقٍ أو غرب. لا بدّ لأيّ شعبٍ أن يقاوم في وجه هذا التجبر، وأن نتعلّم هذا الأمر منذ الصّبا ويُرسى فينا منذ الصبا... أو قيمة التحلّي بالثقة بالنّفس. هذه أمورٌ ضروريّة ولا بدّ أن تُنجز. بهذه الأمور، ينشأ ذاك الجيل الباني للحضارة، ويتكوّن الجيل القادر على إعزاز الشّعب والبلاد.

هذه الأمور كلها تكتمل في المدرسة. لاحظوا قيمة المعلِّم! [وزارة] التربية والتعليم هي المتصدّية لإنجاز مثل هذا العمل، ومن أجل هذه الخصوصيّات، ولا تُمكن مقارنة التربية والتعليم بأيّ وزارة أخرى.

هناك نقطة أخرى حول قضايا التربية والتعليم ترتبط بمخطّطات هذه الوزارة وبرامجها، وهي الفصل بين العلم النّافع والعلم الذي لا ينفع... العلم النّافع. الآن بما أنّكم متخصّصون، أي أكثر تخصّصاً منّي في هذه القضيّة، يجري اليوم في ثانويّاتنا ولعلّ ذلك في مدارسنا الابتدائيّة تدريس علوم لا تحمل أيّ فائدة لحاضر ومستقبل هذا التلميذ، وهناك أمورٌ ورؤى ينسونها أيضاً ولا تساعدهم في أيٍّ من قضايا الحياة، ولا تساهم في تطوير العلم لدى هؤلاء [التلاميذ]. تعرّفوا إلى هذه الأمور واحذفوها. العلم النّافع هو ذاك القادر على جعل مواهب الشابّ والفتى تزدهر فيكتشف مواهبه ويوجّهها في اتجاه تناميه ويجعلها تزدهر، كما يوفّر لمستقبله مدّخراً ذهنيّاً وعمليّاً. هذا هو العلم النافع. ثمّ سوف يكون طبعاً مؤثّراً في تقدّم البلاد وارتقائها. لكن أن نلقي حفنة من مواد الحفظ العديمة الفائدة هذا لا فائدة فيه. فليجرِ تخصيص وقتٍ للتعليم والمهارات، وقد تخلّل كلام السيّد الوزير إشارة إلى هذا الأمر، وهذا جيّد. تابعوا هذه القضيّة. نمط العيش الإسلامي، والتآزر، والتعاون الاجتماعيّ... لا بدّ أن يتعلّم الطّفل هذه الأمور في المدرسة. [أيضاً] التنظيم والامتثال للقانون. واحدة من مشكلاتنا قضيّة غياب الانضباط في الحياة الاجتماعيّة والحياة العائليّة وأمثال هذه الأمور المشهودة عادة. لا بدّ لنا أن نتعلّم من سنيّ المراهقة والشباب التنظيم والانضباط واتّباع القانون. [أيضاً] روح المطالعة. في مقدرونا ترسيخ حسّ البحث والمطالعة لدى الشّباب والناشئة، وفي إمكانكم أن تنقلوا إليهم هذا الأمر بصفته مهارة. [كذلك] الأنشطة الجهاديّة ومكافحة نقاط الضّعف الاجتماعيّة، فالأفراد كلهم قادرون على مكافحة نقاط الضعف الاجتماعيّة حين يتوفّر لديهم الدافع لذلك. هذه نقطة أيضاً.

النقطة التالية مرتبطة بـ«وثيقة التحوّل» التي أشار إليها جنابه. قضيّة «وثيقة التحوّل» ليست حقّاً قضيّة تُفرح القلب. لقد جرى منذ أكثر من عشر سنوات تنظيم هذه الوثيقة، والوزراء المحترمون الذين تعاقبوا على هذه المسؤوليّة -يبدو أنّ ستّة وزراء وعدداً من المشرفين كانوا في [وزارة] التربية والتعليم، والتبدّل في المسؤوليّات الإداريّة هذا يشكّل قضيّة منفصلة بحدّ ذاته وهو آفة- أنجز كلّ واحدٍ منهم بعض الأمور، وقدّموا التقارير أيضاً، وقدّموا إلينا بطبيعة الحال التقارير بأنّنا فعلنا هذه الأمور، لكنّ الواقع أنّه لم يجرِ العمل بـ«وثيقة التحوّل» هذه. قد يكون تحقّق جزءٌ من جانبٍ معيّن منها على نحو ما، لكنّ هذه الوثيقة هي بصفةِ «كلّ» ومجموعة. إذا كان المسؤولون والمديرون في التربية والتعليم يعتقدون بوجود مشكلة في هذه الوثيقة، حسناً، فلتُحدّثوها. فليُحدّثوا الوثيقة وليُكمّلوها وليرفعوا مشكلتها، وليشحذوا الهمم لكي يُنجز هذا العمل وتُشاهد «وثيقة التحوّل». ومن أجل تقييم التطوّر لا بدّ من تحديد مؤشّر. فليس مقبولاً أن يقولوا: جرى تحقيق هذه النسبة المئويّة من الوثيقة وأمثال هذه الأمور، بل لا بدّ من إنشاء مؤشّر كمّي يُحدّد مستوى التقدّم في هذه الوثيقة. حسناً، هذه كانت القضايا العامّة المرتبطة بالتربية والتعليم.

أود أن أوضح نقطتين أو ثلاثاً حول المعلِّمين. حسناً، هذا العبء الثقيل الذي قلناه ملقىً على كاهل المعلِّم. أي في مقام التنفيذ المعلِّمون هم الذين ينفذون. قد يؤثر بعض المعلِّمين في القرارات، وآخرون قد لا يؤثرون، لكن التنفيذ في عهدة المعلِّمين تماماً. هم من يجب عليهم أداء هذه الأعمال العظيمة أمام هذا المخاطب الذي هو جيل من الملايين من اليافعين والشباب. إنه دور فريد. يجب أن يشعر الجميع بقيمة المعلِّم كما قلنا. في الدرجة الأولى على المعلِّمين أنفسهم أن يشعروا بدورهم وأن يعرفوا العمل العظيم الذي يتعين عليهم فعله. التعب والملل، والتقليل من شأن العمل بسبب بعض المشكلات الموجودة بصورة طبيعيّة في الحياة -المعيشة وغيرها- والنظر باستخفاف إلى هذا العمل، [كله] خطأ. التعليم أمرٌ مهم للغاية. إنّه عمل عظيم. يجب أن يكون المعلِّم نفسه أول من يعلَم هذه القضايا حول دور المعلِّم. كما قلنا، خلال الثورة وأثناء الحرب المفروضة، تمكن المعلِّمون من تأدية الدور في مختلف القطاعات والأحداث السياسيّة التي شهدتها البلاد، ومن قيادة هذه الفئة الشابة من البلاد وشبابها في الاتجاه السليم.

ينبغي أن يشعر المعلِّمون أنفسهم، بالإضافة إلى الشعور بهذا الدور المهم، بأنهم يحملون أمانة، وهذا واجب حقاً. فتلك الأمانة التي أوكلت إليهم، ويجب أن تخرج من أيديهم سالمة وبقيمة مضافة، هي أعز أمانة، أعزّها. فهذا اليافع بين يديك -دُرَر البلاد هم اليافعون والشباب- سواء على المستوى الوطني أو مستوى الأسرة -هم أرسلوا أطفالهم وأبناءهم وبناتهم إلى المعلِّم- أمانة قيّمة للغاية. قال: «أنا صفحة بيضاء وجاهز لأيّ نقش»[8]. هذه الصفحة البيضاء الخالية من أي كتابة مستعدّة لجميع النقوش، وأنتم من يرسمها. لا بدّ أن يخرج من تحت أيديكم بقيمة مضافة. عليكم أداء هذه الأمانة على أكمل وجه من الناحية الأخلاقيّة أو العلميّة أو السلوكيّة أو الوعي والمعرفة. أنتم من عليكم إحياء روح المعرفة في هذه الأمانة. وبالطبع، إذا كان معلِّمنا مؤمناً ومتديناً، فسيكون ذلك على أكمل وجه. نتمنى أن يكون الأمر كذلك، إن شاء الله. هذا موضوع أيضاً.

نقطة أخرى هي مسألة جامعة «فرهنکيان» -التي تم ذكرها- وجامعة «الشهيد رجائي» ومراكز تربية المعلِّمين كافة. هذا مهم للغاية، مهمّ جدّاً. فإنشاء هذه الجامعات كان عملاً لازماً حقّاً ومن المهم جداً الاهتمام بها. قد حضرت إلى هذه الجامعة قبل بضع سنوات، وصرحت بالقضايا المهمة والضروريّة أمام جمع كبير من الشباب الحاضرين هناك[9]. ثمة مسؤوليّة كبيرة على عاتق هذه الجامعة. يجب تعزيز هذه الجامعات ومراكز تربية المعلِّمين من النواحي كافّة: الإمكانات والمعدّات، الإدارة، المعلِّمين، المتون الدراسيّة، الأنشطة التعليميّة. في أيّ نوع من الجامعات نلبي هذا التوقّعات من المعلِّم؟ هذا مهمّ للغاية. يجب أن تكون جامعات تربية المعلِّم والأستاذ هذه على نحو يتخرّج فيها المعلِّم المطلوب حقّاً من هذه الأماكن. هذا موضوع أيضاً.

موضوع آخر كما قيل لي: مجال الدراسة للعديد من المعلِّمين لا يتناسب مع المناهج التي يدرّسونها. أعتقد أنها نقطة مهمة للغاية. دَرَس في مجال ما، ويدرّس في مجال آخر مثلاً. بالطبع، أعلم أن السبب في ذلك هو نقص المعلِّمين، لأن يد المديرين ليست مبسوطة ليكونوا قادرين على أداء ما هو لازم، لكن علينا التفكير في هذا على أي حال. لقد تكبّد العناء ودرس في تخصص ما، فليستفِد في المرحلة التي يدرّس فيها من التخصص نفسه، وما هو مرتبط بهذا التخصص.

لقد تكبّد المعلِّمون العناء حقّاً خلال مرحلة كورونا. كانت كورونا مرحلة عصيبة على المعلِّمين، وكان عملاً مجهولاً وغير مألوف، ومضاعفاً أيضاً. في مرحلة ما، كان المعلِّم يؤدي عملاً مضاعفاً، أي يحضر إلى الصف ويدرّس، وعليه العمل على برامج الإنترنت والفضاء الافتراضيّ وأمثال ذلك. فكان يقوم على عمل مضاعف حقّاً، وقد تكبّد الكثير من العناء. إننا نتوجّه بخالص الشكر إلى المعلِّمين في هذا الصدد.

إن طلبي المتعلق بالقضايا المعيشيّة [للمعلِّم] هو طلبي المعتاد نفسه. طبعاً، هناك مشكلات في الإمكانات الحكوميّة. هناك مشكلة فعلاً، ونحن نقرّ بها، فيجب الانتباه إلى هذه المشكلات، لكن مسألة التأمين الصحي، ودفع تكاليف العلاج في الوقت المناسب، أمور مهمة وقضايا لا بدّ من الالتفات إليها حتماً.

كلمتي الأخيرة: لدينا توقعات كبيرة من [قطاع] التربية والتعليم، ونطلب من التربية والتعليم التخطيط لذلك، [لكن] أنتم أيها المعلِّمون، لا تقفوا منتظرين، لا تنتظروا. يمكنكم إنجاز أعمال كثيرة بمبادرتكم الخاصة. هناك معلِّمون لم يتسلموا برنامجاً تربوياً محدداً لكنهم تمكّنوا [من ذلك] بإبداعاتهم ومبادراتهم الخاصة، وإرادتهم للخير وحرصهم على تربية مجموعة من التلامذة والتقدّم بهم. نتمنى لكم التوفيق في هذه المجالات، إن شاء الله.

نسأل الله المتعالي أن يحشر أرواح الشهداء الأعزّاء في البلاد، ولا سيّما الشهداء التلامذة والمعلِّمين، مع أوليائه، وأن يحشر الروح المطهّرة لإمامنا [الخمينيّ] العزيز مع أوليائه، إن شاء الله، فكلّ ما لدينا حقّاً من اتباعه وقيادته، فهو الذي فتح هذا الطريق وأرشدنا إليه، وأن يوفقكم جميعاً ويوفقنا حتّى نؤدّي واجباتنا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

[1] في بداية اللقاء، قدم الدكتور يوسف نوري (وزير التربية والتعليم) تقريراً.
[2] سورة البقرة، الآية 282.
[3] سورة العلق، الآية 5.
[4] سورة البقرة، الآية 151.
[5] الكراجكيّ، كنز الفوائد، ج1، ص319.
[6] من جملتها لقاء سماحته مع المعلِّمين والمربّين من أنحاء البلاد جميعاً قُبيل «يوم المعلم»، بتاريخ 01/05/2019م.
[7] السيد سعيد كاظمي آشتياني من العلماء والمديرين البارزين في الثورة الإسلامية وأحد الرواد والمجاهدين في ابتكارات علوم الحياة ورئيس «معهد أبحاث رويان» التابع لجامعة الجهاد الجامعي. خلال ولايته، تمكنت إيران من تحقيق نجاحات ملحوظة مثل تطوير طرق متقدمة لعلاج العقم وإنتاج الخلايا الجذعية الجنينية وتكثيرها وتجميدها واستنساخ الحيوانات.
[8] الميرزا حبيب الخراسانيّ، من ديوان أشعاره.
[9] كلمة سماحته في جامعة «فرهنکيان»، بتاريخ 09/05/2018م.

 

السبت, 21 أيار 2022 07:05

حتمية الوعد الإلهي

"الإمام الثاني عشر إمام منتظر، ونحن ننتظر ظهوره لكي "يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما مُلئت ظلماً وجوراً". والفكرة، بصورة موجزة، لا تختصّ بهذه الطائفة، بل في كتب أحاديث المسلمين، بجميع مذاهبهم، مئات وألوف من الروايات، تدلّ وتثبت أنّ النبيّ الكريم عليه الصلاة والسلام قال: "لو لم يبق من العالم إلّا يوم واحد، لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يأتي رجل من أهل بيتي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما مُلئت ظلماً وجوراً"[1].
 
فالحديث متواتر عند جميع فرق المسلمين، فالرأي لا يختصّ بطائفة. ثمّ الفكرة، كانت ولا تزال عامة، تشمل مفاهيم جميع الأديان، فانتظار المخلّص، وانتظار المنقذ، وانتظار الروح الحق المعزّي، وانتظار أمر ما، موجود عند جميع الفرق والأديان، وعند جميع المتشرّعين بالشرائع"[2].
 
"المهدويّة" فلسفة عالميّة كبرى
إنّ مسألة ظهور المهديّ المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، لا تختصّ بطائفة من البشر ولا بمنطقة معيّنة من الأرض، بل هي مسألة عامّة تستوعب كلّ الأرض وكلّ البشر. ذلك لأنّ الدّين الإسلاميّ - والذي تعتبر المهدويّة واحدة من مسائله - دين عالميّ، وقد أرسل الله تعالى خاتم أنبيائه للناس كافّة، ووعده أن يظهر دينه على سائر الأديان الأخرى.
 
ولذلك فإنّ الآيات القرآنية التي تبشّر بمجيء دولة الحقّ والعدل هي من قبيل هذه الآية الشريفة: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾[3]. هذه الآية وأمثالها تشير:

أولاً: إلى الأمل بمستقبل البشرية، وأنّ الدنيا لن تدمّر وتفنى، كما هي الفكرة السائدة اليوم في أوروبا، بأنّ البشرية في تمدّنها وحضارتها قد وصلت إلى مرحلة بحيث لم يبق أمامها إلّا خطوة واحدة لتسقط في القبر الذي حفرته لنفسها بيدها! والواقع أنّ ظواهر الأمور تؤيّد هذه الفكرة بشدّة، إلا أن أصول ديننا ومذهبنا تؤكّد أنّ ما هو موجود الآن من الفساد والاضطراب شيء مؤقّت، وأنّ هناك حياة سعيدة مستقرّة تنتظر البشرية في المستقبل.
 
وثانياً: إلى أن عهد المستقبل هو عهد العقل والعدالة، فكما أنّ الفرد يمرّ في حياته بثلاث مراحل: مرحلة الطفولة وهي تتّسم باللّعب والأفكار الصبيانية، ومرحلة الشباب التي تتّسم بالغضب والشهوة، ومرحلة الرجولة، التي تتّسم بالعقل والنضج والاستفادة من التجارب السابقة.
 
كذلك المجتمع البشريّ لا بدّ أن يطوي مراحله الثلاث. وإلى الآن مرّ هذا المجتمع بمرحلتين من مراحله:

مرحلة الأساطير والخرافات، وبتعبير القرآن مرحلة "الجاهلية الأولى"، ثمّ مرحلة العلم، ولكنّه الممزوج بالشباب، أي مرحلة حكومة الغضب والشهوة، فعصرنا الحاضر هو قبل أيّ شيء، عصر "القنبلة" أي الغضب، وعصر "الميني جوب" أي الشهوة.
 
فهل يا ترى من المعقول أن لا تأتي على البشريّة مرحلة تكون الحكومة فيها ليست حكومة جهالة وأساطير، ولا حكومة قنبلة وميني جوب؟ مرحلة تتّسم بالعلم والمعرفة في ظل العدالة والسلام والإنسانية، حيث تكون المعنويّات الساميّة هي الحاكمة في العالم لا الماديّات المنحطّة؟
 
وهل من المعقول أنّ الله تبارك وتعالى خلق هذه الدنيا، وخلق الإنسان فيها بعنوان أشرف المخلوقات، ثمّ إنّه يقوم بعد ذلك بإفناء الحياة قبل أن تصل البشريّة إلى مرحلة رشدها وبلوغها؟
 
كلّا، فمضامين الآيات القرآنية والروايات الإسلاميّة تفيد بصورة لا لبس فيها، بأنّ البشرية لا بدّ أن تصل إلى مرحلة كمالها ونضجها، ولا بدّ أن يحكم فيها الدّين والعقل، ويكون الإنسان الذي يعمر الأرض حينذاك، "إنساناً" كما أراده الله سبحانه يوم خلقه ونفخ فيه من روحه.
 
وإن كان معذوراً وقلبه معنا وعزمه أن يلحق بنا لو استطاع فهو معنا. فأجاب الرجل إنّه كذلك يا أمير المؤمنين فأجابه الإمام عليه السلام: إنّ ليس أخوك وحده كان معنا بل ورجال آخرون ما زالوا في أرحام أُمّهاتهم بل وفي أصلاب آبائهم، فهذا حكم ثابت فكلّ شخص وحتّى يوم القيامة إذا وجد وكان في قلبه عزم صادق أنّه لو أدرك علياً في صفين لنصره فهو مع عليّ ويعتبر من أنصار عليّ وجيش عليّ في صفّين وإن لم يحضر صفّين بل ولم يعاصرها"[4].
  
أمل الإنسان: الإمام المهدي (عج) في الفكر الإسلامي الأصيل، جمعية المعارف الإسلاميّة الثقافية

[1] الشيخ الصدوق، إكمال الدين، ص511.
[2] كلمة الإمام السيد موسى الصّدر في مناسبة 15 شعبان ولادة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، تسجيل صوتي من محفوظات مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات.
[3] سورة الأنبياء: الآية 105.
[4] العلامة الشهيد الشيخ مرتضى مطهري، أصالة الروح، ص220-239.

 

السبت, 21 أيار 2022 07:02

تونس والاستفتاء

تعيش تونس حالياً على وقع الاستعدادات لتنظيم استفتاء بشأن الاصلاحات الدستورية بينما لم يتم حتى الآن الافصاح عن مضمون هذه الاصلاحات فيما تثار أسئلة كثيرة بشأن تحيين السجل الانتخابي وسط مخاوف من تواتر دعوات المقاطعة من قبل المعارضة.

مشروع مرسوم رئاسي لوضع الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة واخر من أجل دعوة الناخبين إلى الاستفتاء تداول فيهما مجلس الوزراء برئاسة قيس سعيد.

سعيد قال ان الدستور الجديد سيعبر فعلا عن إرادة الشعب لا عن إرادة اطراف أخرى واصفا دستور 2014 بأنه كان يهدف لتفجير الدولة من الداخل.

وقال سعيد: النص بالنص، والقانون بمثله، والعمق الشعبي الحقيقي هو سندنا بعد عون الله تعالى في المرور من دستور كان سيؤدي الى تفجير الدولة من الداخل الى دستور يعبر حقيقة عن ارادة الشعب.

منظمات المجتمع المدني حذرت من إقصاء آلاف الناخبين الجدد بسبب قصر فترة التسجيل وطالبت بضرورة الإعلان عن مضمون الاستفتاء مبكرا حتى يقبل التونسيون على التصويت بشكل واع على مسائل واضحة يوم الخامس والعشرين من جويلية المقبل.

مداولات مجلس هيئة الانتخابات كشفت حجم التناقضات بين أعضائها ونقلت بشكل مباشر مشاحنات لا تتناسب وضيق المدة الزمنية المخصصة لتنظيم الاستفتاء ما دفع المعارضة للطعن في قدرة هذه الهيئة المعينة على تنظيم الاستفتاء مع توقع مقاطعته من قبل فئات واسعة من الشعب.

وقال عضو المكتب التنفيذي لحركة النهضة محمد القوماني: ما تقرره الهيئة لن يستجيب له التونسيون ومسار الاستفتاء، ان تحقق لن يكون مختلفا عن مسار الاستشارة الالكترونية التي قاطعها التونسيون.

 

 

هناك ثلاثة مستويات بين الاستقلال والانغماس الثقافيّ للأفراد على الشبكة:

الأوَّل: هو الأقل حجمًا والأكثر فكرًا وثقافةً وسيبقى محافظًا على وضعه أو قد يزداد تألّقًا إذا ما انخرط في منصَّات ووسائل التواصل الاجتماعيّ، وهذه المجموعة هي الأكثر إنتاجيَّة في الواقع والأكثر تأثيرًا على الشبكة ويسمّون بالمؤثّرين حسب مايكل زوكربرغ في رسالته الشهيرة للعالم وقدَّرهم بـ «100 مليون شخص مؤثّر في مجموعات مؤثّرة أي 100 مليون ناشط ومُحرك يوجِّه سائر المجموعات على الشبكة»[1]، فيما البقيَّة هم من المتلقين والمتفاعلين غير المنتجين للمحتوى الرقميّ بطبيعة الحال.

الثاني: هو أقل من المستوى الأوَّل ثقافيًّا ولكنَّه الأكثر حجمًا وسيبقى متأرجحًا بين المستوى الأوَّل والتزوّد منه والانخراط مع المستوى الثالث والاندماج معه، لكن بشكل عام هذا المستوى متّجه نحو الأعلى على الرغم من حثيث سيره.

الثالث: هو الأعمّ الشائع المنغمس مع شبكات التواصل الاجتماعيّ ويسير مع كل ما يُطرح لكن من دون تأمّل وتفحّص ويمكن القول عنه أنَّه «يسير مع الهواء» وهو بشكل عامّ لا يبشر بخير ومتّجه نحو الأسفل مع شديد الأسف[2].

وقد رصد بعض الخبراء والباحثين آثارًا سلبيَّة لشبكات التواصل الاجتماعيّ والإنترنت على البنية الثقافيّة للفرد، نورد بعضًا منها:

1. تسطيح الثقافة: إذ يمتلك كلّ فرد معلومات طفيفة عن الموضوعات والظواهر المهمَّة وذلك بسبب كثرة عرض المعلومات التي تقلِّل من التركيز على مادَّة معيَّنة.

2. ذوبان الثقافات المحلّيَّة وسط بحر الثقافات العالميَّة: وبالتالي غلبة الثقافة الغربيَّة المستوردة ذات المحتوى الهائل في ظل قلَّة وندرة المحتوى العربيّ والإسلاميّ الرصين على الإنترنت ووسائل التواصل؛ وهو ما أثبته عدد من الدراسات لمؤسَّسة الفكر العربي التي نُشرت في التقارير الثقافيّة السنوية[3] وتحوِّل الثقافات المحليَّة إلى مجرد شعارات وقشور.

3. الاغتراب: هي الحالة التي يشعر بها الفرد أنَّه غريب وسط العالم. ثقافته المحليَّة قديمة وعاجزة عن مسايرة التطور.. والثقافة المستوردة مستعجلة وليس من السهولة تطبيقها في مجتمعه.

4. عجز وسائل التنشئة والتعليم القديمة: أي نكوصها أمام قوَّة تأثير وسائل التواصل الاجتماعيّ التي باتت تشكل 85% من ثقافة الطلبة.

5. تراجع مكانة العائلة: أضعفت شبكات التواصل الاجتماعيّ مكانة ومقدرة الأب والأم على التربية السلوكيَّة، بسبب فقدان السيادة على العائلة (الأولاد) التي أصبحت تُربَّى من قبل شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعيّ؛ مع وجود استثناءات من دون شك.

6. كثرة الأفكار المطروحة: تجعل شبكات التواصل الاجتماعيّ قيمة الأفكار الجديدة معدومة أو ضئيلة، بمعنى أنَّ الفرد لا يجد حاجة للتفكير ما دام كلّ شيء قد تمَّ طرحه ونشره بغزارة لا توصف.

7. موت الايديولوجيا: لأنَّ الأفكار قد تلاقحت واختلطت وباتت العقول الإنسانيَّة رقميَّة لغةً وتفكيرًا وهي متقاربة إلى حدٍّ كبير، وبالمقابل تولَّدت ايديولوجيَّات أو قناعات هجينة جرَّاء تيَّار شبكات الإنترنت ومواقع التواصل مكانها، كما سنبيِّن في فقرة مستقلَّة.

8. مخاطر الانتشاريَّة: هو ما يصطلح عليه في الغرب (Proliferation) أو الانتشاريَّة التي تحقق للمنتّج الثقافيّ الوصول إلى ملايين المشتركين حتى من غير المتابعين وهو ما يثير الفضول (Curiosity) لدى الكثير منهم. وهنا لا بدَّ من التمييز بين عالمين يختلفان في التلقي أوَّلهما راسخٌ وله تقاليد قديمة في المتابعة (الغرب) والثاني لديه فوضى في التلقّي لم ترسّخها التقاليد المجتمعيَّة (الشرق)، والدليل أنَّ السويد مثلًا وبقيَّة الدول الاسكندنافية توزِّع أجهزة iPad على جميع المراحل الدراسيَّة وتدخلهم دورات في صناعة البرامجيَّات وتقيم لهم المعارض النصف سنويَّة لإبراز انتاجاتهم، في حين أن قياس الحصيلة في العالم العربي يعطي نتائج سلبيَّة على مستوى إنتاج المحتوى.

9. إضعاف الذاكرة المؤقَّتة: يؤدِّي التعرّض الدائم لمواقع التواصل الاجتماعيّ إلى ضعف في الذاكرة المؤقَّتة للإنسان «short-term memory»، فالتعرّض للكلام المستمر على الفيسبوك والتغريدات السريعة على تويتر يضعف من قدرة الدماغ على تخزين المعلومات، ولا يسمح لها بالراحة من أجل المواصلة على تخزين كمّ كبير من المعلومات، فبالإضافة إلى التأثير المباشر على الذاكرة المؤقتة، تمنع مواقع التواصل الاجتماعيّ كذلك العقل من الدخول في حالة «الراحة» أو «Down Time»، وهو الوقت الذي يستغلُّه الدماغ لنقل وتخزين المعلومات التي تعرض لها الفرد طوال اليوم، لذا يقول الأطبَّاء إنَّ التحديق من نافذة الحافلات في الشارع أكثر صحيَّة للدماغ من التحديق المستمر في شاشة المحمول.

10. جعل الفرد أكثر عرضة للضغط العصبيّ: تُعرِّض مواقع التواصل الاجتماعيّ الفرد لآراء آلاف وعشرات آلاف بل ربما لملايين البشر في اللحظة نفسها، فإذا قرَّرت شراء أي منتج معيَّن من الإنترنت، ربما لن يعجبك المنتج في البداية، إلَّا أنك وبعد أن تقرأ تعليقات مختلف المستخدمين على المنتج، يمكنك أن تغيّر رأيك بمنتهى السهولة، حيث جاءت إحدى الدراسات الاجتماعيّة بنتيجة مفاجئة، أنَّه يمكن لبضعة نقرات على زر الإعجاب في الفيسبوك أن يغير رأي الكثير من الأفراد، ولا يحتاج الأمر لآلاف من الأعداد، هذا أيضًا ما يفسِّر طريقة تعامل الجيل الحديث مع ما ينشرونه على صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعيّ، فإن لم تأت صورة لهم بعدد معين من نقرات الإعجاب، فإنَّهم سيقومون بحذفها من الصفحة، والعكس صحيح.

11. إفساد التفكير النقديّ: تدفع مواقع التواصل الاجتماعيّ إلى إعادة التغريد، وإعادة النشر، والإعجاب بما يفعله مشاهير مواقع التواصل الاجتماعيّ، كما تدفعك بدون وعي إلى أن تتبنَّى رأيهم، فتقلِّل من التفكير الذاتيّ والتفكير النقديّ، وتجعلك وسيلة لإعادة النشر فحسب، كما لا تسمح لك بالتعبير المفتوح عن آرائك مع تحديد عدد الكلمات المسموح لك بنشرها، وهنا تختصر كلامك وتبسّطه ليصل إلى أبسط المستويات، ولا يكون في الواقع ما تريد حقًا أن تعبِّر عنه.

12. أوهام نمط الحياة المثاليَّة: لم تعد وسائل التواصل الاجتماعيّ مجرَّد وسيلة لمشاركة الأفكار والأفعال بين الأقران، لكنَّها أصبحت وسيلة لتأسيس سمات ومشاركات لأنماط الحياة، ومع ذلك، فهذا النمط من الحياة قد يكون مختلقًا وملفَّقًا في أوقات كثيرة، وهؤلاء الأشخاص الذين يتابعون مشاهير وسائل التواصل الاجتماعيّ يعتقدون بصدق أن هؤلاء الناس يعيشون حياة مثيرة لا تشوبها شائبة. وبدرجةٍ ما، فهؤلاء الذين شحذوا مشاعر نمط حياتهم المهنيَّة يبدو كأنَّهم اكتشفوا الأمر برمَّته وحقَّقوا الحريَّة المطلقة، لذا أصبحت حياتهم هي مهنتهم وكلّ ما يقومون به في حياتهم غرضه العرض، لكن لا شيء منه أصيل حقًا[4]. وبلا شك أنَّ وسائل التواصل الاجتماعيّ لها العديد من المميِّزات، إعلانات مجانيَّة وفرص لا نهائيَّة من التواصل خاصَّة مع الأصدقاء القدامى، لكن هناك جانب شرير تزداد خطورته عند البقاء «متّصلًا» طول الوقت، فوسائل التواصل الاجتماعيّ غيَّرت بشكل سلبي من نظرتنا لأنفسنا وللآخرين، والأمر يزداد سوءًا.
 
الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعيّ، مركز الحرب الناعمة

[1] الترجمة الكاملة لمانيفيستو زوكربرغ..رؤية مؤسس فيسبوك، نشرت بتاريخ 21/2/2017، موقع ساسة بوست.
[2] مستقبل الثقافة والفكر في ظل هيمنة شبكات التواصل الاجتماعي، موقع النبأ، نشر الأحد 26 اذار 2018، رابط المقال : https://annabaa.org/arabic/informatics/14678
[3] التقرير العربي الرابع للتنمية الثقافية الصادر عام 2011 / الشباب العربي على الانتنرت مؤشرات ودلالات، ومشروع المحتوى الرقمي العربي
[4] كيف تؤثر السوشيال ميديا على تقديرنا لذواتنا؟، جينيفر بيتش، ترجمة حفصة جودة، نشر بتاريخ 22/5/2017 موقع نون بوست

 

استهل الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله، كلمته في الاحتفال التكريمي الذي أقامه حزب الله عصر اليوم الجمعة بمناسبة الذكرى السنوية السادسة لاستشهاد القائد الجهادي الكبير، السيد مصطفى بدر الدين (ذو الفقار)، بتجديد تبريكاته وتعازيه لعائلة الشهيد، والترحييب بالأخوة والاخوات المشاركين في الاحتفال. وقال: الحمد لله وُفقنا هذا العام لاحياء ذكرى الأخ العزيز القائد الجهادي الشهيد مصطفى بدر الدين رضوان الله تعالى عليه.

وأضاف السيد نصر الله: "قبل أيام توفى الله تعالى أحد إخواننا سماحة الشيخ علي شحيمي وهو من إخواننا وأصدقائنا القدامى، وكان عالمًا مخلصًا وعاملًا ودودًا، دمث الأخلاق، يحمل روحًا استشهادية، وكان من الذين سجّلوا أسماءهم ضمن لوائح الاستشهاديين".

وتابع: "ونعزّي برحيل سماحة الشيخ علي شحرور وكان عاملًا جليلًا معروفًا وله تاريخ طويل في التبليغ الديني والمنبر الحسيني وفضله لا ينسى، كما نعزّي برحيل العالم المحقق المجاهد الشيخ حاتم اسماعيل".

ولفت سماحنه إلى أنه "خلال العامين الماضيين قضى الكثير من إخواننا وأخواتنا بسبب المرض وكورونا.. كل العائلات الكريمة تتوقع مني ذكر أسمائهم وأنا يشرّفني ذكر أسماء إخواني وأخواتي الذين يرحلون ويستشهدون أيضًا لكن اقتصرت هذه المرة على العلماء".

وتناول السيد نصر الله شخصية الشهيد القائد السيد ذو الفقار، معدّدًا مزاياه، وقال: "أصبح معروفًا من خلال كل التقارير الإضاءة على شخصية الشهيد القائد السيد بدر الدين والكثير من ملامح هذه الشخصية.. بعد شهادة القادة تُعلن أسماءهم الحقيقية وتنتشر صورهم وسيرهم ويبين حالهم للناس وأما الذين همّ على قيد الحياة، حالهم حال الوضع السابق".

وتابع: "الشهيد بدر الدين لديه شجاعة عالية وشهامة وهمّة كبيرة وإرادة وعزم وجدّية وغيرة وحماسة وذكاء وإبداع وبيان قوي وقدرة خطابية عالية، وكان شاعرًا ينظم القصائد للقدس وفلسطين والأئمة عليهم السلام..".

وأردف السيد نصر الله: "حمل الشهيد بدر الدين كلّ الأوسمة مجاهدًا وجريحًا، إلى أن استشهد وقضى عمره في مواجهة الصهاينة والتكفيريين.. الشهيد بدر الدين هو أحد رموز جيل بكامله، جيل مؤمن ومجاهد في لبنان والمنطقة، كما الحال بالنسبة لإخوة كثيرين مثل الشهيد القائد عماد مغنية، وهو الذي كان حاضرًا باسمه ذو الفقار في كل الساحات.. أي ساحة فلسطين ولبنان وسوريا".

وتطرق الأمين العام لحزب الله إلى ذكرى النكبة وقال: "لم تكن نكبة فلسطين فقط بل كانت نكبة كل العرب وهي حادثة لا تنتهي مصائبها ولا آلامها، منذ 74 سنة ما زالت هذه المنطقة وشعوبها يعانون من نتائج تلك النكبة التي أوجدها الكيان الصهيوني، والأهم الآن إزاء هذه النكبة هو موقف الشعب الفلسطيني خلال عقود وما يجري في الأسبايع الماضية و"سيف القدس".

وأكّد أنَّ الشعب الفلسطيني حسم خياره منذ وقت طويل وهو اليوم حاضر في الميادين والساحات، وقال: "أنا اعتقد أن إيمان الاغلبية الساحقة من الشعب الفلسطيني بخيار المقاومة الآن أقوى من أي زمن مضى، ولو قُدّر لهذا الاحتلال أن يستمر ولم تكن هناك مقاومة، ماذا يمكن أن يكون وضع لبنان خلال عشرات السنين الماضية وحاضر لبنان؟، أي نكبة يمكن أن يعيشها الشعب اللبناني؟

ورأى أنه "كما انتظر الشعب الفلسطيني والشعوب العربية من 1948 إلى 1967 إلى اليوم، كان المطلوب من الشعب اللبناني انتظار استراتيجية عربية موحدة من أجل تحرير لبنان من الاحتلال الصهيوني، وميزة جيل السيد مصطفى بدر الدين الذي لم ينتظر دولًا عربية ومنظمات إسلامية ومجتمعًا دوليًا ومجلس أمن دولي بل المقاومة في لبنان بدأت منذ الساعات الأولى للاجتياح.. من قلب المواجهة الأولى المباشرة مع العدو من الميدان خرجت المقاومة وحاربت العدو". لافتًا إلى أن عددًا من الذين قاتلوا في معركة خلدة، تولى المواقع القيادية والعسكرية الأساسية في المقاومة.

وقال السيد نصر الله: "لا يتوهمّن أحد أن العالم العربي قادر على حماية لبنان، فهو لم يستطع حماية فلسطين عندما كان موحدًا ومتماسكًا، وهو لم يستطع حتى الآن أن يحمي فلسطين ولم يحرر لبنان، ولم يساعد على تحريره.. الذي يحرر ويحمي هو شعبنا وإرادتنا ومقاومتنا ووعينا وثقتنا واتكالنا على الله وسواعدنا وهذا الجمهور الشريف والمبارك والمضحي".

وتناول السيد نصر الله في كلمته، اتفاقية 17 أيار/ مايو 1983 مع العدو الصهيوني، فلفت إلى أن الأغلبية الساحقة من النواب اللبنانيين من كل الطوائف والمناطق وافقوا على هذه الاتفاقية، ما عدا نائبين اثنين هما زاهر الخطيب، ونجاح واكيم.

وأشار إلى أن اتفاقية 17 أيار كانت مدعومة من فريق لبناني طويل عريض ينادي اليوم بالسيادة!، إلا أنه "كان هناك رفض واسع من الشعب اللبناني ومن العلماء المسلمين ومن علمائنا، وسوريا كان لها موقف حاسم وإيران كذلك، وحصلت أحداث أدت فيما بعد الى اسقاطها". مؤكدًا أن المقاومة بكل فصائلها وقواها أسقطت اتفاقية 17 أيار.

وأضاف السيد نصر الله: "ماذا فعلت الدولة والسلطة لحماية لبنان في 17 أيار؟ ذهبوا إلى أسوأ خيار إلى التفاوض مع العدو، من موقع الضعف والاستسلام وفاوضوا ووقعوا اتفاقية مذلة للبنان تنتقص من سيادته وتنتقص من كرامته وحريته على أرضه".

وأوضح أنّ "السلطة التي كانت تدير هذه الدولة في الثمانينات، وقّعت اتفاقية 17 أيار.. الدولة عبارة عن مؤسسات وداخل الدولة هناك السلطة.. الدولة في الحقيقة هي الإطار الذي تتواجد فيه السلطة لإدارة البلد.. عندما تقول لي الدولة قل لي من هي السلطة التي تحكم الدولة؟".

وشدّد على أنَّ جيل الشهيد القائد مصطفى بدر الدين هو الذي أوصلنا إلى التحرير في عام 2000، وما ينعم به لبنان من سيادة وبركة وحرية هو ببركة هؤلاء الشهداء وهذه المقاومة.

وقال السيد نصر الله: إن "الشهيد بدر الدين كان المسؤول العسكري في مواجهة نيسان 1996 وأدار الكثير من العمليات النوعية والاستشهادية وفي مقدمها العملية النوعية في أنصارية.. المقاومة ساهمت في كشف وتفكيك الكثير من شبكات التجسس الصهيونية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية، والسيد مصطفى بدر الدين كان مساهمًا إلى جانب الدولة في تفكيك الشبكات الصهيونية".

وأكَّد سماحته أنَّ الأجهزة الأمنية مصمّمة عى المضي في تفكيك شبكات التجسس، طالب كل القيادات بدعم هذا الاتجاه، كما طالب القضاء اللبناني بـ"حسم حقيقي لأنّ هناك قرارات صادمة للشعب اللبناني".

ولفت إلى أنه في ظل تصاعد قدرات المقاومة بات العدو "الإسرائيلي" محتاجًا للكثير من العملاء وبدأ التجنيد بطريقة غير متقنة وغير احترافية.

وأشار إلى أن الشهيد بدر الدين كان يدير المعركة في سوريا في المرحلة الأولى من داخل لبنان، ولكن عند اشتداد المرحلة أصبح يدير المعركة من الميدان في داخل سوريا".

وقال: "الأميركيون أنفسهم تفاجؤوا بدخول حزب الله في معركة القصير وأدت المعركة إلى تحولات استراتيجية في مسار الحرب... شبابنا واخواننا والجيش السوري ساهموا في تغيير الخط البياني للمعركة وبدأ التحول، ومعركة القصير هي التي أسّست لتحرير المناطق الحدودية..

وتابع السيد نصر الله: "في كل المعركة كان الشهيد بدر الدين قائدًا مركزيًا، وفي معركة السيارات المفخخة والذهاب إلى عقر دار الجماعات التي ترسل الانتحاريين كان السيد مصطفى بدر الدين القائد ورأس الحربة"، مؤكدًا أنه "بعد أربعين سنة خياراتنا وخيارات فريقنا السياسي هي التي انتصرت".

ولفت السيد نصرالله الى ان عملية انصارية كانت بقيادة مشتركة من الشهيدين القائدين مصطفى بدر الدين والحاج عماد مغنية، مشيراً الى ان ما ينعم به لبنان اليوم من امن وسيادة هو ببركة وفضل هذه المقاومة وهؤلاء الشهداء والمضحين، معتبراً ان جيل السيد ذو الفقار وعماد مغنية الذي التحق به اجيال هو الذي حمى لبنان الى اليوم، مشدداً على ان المقاومة ساهمت في كشف وتفكيك الكثير من شبكات التجسس الاسرائيلية بالتعاون مع الاجهزة الامنية، مطالباً كل القيادات والقوى السياسية في لبنان ان تدعم توجه القوى الامنية في تفكيك الشبكات التجسسية.

في المعركة الكونية على سوريا اكد السيد نصرالله ان القائد بدر الدين كان حاضرا، ومعركة القصير اسست لتحرير المناطق الحدودية بين سوريا ولبنان، وفي معركة السيارات المفخخة والذهاب الى عمق الجماعات التي تفخخ وترسل السيارات كان السيد ذو الفقار هو القائد ورأس الحربة.

واعلن السيد نصرالله انه على مدى اربعين عاما كانت خياراتنا وخيارات فريقنا السياسي هي الصائبة وهي التي انتصرت، والذين ايدوا الجماعات المسلحة في سوريا ودعموها وارسلوا مقاتلين لم يكن لديهم جرأة الاعلان عن ذلك، مشيراً الى ان حزب الله من جملة القوى اللبنانية التي قدمت تضحيات جسام، ونحن ذاهبون في لبنان الى وضع فيه تحديات كبيرة جدا .

وتابع: الذين راهنوا على "إسرائيل" في الداخل اللبناني، والشريط الحدودي، وتحوّلوا إلى متاريس لحمايتها في المواقع الأمامية، هؤلاء ماذا حصّلوا غير الذلّ والهزيمة والفرار.. وفريق ثان انتظر الاستراتيجية العربية ولم يحصل على شيء.. فريق آخر هو المقاومة المنطلقة من إرادة الشعب اللبناني هو الذي انتصر.

وأردف: "للأسف الشديد بعد 40 عامًا ما زال هذا الانقسام حول الخيارات قائمًا لكن أقول بكل اعتزاز إن خياراتنا وخيارات فريقنا السياسي هي الصائبة وهي التي انتصرت".

وفي موضوع سوريا، قال السيد نصر الله: "كان هناك خيارات أيضًا، وهناك من وقف على التل؛ تصوّروا لو أنّ الحرب الكونية في سوريا انتصرت؟ هذا النزاع ما زال قائمًا.. نحن من جملة القوى اللبنانية التي قدّمت تضحيات جسام وعددًا كبيرًا من القادة الشهداء وآلاف الجرحى والآلاف من إخواننا دخلوا إلى السجون من أجل كرامة هذا البلد وعزته".

وخاطب سماحته أولائك الذين يناقشون بالانتماءات الوطنية بالقول: "نحن أكثر المعنيين بالحفاظ على البلد وهويته.."، لافتًا إلى أن الإنقسام في لبنان ما زال موجودًا، وهو اليوم انقسام حاد وبالتالي هناك تحديات كبيرة.. نحن ولدنا هنا وندفن هنا ولا يتوقعنّ أحد أننا سنضعف أو نتخلى عن بلدنا الذي دفعنا من أجله كل هذا الدم الغالي..".

ولفت سماحته إلى أننا "اليوم في لبنان أمام تحديات كبيرة وخطيرة جدًا.. مؤسسة الكهرباء تقول البلد إلى عتمة شاملة، وطحين لا يوجد، والدولار إلى ارتفاع، فقد وصل إلى حدود 31 ألف ليرة، وأدوية السرطان غير موجودة، وممكن أن تصل تنكة المازوت إلى المليون ليرة". مشدّدًا على أن التحدي الداهم هو الأزمة الاقتصادية والمعيشية، وأزمة الخبز والدواء والكهرباء، وليس سلاح المقاومة.

وأضاف قائلًا: "إن أكثر من يعرف الفريق الذي ندعوه للشراكة اليوم هم الأميركيون، ومنهم ديفيد شينكر الذي وصفهم بأنهم شخصانيون، ولا يهمهم مصلحة البلد، بل همهم مصلحتهم الشخصية فهذا توصيفهم من العارف بهم".

وقال: "استمعت خلال اليومين الماضيين لبعض الخبراء الاقتصاديين العالميين يقولون إن 64 دولة متجهة إلى الانهيار من بينها لبنان ومن بينها دول مطبّعة مع "إسرائيل".. إحدى هذه الدول المطبّعة مع "إسرائيل" بدأت ببيع ممتلكات الدولة وأصولها.. هذا يتطلب حركة طوارئ للمجلس النيابي والحكومة الجديدة التي ستتشكل فهذه هي الأولويات".

وأكّد السيد نصر الله موضوع الانفتاح شرقًا وغربًا وعدم الخضوع لرضا وغضب أميركا وضرورة ترتيب وإعادة العلاقات مع سوريا بسرعة.. موضحًا ان أكثر بلد يمكن أن يستفيد من ترتيب العلاقات مع سوريا هو لبنان.

وخاطب سماحته اللبنانيين والقادة السياسيين والنخب في لبنان قائلًا: "لا يوجد ترف الوقت ونحن أمام استحقاقات داهمة وصادمة وخطيرة.. استخراج النفظ هو باب الأمل الأساسي للخروج من أزمتنا لا التسول وقروض البنك الدولي.. فلتباشروا بالعمل على البلوكات التي وافقتم كدولة عليها والزمتموها للشركات ونحن سنتابع هذا الموضوع..

وختم السيد نصر الله كلمته مؤكدًا جدية العمل على استخراج النفط والغاز خصوصًا في البلوكات الجنوبية.. معتبرًا ان "أوضح السبل وأهمها وأشرفها وأكرمها أن نمد يدنا إلى الكنز في بحرنا".

 

قالت الرئاسة التونسية يوم الجمعة إن الرئيس قيس سعيد كلف استاذ القانون الصادق بلعيد برئاسة لجنة استشارية مكلفة بصياغة مشروع دستور جديد لتونس لتأسيس "جمهورية جديدة" مستبعدا الأحزاب السياسية من إعادة هيكلة النظام السياسي.

وعزز سعيد حكم الرجل الواحد منذ سيطرته في الصيف الماضي على السلطة التنفيذية وحله البرلمان ليحكم بمراسيم في خطوات وصفها معارضوه بأنها انقلاب.

وقال سعيد بعد ذلك إنه سيستبدل دستور 2014 الديمقراطي بدستور جديد من خلال استفتاء في 25 يوليو تموز وإجراء انتخابات برلمانية جديدة في ديسمبر كانون الأول.

وتتكون اللجنة التي يرأسها أستاذ القانون صادق بلعيد من عمداء القانون والعلوم السياسية. وقالت الجريدة الرسمية إنه يتعين علي اللجنة تقديم تقريرها في 20 يونيو حزيران إلى رئيس البلاد.

وبالتوازي مع ذلك تم تشكيل لجنة أخرى تضم ست مؤسسات عامة من بينها الاتحاد العام التونسي للشغل القوي لتقديم مقترحات للإصلاحات. ولا تضم هذه اللجنة أيضا أي حزب سياسي.

وفي أول رد فعل على تعيين الرئيس هيئة استشارية لإعداد دستور جديد واقتراح إصلاحات اقتصادية وسياسية قال الاتحاد العام التونسي للشغل إنه يرفض المقترحات.

ويتهم المعارضون الرئيس التونسي بمحاولة تعزيز حكم الرجل الواحد كما واجهت اجراءاته انتقادات في الخارج أيضا. ويرفض سعيد هذه الاتهامات ويقول إنه ليس ديكتاتورا وإنه يريد تغيير تونس بعد "عقد من الخراب".

ودعت دول غربية إلى إجراء حوار تشارك فيه النقابات والأحزاب السياسية والمجتمع المدني لإعادة تونس إلى المسار الديمقراطي لمساعدتها ماليا مع معاناتها من أسوأ أزماتها المالية.

وتسارعت وتيرة تعزيز سعيد لسلطته هذا العام بعد حله المجلس الأعلى للقضاء وتهديده بفرض قيود على جماعات المجتمع المدني مما أعطى الرجل البالغ من العمر 64 عاما سيطرة شبه كاملة.

وعين سعيد أيضا هذا الشهر هيئة انتخابات جديدة مسيطرا على واحدة من آخر الهيئات المستقلة في تونس ومثيرا شكوكا بشأن نزاهة الانتخابات.

المصدر:رویترز

وقفة احتجاجية أمام القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول تضامنا في أبو عاقلة

وصفت منظمة العفو الدولية قرار إسرائيل عدم التحقيق في اغتيال الزميلة شيرين أبو عاقلة بأنه انتهاك للقانون الدولي، في حين بحث وزيرا الدفاع الأميركي والإسرائيلي ملف أبو عاقلة، وسط دعوات لإجراء تحقيق شفاف، ولا سيما في ظل 6 روايات لجيش الاحتلال.

وأشارت المنظمة الدولية إلى أن امتناع الاحتلال عن التحقيق في مقتل أبو عاقلة انتهاك إضافي لحق شيرين في الحياة، كما وصفت القرار الإسرائيلي بأنه انتهاك واضح لالتزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي.

وكانت وكالة "أسوشيتد برس" (Associated Press) نقلت عن مصدر عسكري أن الجيش الإسرائيلي حدّد البندقية التي يحتمل أن تكون قد أطلقت منها الرصاصة التي قتلت مراسلة الجزيرة، الزميلة شيرين أبو عاقلة.

ولكن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي قال إنه لا مجال في الوقت الراهن لفتح تحقيق بشأن ظروف مقتل أبو عاقلة.

وقال مراسل الجزيرة إن تحقيق النيابة العامة ومعهد الطب العدلي الفلسطيني كشف أن الرصاصة التي قتلت الزميلة أبو عاقلة تستخدمها قوات الاحتلال الإسرائيلي فقط.

وأظهرت مقاطع فيديو ما يؤكد شهادة الزميل مجاهد السعدي الذي كان أحد المرافقين للزميلة شيرين أبو عاقلة.

وكان السعدي قد تحدث عن استهداف قوات الاحتلال المتعمّد لفريق الصحفيين، الأمر الذي أدى إلى اغتيال الزميلة شيرين أبو عاقلة، ولم يكن هناك في التسجيل أي مظاهر لاشتباكات في حين كان فريق الصحفيين يسير بشكل اعتيادي.

من جهته، قال أحمد الديك المستشار السياسي لوزير الخارجية الفلسطيني إن إسرائيل تحاول التهرب من تحمل المسؤولية عن إعدام الشهيدة شرين أبو عاقلة، وقال الديك -في مقابلة سابقة مع الجزيرة- إن السلطة الفلسطينية لن تسلّم جيش الاحتلال أي دليل يتعلق بإثبات أنهم ارتكبوا هذه الجريمة البشعة، حسب وصفه.

وتساءلت بعثة فلسطين لدى الأمم المتحدة في تغريدة على تويتر عن من سيحاسَب على مقتل شيرين أبو عاقلة مع قرار الجيش الإسرائيلي عدم التحقيق في مقتلها.

 

مواقف دولية

في السياق، وقع 56 نائبا في مجلس النواب الأميركي رسالة تطالب مدير مكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي) بإجراء تحقيق في مقتل أبو عاقلة.

من جهته قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) جون كيربي إن اللقاء بين وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن ونظيره الإسرائيلي بيني غانتس تطرق إلى مقتل الصحفية شيرين أبو عاقلة.

وأضاف كيربي ردا على سؤال لمراسل شبكة الجزيرة أن أوستن رحب بإعلان إسرائيل نيتها إجراء التحقيق، مشيرا إلى أن واشنطن تريد أن يكون هذا التحقيق شاملا وشفافا.

من جهتها، أيدت الصين إجراء تحقيق شامل وشفاف في قضية اغتيال الزميلة شيرين أبو عاقلة على يد جنود الاحتلال الإسرائيلي. وفي رده على سؤال الجزيرة عن موقف الصين من إعلان الجيش الإسرائيلي رفضه إجراء التحقيق، قال المتحدث باسم الخارجية الصينية وانغ وِن بين إن بلاده تأمل أن يكون التعامل مع الحادثة عادلا ومنصفا.

بدوره، أكد ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أن المنظمة الدولية لا تزال تدعو إلى إجراء تحقيق مستقل وشفاف في مقتل مراسلة قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة، وذلك عقب إعلان الشرطة العسكرية الإسرائيلية عدم فتح تحقيق جنائي في مقتلها.

وأوضح دوجاريك أن الأمانة العامة للأمم المتحدة تحتاج تقليديا إلى تفويض من هيئة تشريعية أممية كي تشارك في أي تحقيق بشأن الحادثة.

من جهته، قال الرئيس السابق للاتحاد الدولي للصحفيين فيليب لوروث إن القوات الإسرائيلية اغتالت مراسلة قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة لأنها كانت صحفية شاهدة على أحداث أرادت كشفها للعالم.

وأضاف أن إسرائيل تروّج لنفسها على أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، لكن قتل الصحفيين هو أخطر انتهاك لمبادئ الديمقراطية.

روايات إسرائيلية

تعددت روايات جيش الاحتلال الإسرائيلي بخصوص اغتيال الزميلة الشهيدة شيرين أبو عاقلة، خصوصا في اليوم الأول للاغتيال؛ إذ صدرت 6 روايات إسرائيلية.

الرواية الأولى

في 11 مايو/أيار (يوم اغتيال أبو عاقلة) جاءت الرواية الأولى التي نقلتها وسائل إعلام ومواقع إسرائيلية، ونسبتها لمصدر عسكري، بأن الجيش "حيّدَ إرهابيين في مخيم جنين"، لكنها سارعت إلى شطبها من مواقعها، بعد أن تبيّن أن صحفيين أصيبا، هما علي السمودي الذي أصيب بجراح، و شيرين أبو عاقلة التي قتلت بهذه النيران.

الرواية الثانية

وفي اليوم ذاته أشارت رواية للجيش الإسرائيلي إلى أن التقديرات الأولية، خلافا لما ينشر في وسائل الإعلام العربية، هي أن مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة قتلت نتيجة نيران مسلحين فلسطينيين في مخيم جنين أثناء تغطيتها الإخبارية.

الرواية الثالثة

وفي وقت لاحق من اليوم ذاته جاءت الراوية الثالثة على لسان رئيس الأركان الإسرائيلي أفيف كوخافي الذي قال إنه في هذه المرحلة لا يمكن تحديد مصدر إطلاق النار عليها، وإن فريقا خاصا شُكّل لتوضيح الحقائق وتقديمها كاملة، وفي أسرع وقت ممكن.

الرواية الرابعة

وفي اليوم نفسه أيضا أفادت الرواية الرابعة للجيش الإسرائيلي بأنه باشر بالتحقيق، وشكّل فريقا مهنيا لبحث ظروف مقتل شيرين أبو عاقلة، وسيصل إلى الحقيقة.

 الرواية الخامسة

وفي 15 مايو/أيار كشف في الرواية الخامسة مسؤول إسرائيلي أن جنديا إسرائيليا كان يحمل بندقية مجهزة بعدسة تلسكوبية أطلق النار على بعد نحو 190 مترا من الزميلة أبو عاقلة، وقد يكون هو من أصابها.

الرواية السادسة

وأمس الخميس أعلن الجيش الإسرائيلي رفضه فتح تحقيق جنائي في ظروف اغتيال الزميلة شيرين أبو عاقلة.

المصدر : الجزيرة + وكالات

الثلاثاء, 17 أيار 2022 17:21

هل أنت مقتنع بإختياراتك؟

د. فوزية الدريع

   قف لمدة دقيقة.. نعم، دقيقة واحدة، لا أكثر، واسأل نفسك هذا السؤال المهم: في هذا الأمر الذي أريد شراءه أو اتباعه أو قوله، هل أنا فعلاً مقتنع بذلك؟ الإجابة قد تُنقذ حياتك، أو على أقل تقدير تُقلل الخطأ في حياتك. والدراسات العلمية الجديدة والقديمة تؤكد لنا أن كثيراً من الأمور التي نقوم بها هي ليست ناجمة عن قناعة شخصية، لكنها بفعل غسل دماغ أجري لنا. ويأتي السؤال المهم، مَن الذي أجرى لنا غسل الدماغ هذا؟ الإجابة باختصار: كل الدنيا، وكل ما حولنا ومَن حولنا، بشكل مُتعمّد أو غير متعمّد. إنّ الأمر كله يعود إلى حقيقة، هي قابلية دماغنا في أن يُصدّق ما يُقال له. لو فكرنا بتلقائيّة لوجدنا، على سبيل المثال، أنّ الطفل يُخزن في دماغه كل الذي يتعلمه منذ ولادته. ومَن يقوم بتزويده بهذه المعلومات؟ نحنُ وكل الذين حوله. ولكننا حين نكبر ويصبح لدينا فعلياً قرار، فإننا في معظم الأحيان نقول "نعم" أو نقول "لا". لكن، علميّاً، ثبت أن مسألة التفكير والإرادة ليست حقيقة بهذه القوة، وأن معظمنا يقول "نعم" وينساق لا شعورياً إلى ما يُقال، خاصة إلى أعيد عليه ما يُقال له. أوَلم يقولوا: "كثر الدّق يفك اللحام"؟ في تجربة قديمة جدّاً، قام رجل أميركي له هوَس بتجارب التجابات الإعلانات والشراء على مُخّنا، في عام 1960، واسمه Vicary، بشراء وقت في السينما، فكان يأخذ نحو خمس ثوانٍ بين استراحات عديدة خلال عرض الفيلم، يعرض من خلالها دعاية لأحد المشروبات الغازية ودعاية "البوب كورن". ووجد أنّه خلال أيام ازداد بيع المشروب الغازي في صالة السينما إلى قُرابة 29%، وازداد بيع "البوب كورن" بمعدّل 60%. إذن، كل الحكاية أنّ المخ، في اعتقادي، يحاول جاهداً الانسياق، ويكون له رأيه. لكن تكرار أي كلمات عليه يجعله يخضع وينصاع، حتى لو كان الأمر لغير مصلحته. بالطبع، كلنا الآن ندرك أنّ الدعايات تؤثر فينا، ولولا هذا الأمر لَمَا صرفت الشركات الملايين على الدعايات. لكن الأمر في مسألة غسل الدماغ يتعدّى مسألة الدعايات. فحياتنا كلها فيها أشخاص يكررون علينا أمراً قد لا يكون لمصلحتنا، بل قد يكون مضرّاً لنا، لكننا نستسلم له. كم طفلاً جلس وهو ناضج على الكرسي في عيادتي، مُحطّماً، فاقداً الشخصية المتزنة، فاقداً القدرة على الوصول إلى حقيقته.. والسبب، أنّ هناك تكرار غسل دماغ حصل له من قِبَل أحد والديه أو كليهما، بأن يكرّرا عليه كلمة: "غبي" أو "مُتعِب"، أو "لا يفهم". وحين أرى الحقيقة أجدها عكس ذلك. أي أجد أمامي شخصاً ذكياً. ولكن كل الذي حصل مع هذا الطفل هو عملية غسل دماغ طويلة. لكن هناك ناضجين قد يتعرضون لحالة غسل الدماغ، على الرغم من مشوار النضج والثقة، مثل زوجة يُكرّر عليها زوجها أنها غير جميلة، أو غير مدبِّرة، حتى تصل بعد مقاومة إلى الاقتناع بذلك، أو موظفة يوصل لها رئيسها رسالة بأنها غبية، وقد يكون غسل الدماغ في الاتجاه المعاكس، أي أن نجد شخصاً يقول له أصدقاؤه إنّه عظيم، فيُصدّق ذلك. ولذلك، قِف أمام ما يُملى عليك من وسائل الإعلام ومن الأصدقاء، ومن الأقرباء، وفكر: هل استطاعوا بهذا التكرار زرع قناعة داخلك أنت لا تريدها؟

المصدر:البلاغ

الثلاثاء, 17 أيار 2022 17:19

ما الذي يستنزف طاقاتك؟

الافتقار إلى النوم ليس السبب الوحيد لذلك الإحساس بالتعب والخمول الذي يعانيه الكثيرون، خاصة في فصل الشتاء.
أسباب تراجُع مستويات الطاقة لدينا كثيرة وتختلف باختلاف الأشخاص وأنماط حياتهم. فهناك مَن يتبع نظاماً غذائياً صحياً غنياً بالفيتامينات، خاصة فيتامين (C) المعروف بقدرته على تعزيز الطاقة والنشاط، وعلى الرغم من ذلك يسيطر عليه شعور بالخمول والتعب. وهناك مَن يحصل على قدر وافر من ساعات النوم، لكنه لا يتمتع بالنشاط والحيوية. ما الأسباب الرئيسية وراء استنزاف طاقاتنا، وكيف السبيل إلى تبديد الخمول ورفع مستويات الطاقة والنشاط.
1- وجبة الإفطار: يؤدي تفويت وجبة الصباح إلى تباطؤ عملية الأيض وحرمان الجسم من الوقود الذي يحتاج إليه للقيام بوظائفه بشكل جيد. تقول اختصاصية التغذية الأميركية جوي باور، إن تأثير نوعية الطعام الذي نتناوله صباحاً في طاقتنا، لا يقل أهمية عن تأثير تفويت الوجبة أو تناولها. فالكربوهيدرات المصنّعة التي نأكلها في المعجنات مثلاً (الكرواسان، المافينز) تحث الدماغ على إفراز السروتونين، وهي ناقلات عصبية تجعلنا نشعر بالارتياح والاسترخاء، في الوقت الذي نكون فيه في أمس الحاجة إلى التيقُّظ والاندفاع. فضلاً عن ذلك فإن الجسم يهضم هذه الكربوهيدرات المصنّعة بسرعة، ما يؤدي إلى ارتفاع كبير في مستويات سكر الدم، يليه انخفاض سريع مماثل، ما يؤدّي إلى هبوط حاد في مستويات الطاقة لدينا.
- الحل: يجب أن نبدأ يومنا بتناول وجبة إفطار تحتوي على 5 غرامات من البروتين على الأقل. فالبروتين يحث الجسم على إفراد نوريبينفرين، وهي مادة كيميائية تنشط إيقاع نبض القلب وتعزز درجة التيقُّظ. وخلافاً للكربوهيدرات، فإن هضم البروتين يتم ببطء، ما يساعد على استقرار مستويات سكر الدم الكاملة (3 غرامات من الألياف الغذائية، و120 وحدة حرارية) مع الحليب منزوع الدسم ونصف كوب من ثمار العلّيق، وملعقة طعام من الجوز المقطع (تحتوي كل حصة منها على 10 غرامات من البروتين). ويمكن للأشخاص الذين يفضّلون تناول الأطعمة المالحة، أن يختاروا طبقاً من العجّة المؤلفة من بياض 4 بيضات، نصف كوب من البروكولي المقطع، ربع كوب من البصل المقطع، 30 غراماً من الجبن المبشور خفيف الدسم (تحتوي كل حصة على 22 غراماً من البروتين).
2- ملابس العمل: الملابس الضيقة والأحذية ذات الكعوب العالية التي ترتديها النساء في المكتب أثناء العمل، تؤثر سلباً في مستويات الطاقة لديهنّ. وكانت الدراسات التي أجرتها الرابطة الأميركية للنشاط البدني في سان دييغو، قد أظهرت أن عدد الخطوات الذي تمشيه النساء يومياً، ينخفض بمعدل 490 خطوة في الأيام التي ترتدي فيها ملابس سميكة، مقارنة بالأيام التي تختار فيها ملابس عادية مريحة. ويعلق الاختصاصي الأميركي البروفيسور سيدريك براينت، فيقول إنه مع تراجع مستوى النشاط البدني الذي تقوم به النساء، تنخفض مستويات الطاقة لديهنّ. والجلوس خلف المكتب طوال النهار يؤدي إلى تباطؤ الدورة الدموية، ما يخفف من كمية الأوكسجين المنشط الذي يصل إلى مختلف خلايا الجسم.
- الحل: يجب اختيار الملابس التي تسمح لنا بالحركة، والأحذية المريحة التي تزيد من احتمال إقدامنا على المشي، خلال النهار، أما إذا تعذّر ذلك، فيمكننا الاحتفاظ بحذاء خفيف في المكتب ننتعله في فترة الغداء ونخرج في نزهة سيراً على الأقدام.
3- الفوضى التي تعم المكتب: إنّ البحث في أكوام غير مرتبة من الأوراق والملفات على المكتب، أمر يستنزف الوقت والطاقة في حدِّ ذاته، غير أن مجرد النظر إلى هذه الأكوام، يمكن أن يُسبِّب التوتر، تقول البروفيسورة كارول لاندو، أستاذة علم النفس العيادي في كلية براون الأميركية للطب، إن النظر إلى الأشياء التي تعمُّها الفوضى، لا يؤدي إلى التوتر فحسب، بل إنه يُسبِّب تراجعاً في مستويات الأداء والفاعلية، كما يستنزف طاقات الدماغ.
- الحل: قليل من الفوضى أمر مقبول، لكن يجب الحرص على ترتيب المكتب، بحيث لا تتراكم عليه أشياء لا نستخدمها. تقول الاختصاصية الأميركية لورا ستاك، إننا يجب ألّا نضع على مكاتبنا إلّا الأشياء التي نستخدمها باستمرار. أما الأشياء الأخرى، فيجب أن نضعها داخل الأدراج. وللحفاظ على ترتيب المكتب، يمكن تخصيص 5 دقائق عند نهاية كل يوم عمل، لوضع الوثائق التي يتم العمل عليها في ملف خاص، وترتيب الوثائق الأخرى المنجَزَة في أمكنتها. يقول الاختصاصي الأميركي البروفيسور ستيفن بيرغلاس، إنّ تحضير المكتب لاستقبال اليوم التالي، يمنحنا شعوراً بإنجاز العمل وإتمامه، ما يؤدّي فوراً إلى تخفيف التوتر الذي يؤثر سلباً في مستويات الطاقة.
4- عادة احتساء القهوة: إن احتساء فنجان من القهوة في الساعة الثالثة بعد الظهر، يساعد على تنشيطنا في فترة بعد الظهر، غير أن تأثيره يستمر للأسف، حتى أثناء الليل. تقول باور، إن الكافيين يمكن أن يبقَى في الجسم مدة تصل إلى أكثر من 8 ساعات. وهذا يعني أن تناول القهوة في وقت متأخر بعد الظهر، يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات في النوم، ما يحرمنا من الراحة الضرورية للتمتع بالنشاط في اليوم التالي.
- الحل: يجب حصر استهلاكنا القهوة في فنجانين أو ثلاثة فناجين يومياً (تحتوي على ما يتراوح بين 200 و300 ملغ من الكافيين)، مع الحرص على تناول الفنجان الأخير قبل 8 ساعات من موعد النوم. وفي حالة الإحساس بالخمول في فترة بعد الظهر، يمكن الاستعاضة عن القوة بوجبة خفيفة غنية بالبروتين، مثل حفنة من اللوز.
5- التوتر والقلق: تقول الدكتورة نيسا غولدبيرغ، مديرة المركز الطبي الخاص بصحة القلب، التابع لجامعة نيويورك، إن التوتر المزمن يزيد من سرعة نبض القلب ويرفع ضغط الدم، ما يجبر الجسم على بذل مجهود إضافي لأداء وظائفه. إضافة إلى ذلك، فإن التوتر والقلق يجعلاننا نميل إلى شد عضلاتنا، ما يُسبِّب آلاماً وتعباً. كذلك فإن الأشخاص القلقين، غالباً ما يتنفسون بشكل سطحي، فلا يحصلون على كمية كافية من الأوكسجين. وتُعلّق غولدبيرغ قائلة، إن هذا التنفس السطحي يزيد من تراكُم ثاني أوكسيد الكربون في الدم، ما يجعلنا نشعر بالتعب والترنّح.
- الحل: أفضل ما يمكننا أن نقوم به عندما نشعر بالقلق، التنفس بعمق وببطء ثلاث مرات، فمن شأن ذلك أن يمنح الجسم جرعة كبيرة من الأوكسجين المنشط، ويسهم في إبطاء نبض القلب السريع. وما إن يتوافر لدينا بعض الوقت، علينا القيام بنشاط مريح يخفف من تأثير الضغوط مثل مشاهدة فيلم فكاهي، أو الخروج مع الأصدقاء.
6- تأخير موعد الاستيقاظ في عطلة نهاية الأسبوع: إنّ الإفراط في النوم خلال عطلة نهاية الأسبوع كتعويض عن ساعات النوم الضائعة خلال أيام الأسبوع، ليس بالأمر المفيد للصحة. وتعلق اختصاصية النوم الأميركية البروفيسورة آمي ولفسون، فتقول إن ذلك يؤدي إلى اضطرابات في إيقاع ساعة الجسم البيولوجية التي تتحكم في دورة النوم واليقظة. كذلك فإن النوم لساعة متأخرة صباحاً، سيؤدي بالضرورة إلى النوم في ساعة متآخرة ليلاً، ما يزيد من صعوبة التأقلم من جديد مع روتين العمل الأسبوعي.
- الحل: يجب الحرص على عدم تأخير موعد النوم المعتاد لأكثر من ساعة خلال عطلة نهاية الأسبوع. كذلك فإن النوم مدة ساعة إضافية يؤدي إلى اضطراب الإيقاعات البيولوجية. وفي حال استمرار الشعور بالترنح صباحاً بعد رنين جرس المنبه، يجب فتح ستائر غرفة النوم، فضوء الشمس يبعث برسائل إلى الدماغ يعلن له فيها أن وقت الاستيقاظ قد حان.
7- الافتقار إلى فيتامين (C): الكثيرون منا لا يحصلون على ما يكفي من فيتامين C، والمعروف أن انخفاض مستويات هذا الفيتامين يؤدي إلى الخمول. أما سبب ذلك فيعود إلى أن فيتامين C يساعد الجسم على إنتاج الكارنيتين، وهي جزئية تحمل الأحماض الدهنية إلى داخل الخلايا، حيث يتم حرقها لإنتاج الطاقة. تقول البروفيسورة كارول جونستون، أستاذة علوم التغذية في جامعة أريزونا الأميركية، إن نقص الكارنيتين يجبر الجسم على استخدام الكربوهيدرات أو البروتين كبدائل لإنتاج الطاقة. ويمكن لهذا يُسبِّب إفراز الجسم حامض اللاكتيك، وهو مادة لا فائدة لها، تتراكم في الأنسجة وتُضعف العضلات.
- الحل: يجب الحصول على الكمية المنصوح بتناولها يومياً من هذا الفيتامين، وهي 75 ملغ، وذلك عن طريق تناول المنتجات الطبيعية الغنية به مثل البرتقال والكيوي (تحتوي كل ثمرة منهما على 70 ملغ)، البروكولي (يحتوي فنجان من البروكولي المقطع على 74 ملغ)، أو الفراولة (يحتوي الفنجان من الفراولة على 89 ملغ).

 

الثلاثاء, 17 أيار 2022 17:18

فيض الرّحمة الإلهيّة

يقول الله تعالى في كتابه المجيد: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأنعام/ 54). وقال تعالى: (وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَالْمُحْسِنِينَ) (الأعراف/ 56).

يريد الله تعالى في هاتين الآيتين، أن يؤكّد أنّ العنوان الأساس الذي ينبغي أن يتصوّر الإنسان به ربَّه هو عنوان الرّحمة، فهو الرّحمن الرّحيم الذي كان الوجود كلّه مظهراً من مظاهر رحمته، ليشعر الإنسان ـ دائماً ـ بقربه من الله، من خلال حركة الرّحمة التي وسعت كلّ شيء، وبأنّ رحمة الله قريبةٌ من جراحه لتضمّدها، ومن آلامه لتخفّفها، ومن همومه لتكشفها، ومن جوعه لتُشبعه، ومن عطشه لترويه، ومن ذنوبه لتغفرها، ومن طموحاته لتحقّقها، ومن خطواته لتسدّدها، ومن مسيرته لتصوّبها، ومن كلّ مصيره لتفتحه على مواقع الرّضوان في الدُّنيا والآخرة.

وهكذا تقترب رحمة الله من صلاة الإنسان لترفعها، ومن دعائه لتسمعه وتجيبه، ومن عمله لتتقبّله، بما يشعر معه الإنسان بأنّه لا يستقلّ بعملٍ من دون رحمة الله تعالى، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أما إنّه لا ينجي إلّا عملٌ مع رحمة». وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما خلق الله من شيء إلّا وقد خلق له ما يغلبه، وخلق رحمته تغلبُ غضبه»

وهكذا كانت الرّحمة هي العنوان الّذي أراده الله تعالى لنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال عزّ وجلّ: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة/ 128)، وهو الّذي امتدَّت رحمته لتتوجّه إلى الإنسان كلّه، فقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء/ 107).

وهكذا نستوحي من كلّ ذلك، أنّ على المسلم أن يعيش أفق الرّحمة في حياته للنّاس من حوله، وهي التي تمثّل الوصيّة التي يتواصى بها المجتمع الإسلامي، وهذا ما نقرأه في قوله تعالى: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) (البلد/ 17). وهو ما أكّده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لمّا قال له رجل: أحبّ أن يرحمني ربّي، فقال له النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «ارحم نفسك وارحم خلق الله يرحمْك الله». وعن الإمام عليّ (عليه السلام): «من لم يرحم الناس، منعه الله رحمته».

وهكذا ينطلق الإنسان المسلم في حياته بالرّحمة، ويتحرّك معها بالحكمة التي تضع الرّحمة في مواضعها؛ لأنّ في الناس من يضرّهم اللّين، فتكون الرّحمة بهم أن نقسو عليهم ليستقيموا، وأن نشتدّ عليهم ليرجعوا، وهذا ما أشار إليه الإمام عليّ (عليه السلام) بقوله: «رحمة من لا يرحم تمنع الرّحمة، واستبقاء من لا يُبقي يُهلك الأمّة».