Super User
في ذكرى البعثة النبوية المباركة وارهاصاتها(*)

لقد سطع إسم محمّد بن عبدالله ((صلى الله عليه وآله)) في مجتمع الجزيرة العربية في وقت كان الوهن والتفكك قد بدا على أواصر ذلك المجتمع بكل نواحيه وكانت شخصيّة محمّد بن عبدالله ((صلى الله عليه وآله)) تزداد تألّقاً وسموّاً.
وبدأت تظهر استقامة شخصيته في كل جوانب سلوكه وكمالاته الاخلاقية. الى جانب الأصالة العائلية المتمثلة في كرم المحتد وطهارة المولد يرفده الإمداد الغيبي والتسديد الإلهي الذي يصونه عن كلّ المعاصي والمساوئ.
ولقد كان علي بن أبي طالب أكثر الناس التصاقاً ومعرفة بالرسول((صلى الله عليه وآله))، وكلامه عن الرسول أصدق قول حيث قال: «ولقد قرن الله به ((صلى الله عليه وآله)) من لَدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره (1)».
وقد روي عنه ((صلى الله عليه وآله)) مدى بغضه للأصنام منذ الطفولة ففي قصة سفره إلى الشام مع عمه أبي طالب نجده يرفض أن يقيم وزناً للأوثان(2).
لقد اختار محمّد ((صلى الله عليه وآله)) لنفسه ولبناء شخصيته منهجاً خاصّاً حقّق له حياة زاخرة بالمعنوية والقيم السامية فلم يكن كَلاًّ على أحد ولا عاطلاً عن العمل، فقد رعى الأغنام لأهله حين كان فتىً يافعاً(3) وسافر للتجارة في عنفوان شبابه(4); وفي جانب آخر من شخصيته الفذّة نلمس جمال الإنسانية متجليّاً في كمال الرحمة وغاية العطف على الضعفاء والفقراء وخير نموذج على ذلك تعامله مع زيد بن حارثة الذي رفض العودة الى أبيه وفضّل الحياة الكريمة مع محمد ((صلى الله عليه وآله (5))).
وهكذا نعرف أن محمداً ((صلى الله عليه وآله)) كان قبل بعثته رجلاً لبيباً فاضلاً رشيداً طوى سنوات شبابه وهو يملك أسمى مقوّمات التعامل الإنساني والاجتماعي في مجتمع الجزيرة الجاهلي وقد فاق بشخصيته المُثلى جميع من سواه في عامة المجتمع الإنساني آنذاك، وبذلك شهد له التنزيل قائلاً له: ( وإنّك لعلى خُلُق عظيم (6)) .
تمثل نصوص القرآن الكريم أقدم النصوص التاريخية التي تتمتع بالصحة والدقة والمعاصرة لأحداث عصر الرسالة الإسلامية، والمنهج العلمي يفرض علينا أن لا نتجاوز نصوص القرآن الكريم فيما يخص عصر النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) الذي نزلت فيه الآيات حين بعثته واستمرت بالنزول حتى وفاته.
وإذا عرفنا أن الروايات التاريخية المتمثلة في كتب الحديث والسيرة قد تأخّر تدوينها عن عصر وقوع الحوادث أوّلاً، كما أ نّها قريبة من الدس وتطرق التزوير إليها ثانياً; كان من الطبيعي والمنطقي أن نعرضها على محكمات الكتاب والسنة والعقل لنأخذ ما يوافقها ونرفض ما يخالفها.
وينبغي أن لا يغيب عنا أن النبوة سفارة ربّانية ومهمة إلهية تتعيّن من قبله سبحانه وتعالى لغرض رفد البشرية بالهداية اللازمة لها على مدى الحياة. وأن الله إنما يصطفي من عباده مَن يتمتّع بخصائص فذة تجعله قادراً على أداء المهامّ الكبرى المرادة منه وتحقيقها بالنحو اللائق.
إذن لابدّ أن يكون المرسَل من قبله تعالى مستوعباً للرسالة وأهدافها وقادراً على أداء الدور المطلوب منه على مستوى التلقيّ والتبليغ والتبيين والتطبيق والدفاع والصيانة . وكل هذه المستويات من المسؤولية تتطلب العلم والبصيرة (المعرفة ) وسلامة النفس وصلاح الضمير والصبر والإستقامة والشجاعة والحلم والإنابة والعبوديّة لله والخشية منه والإخلاص له والعصمة (التسديد الرباني ) على طول الخط.
ولم يكن خاتم المرسلين بدعاً من الرسل بل هو أكملهم وأعظمهم فهو أجمع لصفات كمالهم والله أعلم حيث يجعل رسالته.
ومن أبده القضايا ومن مقتضيات طبائع الأشياء أن يكون المرشَّح لمهمّة ربانيّة كبرى على استعداد تام لتقبّلها وتنفيذها قبل أن يتولّى تلك المهمة أو يرشّح لأدائها. إذن لابد للنبي الخاتم أن يكون قد أحرز كل متطلّبات حمل هذه المسؤولية الإلهية وتوفّر على كل الخصائص اللازمة لتحقيق هذه المهمة الربانية قبل البعثة المباركة. وهذا هو الّذي تؤيده نصوص القرآن الكريم.
1 ـ قال تعالى: (كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(7).
2 ـ وقال أيضاً: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِم مِنْ أَهْلِ الْقُرَى )(8).
3 ـ وقال أيضاً: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُول إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَ نَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ )(9).
4 ـ وقال أيضاً: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)(10).
إذن مصدر الوحي هو الله العزيز الحكيم. والمرسَلون رجالٌ يُوحي اليهم الله سبحانه معالم توحيده وعبادته ويجعلهم أ ئمةً يهدون بأمره كما يوحي إليهم تفاصيل الشريعة من فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وهم القدوة لغيرهم في العبادة والتجسيد الحي للاسلام الحقيقي لله سبحانه.
وفيما يخص خاتم النبيين يقول سبحانه وتعالى :
1 ـ ( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ...)(11).
2 ـ (شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ*... فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَاب وَأُمِرْتُ لاَِعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)(12).
3 ـ (اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَـبَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ)(13).
4 ـ (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)(14).
5 ـ (وَمَا كَانَ لِبَشَر أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ* وَكَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم)(15) .
إنّ الذين عاصروا الرسول الكريم قبل بعثته وحتى وفاته لم يقدّموا لنا تصويراً صحيحاً وواضحاً عن الرسول قبل بعثته بل وحين البعثة. ولعلّ أقدم النصوص وأتقنها هو ما جاء عن ربيب الرسول وابن عمه ووصيّه الذي لم يفارقه قبل بعثته وعاشره طيلة حياته، إلى جانب أمانته في النقل ودقته في تصوير هذه الشخصية الفذة. فقد قال عن الفترة التي سبقت البعثة النبوية وهو يتحدّث عن الرسول ((صلى الله عليه وآله)):
«ولقد قرن الله به ((صلى الله عليه وآله)) من لدن أن كان فطيماً اعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم. ليله ونهاره. ولقد كنت أ تّبعه اتّباع الفصيل أ ثَر اُمّه. يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً. وقد كان يُجَاور في كلِّ سَنَة بحراء فأراه ولا يراه غيري»(16).
ويتوافق هذا النص مع قوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم)(17). فقد نزل هذا النص في بداية البعثة. والخُلق ملكة نفسية متجذرة في النفس لا تستحدث خلال أيام، فوصفه بعظمة خُلُقه يكشف عن سبق اتصافه بهذه الصفة قبل البعثة المباركة.
وتتضح بجلاء بعض معالم شخصيته((صلى الله عليه وآله)) قبل البعثة من خلال نص حفيده الإمام الصادق((عليه السلام)): «إنّ الله عزّ وجلّ أدّب نبيّه فأحسن أدبه فلمّا أكمل له الأدب قال: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم) ثم فوّض اليه أمر الدين والاُمّة ليسوسَ عباده»(18).
على أنّ الخلق العظيم جامع لتمام المكارم التي فسّرها النص الوارد عن النبيّ((صلى الله عليه وآله)) حيث يقول: «إنما بُعثت لاُتمم مكارم الأخلاق»(19). فكيف يراد له تتميم مكارم الاخلاق وهو لم يتصف بها بعدُ؟! اذن لابدّ من القول بأنّ النبيّ((صلى الله عليه وآله)) كان قبل البعثة قد أحرز جميع المكارم ليكون وصفه بالخلق العظيم وصفاً صحيحاً ومنطقياً.
فالرسول قبل بعثته كان مثال الشخصية المتّزنة المتعادلة والواعية المتكاملة والجامعة لمكارم الأخلاق ومعالي الصفات وحميد الأفعال.
والنصوص القرآنية التي تشير الى ظاهرة الوحي الرسالي وكيفية تلقي الرسول ((صلى الله عليه وآله)) له تصرّح بشكل لايقبل الترديد بما كان عليه الرسول من الطمأنينة والثبات والاستجابة التامة لأوامر الله تعالى ونواهيه التي كان يتلقّاها قلبه الكريم.
لاحظ ما سقناه اليك من نصوص سورة الشورى، واقرأ أيضاً ما جاء في غيرها مثل قوله تعالى:
1 ـ (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى* وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى* عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى* ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى* وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى* ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى* فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى* فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى* مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى)(20).
2 ـ ( قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَة مِن رَبِّي )(21).
3 ـ (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ)(22).
4 ـ (قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْي )(23).
5 ـ (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ )(24).
6 ـ (وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَبِّ زِدْنِي عِلْماً)(25).
7 ـ (وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَـا يُوحِى إِلَيَّ رَبِّي )(26).
8 ـ ( قُلْ هذِهِ سَبِيلي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي )(27).
واذا عرفت ما جاء في هذه النصوص القرآنية المباركة تستطيع أن تولّي وجهك شطر المصادر الحديثية والتأريخية لتقف على محكماتها ومتشابهاتها.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أ نّها قالت: «أول ما بدئ به رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبّب اليه الخلاء. وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه... ثم يرجع الى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء».
وليس في بداية هذا النص ما يدعو للإستغراب سوى أن عائشة لم تكن حين بدأ الوحي، والنص لا يفصح أ نّها عمّن استقت هذه المعلومات؟ وهي لم تروه عن رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) مباشرة. ولكن في ذيل النص ما هو مدعاة للاستغراب طبعاً.
قالت: «ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امريءً قد تنصّر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي فكتب بالعربيّة من الإنجيل ـ ما شاء الله أن يكتب ـ وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت خديجة: أي ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ابن أخي! ما ترى؟ فأخبره رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) ما رأى. فقال ورقة: هذا الناموس الذي اُنزل على موسى((عليه السلام))، يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حيّاً حين يخرجك قومك، فقال رسول الله: «أَوَمُخرِجيّ هم؟ فقال ورقة: نعم. لم يأت رجل قط بما جئت به إلاّ عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب(28) ورقة أن توفي»(29).
إن ورقة الذي لم يُسلِم بعد هو عارفٌ بما سيجري على النبيّ فضلاً عن علمه بنبوته! بينما صاحب الدعوة والرسالة نفسه لم يتضح له الامر بعد! وكأنّ ورقة هو الذي يفيض عليه الطمأنينة! والقرآن قد صرّح بأنّ النبيّ((صلى الله عليه وآله)) على بيّنة من ربّه، كما عرفت ذلك في أكثر من آية تنصّ على أن الرسل هم مصدر الهداية للناس وهم أصحاب البيّنات وليس العكس هو الصحيح، بينما يشير هذا الحديث الى أن ورقة هو الذي عرف رسالة النبيّ قبله فبعث فيه الطمأنينة.
وهذا هو الذي فتح الطريق لأهل الكتاب للغمز في رسالة النبيّ محمد((صلى الله عليه وآله)) إذ قالوا بأن نبيّكم ـ بموجب نصوصكم هذه ـ لم يطمئن الى أنه رسول من الله إلاّ بعد تطمين ورقة المسيحي له، وقد تجرأ البعض حتى ادّعى أن محمداً((صلى الله عليه وآله)) قسيس من القساوسة الذين ربّاهم ورقة استناداً إلى هذا النص الذي نقلته كتب الحديث وتداوله المؤرخون! وهذه ثغرة حصلت من الإبتعاد عن محكمات العقل والكتاب والسنة جميعاً.
وهل يصدّق بهذا عاقل عرف المنطق القرآني وتعرّف على شخصية الأنبياء في القرآن الكريم؟ وكيف يمكن له أن يؤمن بمضمون هذا النص على أنه حقيقة; لمجرد زعم انتسابه إلى عائشة زوجة النبيّ ((صلى الله عليه وآله))؟!
وثمة نصّ آخر في تاريخ الطبري هو أكثر فظاعة من هذا وأدعى للريب في محتواه حيث يذكر أن النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) كان نائماً وجاءه الملك وعلّمه مطلع سورة العلق.. يقول النص بعد ذلك: «وهببت من نومي وكأنما كتب في قلبي كتاباً. قال: ولم يكن من خلق الله أحدٌ أبغض إليّ من شاعر أو مجنون، كنت لا أطيق أن أنظر اليهما، قال: قلت: إن الأبعد ـ يعنى نفسه ـ لشاعر أو مجنون! لا تحدّث بها عني قريش أبداً! لأعمدنّ إلى حالق من الجبل فلأطرحنّ نفسي منه فلأقتلنّها فلأستريحن. قال: فخرجت أريد ذلك حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل»(30).
إن اضطراب النبيّ وخوفه يبلغ به النهاية حتى يريد الانتحار بينما يريد الله اختياره للنبوة وهداية الناس ودعوتهم إلى الحق، فهل يتناسب ما في الرواية مع حقائق الرسالة التي هي من الوضوح بمكان ؟ !
وهكذا نستطيع أن نعرض نصوص التاريخ على محكمات العقل والكتاب والسنّة لنخرج بنتائج واضحة تاركين ما لا يصمد أمام النقد العلمي البنّاء.
وبعد ملاحظة النصوص الصريحة من الكتاب العزيز ـ إذا لاحظنا ما ورد في بعض مصادر الحديث والسيرة مما يرتبط باللقاء الأوّل للرسول ((صلى الله عليه وآله)) مع الوحي الإلهي وما رافقه من غرائب تأباها النصوص القرآنية ـ جاز لنا أن نطمئن الى تَسرُّب الإسرائيليات إليها.
ويحسن بنا أن نقارن بين هذا النص الروائي وبين نص آخر ورد في بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي (رضوان الله تعالى عليه ) فيما يخصّ إرهاصات الوحي الرسالي وماتبعه من نتائج لوحظت على نفس الرسول ((صلى الله عليه وآله)) وشخصيته وسلوكه.
فعن الإمام علي بن محمد الهادي ((عليهما السلام)): أنّ رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) لمّا ترك التجارة إلى الشام وتصدّق بكل ما رزقه الله تعالى من تلك التجارات كان يغدو كلَّ يوم إلى حراء يصعده وينظر من قُلله الى آثار رحمة الله، وإلى أنواع عجائب رحمته وبدائع حكمته وينظر إلى أكناف السماء وأقطار الأرض والبحار والمفاوز والفيافي، فيعتبر بتلك الآثار، ويتذكّر بتلك الآيات، ويعبد الله حقّ عبادته.
فلمّا استكمل أربعين سنة ونظر الله عزّ وجلّ إلى قلبه فوجده أفضل القلوب وأجلّها وأطوعها وأخشعها وأخضعها أذن لأبواب السماء ففتحت ومحمّد ينظر إليها، وأذن للملائكة فنزلوا ومحمّد ينظر إليهم، وأمر بالرحمة فاُنزلت عليه من لدن ساق العرش إلى رأس محمد وغرّته، ونظر إلى جبرئيل الروح الأمين المطوّق بالنور طاووس الملائكة هبط إليه وأخذ بضبعه(31) وهزّه وقال:
يا محمد اقرأ، قال: وما اقرأ ؟ قال يا محمّد (اقرأ باسم ربّك الّذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربّك الأكرم * الّذي علّم بالقلم * علّم الإنسان ما لم يعلم)(32).
ثمّ أوحى إليه ما أوحى إليه ربّه عزّ وجلّ ثمّ صعد إلى العلو.
ونزل محمّد ((صلى الله عليه وآله)) من الجبل وقد غشيه من تعظيم جلال الله وورد عليه من كبير شأنه ما ركبه الحمّى والنافض ... وقد اشتدّ عليه ما يخافه من تكذيب قريش في خبره ونسبتهم إيّاه إلى الجنون، وإنّه يعتريه شياطين، وكان من أوّل أمره أعقل خلق الله، وأكرم براياه، وأبغض الأشياء إليه الشيطان وأفعال المجانين وأقوالهم، فأراد الله عزّ وجلّ أن يشرح صدره; ويشجّع قلبه، فأنطق الله الجبال والصخور والمدر، وكلّما وصل إلى شيء منها ناداه: السلام عليك يا محمّد، السلام عليك يا وليّ الله، السلام عليك يا رسول الله أبشر، فإنّ الله عزّ وجلّ قد فضّلك وجمّلك وزيّنك وأكرمك فوق الخلائق أجمعين من الأوّلين والآخرين، لا يحزنك أن تقول قريش إنّك مجنون، وعن الدين مفتون، فإنّ الفاضل من فضّله ربّ العالمين، والكريم من كرّمه خالق الخلق أجمعين، فلا يضيقنّ صدرك من تكذيب قريش وعتاة العرب لك، فسوف يبلغك ربّك أقصى منتهى الكرامات، ويرفعك إلى أرفع الدرجات، وسوف ينعّم ويفرّح أولياءك بوصيّك عليّ بن أبي طالب، وسوف يبثّ علومك في العباد والبلاد بمفتاحك وباب مدينة حكمتك: علي بن أبي طالب، وسوف يقرّ عينك ببنتك فاطمة، وسوف يخرج منها ومن عليّ : الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة، وسوف ينشر في البلاد دينك وسوف يعظّم اُجور المحبّين لك ولأخيك، وسوف يضع في يدك لواء الحمد فتضعه في يد أخيك عليّ، فيكون تحته كلّ نبيّ وصدّيق وشهيد، يكون قائدهم أجمعين إلى جنّات النعيم(33).
وحين نقارن بين هذا النص الروائي وما سبقه مما رواه الطبري نلاحظ البون الشاسع والفرق الكبير بين الصورتين عن بداية البعثة وشخصية الرسول((صلى الله عليه وآله)). فبينما كانت تصوّره الرواية الاُولى : شاكّاً ومضطرباً ـ اضطراباً ناشئاً عن الجهل بحقيقة ما يجري له! ـ تصوّره الرواية الأخيرة : عالماً مطمئناً متفائلاً بمستقبل رسالته منذ بداية الطريق . وهذه الصورة هي التي تنسجم مع محكمات الكتاب والسنّة والتاريخ .
مراحل حركة الرسالة في العصر المكي
1 ـ بناء الخلية الإيمانية الاُولى :
وبعد اللقاء الأوّل مع وحي النبوّة أخذت تتدرّج الآيات القرآنية بالنزول، ويبدو أنه بعد أن نزلت عليه الآيات الاُولى من سورة المزملّ شرع النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) يهيّئ نفسه للخطوات التالية في طريق نشر الرسالة الإسلامية وبناء المجتمع الإسلامي، وكان عليه أن يعدّ العدّة لمواجهة الصعاب الكثيرة والمشاكل المتوقّعة، وأن يُحكم خطّته واُسلوبه في العمل.
إنّ أوّل ما بدأ به هو دعوة أهل بيته. أمّا خديجة (رضي الله عنها) فكان من الطبيعي أن تُصدّق النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) حيث عاشرته عمراً طويلاً ووجدت فيه منتهى السموّ الأخلاقي والطهر الروحي والتعلق بالسماء.
ولم يتكلّف النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) جهداً في دعوة ابن عمه وربيبه علي بن أبي طالب((عليه السلام)) الذي كان يحمل بين جوانحه قلباً طاهراً لم تلوّثه عبادة الأصنام قطّ، فبادر إلى التصديق به فكان أوّل القوم إسلاماً(34).
وكان اختيار النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) لعلي صائباً وموفّقاً لما كان يملكه عليّ ((عليه السلام)) من مؤهلات الطاعة والانقياد والقوة والاندفاع في الوقت الذي كان النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) بأَمسّ الحاجة إلى الناصر والمؤازر، فكان علي ((عليه السلام)) يمثّل ذراع النبوة في تبليغ الرسالة منذ انطلاقتها والعين الباصرة، ولسان الدعوة الناطق بها.
فأوّل من آمن علي ((عليه السلام)) حيث كان يرافق النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) في خلواته في حراء ثمّ خديجة وهما أوّل من صلّى مع رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) بعد أن كانا يوحّدان الله كالنبي((صلى الله عليه وآله)) متحدّيَيْنِ معه قوى الشرك والضلالة.(35) ثم التحق بهما زيد بن حارثة فكانوا هم المجموعة الخيّرة والنواة الأولى التي انفلق منها المجتمع الإسلامي .
2 ـ أدوار العصر المكّي :
لقد مرّ تبليغ الرّسالة الإسلامية على يدي النبيّ العظيم بثلاثة أدوار على الأقل حتى تهيّأت الظروف لتأسيس أوّل دولة إسلامية مباركة وهي كما يلي:
1 ـ دور إعداد القاعدة الأولى للرسالة الإسلامية. واصطلح البعض على هذا الدور بدور الخفاء أو دور الدعوة الخاصة.
2 ـ دور الدعوة المحدودة بالأقربين والصراع المحدود مع الوثنية.
3 ـ دور الصراع الشامل.
2/1 ـ دور إعداد القاعدة الاولى :
تحرك النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) داعياً إلى الإسلام بعد أن أمره الله تعالى بالقيام والانذار(36) ساعياً لبناء كتلة إيمانية تكون بؤرة نور وإشعاع لهداية المجتمع واستمر الحال هكذا حوالي ثلاث سنين مسدّداً بالغيب معصوماً من الزلل.
وكان التحرك الرسالي هذا محفوفاً بالمخاطر والصعوبات ولكنه كان متقناً متكاملاً.
وكان من أُسلوب الرسول((صلى الله عليه وآله)) في هذه المرحلة من الدعوة أن ينوّع الاختيار من حيث الانتماء القبلي والموقع الجغرافي والعمر لأتباعه ليوضح شمولية الرسالة ويضمن لها الانتشار في المجتمع الى أقصى ما يمكن; فاستجاب له ـ في بداية البعثة ـ المستضعفون والفقراء إذ كانت الرسالة الإسلامية منطلقاً نحو التسامي والحياة الكريمة والأمان، كما استجاب له من الأشراف من كان ذا نفس طيّبة وعقل منفتح وذا نزوع إلى السلوك النزيه.
ولم يتحسّس جبابرة قريش خطورة الرسالة وحسبوا أن الأمر لايعدو تكهّنات وتأملات لها سوابق اندثرت; فلم يشدّدوا على محاربتهم للرسالة للقضاء عليها في مهدها.
وفي هذا الوقت القصير استطاع الرسول ((صلى الله عليه وآله)) أن يصوغ من النفوس التي آمنت برسالته عناصر فعالة تحمل قيم الرسالة لتنطلق بها للناس، وهم أشد حرصاً على إسلامهم وأكثر يقيناً بإيمانهم مستنكرين بذلك ما كان عليه آباؤهم من شرك وخلق منحرف حتى تزايد الاستعداد لديهم لتحمل آثار الجهر بالرسالة.
ويروى أن النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) وأصحابه ـ في هذه الفترة ـ كانوا إذا جاء وقت العصر تفرقوا في الشِعاب فصلّوا فرادى ومثنى، فبينما رجلان من المسلمين يصليان في بعض شعاب مكّة اِذ ظهر عليهما رجلان من المشركين ـ كانا فاحشين ـ فناكراهما وعابا عليهما ما يصنعان ثم تضاربوا، وانصرفا(37).
ويبدو تكرر مثل هذه المواجهة مع المشركين(38). من هنا استعان النبيّ((صلى الله عليه وآله)) ببعض الدور للتخفي لممارسة العبادة والإتصال المنتظم به((صلى الله عليه وآله)) بعيداً عن أنظار قريش فكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم(39) خير ملجأ للمسلمين حينئذ.
2/2 ـ دور المواجهة الاُولى وإنذار الأقربين:
وحين شاع خبر الإسلام في أرجاء الجزيرة العربية وفي الوقت الذي بلغت فيه الفئة المؤمنة المستوى الروحي الذي يؤهلها لخوض الصراع كان لابد من الانتقال الى مرحلة الإعلان العام وكانت أوّل خطواته إنذار الأقربين وذلك في مجتمع تسوده الإعتبارات القَبَليّة . فمن الأولى إنذارهم قبل إنذار الناس كافة، وهكذا نزل الأمر الإلهي قائلاً بصراحة: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)(40); من هنا دعا النبيّ((صلى الله عليه وآله)) عشيرته الأقربين وأوضح لهم أمر الرسالة وهدفها ومستقبلها وكان فيهم من يرتجى خيره ويؤمّل إيمانه. ولئن نهض أبو لهب معلناً المعاداة والكراهية فقد تبنّى أبو طالب((عليه السلام)) دعم النبيّ((صلى الله عليه وآله)) وحماية رسالته.
وقد روى المؤرّخون أنّه ما إن نزلت آية إنذار العشيرة الأقربين أمر النبيّ((صلى الله عليه وآله)) عليّاً بإعداد وليمة ثمّ دعا عشيرته وكانوا أربعين رجلاً. وحين تأهب الرسول((صلى الله عليه وآله)) للحديث قاطعه عمّه عبد العُزّى ـ المعروف بأبي لهب ـ وحذّره من الاستمرار في التبليغ والإنذار، وحال دون تحقيق هدف الرسول((صلى الله عليه وآله)) فانفضّ المجلس. ولمّا كان من غد جدّد النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) أمره لعليّ بدعوته لعشيرته وبعد أن فرغوا من الطعام بادرهم النبيّ((صلى الله عليه وآله)) بقوله: «يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني الله عزّ وجلّ أن أدعوكم إليه فأيّكم يؤمن بي ويؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟» فسكتوا جميعاً إلاّ علي بن أبي طالب إذ نهض قائلاً: «أنا يا رسول الله أكون وزيرك على ما بعثك الله». فأمره رسول الله بالجلوس، وكرر الرسول ((صلى الله عليه وآله)) دعوته; فلم يجبه غير علي ((عليه السلام)) ملبياً الدعوة معلناً المؤازرة والنصرة. وعندها التفت رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) الى الحاضرين من عشيرته وقال: «إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم (أو عليكم) فاسمعوا له وأطيعوا». فنهض القوم من مجلسهم وهم يخاطبون أبا طالب ساخرين: «قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع»(41).
2/3 ـ دور المواجهة الشاملة
ورغم احتياطات النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) في المرحلة السابقة وتجنّبه من الدخول في مواجهة مباشرة مع قوى الشرك والوثنية فإنه كان يتعرّض خلالها للنقد واللوم اللاذع له ولبقيّة المسلمين.
وكان لدعوة بني هاشم الى الدين الجديد الأثر البالغ والذكر الشائع في أوساط القبائل العربية فقد تبين لهم صدق الدّعوة وجدّية النبوّة التي أعلنها محمّد ((صلى الله عليه وآله)) وآمن بها من آمن من أقربائه وغيرهم.
وبانقضاء السنوات الثلاث ـ أو الخمس ـ من بداية الدعوة نزل الأمر الإلهي بالصدع بالرسالة الإلهية والإنذار العام ليخرج الأمر عن الاتصال الفردي الذي كان يتمّ بعيداً عن الأنظار، لِيدعو الجميع إلى رسالة الإسلام والإيمان بالله الواحد الأحد الفرد الصمد، وقد وعد الله نبيّه ((صلى الله عليه وآله)) بتسديد خُطاه في مواجهة المستهزئين والمعاندين وذلك كما في قوله تعالى جلّ ذكره: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ)(42).
فتحرك النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) صادعاً بأمر الله بثقة مطلقة وعزيمة راسخة متحدياً كل قوى الشر والشرك، وقام على الصفا ونادى قريشاً من كل ناحية فأقبلوا نحوه فقال ((صلى الله عليه وآله)): «أرأيتكم إن أخبرتكم أنّ العدو مصبحكم أو ممسيكم ما كنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فنهض أبو لهب ليردّ على رسول الله فقال: تبّاً لك سائر هذا اليوم ألهذا جمعتنا؟! ـ فأنزل الله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتَبَّ )»(43).
لقد كان هذا إنذاراً صارخاً أفزع قريشاً إذ أصبح تهديداً علنياً لكل معتقداتهم وتحذيراً من عاقبة مخالفتهم لأمر الرسول ((صلى الله عليه وآله)) ... واتضح أمر الدين الجديد لأهل مكّة بل كل أطراف الجزيرة إذ أدركوا أنّ إنقلاباً حقيقياً سيحلّ بمسيرة البشرية ويرفع من شأنها في القيم والثقافة والمعايير والمواقع الاجتماعية وفق تعاليم السماء وينسف الشر من جذوره فكانت المواجهة مع قادة الشرك والطغيان مواجهة حقيقية لايمكن أن تنتهي إلى نقاط وفاق.
وخلال هذه الفترة كان دخل في الإسلام عدد من العرب وغير العرب حتى بلغوا أربعين رجلاً أو أكثر، ولم تتمكن قريش من تحطيم هذه النهضة الفتية إذ أن المؤمنين بها كانوا ينتمون إلى قبائل شتى، ومن هنا توسّلت قريش بالمواجهة السلميّة ابتداءً وحذّروا أبا طالب حامي الرسول وناصره في دعوته ورسالته.
ولكن أبا طالب ردّهم ردّاً جميلاً، فانصرفوا عنه((صلى الله عليه وآله))(44).
مراحل حركة الرسالة في العصر المدني:
تأسيس الدولة الإسلامية الاُولى
1 ـ الهجرة إلى يثرب :
لكي تتكامل حركة الرسالة وتتحقق للنبوّة أهدافها الربّانية المنشودة لابد أن تسدد وتؤيد بقوى الخير وعناصر تملك اليقين اللازم بالعقيدة وتؤثر العقيدة على نفسها وتستعد للتضحية على الدوام مع مؤهلات تصونها من الإنحراف.
لقد كان علي بن أبي طالب((عليه السلام)) ذلك العنصر الفذّ الذي قال له رسول الله ((صلى الله عليه وآله)): «يا علي إنّ قريشاً اجتمعت على المكر بي وقتلي وإنه أوحي إليّ عن ربي أن أهجر دار قومي، فنَم على فراشي والتحف ببردي الحضرمي لتخفي بمبيتك عليهم أثري فما أنت قائل وصانع؟»
فقال عليّ((عليه السلام)): أَوَ تَسلَمنَّ بمبيتي هناك يا نبي الله؟
قال: نعم، فتبسم علي ((عليه السلام)) ضاحكاً مسروراً وأهوى إلى الأرض ساجداً شاكراً لله تعالى لما أنبأه رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) من سلامته وقال ((عليه السلام)): إمض لما اُمرت فداك سمعي وبصري وسويداء قلبي(45).
وخرج رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) بعد منتصف الليل من داره تحيط به العناية الإلهية مخترقاً طوق قوات الشرك المحيطة بداره تاركاً عليّاً في فراشه.
وكم كانت خيبة أعداء الله حين اقتحموا دار النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) صباحاً شاهرين سيوفهم تفوح منها رائحة الموت، ويفيض الحقد من وجوههم يتقدمهم خالد بن الوليد، فوثب علي((عليه السلام)) من مضجعه في شجاعة فائقة فارتدّ القوم على أدبارهم وتملّكتهم دهشة وذهول وهم يرون فشل تخطيطهم وخيبة سعيهم وفقدانهم للرسول((صلى الله عليه وآله)).
وتوسّلت قريش بكلّ حيلة لتردّ هيبتها الضائعة لعلّها تدرك محمداً((صلى الله عليه وآله)) فأرسلت العيون، وركبت في طلبه الصعب والذلول حتّى وضعت مائة ناقة جائزة لمن يأتي بمحمد حياً أو ميتاً. وقادهم الدليل الحاذق مقتفياً أثر قدم الرسول((صلى الله عليه وآله)) إلى باب غار ثور فانقطع عنه الأثر فقال: ما جاوز محمّد ومن معه هذا المكان، إما أن يكونا صعدا إلى السماء أو دخلا في الأرض.
وفي داخل الغار كان صاحب النبيّ((صلى الله عليه وآله)) قد غلب عليه الخوف وهو يسمع صوت رجال قريش تنادي: اُخرج يا محمد، ويرى أقدامهم تقترب من باب الغار ورسول الله ((صلى الله عليه وآله)) يقول: (لاَتَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا)(46) .
وعادت عيون قريش خائبة لأنّها لا تعلم أن النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) في الغار بعد أن رأت العنكبوت قد نسج بيته على باب الغار وعندها بَنت الحَمامة عُشّها وباضت فيه(47).
وفي المساء التقى علي«(عليه السلام)» وهند بن أبي هالة بالنبي ((صلى الله عليه وآله)) بعد أن علما بمكانه وقد أدلى النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) بوصاياه لعليّ((عليه السلام)) من حفظ ذمّته وأداء أمانته ـ إذ كان محمد((صلى الله عليه وآله)) مستودع أمانات العرب ـ وأمره أن يبتاع رواحل له وللفواطم ويلحق به فقال له مطَمْئِناً: «إنهم لن يصلوا من الآن إليك يا علي بأمر تكرهه حتى تقدم عليّ، فأدِّ أمانتي على أعين الناس ظاهراً ثم إني مستخلفك على فاطمة ابنتي ومستخلف ربي عليكما ومستحفظه فيكما»(48).
وبعد ثلاثة أيام حين عرف النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) أنّه قد سكن الناس عن طلبه، تحرّك نحو يثرب يُسرع في السير ولا يعبأ بمشقة مستعيناً بالله واثقاً من نصره.
وحينما وصل منطقة (قباء) تريّث فيها أياماً ينتظر قدوم ابن عمّه علي ابن أبي طالب والفواطم عليه ليدخلوا جميعاً يثرب التي كانت تموج بالفرح والبهجة لقدوم النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) في حين دخل صاحب النبيّ ورفيق سفره إلى يثرب تاركاً الرسول((صلى الله عليه وآله)) في قباء!
وحين وصل عليّ بن أبي طالب((عليه السلام)) منهكاً من تعب الطريق ومخاطره ـ حيث كانت قريش قد تعقّبتهم حين علمت بخروجه بالفواطم ـ إعتنقه رسول الله((صلى الله عليه وآله)) وبكى رحمةً لما به(49).
وأقام رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) بـ (قباء) عدة أيام وكان أوّل عمل قام به هو كسر الأصنام(50) فيها، ثم أسّس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة فأدركته صلاة الظهر في بطن وادي (رانوناء) فكانت أول صلاة جمعة في الإسلام وخرج مسلمو يثرب بزينتهم وسلاحهم يستقبلون رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) ويحيطون بركبه وكلٌ يريد أن يتطلّع إليه ويملأ عينيه من هذا الرجل الذي آمنوا به وأحبّوه(50).
وما كان يمر رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) بمنزل أحد من المسلمين إلاّ ويأخذ بزمام ناقته ويعرض عليه المقام عنده وهو يقابلهم بطلاقة الوجه والبشر متجنّباً إحراج أيّ منهم وكان يقول: «خلّوا الناقة إنّها مأمورة».
وأخيراً بركت الناقة عند مربد(51) يعود لغلامين يتيمين من بني النجار أمام دار أبي أيّوب الأنصاري فأسرعت زوجته فأدخلت رحل رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) في دارها فنزل عندهم رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) إلى أن تمّ بناء المسجد النبوي وبيته ((صلى الله عليه وآله))(52).
وقد غيّر النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) إسم يثرب إلى (طيبة)(53) واعتبر هجرته اليها مبدءاً للتاريخ الإسلامي(54).
2 ـ بناء المسجد النبوي:
لقد اجتاز النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) ـ حين هاجر بالمسلمين ـ دائرة بناء الفرد. وبوصوله الى يثرب شرع في التخطيط لتكوين الدولة التي تحكمها قوانين السماء والشريعة الإسلامية السمحاء ومن ثم بناء الحضارة الإسلامية لتشمل كل الإنسانية في مرحلة ما بعد الدولة.
ومن أُولى العقبات أمام تأسيس الدولة الإسلامية وجود النظام القبلي الذي كان يحكم العلاقات في مجتمع الجزيرة، كما أن ضعف المسلمين كان لابدّ له من معالجة واقعية، فكان المنطلق بناء المسجد ليكون مكاناً لمهامّ متعددة، ومركزاً للسلطة المركزية التي تدير شؤون الدولة. وتمّ تعيين الأرض وشرع المسلمون بهمّة وشوق في العمل الجادّ لبناء المسجد وما يتطلبه من مستلزمات، وكان الرسول هو القدوة والأسوة ومنبع الطاقة التي تُحرِّك المسلمين في العمل فشارك بنفسه في حمل الحجارة واللبن، وبينما كان ذات يوم ينقل حجراً على بطنه، إستقبله اُسيد بن حضير فقال: يا رسول الله أعطني أحمل عنك قال ((صلى الله عليه وآله)): لا، إذهب فاحمل غيره.
وتمّ أيضاً بناء دار للرسول ((صلى الله عليه وآله)) ولأهل بيته ولم يكن البناء ذا كلفة كبيرة فقد كان بسيطاً كحياتهم، ولم ينس النبيّ ((صلى الله عليه وآله)) الفقراء الذين لم يجدوا لهم مسكناً يأوون إليه فألحق لهم مكاناً بجانب المسجد(55).
وأصبح المسجد مركزاً ومرتكزاً في حياة المسلمين العبادية والسياسيّة وذا دور فاعل في بناء الفرد والمجتمع.
3 ـ المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار:
ثم خطا النبيّ الأعظم((صلى الله عليه وآله)) خطوة اُخرى لإقامة الدولة الجديدة والقضاء على بعض قيم النظام القبلي من دون أن يمس القبيلة بشيء ، مستثمراً حالة التعاطف وحرارة الإيمان التي بدت من المسلمين فجعل أساس العلاقة بين الأفراد رابطة العقيدة والدين متجاوزاً علقة الدم والعصبية، فقال ((صلى الله عليه وآله)): تآخوا في الله أخوين أخوين، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب فقال: هذا أخي(56)، وأخذ كل رجل من الأنصار أخاً له من المهاجرين يشاركه الحياة. وبذا طوت المدينة على الصفحات الدامية من تأريخها ; إذ كانت لا تخلو أيامها من صراع مرير بين الأوس والخزرج يؤججه اليهود بخبثهم ودسائسهم وانفتح للمسلمين على العالم عهد جديد من الحياة الإنسانية الراقية حيث زرع رسول الله((صلى الله عليه وآله)) بذلك كلّ عناصر بقاء الاُمة، وفاعليتها الإيمانية.
الهوامش
*اقتبس هذا المقال من موسوعة أعلام الهداية ج1 (محمد المصطفى خاتم الأنبياء / الناشر: المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام).
(1) نهج البلاغة: 311/ ضمن الخطبة 192 (الخطبة القاصعة)
(2) السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 182، (قصه بحيرى) الطبقات الكبرى: 1 / 154 (ذكر علامات النبوّة فيه قبل أن يوحى إليه(صلى الله عليه وآله)).
(3) الطبقات الكبرى1: 126 (ذكر رعيه(صلى الله عليه وآله) للغنم)، السيرة الحلبية 1: 126 (باب رعيته(صلى الله عليه وآله) للغنم).
(4) الطبقات الكبرى 1: 129-130 (ذكر خروجه(صلى الله عليه وآله) الى الشام ثانيةً)، المنتظم لابن الجوزي2: 313 (ذكر الحوادث في سنة خمس و عشرين من مولده(صلى الله عليه وآله)).
(5) الاستيعاب 2: 116 - 117 (ترجمة زيد، رقم 848)، الوافي بالوفيات 15: 28 - 29 (ترجمة زيد رقم 32).
(6) القلم (68): 4.
(7) الشورى (42): 3.
(8) يوسف (12) : 109.
(9) الأنبياء (21) : 25.
(10) الأنبياء (21): 73.
(11) الشورى (42): 7 .
(12) الشورى (42): 13 ـ 15.
(13) الشورى (42): 17 .
(14) الشورى (42): 24.
(15) الشورى (42): 51 ـ 52.
(16) نهج البلاغة: 311 /ضمن الخطبة 192 (الخطبة القاصعة).
(17) القلم (68) : 4 .
(18) الكافي 1: 266 / ح 4 (باب التفويض الى رسول الله(صلى الله عليه وآله)).
(19) بحار الأنوار 16: 210، مجمع الزوائد 9: 15 (باب في حسن خلقه(صلى الله عليه وآله)).
(20) النجم (53) : 1 ـ 11.
(21) الأنعام (6): 57.
(22) الكهف (18): 110.
(23) الأنبياء (21): 45.
(24) الأنبياء (21): 108.
(25) طه (20) : 114.
(26) سبأ (34): 50.
(27) يوسف (12): 108.
(28) لم ينشب: لم يلبث.
(29) مسند أحمد 6: 232 - 233، (ما أسند عن عائشة).
(30) تاريخ الطبري 2: 48-49 (ذكر الخبر عمّا كان من أمرالنبيّ((صلى الله عليه وآله)) عند ابتداء نزول الوحي).
(31) الضبع: وسط العضد وفي المصدر: بضبعيه. وهزه: حركه.
(32) العلق (96): 1 ـ 5.
(33) بحار الأنوار 18: 205 ـ 208/ ح 36 نقلا عن التفسير المنسوب الى الإمام العسكري((عليه السلام)).
(34) السيرة النبوية لابن هشام : 1/245 (باب أن علي بن أبي طالب(رضي الله عنه) أوّل ذكر أسلم)، حلية الأولياء 1: 61/ (ترجمة علي بن أبي طالب(عليه السلام))، رقم 4.
(35) اُسد الغابة: 4 / 18 (في إسلام علي(عليه السلام))، حلية الأولياء: 1 / 66، (ترجمة علي(عليه السلام)) رقم 4، شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد: 3 / 256، مستدرك الحاكم: 3 / 112 (في إسلام علي(عليه السلام)).
(36) كما ورد في مطلع سورة المدّثر.
(37) المستدرك للحاكم 4: 52 (ذكر أروى بنت عبدالمطلب).
(38) السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 263 و282 (خروج الرسول بأصحابه الى الشعاب).
(39) المستدرك للحاكم 3: 502 (ذكر مناقب الأرقم)، السيرة الحلبية 1: 283، (باب استخفائه(صلى الله عليه وآله) في دار الأرقم).
(40) الشعراء (26) : 214.
(41) روى هذا الحديث أرباب السير و التواريخ بألفاظ متفاوتة، راجع تاريخ الطبري 2: 62 - 63 (ذكر أوّل من أسلم)، الكامل في التاريخ 2: 62 -63 (ذكر أمر الله فيه(صلى الله عليه وآله) بإظهار دعوته)، شرح النهج لابن أبي الحديد 13: 210 - 211 (ذكر خبر الوزارة)، السيرة الحلبية 1: 285 - 286 (باب استخفائه(صلى الله عليه وآله) وأصحابه).
(42) الحجر (15): 94 ـ 95.
(43) المناقب لابن شهر أشوب : 1 / 46 (فصل في مبعث النبيّ(صلى الله عليه وآله))، تاريخ الطبري 2: 62 (ذكر أوّل من أسلم)، الكامل في التاريخ 2: 60-61 (ذكر أمر الله فيه (صلى الله عليه وآله) بإظهار دعوته).
(44) السيرة النبوية لابن هشام1: / 265 (وفد قريش مع أبي طالب(عليه السلام))، تأريخ الطبري2: 64-65 (أمر الله بالصدع بالدعوة)، الكافي في التاريخ 2: 63 (ذكر أمر الله فيه(صلى الله عليه وآله) بإظهار الدعوة).
(45) أمالي الطوسي: 465 - 466 / ح 1031، المناقب لابن شهر آشوب 1: 183 (فصل في هجرته(صلى الله عليه وآله))، بحار الأنوار 19: 60/ ح 18. و قد أورده البعض بألفاظ مختلفة ومختصرة.
راجع مسند أحمد 1: 331 (ما أسند عن عبدالله بن عباس)، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 63 (قول النبيّ إنّ الله لا يخزي عليّاً أبداً)، المستدرك للحاكم 3:4 (كتاب الهجرة). و هناك مصادر كثيرة تجد ذكرها في إحقاق الحقّ 3: 23 - 45.
(46) التوبة (9): 40.
(47) راجع الخرائج والجرائح 1: 144-145 / ح 231-232، بحار الأنوار 19: 73-74 / 26.
(48) أمالي الطوسي: 467-468 / 1031، حلية الأبرار 1: 146-147، ب 15، ح 1، بحار الأنوار 19: 62 / 189.
(49) راجع الكامل في التاريخ: 2 / 106 (ذكر هجرة النبيّ(صلى الله عليه وآله)).
(50) البدء والتاريخ: 4 / 176 ـ 177.
(51) وصل النبيّ((صلى الله عليه وآله)) مدينة يثرب في 12 ربيع الأوّل، راجع الكامل في التاريخ 2: 107 (ذكر هجرة النبيّ(صلى الله عليه وآله)).
(52) المربد: كلّ موضع للإبل، كتاب العين للفراهيدي 8: 31.
(53) إعلام الورى بأعلام الهدى1: 154 - 155 (فصل 8 من باب 3)، المناقب لابن شهر آشوب 1: 185-186 (فصل في هجرته(صلى الله عليه وآله))، السيرة النبوية لابن هشام 2: 494 - 496، الطبقات الكبرى 1: 236 - 237 (ذكر خروجه(صلى الله عليه وآله) الى المدينة).
(54) تاريخ المدينة المنوّرة، عمر بن شبة النميري 1: 163 - 165 (الرسول يغيّر الاسم من يثرب الى طابة).
(55) تاريخ الطبري2:110-112 (ذكر الوقت الذي عمل فيه التاريخ)، البداية والنهاية لابن كثير 3: 251 (وقائع السنة الأولى من الهجرة).
(56) إعلام الورى بأعلام الهدى 1: 159 (فصل 8 من الباب 3)، بحار الأنوار 19: 112/ح 1.
(57) المناقب لابن شهر آشوب 2: 185 (فصل في الأُخوة مع النبيّ(صلى الله عليه وآله))، السيرة النبوية لابن هشام 2: 504 - 505 (المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار).
معهد اسرائيلي: أميركا ستضطر لتقديم الكثير من التنازلات في حال الحوار مع إيران

في تقرير له ناقش العلاقات "الإسرائيلية" الأميركية، ذكر معهد "دراسات الأمن القومي" الصهيوني أنه بالنظر إلى أن الولايات المتحدة ستضطر ـ في حال الحوار مستقبلا مع إيران ـ لتقديم الكثير من التنازلات، فإن نزاعات ومساجلات ستنشب بين أميركا و"إسرائيل" على خلفية ملفات عديدة منها "المظلة النووية"، ومذكرة التفاهم، وغيرها من الاتفاقيات غير الرسمية.
وأشار التقرير الذي أعده فريق بحث برئاسة "اود أران" إلى ثبات العلاقات الأميركية الإسرائيلية على مدى التاريخ رغم بعض التحديات، موضحا أن الزيارة الأخيرة للرئيس الاميركي باراك اوباما في مارس 2013، وعلى الرغم من فتحها لصفحة جديدة من العلاقات بين الطرفين، إلا أنها لم تستطع حل الخلافات بينهما حول قضايا من قبيل فلسطين والملف النووي الإيراني.
واستعراضا لبعض افاق السياسة الخارجية والدفاعية الأميركية، من قبل التركيز على الشرق الأقصى وتأثير الضغوط لتقليص الموازنة على التواجد العسكري الأميركي، أوضح التقرير أن الاضطرابات في بعض دول الشرق الأوسط جعلت أميركا في حيرة من أمرها بين دعم الحكومات الجديدة والشعوب الثائرة أو عدم دعمها، مضيفا: "على الرغم من كل تلك المشاكل لم تقرر أميركا لحد الآن ترك المنطقة".
وتنويها بعلاقات الزعماء الأميركان والصهاينة أكد المعهد أنه لا ينبغي توقع تحسن العلاقات بين "اوباما" و"نتانياهو" محذرا من أن استمرار البرود بين مسؤولي الجانبين لن يسهم أبدا في تحسين علاقاتهما وعليهما أن يسعيا لحل التوتر قبل وقوع أي كارثة.
وفيما يرتبط بالقضية الفلسطينية وإصرار أميركا على التدخل من خلال السعي لحل مشاكل الفلسطينيين الاقتصادية والغذائية لإقناع الزعماء الفلسطينيين بالجلوس إلى طاولة المفاوضات شدد المعهد على أنه إذا رفعت أميركا دعمها عن الكيان الصهيوني فسيتعرض الأخير لأزمة حقيقية ستؤثر على مسألة ترسيم الحدود وسيوتر العلاقات بينه وبين الولايات المتحدة.
أما فيما يتصل بالملف الإيراني فقد أوضح التقرير أن السياسة الأميركية تتسم باجتناب أي تدخل عسكري واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية وفرض الحظر الشديد لأن أميركا وبعد حربي العراق وأفغانستان ليست مستعدة للدخول في حرب عسكرية باهضة الثمن.
وكشف المعهد عن اختلاف في وجهات النظر بين أميركا وكيان العدو في هذا الشأن حول ما سيلي السيناريوهات غير العسكرية في حال فشلها ومن هو الطرف البادئ بالضربة وما هو توقيتها وكيفيتها وأردف قائلا: "على "إسرائيل" أن لا تسمح بانجرار أميركا لتوقيع معاهدات غير محبذة مع الجانب الإيراني يردعها عن ضرب إيران مما سيرغم "إسرائيل" إما على ضرب إيران عسكريا أو الموافقة على برنامجها النووي (...) على "إسرائيل" أن تظهر بوضوح أن خيار ضرب إيران سيكون خطرا للغاية".
وأوصى التقرير بضرورة تقريب وجهات النظر الصهيونية والأميركية حول قضايا المنطقة كسقوط بعض الحكومات العربية مردفا: "إذا سعت أميركا لتحسين العلاقات بين "إسرائيل" وتركيا ـ التي لا يبدو أنها ستتحسن في المدى القريب ـ فعلى "إسرائيل" أن تغض الطرف عن بعض القضايا كعلاقات تركيا بحركة حماس".
مستشار اوباما السابق: على واشنطن الاذعان بحقوق ايران النووية

أقر المستشار السابق للرئيس الأميركي "دنيس روس" أن الضغوط الاقتصادية لم تنجح في تغيير مسار البرنامج النووي الإيراني، ولا بد من اتباع استراتيجية جديدة تضمن حقوق إيران النووية السلمية وتخصيب اليورانيوم في إطار محدود.
نشرت صحيفة "واشنطن بوست" تحليلاً حول استراتيجية الولايات المتحدة الأميركية تجاه النشاطات النووية للجمهورية الإسلامية بقلم كل من "دينس روس" المستشار السابق في معهد سياسة الشرق الأدنى في واشنطن وأحد مستشاري الرئيس الأميركي باراك أوباما منذ عام 2009 حتى عام 2011، و"ديفيد مكوفيسكي" أحد أعضاء المعهد المذكور.
جاء في جانب من هذا التحليل: «في الوقت الذي تستقطب الأزمة السورية أنظار المجتمع الدولي نحوها فإن البرنامج النووي الإيراني يتواصل على قدم وساق وتم نصب جيل جديد من أجهزة الطرد المركزي التي تقوم بإنتاج اليورانيوم المخصب أسرع من السابق، كما توقفت المحادثات مع مجموعة الستة. والضغوط الاقتصادية بدورها قد أدت إلى تأزيم الأوضاع في إيران أكثر من السابق لكنها لم تفلح في عرقلة البرنامج النووي، لذا قد يحين الوقت لاستخدام القوة العسكرية ضد إيران. فلو قررت الإدارة الأميركية منح إيران فرصة دبلوماسية أخيرة فلا بد لها من تغيير استراتيجيتها في المحادثات أيضاً لزرع أواصر الثقة، وذلك عن طريق منح طهران بعض الحوافز في برنامجها النووي في إطار سلمي والتعامل معها بوضوح».
وزعم الكاتبان أن اتفاقاً محدوداً في هذا الصدد وتقليص نطاق إنتاج اليورانيوم الذي يتم تخصيبه بنسبة 20 بالمائة من شأنه ردع الجمهورية الإسلامية عن إنتاج وقود كافٍ لإنتاج سلاح نووي، وإدعيا أن طهران لا تزال تواصل نصب أجهزة الطرد المركزية من الجيلين الأول والثاني، وحتى لو قرر المجتمع الدولي منعها من تخصيب اليورانيوم أو تحديد ذلك فإنها قادرة على انتاج أربع أو خمس قنابل نووية اعتماداً على اليورانيوم المخصب بدرجة متدنية.
واقترح الكاتبان على الإدارة الأميركية وحلفائها الغربيين تغيير استراتيجيتهم قبل الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في الجمهورية الإسلامية في الرابع عشر من شهر حزيران / يونيو المقبل، بما في ذلك عدم معارضة امتلاك طهران طاقة نووية غير عسكرية بمعنى تخصيب اليورانيوم بشكل محدود وتحت رقابة دقيقة، وهذا الأمر من شأنه ردعها من امتلاك أسلحة نووية تهدد العالم-حسب زعمهما.
اختتام مؤتمر طهران حول سوريا بالدعوة للحوار ورفض التدخل

اختتم مساء الاربعاء في العاصمة الايرانية الاجتماع الدولي حول الأزمة السورية بمشاركة أكثر من أربع وأربعين دولة ومنظمة دولية، واكد المجتمعون في بيانهم الختامي أن الحل في سوريا سياسي رافضين التهديدات العسكرية.
واشار وزير الخارجية الايراني علي اكبر صالحي في مؤتمر صحفي عقب اختتام اجتماع اصدقاء سوريا في طهران، الى الكلمات التي القيت في اجتماع اليوم والتوصل الى نقاط مشتركة وقال: لقد اكد المشاركون في المؤتمر على ضرورة تعزيز الحوار الوطني باعتباره الطريق الوحيد لحل الازمة السورية.
ولفت الوزير صالحي الى ان الاجتماع شدد على رفض اي تدخل اجنبي والاعتداء على الاراضي السورية وقتل المواطنين، مؤكدا ضرورة وقف العنف في سوريا واستتباب الامن والاستقرار بالمنطقة.
وكان مؤتمر طهران قد انطلق بعد ظهر الاربعاء الماضي بكلمة وزير الخارجية الايراني الذي اكد خلال افتتاحه المؤتمر ان ما يجري في سوريا سيؤدي الى انعدام الاستقرار في المنطقة والعالم.
وطالب الوزير صالحي بالحوار السياسي بدلا من الحل العسكري لتجاوز الازمة السورية، واصفاً مؤتمر طهران الدولي حول سوريا بانه كان جيدا حيث شاركت فيه وفود من 44 بلدا ومنظمة دولية ما يدل على ازدياد عدد الدول التي تريد حل الازمة السورية سلمياً.
إسرائيل تحذّر من «خطر الردّ»

الرسالة التي أراد الرئيس السوري بشار الأسد، إيصالها إلى المعنيين في تل أبيب، يبدو أنها حفرت عميقاً في الوجدان الإسرائيلي، وهو ما انعكس في التحليلات والتحذيرات التي أطلقها المعلقون العسكريون والسياسيون في وسائل الإعلام الإسرائيلية.
لقد شدّد محلل الشؤون العسكرية في «القناة العاشرة» أور هيلر، على أنّ «خطر الرد السوري» بعد التزام الأسد الرد، «ازداد» إن بادرت إسرائيل في المرة المقبلة إلى تكرار اعتداءاتها المباشرة على الأراضي السورية، مشيراً إلى أنّ دافع التهديدات السورية هو تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، وخاصة بعدما صدر عن وزير الدفاع موشيه يعلون، ومستشار الأمن القومي يعقوب عميدرور.
في المقابل، رأى محلل الشؤون العربية في «القناة الثانية»، إيهود يعري، في المواقف التي أطلقها الأسد، خلال مقابلته مع قناة «المنار»، تعبيراً عن أن «تطور الأمور بين إسرائيل وسوريا (بات) الآن خطر جداً»، لافتاً إلى أنّه «بالرغم من أن هذه الخطورة موجودة الآن على المستوى الكلامي، لكنْ للكلمات تأثير واعتبار، ويمكن في نهاية المطاف أن تنفجر الكلمات».
وأضاف يعري أنّ ما يقوله الأسد هو الآتي: «أي عملية إسرائيلية أخرى في الأراضي السورية ستُقابل برد فوري»، وهو ما يعني، بحسب يعري، أنّ «الحال لن تكون هي نفسها، التي أعقبت مهاجمة المفاعل النووي في عام 2007، ولا الغارات الأخيرة» في محيط دمشق.
وحذّر محلل الشؤون العربية، أيضاً، من أن هذا القرار هو «التزام يأخذه (الأسد) على نفسه، وبالتالي سيكون له تأثير على منظومة الاعتبارات في إسرائيل».
في السياق نفسه، رأى المعلق العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، أن التهديدات الإسرائيلية تعني أن تل أبيب «ستقفز على رأسها في الفوضى السورية»، رغم أنها تتعهد على الدوام تجنب حصول ذلك.
وأوضح هرئيل أنّ «نافذة الوقت للهجوم لا تزال واسعة نسبياً من جهة مبدئية، لكن ينبغي الأخذ بالحسبان، أنّ هناك إمكانية أن ترى روسيا، في أي هجوم مقبل، تحدياً لها».
ونقل عن مسؤولين كبار في سلاح الجو أنّ الجيش سيتمكن وقت الحاجة إلى التغلب على ما تشكّله منظومة الصواريخ السورية الجديدة من عقبة كما حصل في الماضي.
وأضاف هرئيل أنّه «يصعب الحديث عن الحدود الشمالية بمفاهيم الاستقرار، لكن الردع المتبادل ساعد على ما يبدو على إبعاد الحرب منذ جولة القتال الأخيرة مع حزب الله في عام 2006».
ورأى يوسي يهوشع، في صحيفة «يديعوت أحرونوت» أنّ «تبادل الضربات الكلامية» بين الطرفين الإسرائيلي والسوري، «يدل على مدى قابلية الوضع للتفجر، وعلى أن الخطوط الحمراء التي وضعتها إسرائيل في السنة الأخيرة إزاء سوريا، لا طائل منها وخطيرة».
وذكّر يهوشع أنه بعد يوم من الهجوم الإسرائيلي الأخير في دمشق، كان هناك «من حذَّر من أن إسرائيل سارت خطوة واحدة أكثر مما ينبغي، لجهة أنها ستقيدها عن شن هجوم على سلاح استراتيجي أهم من صواريخ فاتح 110، مثل منظومات الدفاع الجوي المتطورة التي قد تصل إلى سوريا». ولفت إلى أنّ النتيجة الأساسية للثرثرة الإسرائيلية هي «الفخ الذاتي»، باعتبار أنّه إذا وصلت صواريخ «إس 300» إلى سوريا، في نهاية المطاف، وقرّرت القيادة الإسرائيلية عدم الهجوم، نكون قد أضررنا بقوة ردعنا، وعندها سيفهم الطرف الآخر أنه لا ينبغي التعاطي بجدية مع التهديدات الإسرائيلية. أما إذا قررت القيادة في تل أبيب مهاجمة هذه الصواريخ، فعندها لا يمكننا أن نلعب لعبة الغموض (في إشارة إلى عدم التبني الرسمي)، وبالتالي لن يكون هناك مفر أمام الأسد سوى الرد الذي سيؤدي إلى جرّ إسرائيل إلى حرب ليست معنية بها.
ولفت يهوشع إلى أنّ وقف إرسال الصواريخ الروسية إلى سوريا هو مصلحة دول أخرى غيرنا، «وبالتالي لماذا ينبغي لإسرائيل أن تحتل الصدارة؟»، مشيراً أيضاً، إلى أنّ الأسد يستمع جيداً إلى ما يقولونه عندنا إذا قرّر «الرد بنفسه بعد أقل من يوم واحد من تصريحات يعلون وعميدرور».
في موازاة ذلك، رأى معلق الشؤون العسكرية في صحيفة «إسرائيل اليوم»، يوآف ليمور، أن المواقف التي أطلقها المسؤولون السوريون تهدف إلى «نقل مجموعة من الرسائل» إلى الدول الغربية وإسرائيل، مفادها أنّ «سوريا أصبحت محمية، ولهذا يحسن أن تمتنع عن الهجوم، بل عن التفكير بفرض حظر طيران في سماء سوريا». إضافة إلى أنها تريد القول للمتمردين في الداخل إنّ «النظام محميّ ومنيع ولا يحظى فقط بدعم كبير من قبيل منظومة أسلحة متطورة، بل بدعم قوي من موسكو أيضاً». وبحسب ليمور، الهدف من الرسائل هو حزب الله، أيضاً، من أجل «ألا يضعف مقابل الضغوط التي يتعرض لها».
ويؤكد معلق الشؤون العسكرية في الصحيفة العبرية أنّه لهذا السبب اختار الأسد أن يجري لقاءً صحافياً مع قناة «المنار» بالذات.
وحذر من «الاستخفاف بكلام الأسد»، رغم «التهديدات الفارغة» التي أعقبت هجمات سابقة شنّتها إسرائيل على سوريا، مشيراً إلى أنّ احتمالات تفجير الوضع الناتج من مهاجمة إسرائيل لصواريخ «إس 300»، ستتجاوز السياق المباشر بين إسرائيل وسوريا، بل قد تتطور لتتحول إلى مواجهة بين إسرائيل وروسيا.
ودعا ليمور إسرائيل إلى وقف هذا المسار الخطر، وإلا فإن المنظومة قد تصل إلى سوريا في الفصول التالية من أزمة الصواريخ ويُدفع الطرفان، بفعل هجوم إسرائيلي جديد، إلى حرب إقليمية يحتمل أن تتطور لتصبح صراعاً بين الكتلتين.
إلى ذلك، ذكرت صحيفة «معاريف» أنّ رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، لمّح خلال لقائه الأخير بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى أنّ إسرائيل ستدمّر صواريخ «إس 300»، في الأراضي السورية، قبل أن تتحول إلى عملانية.
وأضافت الصحيفة، نقلاً عن مصادر دبلوماسية في الشرق الأوسط، إلى أن نتنياهو استخدم مصطلحات مماثلة لتلك التي استخدمها مستشار الأمن القومي يعقوب عميدرور أمام سفراء الاتحاد الأوروبي.
ونقلت «معاريف» عن شخصيات شاركت في لقاء نتنياهو – بوتين، أنّ نتنياهو كان مطلعاً على تقارير استخبارية تفيد بأنّ ثلث صفقة الصواريخ بدأت تخرج إلى حيّز التنفيذ، بما في ذلك أجزاء من منظومة الصواريخ «إس 300». ونقلت الصحيفة أنّ الرئيس بوتين عرض على رئيس الوزراء الإسرائيلي مهاجمة قوافل الصواريخ على الحدود مع لبنان، لكن نتنياهو رفض.
«إس 300» يصل في الخريف... ومعه «ميغ» 29

أكد يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أنّ الصفقات بين روسيا وسوريا تنفّذ وفق جداول العقود الموقعة مسبقاً، وهي تخص أسلحة لا يشملها أي حظر دولي. وقال إن الحديث لا يدور، على حدّ علمه، حول توقيع عقود جديدة.
وكان مصدر له علاقة بتصدير الأسلحة الروسية قد أشار إلى أنّ موعداً دقيقاً لتوريد منظومات «إس 300» إلى سوريا لم يحدد بعد. وقال ، لـ«انترفاكس»، «تجري مشاورات منتظمة مع الشركاء السوريين في موضوع تنفيذ الاتفاقيات الموقعة سابقاً، وفي ما يخص توريد منظومات «إس 300» فإنه لا يمكن أن يبدأ قبل حلول الخريف المقبل. ومن الناحية التقنية، فإن هذا الأمر ممكن، لكنْ هناك أمور كثيرة تتعلق بتطور الوضع في المنطقة وموقف الدول الغربية».
في موازاة ذلك، أفاد المدير العام لشركة «ميغ» الروسية، سيرغي كوروتكوف، بأنّ روسيا قد تزوّد سوريا بـ 10 مقاتلات من طراز «ميغ – 29 أم/ أم 2» بموجب اتفاقية موقعة، مشيراً إلى أنّ «وفداً سورياً يقوم في الوقت الحاضر بزيارة موسكو» لهذا الغرض.
الإمام الخامنئي يستقبل رئيس و نوّاب مجلس الشورى الإسلامي

استقبل سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي قائد الثورة الإسلامية صباح يوم الأربعاء 29/05/2013 م رئيس مجلس الشورى الإسلامي و الهيئة الرئاسية فيه و نوّابه، و أكد على أن مجلس الشورى الإسلامي على رأس الأمور و السلطة التنفيذية في وسط ساحة الأعمال و المشاريع التنفيذية الكبيرة، و شدّد على ضرورة مراعاة القانون و التعامل و التواصل الثنائي بين السلطتين و الإنصاف في التعاون بين الحكومة و مجلس الشورى الإسلامي، و أشار إلى انتخابات الدورة الحادية عشرة من رئاسة الجمهورية قائلاً: على الكل أن يسعى لإقامة انتخابات ملحمية و بمشاركة عامة أبناء الشعب، لأن اقتدار و متانة النظام الإسلامي منذ بداية انتصار الثورة الإسلامية و إلى الآن كان على أساس تواجد الشعب و مشاركته و دعمه.
و اعتبر قائد الثورة الإسلامية إقامة انتخابات ملحمية ممهّداً لتحصين البلاد و اقتدارها و أمنها، و رافعاً لتهديدات الأعداء، مضيفاً: نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية نظام له جذوره و أصوله العميقة، و جذوره هم الناس و أبناء الشعب و الدعم الشامل للجماهير.
و اعتبر آية الله العظمى السيد علي الخامنئي إسناد الشعب للنظام الإسلامي من بواعث عزة و بركة البلاد و النظام و الشعب نفسه، ملفتاً: على أساس هذه القاعدة يجب إقامة الانتخابات، و هي مظهر مشاركة الشعب و تواجده، بشكل ملحمي.
و أشار سماحته إلى وجود قوانين جيدة و معقولة لكل مراحل الانتخابات، و عدم وجود طريق مسدود في أية مرحلة من مراحلها، ملفتاً: لحد الآن تمت كل المراحل على أساس السياقات القانونية، و أكد المرشحون للانتخابات في حواراتهم و مقابلاتهم على التسليم للقانون، و أبدوا هذا التسليم بعد الإعلان عن الأهليات، و يجب تقديم الشكر و التقدير لهم جميعاً، خصوصاً الذين لم تُحرز أهلياتهم.
و اعتبر قائد الثورة الإسلامية هذا السلوك دليلاً على أرجحية و أهمية القانون، مردفاً: قد نكون غير راضين عن القانون، لكن تسليمنا للقانون من شأنه أن يجعل القانون فصل الخطاب.
و كان وعي الشعب و يقظته و بصيرته في تشخيص مرشّحي انتخابات رئاسة الجمهورية نقطة أخرى ألمح إليها سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي حول موضوع الانتخابات.
و قال سماحته: بالنظر لأن مستوى وعي الشعب الإيراني و بصيرته في الشؤون السياسية أعلى من مستوى المتوسط العالمي، و كذلك بالنظر للأرضية التي وفرتها البرامج الانتخابية في الإذاعة و التلفزيون من أجل وصول أبناء الشعب إلى تشخيصهم، توجد إمكانية عالية للتشخيص و الوصول إلى النتيجة بين المرشحين للانتخابات.
و أضاف قائد الثورة الإسلامية: قد تكون النتيجة التي يصل إليها الفرد صحيحة أو خاطئة، و لا إشكال في ذلك. المهم أن نعمل بوعي و بصيرة و على أساس تشخيصنا، و هذا ما يجعلنا بالتأكيد مشمولين بالأجر الإلهي.
و كانت لسماحة آية الله العظمى السيد الخامنئي توصية للمرشحين في انتخابات رئاسة الجمهورية، حيث قال: السادة المرشحون الذين لديهم برامجهم في الإذاعة و التلفزيون يتحمّلون واجبات جسيمة و يجب أن يحذروا من أن يطلقوا لا سمح الله كلاماً غير صحيح من أجل لفت أنظار الناس إليهم.
و أكد سماحته قائلاً: يجب أن يكون كلام المرشحين واقعياً و صميمياً و معتمداً على معلومات صحيحة و صادقة.
و أوضح قائد الثورة الإسلامية: على مرشحي رئاسة الجمهورية أن يذكروا الحقائق و الواقع فقط للناس.. الواقع في ما يتعلق بأوضاع البلاد، و الواقع في ما يتعلق بأنفسهم.
و أضاف آية الله العظمى السيد الخامنئي: إذا تمّ العمل بنحو صادق فإن الله سبحانه و تعالى سيمدّ بالتأكيد يد معونته، و هذه المعونة الإلهية تكون أحياناً بإحراز توفيق الخدمة و المسؤولية، و أحياناً أخرى بعدم التوفيق للخدمة في هذه المسؤولية.
و أكد سماحته قائلاً: على المرشّحين أن لا يعملوا من أجل استقطاب أصوات الناس على تشويه المرشحين الآخرين، و كذلك على تشويه حقائق المجتمع و واقعه.
و أشار قائد الثورة الإسلامية مرة أخرى إلى قضية ما يُنسب من ميل القيادة إلى بعض الأشخاص في الانتخابات، قائلاً: هذه الأمور و الأقوال كانت دائماً، و هي غير واقعية و غير صحيحة، لأن أحداً لا يعلم لمن سيصوّت القائد.
و لفت الإمام السيد علي الخامنئي قائلاً: القائد شأنه شأن باقي الناس ليس له أكثر من صوت واحد.
و أشار سماحته إلى دعايات وسائل الإعلام الأجنبية بخصوص رأي القائد في الانتخابات مؤكداً: الأعداء و انطلاقاً من أهدافهم المعروفة، وضعوا هذه الدعايات في جدول أعمالهم، لكن النظام الإسلامي يجب عليه أن يواصل مهماته من دون اكتراث لهذه الدعايات، و على أساس أهدافه و طريقه و تدابيره المحدّدة.
و عدّ قائد الثورة الإسلامية في جانب آخر من حديثه فرصة نيابة الشعب في مجلس الشورى الإسلامي فرصة مغتنمة للخدمة في النظام الإسلامي، و في الوقت نفسه مرحلة حساسة و امتحاناً كبيراً أمام الله سبحانه و تعالى، مردفاً: يجب في هذه المراحل الحساسة أن يراقب الإنسان نفسه، لأن الفرد المسؤول إذا استطاع العبور بسلامة من هذا المنعطف الخطير، سيكون موفقاً و مرفوع الرأس عند الله.
و أوضح آية الله العظمى السيد علي الخامنئي أن وجود حقول تخصصية متنوعة في مجلس الشورى الإسلامي العاشر دليل على الإمكانيات العالية للمجلس في دراسة دقيقة و خبروية للمشاريع و اللوائح ملفتاً: من حيث المواقف السياسية كان لمجلس الشورى الإسلامي خلال العام الماضي مواقف صحيحة و في محلها.
و أكد سماحته على أن سلوكيات النواب في المجلس و أخلاقهم مهمة و مؤثرة جداً في المجتمع مردفاً: إذا ساد العقل و الفكر و الطمأنينة و الهدوء و المحبّة في مجلس الشورى الإسلامي، فسوف تُشاهد هذه المميزات في المجتمع أيضاً، و إذا صدر عن المجلس خلاف ذلك فإنه سيؤثر كذلك في سلوكيات الناس.
و قال قائد الثورة الإسلامية: إذا شوهدت في مجلس الشورى الإسلامي حالات التقوى و الأمانة و الأخلاق و الشعور بالمسؤولية و الحيوية في العمل، فإن هذه الأحوال ستقرّب الجماهير من النواب و تجعلهم حسني الظن بهم.
و شدّد الإمام السيد علي الخامنئي على أن سلوك النواب مؤثر يقيناً في تربية المجتمع و سوقه نحو بعض القيم أو القيم السلبية.
و أكد قائد الثورة الإسلامية على ضرورة عمل النواب بشكل دقيق و خبروي بخصوص المشاريع و اللوائح مضيفاً: هذا الشيء هو حق الشعب في عنق النوّاب، لذلك فإن إعطاء صوت ممتنع حول المشاريع و اللوائح ليس بالأمر المقبول، لأنه لو كان النائب متخصصاً في ذلك الموضوع وجب عليه العمل حسب اجتهاده و خبرته، و إذا لم يكن من أصحاب الاختصاص في ذلك الموضوع وجب عليه استشارة المتخصصين.
و أعرب قائد الثورة الإسلامية عن عتابه للحضور القليل لنواب المجلس في بعض جلساته و خلوّ مقاعد المجلس، مؤكداً: يجب أن يكون لنواب مجلس الشورى حضورهم الجسماني و حضورهم الذهني و القلبي في قاعة المجلس، و أن يبدوا اهتماماً جدياً بالمشاريع و اللوائح.
و أوضح آية الله العظمى السيد علي الخامنئي أن مراعاة الإنصاف نقطة أخرى من النقاط اللازمة لنيابة مجلس الشورى ملفتاً: يجب على نواب مجلس الشورى الإسلامي أن يراعوا الإنصاف حيال زملائهم و الحكومة و السلطة القضائية، لأن عدم مراعاة الإنصاف يؤثر سلباً على المجتمع.
كما ألمح سماحته إلى التواصل بين السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية مردفاً: للسلطتين التشريعية و التنفيذية حدودهما على أساس القانون، و لهما حقوقهما المرسومة، و ينبغي مراعاة هذه الحدود، و أن تتعاملا معاً بشكل مطلوب.
و أكد قائد الثورة الإسلامية: التواصل بين الحكومة و مجلس الشورى الإسلامي حالة ذات جانبين، و ينبغي مراعاتها من قبل الجانبين و ليس من قبل جانب واحد.
و اعتبر سماحة آية الله العظمى السيد الخامنئي وجود بعض الاختلافات في وجهات النظر بين مجلس الشورى الإسلامي و الحكومة أمراً طبيعياً، و أردف قائلاً: هذه الاختلافات الطبيعية في وجهات النظر يجب أن لا تُشدّد و لا تتحوّل إلى بغضاء و كدر.
و أوصى سماحته مجلس الشورى الإسلامي و الحكومة بملاحظة بعضهما مردفاً: على المجلس أن يعلم أن الحكومة في وسط الساحة الزاخرة بأعمال و مشاريع تنفيذية كبيرة، و كل حالات العتاب و الملامات موجّهة إليها، لذلك ينبغي مراعاة حال السلطة التنفيذية.
و لفت قائد الثورة الإسلامية: على الحكومة أيضاً مراعاة الحقوق العظيمة لمجلس الشورى في القانون.
و أكد الإمام الخامنئي على أن القانون هو أساس كل الأعمال، و مجلس الشورى الإسلامي هو الذي يضع السكك للحكومة لتسير عليها، مضيفاً: على الحكومة أن تسير على نفس السكة التي وضعها مجلس الشورى الإسلامي، لكن على المجلس في الوقت نفسه أن يضع سككاً تستطيع الحكومة السير عليها، و لا تسقط في الوادي عند المنعطفات الخطيرة.
و ذكر سماحته بنقطة أخرى حول مجلس الشورى الإسلامي فقال: لا شك أن مجلس الشورى الإسلامي على رأس الأمور، لكن هذا لا يعني أن يعتبر كل نائب من النواب نفسه على رأس الأمور.
و لفت قائد الثورة الإسلامية: واجبنا المهم جميعاً في الوقت الراهن هو إنجاز الأعمال بنيّة خالصة و بجدّ و روح جهادية و شعور بالمسؤولية.
في بداية كلمته تقدم قائد الثورة الإسلامية بالشكر لرئيس مجلس الشورى الإسلامي و هيئته الرئاسية و نوّابه على جهودهم خلال العام الماضي.
حَقّ رَعِيّتِكَ بِالْعِلْمِ
18. وَ أَمّا حَقّ رَعِيّتِكَ بِالْعِلْمِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنّ اللّهَ قَدْ جَعَلَكَ لَهُمْ فِيمَا آتَاكَ مِنَ الْعِلْمِ وَ وَلّاكَ مِنْ خِزَانَةِ الْحِكْمَةِ فَإِنْ أَحْسَنْتَ فِيمَا وَلّاكَ اللّهُ مِنْ ذَلِكَ وَ قُمْتَ بِهِ لَهُمْ مَقَامَ الْخَازِنِ الشّفِيقِ النّاصِحِ لِمَوْلَاهُ فِي عَبِيدِهِ الصّابِرِ الْمُحْتَسِبِ الّذِي إِذَا رَأَى ذَا حَاجَةٍ أَخْرَجَ لَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ الّتِي فِي يَدَيْهِ كُنْتَ رَاشِداً وَ كُنْتَ لِذَلِكَ آمِلًا مُعْتَقِداً وَ إِلّا كُنْتَ لَهُ خَائِناً وَ لِخَلْقِهِ ظَالِماً وَ لِسَلَبِهِ وَ عِزّهِ مُتَعَرّضاً
أميركا القاطرة والمقطورة

بات واضحاً أنّ الحراك الدبلوماسي والإقليمي باتجاه «جنيف 2» تقوده مجموعتان، تسعى الأولى إلى عقده وانجاحه، فيما تعمل الثانية على عرقلته، أو بالحد الأدنى رفع سقف مطالبها لإجهاضه. الفريق الأول تقوده روسيا، بالتعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة، ومعهما إيران ومصر والنظام السوري وبعض أطراف المعارضة الداخلية. أما الفريق الثاني، فتقوده تركيا بدعم وتشجيع قطري وتواطؤ سعودي وغطاء أوروبي وبالتنسيق مع فصائل معارضة الخارج والمجموعات المسلحة. اللعبة لعبة سقوف ومفخخات سياسية. دعاة انجاح المؤتمر يعرفون أنه صمم لتحقيق النتيجة التالية: حل عبر حوار سوري ــــ سوري تحت سقف بشار الأسد. خلاصة هي السبب الأساس الذي يجعل الفريق الآخر يعمل على منع انعقاده، أو اجهاضه. اللافت في كل هذه المعمعة الاطمئنان الإيراني إلى الموقف الأميركي. ارتياح ليس وليد القراغ، بل نتيجة رسالة روسية حاسمة في مضمونها: الولايات المتحدة أبلغتنا رسمياً أنها حسمت خيارها وقررت تغيير موقفها من الأزمة السورية.
على الأقل هذا ما تفيد به المعلومات الواردة من طهران، التي تشير إلى أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أبلغ السلطات الإيرانية تفاصيل المحادثات مع نظيره الأميركي جون كيري في موسكو، التي زارها في السابع من الشهر الجاري. وتكشف الرسالة الروسية، على ما تفيد مصادر وثيقة الاطلاع، أن كيري أبلغ القادة الروس أن الولايات المتحدة قررت الاستدارة في ما يتعلق بموقفها من الأزمة السورية. وقال كيري، بحسب تلك الرسالة، لمضيفيه الروس: «عليكم أن تعرفوا أن الولايات المتحدة ليست دراجة نارية يمكنها تبديل خط سيرها 180 درجة، وهي واقفة في أرضها. إن الولايات المتحدة أشبه بشاحنة كبيرة، قاطرة ومقطورة، تحتاج، من أجل الاستدارة، إلى القيام بلفة كبيرة، في خلالها يمكن أن تعبر أحياءً وشوارع ضيقة، وتتسبب بأضرار لبعض المنشآت والأبنية والسيارات المتوقفة على جانبي الطريق، لكنها في النهاية ستستدير». من مصاديق هذه الرسالة، ما كشف عنه أخيراً عن أن الولايات المتحدة وافقت على دعوة إيران إلى حضور «جنيف 2» رغم رفض العديد من الأطراف، وفي مقدمتهم السعودية، التي يبدو أنها لا تزال مترددة وتسعى إلى كسب المزيد من الوقت بانتظار تحقيق مكتسبات يمكن صرفها على طاولة الحل. ومع ذلك فإن التعامل معها، حتى هذه اللحظة، لا يزال يقوم على سياسة اليد الممدودة، خلافاً للوضع مع قطر.
ولعل هذا الاطمئنان إلى الموقف الأميركي، ومعه التقدم الذي يحققه الجيش السوري في الميدان، معطوفاً على ما ثبتته معطيات ما بعد الغارة على سوريا من خشية إسرائيلية من تدحرج الأمور نحو حرب، يفسر محاولات قطر إعادة مد الجسور مع إيران، وإصرار تلك الأخيرة على عدم الاستجابة لطلب الشيخ حمد زيارتها، وإرجاء الموعد أكثر من مرة بحجج واهية. المعنيون في هذا الملف في طهران يؤكدون أنها مستاءة جداً من السياسة القطرية القائمة على «اللعب على الحبلين»، وأنها تشترط، من أجل استضافة حمد، موقفا قطرياً حاسماً تحدد فيه الدوحة خياراتها الاستراتيجية في كل الملفات المتنازع عليها، ويتقدمها الملف السوري، مع تأكيد على الاستعداد لقبول دور للإمارة الخليجية في المنطقة يتناسب مع حجمها وقدراتها. مسؤول خليجي رفيع المستوى يؤكد أنه نقل رسالة بهذا المعنى، قبل إعراب حمد عن رغبته في زيارة طهران بأسابيع، عنوانها تحذير للسلطات القطرية من أنها ستدفع ثمن أدائها أدواراً لا تناسب حجمها. يقول هذا المسؤول إن نظراءه القطريين وقتها استمعوا إلى كلامه ولم يردوا عليه: «أداروا الأذن الصماء. اعتقد أنهم باتوا الآن مستعدين لإدارة الأذن الأخرى».
في المقابل، هناك تركيا التي يجمع المعنيون على أن قيادتها بلغت في معاداتها للنظام السوري حداً بات من الصعب إيجاد صيغة للتفاهم بينهما من أي نوع كان، وخاصة أن الاتصالات بحكومة أنقرة سبق أن انتهت أكثر من مرة إلى وعود تركية بمرونة أكبر وبمراجعة للمواقف من نظام الأسد، لتترجم عبر الممارسة بسلوك أكثر تشدداً وعدوانية. ومع ذلك طفا إلى السطح مجدداً المخرج الذي بُحث أكثر من مرة خلال العام الماضي، ويقوم على تحميل وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو مسؤولية المقاربة التركية للملف السوري، ونفض يد رجب طيب أردوغان وعبد الله غول منه، من دون أن يتضح مدى جديته حالياً.
وفي خضم الحديث عن الحل السوري والمرحلة الانتقالية التي يتفق الجميع على مبدئها، لكنهم ينقسمون حول طبيعتها، يقول دبلوماسي عربي محسوب على الفريق المؤيد للمعارضة السورية، إن الأوروبيين فكروا في بادئ الأمر، يوم بدأ الحديث عن تسوية، بوليد المعلم رئيساً للحكومة الانتقالية، لكن إطلالة إعلامية تلت ذلك أظهرت أنه يتبنى الخطاب نفسه الذي يقوله الرئيس بشار الأسد، كما أنه شوهد، بعد ذلك، يجلس في الصف الأمامي في خلال خطاب علني لهذا الأخير، فصرفوا النظر عنه. ويضيف أنه «من بعد حديث (نائب الرئيس فاروق) الشرع إلى جريدتكم («الأخبار»)، صار المرشح الأول لهذا المنصب، لكن سرعان ما صرف النظر عنه لكونه ليس لديه الكثير من المحبين والمؤيدين في الداخل. اليوم تجهد الاستخبارات الألمانية للترويج لعبد الله الدردري ليتولى هذا المنصب في أي مصالحة مقبلة».
هل تخرج احداث طرابلس عن السيطرة؟

يسيطر هدوء حذر على محاور الاشتباكات في مدينة طرابلس في شمال لبنان بعد تنفيذ الجيش لخطة انتشار في كافة مناطق الاشتباكات تم التوافق عليها ليلاً بين جميع الاطراف في المدينة.
وتقضي الخطة بدخول الجيش الى جبل محسن وانتشاره فيها، وبالتالي جعل هذه المنطقة تحت مسؤوليته عسكرياً وأمنياً، شرط أن تتحمل باقي القيادات مسؤولية القرار الحاسم بالردّ على كل مصدر للنيران سواء أتى من جبل محسن أو التبانة بعد انتهاء عملية الانتشار وسلسلة الإجراءات الميدانية المتفاهم عليها مع قيادات المدينة.
لكن مراقبين يشككون بامكانية نجاح الخطة في ظل اصرار بعض المجموعات المسلحة التى تحظى بغطاءات سياسية على تصعيد الاوضاع ظناً منهم ان ذلك يشكل دعماً للمجموعات المسلحة المحاصرة في القصير السورية.
وكانت طرابلس قد عاشت فلتاناً أمنياً تسبب بظهور خطوط تماس بين منطقتي جبل محسن و باب التبانة ووقوع اشتباكات مسلحة استخدمت فيها اسلحة متنوعة ادت الى سقوط نحو عشرين قتيلاً و مئتي جريح حسب المصادر الطبية.
ما دفع بهيئات المجتمع المدني الى التحرك للتعبير عن رفض الاقتتال، عبر تنفيذ اعتصامات في اكثر من مكان وأصدرت بياناً استهجنت فيه الغياب غير المقبول للدولة عن المدينة أمنياً وإنمائياً، وانتقدت تنصل السياسيين من المسؤولية وتحميلها لـ"قادة المحاور" باعتبار أن هؤلاء لا يتبعون لأيّ فريق سياسي علما أن اصوات لاطراف محلية كانت تربط علناً بين ما يدور في طرابلس و معركة تحريرالقصير من المجموعات المسلحة التي يخوضها الجيشّ السوري.




























