Super User
تركيا وحلف الناتو: من يستخدم الآخر

مع مرور 60 عاما على عضوية تركيا في الناتو، أصبح الدور التركي في الحلف أكبر مع التهديدات الأمنية الجديدة والتحديات الإقليمية. مع أخذنا بعين الاعتبار مثالي التدخل في ليبيا ونظام الدفاع الصاروخي نجد أن سياسة الناتو توضح أهمية الدور التركي ضمن الحلف بالرغم من التناقض بوجود رأي عام تركي يتعاطى مع الغرب بسلبية.
لمحة تاريخية
منذ انضمامها إلى الناتو في 18 شباط 1952 وخلال تحولاتها السياسية، استمرت تركيا في لعب دور هام في التعاون الأوروبي الأطلسي، وخلال الحرب الباردة لعبت الجغرافيا التركية دور الجناح الجنوبي في سياسة الناتو في مواجهة الاتحاد السوفيتي. لكن منذ تفكك الاتحاد السوفيتي وانضمام بلدان سوفيتية سابقة إلى الحلف أصبحت الجغرافيا التركية موضع تساؤل من الناحية الاستراتيجية.
بعد هجمات 11 أيلول وتبني الناتو لسياسة جديدة أدت إلى تدخل الناتو في أماكن بعيدة جغرافيا عن أوروبا والأطلسي استعادت تركيا بعض من تلك الاهمية نتيجة تدخل الناتو في تلك المناطق حيث ساعدت الأوروبيين وسهلت غزو افغانستان و قامت أيضا بإرسال قوات تركية وإدارة معسكر قوات التحالف في كابول عامي 2002 و2005.
بلغ عدد الجنود الأتراك الذين شاركوا في عمليات الناتو المختلفة 3250 جندي، 1840 منهم عاملون مع قوات التحالف في أفغانستان، كما أرسلت حوالي 600 عنصر كجزء من التحالف الذي أنجز عمليات الناتو في ليبيا.
أما اليوم، ومع عملية إعادة هيكلة الناتو، سيتم تخفيض عدد مقرات قيادة قوات الناتو العاملة في الخارج من 13 إلى سبعة، ونتيجة لذلك سيتم استبدال قاعدة القيادة الجوية الواقع في إزمير لتصبح قاعدة قيادة جديدة للقوات البرية، وبذلك ستستضيف تركيا إحدى أكبر مقرات القيادة للناتو على أراضيها.
بحسب حسين ديري أوز مسؤول شؤون الدفاع والتخطيط في الناتو فإن تزايد أهمية الدور التركي في الحلف ناتج عن توافق المصالح التركية الاستراتيجية مع مصالح الدول الأعضاء الأخرى.
السياسة الخارجية التركية والرأي العام التركي
بحسب وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو فإن استراتيجية الناتو قد تطور ت في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وتطورت معه النظرة الاستراتيجية التركية، وتركيا تطمح إلى لعب دور إقليمي أكبر في مشاكل القوقاز والبلقان والشرق الأوسط، لكن من ناحية أخرى يهيمن التوتر على علاقة حزب العدالة والتنمية الحاكم مع بلدان كإرمينيا وقبرص.
من ناحية أخرى، واقع الحال يقول أن شعبية الغرب والناتو عند الرأي العام التركي تناقصت، وفي استطلاع للرأي تم عام 2010 على سؤال يقول: هل تعتقد أن الناتو أمر ضروري لأمن البلاد، أجاب 30% فقط بنعم. بالرغم من أن تلك النسبة ارتفعت إلى 37% عام 2011، إلا أنها تبقى أقل بكثير من نسب الأعوام السابقة، وبالرغم من ذلك بالإضافة إلى اختلاف وجهات النظر مع الناتو في العديد من الحالات، استمرت السياسة التركية بالتماهي مع سياسات الحلف وقد بدا ذلك واضحا في مسألتي التدخل في ليبيا والدرع الصاروخي.
التدخل في ليبيا
منذ انطلاق ما يسمى بالربيع العربي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عارضت تركيا مرارا وتكرارا أي تدخل في ليبيا وذلك على لسان رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان "ما شأن الناتو وليبيا؟ تدخل الناتو في ليبيا أمر مستحيل ونحن نعارض هذا التدخل" (صحيفة الزمان - 2011). لكنه تراجع بعد قرار مجلس الأمن وبدعم من الجامعة العربية وقرر المساهمة في ذلك التدخل وشاركت تركيا بغواصات وسفن حربية.
تصاعد الدور الإقليمي التركي يجعل منها حليفا استراتيجيا في الناتو وخاصة بعد التحولات الدراماتيكية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويرى أمين حلف الناتو راسمنسون أن الدور التركي في المنطقة أمر حيوي للاستراتيجية الجديدة والشراكة المستقبلية، ليس فقط نتيجة حجم تركيا وموقعها، بل أيضا نتيجة الثقافة التركية وخبرتها التاريخية مع دول الجوار (يقصد بذلك قترة الاحتلال العثماني). في حين يرى وزير الدفاع التركي أن مميزات تركيا تسمح لها بتقديم النموذج للعديد من البلدان في المنطقة، وقال في كلمة له (الناتو، 2012) "من خلال التعاون يمكننا إحلال السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط".... مهمة تحققت في ليبيا!
مصالح الناتو الاستراتيجية: نظام الدفاع الصاروخي
دور تركيا في حلف الناتو هو دور هام للمصالح الاستراتيجية للحلف الساعية إلى تطوير الدرع الصاروخي وحماية الأراضي الأوروبية من تهديد الصواريخ البالستية. اتفق أعضاء الحلف في قمة لشبونة عام 2010 على تبني الدرع الصاروخي وهي مبادرة أمريكية للدفاع المشترك مع أوروبا موجهة ضد الصواريخ البالستية الإيرانية وغيرها. وافقت تركيا على إنشاء محطة على أراضيها وقد تم فعلا بناء رادار إنذار مبكر في مدينة مالاتيا جنوب شرقي أنقرة وهي الخطوة الأولى لبناء الدرع الصاروخي (سي إن إن 2012).
تم التوقيع على تلك الاتفاقية بعد مفاوضات توصلت إلى عدم ذكر سوريا وإيران بالاسم كتهديد محتمل، وفي تصريح علني لداود أوغلو قال فيه "لن نقبل أبدا مهاجمة أي من دول الجوار انطلاقا من أراضينا، ونحن لا نريد المشاركة في أي تهديد من هذا النوع وخاصة ضد إيران"
لكن ذلك لم يمنع الجدل الذي نشأ حول الدرع الصاروخي في تركيا على المستوى العالمي، وبالرغم من التصريحات السياسية التركية المدروسة بعناية فإن العلاقات التركية – الإيرانية تأزمت من المتوقع أن نشوء عواقب كنتيجة لذلك على أهمية العلاقات الأمنية التركية - الأمريكية ومصداقية نظرية الردع التي ينادي بها الناتو. روسيا هي الأخرى عارضت تلك الدرع ولم يصل الطرفان إلى اتفاق بهذا الشأن حتى الآن بانتظار قمة شيكاغو المقررة في 20 -21 أيار 2012.
الخلاصة
مع مرور 60 عاما على عضويتها في الناتو، تجمع تركيا والناتو مصالح كبيرة بالرغم من المعارضة التركية الشعبية الواسعة، وستستمر تركيا في ذلك الحلف بالرغم من العوائق المتمثلة بقبول عضويتها في الاتحاد الأوروبي.
في قمة شيكاغو في أيار المقبل سيتفق أعضاء الحلف على مجموعة من الأولويات الحيوية. بالرغم من موقع تركيا الهام لكن العلاقات مع الناتو ستشهد نوعا من التأقلم المتبادل، ومواجهة تحديات أمنية جديدة وتحول في الحقائق الجيوسياسية، لكن نتيجة قمة شيكاغو فيما يتعلق بمتانة العلاقات التركية مع الناتو وجهوزيتهما في مواجهة التحديات، فالإجابة على هذا السؤال ستبقى للمستقبل.
مـؤتـمـر اسـطـنـبـول: فـشـل الـرعـيـة

إذا كان هناك ما ميز مؤتمر «أصدقاء سوريا» الذي انعقد أمس في اسطنبول، فهو «الحضور النافر» لأمين عام جامعة الدول العربية نبيل العربي من جهة، و«الغياب العاقل» للأمين العام السابق للأمم المتحدة والمبعوث المشترك للجامعة العربية والأمم المتحـدة كوفـي أنان من جهة أخرى.
لم يغب انان حباً بالغياب، بل لأنه كان يعرف جيداً أنه مكلف بمهمة حساسة تحتاج إلى سلوك حذر وعاقل ومتوازن بين أطراف الأزمة. ولذلك جال على عواصم الدول المعنية وسيستكمل جولته على ما تبقى منها. حضوره، لو تم، في اسطنبول كان يعني بكل بساطة، انتهاء مهمته. مهمة انان قد تفشل وقد لا تفشل، لكنه لا يحبّذ إنهاء حياته السياسية الحافلة بفشل ذريع يكون هو سببه. غياب انان كان الخطوة الأكثر عقلانية في مؤتمر اسطنبول أمس، ومؤشراً على اتجاهات الرياح الدولية.
في المقابل، كان حضور نبيل العربي هزيلاً بمواقفه الحادة، ومخجلاً بدعواته المتوترة التي لا تليق بأمين عام جامعة العرب التي تولاها يوماً ما كبيران مثل محمود رياض وعبد الخالق حسونة.
لم يكتف نبيل العربي بالذهاب إلى مواقف متطرفة مثل مطالبة مجلس الأمن الدولي باستصدار قرار وفقاً للفصل السابع، بل خرج بذلك على الجامعة العربية التي لم تتخذ قراراً بهذا الخصوص.
والخروج الثاني للعربي هو على مهمة المبعوث الدولي، حيث ان انان ليس مبعوثاً فقط للأمم المتحدة بل أيضاً للجامعة العربية. وبنود مهمة أنان لا تتضمن لا من قريب ولا من بعيد مثل هذه المطالبة.
يدخل موقف «العربي» العالي السقف هذا في إطار خطة منظمة لإفشال مهمة أنان التي بدا واضحاً أن من أهم أهداف مؤتمر اسطنبول هو تعطيلها. البيان الختامي بتأييد الخطة لم يحجب حقيقة أن «رعية» المؤتمر من الدول، وكلهم من الصف الثاني والثالث وربما العاشر، على الصعيد الدولي، كانوا يسعون لهذا الهدف. إذ كان من اللافت أنها لم تحظ بإشارات داعمة بل حتى كان الحديث عنها عابراً، وفي إطار التمني لإنهائها بذريعة وضع سقف زمني لها تنتهي بانتهائه.
عكست كلمات افتتاح مؤتمر اسطنبول المأزق الذي تقع فيه القوى المعارضة للنظام السوري والمتشكلة أساساً من تركيا ومن بعض الدول الخليجية.
تعدّدت المواقف وتناقضت أحياناً. وبدا أيضاً لافتاً تراجع الدعوة العلنية لتسليح المعارضة التي لم يطالب بها حتى رئيس المجلس الوطني السوري برهان غليون. بات تسليح المعارضة أمنية لا أفق لها على أرض الواقع. وبات واضحاً أن مؤتمر اسطنبول قد انتهى إلى ما انتهى إليه مؤتمر تونس.
الجميع يكابر ولا أحد يريد الاعتراف بأن قواعد اللعبة قد تغيرت بعد اتفاق روسيا والصين وأميركا على مهمة انان، التي هي الخطوة الأولى في مسار قد يطول وقد يفشل، ولكن لا بديل عنه سوى فتح الباب أمام المزيد من الفوضى.
المتضررون من مهمة أنان هم الأكثر اندفاعاً لتصعيد الموقف. كلمة رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان كانت تعبيراً عن انسداد الأفق أمام خطوات خلاقة للخروج من النفق الذي وضعت أنقرة نفسها فيه منذ بداية الأزمة، وتصريحات مسؤوليها المشككة في مهمة أنان كانت عنوان التحرك التركي في الأيام والساعات الماضية، حيث ربط معلقون أتراك نجاح الدبلوماسية التركية بضرورة إفشال مهمة أنان. وكذلك لم تحمل كلمات الخليجيين جديداً. هم يأملون ويراهنون بذلك لتشكيل حالة ضاغطة على الموقف الأميركي الذي يتعامل بواقعية الدولة العظمى التي تعرف في اللحظة المناسبة حدود الاشتباك بين مصالحها ومصالح «الآخر» الروسي والصيني.
استعجال إنهاء مهمة أنان هي النتيجة الرئيسية التي أريد لمؤتمر اسطنبول ورعيته أن ينتهي إليها، لكن الرعية، في لحظة تدخل الراعي (الأميركي)، كانوا أضعف وأقل دهاء وحنكة من أن يترجموا هذا الهدف، والأهداف الأخرى (تسليح المعارضة وإقامة ممرات إنسانية...) إلى واقع.
بعد فشل مؤتمر اسطنبول سيكون من السخرية الحديث عن انعقاد مؤتمر ثالث في باريس. فهل من يتعظ؟
محمد نور الدين /السفير
المالكي: الشهيد آية الله الصدر رائد الوحدة الاسلامية

أشاد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بدور الشهيد الصدر كمفكر وكرائد للوحدة الوطنية في العراق والعالم الاسلامي.
وقال المالكي في احتفال اقيم في ذكرى استشهاد آية الله محمد باقر الصدر (قدس سره) على يد النظام العراقي البائد، اننا نستلهم من الصدر مبادئه في الوحدة التي تؤكد بان الحفاظ على وحدة الدولة لا يتحقق الا بوحدة المجتمع.
واكد ان الشهيد الصدر كان يعتبر نفسه ينتمي لجميع الطوائف والاديان والقوميات من سنة و شيعة و كرد و عرب معتبرا انه لا يمكن الحافظ على وحدة الدولة الا بوحدة المجتمع.
واضاف المالكي: ان الشهيد الصدر كان حازما مع حزب البعث ولينا لحل المشاكل وكان يجمع بين الحزم والشدة واللين في نفس الوقت مؤكدا انه يجب التعامل مع من يريد تدمير العراق بحزم وشدة.
واعتبر ان احد اسباب استشهاد الصدر على يد حزب البعث في العراق هو موقفه الداعم للثورة الاسلامية.
كما دعا المالكي الباحثين الى تطوير نظرية الشهيد الصدر في الاقتصاد الاسلامي التي تستبعد سلبيات كل من الاشتراكية والراسمالية في التطبيق.
وقد وصل المالكي صباح اليوم الاثنين الى مدينة النجف الاشرف للحضور فی احتفال اقيم في الذكرى السنوية لاستشهاد آية الله محمد باقر الصدر قدس سره.
تجليات الأمة الواحدة في مشاهد الحج
تجلّي الأمّة الواحدة وظهورها في الحج واحدة من أعظم منافع الحج {لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ}(1)، ولا نعرف مشهداً للأمّة الواحدة أعظم وأروع مما نشاهده الحج.
هنالك يشهد المسلم الأمة الواحدة بكل تجلياتها، من اسقاط الفوارق وملأ الفواصل والفجوات والوقوف جميعاً في موقف واحد وفي وقت واحد.
وهذه المشاهد التي تتكرر كلّ سنة، ويحضرها نخبة من المسلمين من كلّ فجّ عميق... تعتبر أفضل تجسيد للأمة الواحدة، التي تضيع أحياناً وتختفي بسبب تراكم الخلافات المذهبية والوطنية.
وأوّل ما يتجلّى هذا المشهد التوحيدي والوحدي العظيم في (الميقات) حيث ينتزعهم الميقات من أزيائهم الوطنية ويلبسهم لباساً موحداً في غاية البساطة، وبعيداً عن مظاهر الترف، ثمّ يوحّد الميقات خطابهم الرباني «لبّيك اللهم لبّيك، لبيك لا شريك لك لبّيك»، وهذا هو الخطاب التوحيدي والوحدوي الذي يرفعه الحجاج جميعاً في الميقات... يوحّد الميقات خطابهم الذي هو جوهر هذه العبادة وهي (التوحيد) ويوحّد مظهرهم، وينتزعهم من حالة التشتت في الخطاب، وتمايز المظاهر والأزياء، فيكون مثل الميقات مثل جداول متمايزة من أقاليم شتى، تدخل في الميقات وكأنه نهر عظيم من الحجاج، يقبلون على الله بمظهر واحد، وخطاب واحد، وغاية واحدة، حتّى يَصُبّ هذا النهر في بحر عظيم من الناس بجوار بيت الله الحرام، لا تكاد تميز فيه العراقي عن اليماني، واليماني عن الجزائري، والجزائري عن الإيراني، والتركي.
ثم يأتي دور الكعبة الشريفة في توحيد هذه الأمة وإخراجها إخراجاً واحداً.
وللكعبة المعظمة دوران في توحيد هذه الأمة (القبلة والطواف)، وكلّ واحد من هذين الدورين يوحّد جبهة هذه الأمة العظيمة، المتفرقة في بلاد شتّى من القارّات الخمسة.
إنّ (القبلة) ترمز في حياة المسلمين إلي أمرين علي أعلي درجات الأهمية، ترمز (القبلة) إلي توجيه الإنسان وجهه إلي الله في كل حالاته، {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأَْرْضَ حَنِيفاً وما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (2).
{فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ} (3).
وعندما يوجّه الإنسان وجهه إلي نقطة معيّنة، فإنها سوف تحدّد مساره وخط حركته بشكل قطعي، كما كان يجعل أهل البادية في البر، والبحّارة في البحار النجوم بين أعينهم، ليحدّدوا بذلك خط حركتهم في البوادي والبحار، قبل أن يعرفوا نظام البوصلة.
فإذا جعل الإنسان (الله) تعالي وجهته، وتوجّه إليه بوجهه، وجعله غاية لحركته، فإنّ هذه النقطة الغائية في تحركه التي جعلها وجهته وفي قبالته سوف تحدّد له خط حركته ومساره في الحياة الدنيا، وهو الصراط المستقيم الذي يهديه إلي الله تعالي، وهو صراط الذين أنعم الله عليهم من عباده: {اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}.
وترمز (القبلة) ثانياً إلي توحيد جهة حركة المسلمين جميعاً إلي الله، بهذا الاتجاه، فإنّ (القبلة) توجّه عامة المسلمين إلي نقطة الكعبة في اليوم خمس مرات علي أقل التقادير.
إذن القبلة ترمز أولاً إلي توجيه الإنسان المسلم إلي الله في حركته، علي الصراط المستقيم.
وترمز ثانياً إلي توحيد المسلمين عامة في هذا الاتجاه الرباني في الحركة.
وخلاصة القول: إنّ القبلة ترمز إلي الاستقامة علي الصراط المستقيم إلي الله تعالي، وتوحيد حركة المسلمين جميعاً علي هذا الصراط.
ويرمز (الطواف) إلي حركة التوحيد علي وجه الأرض وفي التاريخ، كما يرمز إلي اجتماع الموحّدين لله، بهذا الاتجاه التوحيدي في التاريخ والمجتمع.
فإنّ هذه الحركة الاستداريّة حول مركز الكعبة ترمزـ والله العالم ـ إلي الحركة التوحيدية للإنسان.
فلا ينحرف الطائف عن مركز الكعبة، في كل دائرة الطواف، بکتفه الأيسر على امتداد هذه الدائرة، بينما يتحرك كتفه الأيمن في كل الاتجاهات، من دون إستثناء، والدائرة التي يطويها الكتف الأيمن للطائف0360، وهي دائرة كاملة لاتخرج عنها جهة من الجهات علي الاطلاق، وهي إشارة رمزية ـ والله العالم ـ إلي أنّ بإمكان الإنسان أن يحافظ علي توحيد الله بالعبادة، والاستعانة، والطاعة، والعبودية في كل حركته الواسعة في الدنيا، في كل حقول الحياة، في حركته، وخطابه، ومواقفه، وعمله، من دون استثناء، {إِنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ} ليس فقط في صلاته ونسكه، وإنما في محياه ومماته أيضاً.
وفي نفس الوقت ترمز الكعبة إلي تجميع المسلمين علي توحيد الله تعالي في العبادة، والعبودية، والاستعانة، والاخلاص، والدين، والطاعة، والولاء.
وهكذا تتّصل تجلّيات الأمة الواحدة في مشاهد الحج الكبرى من الميقات إلى الطواف، ومن الطواف إلى السعي، ومن البيت الحرام إلى عرفة، حيث يجتمع ملايين المسلمين في وادي عرفة، توحّدهم عرفة، وتوجههم إلى الله تعالى بالدعاء والصلاة، وتصفيهم من كلّ ذنوبهم، بلا استثناء إلاّ الشرك، والقتل، وحقوق الناس، والبدعة في دين الله، فإنّها لا تغتفر.
ويفيض الحجاج من عرفة إلى المشعر الحرام، وقد تركوا وراءهم ركام ذنوبهم ومعاصيهم في هذا الوادي الشريف.
ثم مشهد المشعرالحرام ومشاهد رمي الجمرات في وادي منى، وهو يرمز إلى جهد جمعي من جانب الحجاج كلهم لإقصاء الشيطان عن حياتهم، ورجمه، وإبعاده منهم.
ثمّ يأتي في نهاية هذه الجولة الصعبة من الميقات إلى منى «العيد الأكبر» الذي يحتفل به الحجاج جميعاً في منى، وفي رحاب بيت الله، وهو عيد الأضحى المبارك.
يوحّدهم في فرحتهم بنجاحهم في إقامة هذه الفريضة الصعبة في هذا البلد الذي اختاره الله لبيته الحرام.
إنّ أبرز شيء في الحركة العظيمة من الميقات إلى منى أمران: (توحيد) الله تعالى بالعبادة؛ و(توحيد) حركة الأمة على خط توحيد الله؛ ولا يحسّ الإنسان بهذه الأمة المباركة العظيمة، كما يحسّ بها في مشاهد الحج العظيمة.
وكما يوحّد الحج خطاب هذه الأمة، وحركتها، ومظهرها، ومضمونها، كذلك يوحّد جهد هذه الأمة في مكافحة العوامل المعيقة، لوحدة الأمة، والفتن الطائفية التي تجعل من هذه الأمة الواحدة، أمماً شتى متقاطعة ومتنافرة، على خلاف ما يريده الله تعالى من عباده المؤمنين.
الإضاءات الثلاثة في طريق وحدة الأمة
إنّ مكافحة الفتن الطائفية، والسعي إلى التقريب، والتفاهم، والتضامن، والتعاون بين المسلمين، من ثوابتنا السياسية والحضارية والاقتصادية.
وتدخل في تكوين الأمة الإسلامية الواحدة، ومن دونه لا تتحقّق الأمة الواحدة التي جعلها الله أمة وسطاً، وشاهدة على سائر الأمم.
ويتوقف عليها، إنتصارنا في المعترك السياسي، والحضاري، والثقافي، والعسكري، ومن دونها لا يتحقق النصر الذي نسعى إليه في مسيرتنا السياسية والثقافية.
وتتوقف عليها حركتنا الثقافية والعلمية.. فإنّ التقاطع الطائفي، والعزلة والانكفاء على الذات، يؤدي بالضرورة إلى الضمور الثقافي والعلمي، وبعكس ذلك التواصل، واللقاء، والحوار الإيجابي، يؤدي إلى التكامل العلمي والثقافي في حوزاتنا وجامعاتنا العلمية.
إنّ هناك ثلاث قضايا رئيسية، لابد فيها من الوعي والوضوح:
ولابد من السعي لنشر وعي سياسي ـ ثقافي، تجاه هذه النقاط في أوساط الجمهور.
وهذه النقاط هي:
1 ـ الأمة الواحدة.
2 ـ الصراع الحضاري الذي تخوضه هذه الأمة.
3 ـ ضرورة الترافد الثقافي والعلمي في أوساط هذه الأمة.
و إليك الإيضاح السريع التالي لهذه النقاط الثلاثة:
1 ـ الأمة الواحدة
هذه الأمة أمة واحدة، وليست أمماً شتى.
وقد ورد هذا المعنى بصراحة في آيتين من القرآن يقول تعالى:
{إِنَّ هَذِهِ أمَّتُكُمْ أمَّةً وَاحِدَةً وأناَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (4).
{وَإِنَّ هَذِهِ أمَّتُكُمْ أمَّةً وَاحِدَةً وَأناَ رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (5).
وليس معنى وحدة الأمة التطابق الكامل في الرأي والاجتهاد، فإنّ ذلك مما لا يكون.. وإنما معنى ذلك الاتفاق والتفاهم على الأصول والانسجام والتفاهم والتعاون على المواقف السياسية، وتوحيد الولاء والبراءة والطاعة والنصرة.
2 ـ الصراع الحضاري
سواءاً أردنا أم لم نرد، نحن ندخل اليوم في صراع حضاري عسير... والمواجهة العسكرية شكل من أشكال التعبير عن هذا الصراع.
وهذا الصراع صراع شرس.. وخصومنا في هذا الصرع جبهة واحدة، مهما تعددت توجهاتهم.
وليس من الصدفة أن تتفق أمريكا والاتحاد الأوربي على دعم إسرائيل في كل أعمالها العدوانية تجاه المسلمين، وأن تقف إلى جانبها من غير أن تأخذ بنظر الاعتبار حاجتها إلى المسلمين، وعلاقاتها الاقتصادية الواسعة بالعالم الإسلامي.
نحن نواجه اليوم صراعاً حضارياً، سياسياً، اقتصادياً، عسكرياً، من أشرس ما يكون الصراع، وإذا خسرنا الحرب في هذه المعركة المصيرية، فسوف نعود مرة أخرى إلى دورة جديدة من التبعية الاقتصادية والسياسية والثقافية للغرب التي طالتنا من بعد سقوط الدولة العثمانية إلى اليوم.
والانتصار والهزيمة في هذا الصراع ـ في كل أبعاده ـ قضية مصيرية في حضارتنا وتاريخنا؛ ولا نشك إننا نكسب هذا الصراع إذا واجهنا خصمنا أمة واحد، وصفاً واحداً، وموقفاً واحداً، وذلك أنّ يد الله تعالى مع الجماعة وعلى الجماعة، وإذا كانت يد الله معنا فلا يتخطانا النصر بإذن الله.
ولا نشك أنّا إذا واجهنا خصومنا مقتسمين على أنفسنا، متقاطعين في مواقفنا وإرادتنا، متخالفين في توجهاتنا، فلا نكسب هذا المعترك الحضاري الصعب.
3 ـ الترافد الثقافي
الترافد الثقافي من نتائج التقريب بين المذاهب الإسلامية ومن عوامله في نفس الوقت...
وقد كان علماء المسلمين وطلبة العلم يتوافدون على مدارس فقهية من مذاهب واتجاهات مختلفة، وكانوا يتبادلون الإجازات في رواية الحديث، فكان طلبة العلم من العراق، ومعظمهم من الشيعة يفدون إلى الحجاز ومصر والشام ومعظمهم من أهل السُنة، وكان يفد إلى العراق، على مدرسة الحلة، وهي حوزة شيعية عريقة، طلبة من الحجاز، ومصر، والشام، والمغرب العربي للدراسة، كما كان لعلماء المسلمين زيارات للأقاليم الإسلامية، وكان طلبة العلوم الدينية يلتمسون منهم أن يلقوا عليهم دروساً في الفقه والأصولَين (أصول الفقه وأصول العقائد).
واليوم تحتضن الحوزة العلمية في قم، وهي حوزة علمية عريقة تابعة لمدرسة أهل البيت (ع) طلبة العلوم الدينية من أكثر من مائة قُطْر في العالم من القارات الخمسة، وجملة من هؤلاء الطلبة الوافدين إلى هذه الجامعة من أهل السنة، ولايجدون حرجاً في الدراسة في حوزة شيعية، كما لا تجد هذه الحوزة حرجاً أن تحتضن طلبة من المدارس، والاتجاهات الفقهية الأخرى، وتجري دراسة فقه المذاهب الإسلامية الأربعة في هذه الحوزة كما تجري دراسة الفقه الإمامي.
ولهذا الترافد الثقافي والعلمي أثر بالغ في التكامل العلمي والثقافي في المراكز العلمية الإسلامية.
فإنّ الجهود العلمية، والثقافية المختلفة، عندما تلتقي مع بعض على صعيد موضوعي، علمي، غير متشنّج، يكون هذا اللقاء سبباً للإثراء والتكامل العلمي والثقافي لكل من هذه الروافد العلمية والثقافية، ويؤدي هذا الترافد إلى التقارب والتعارف بين المذاهب المختلفة، كما أنّ التقارب والتعارف بين هذه المذاهب يؤدي بالضرورة إلى الترافد العلمي والثقافي.
إنّ ظاهرة الترافد تؤدي إلى مكافحة وإبطال الفتن الطائفية.. والعكس أيضاً صحيح، فإنّ الفتن الطائفية تقلّل من فرص الترافد الثقافي، وتحوّل الثقافة والعلم إلى دوائر مغلقة غير مترابطة، وهذه الحالة من أسباب ضمور العلم والمعرفة دائماً.
وعلى كلّ حال، ظاهرة الترافد الثقافي ظاهرة مباركة في حياة هذه الأمة، يجب أن نستعيدها، ونجدّدها، ونشجعها، وندعمها، وهي من أفضل وسائل علاج الفتنة.
وفيما يلي سوف نتحدث إن شاء الله عن ثلاثة من أبرز النقاط التي تساهم في علاج الفتنة الطائفية وإخمادها، وهذه النقاط الثلاثة هي:
1 ـ الوعي والخطاب
2 ـ اللقاء والحوار
3 ـ العمل المشترك
وإليك تفصيل هذه النقاط:
أولاً: الوعي والخطاب
الفتنة الطائفية، كأية فتنة أخرى، تنشأ وتنمو في غياهب الجهل والجهالة.. والفتن في حياة الناس كثيرة، وكلها تتكون وتظهر وتنمو في ظلمات الجهل.
وأفضل العلاج لها ولأمثالها من الفتن هو المعرفة والوعي، فإنّ النور يكسح الظلمة، والمعرفة والوعي نور يزيل ما يعترضه من الظلمات، والفتن تراكم من الظلمات بعضها فوق بعض.
الوعي والتقوى
إنّ تحصين المجتمع من الفتن يتم بعاملين اثنين مع بعض، وهما عامل التقوى والمعرفة، فإذا اجتمعتا فأنهما يحصّنان المجتمع من أمثال هذه الفتن.
ومهما واجهنا فتنة من هذه الفتن التي تمحق دين الناس، وتثير الشغب والفوضى، وتحرق الأخضر واليابس، فلابدّ أن يكون من وراء هذه الفتنة عجز في (التقوى) أو (الوعي) أو فيهما معاً.
فهما يحصّنان المجتمع من كل فتنة، ويمنحان صاحبهما بصيرة وفرقاناً، إذا ادلهمت الخطوب والظلمات على الناس.
الوعي السياسي
ومن أهمّ وجوه الوعي اليوم الوعي السياسي، فإنّ عامل الاستكبار العالمي، والمخابرات، والمنظمات الجاسوسية العالمية، تكمن خلف هذه الفتن.
والمؤسسات الإعلامية (الصحف والفضائيات ودور النشر) تبثّ هذه الفتن بين الناس، وتقوم بتأجيج حرائق الفتنة الطائفية بين المسلمين.
وتجد أنظمة الاستكبار العالمي في هذه الفتن الطائفية، فرصة ذهبية لبسط نفوذها في العالم الإسلامي، وتمكّنها من أسواق المسلمين، ومصادر الثروة النفطية، والمعدنية، والمائية، والزراعية في العالم الإسلامي... وسوف نبسط الحديث في هذا الجانب إن شاء الله.
و الأداة المفضّلة لمواجهة هذه الفتن هي الوعي السياسي الذي يمكن الناس من معرفة خلفيات هذه الفتن وجذورها، والمنظمات الجاسوسية التي تخطط لها هناك في الغرب، عبر المحيطات.
ومن واجب العلماء والخطباء والمثقفين الإسلاميين نشر الوعي السياسي بين الناس، وتمكين الناس من إختراق الغطاء الإعلامي، وتمكينهم من الدرك الصحيح لما يحصل في الساحة العالمية من فنون اللعبة السياسية، وتحذير الناس من أن يكونوا ضحايا هذه اللعب، والخطط التي تنتجها باستمرار العقلية الغربية، تجاه العالم الإسلامي.
وعي الجمهور
ولست أعني بـ (الوعي السياسي) هنا وعي النخبة، ولست أنفي ضرورة الوعي السياسي عند النخبة، وأهميتها، ولكن وعي النخبة لا يغني عن وعي الجمهور، وإذا حلّ الوعي في الشارع الذي يتحرك فيه الجمهور، وتسلّح الجمهور بالوعي، لم تعد هذه اللعب السياسية، والفضائيات المضلّلة قادرة على تضليل الناس، وتفجير الفتن في وسط الناس، كالذي يحصل اليوم في العراق وفي باكستان وفي بعض الأقطار الإسلامية.
فإنّ الوعي عندما ينزل إلى مستوى الشارع ويثقف الجمهور يحصّنه من أمثال هذه الفتن... والجمهور الذي يمتلك درجة عالية من الوعي السياسي يمتلك درجة عالية من الحصانة تجاه العوامل الإعلامية والسياسية المضللة، وبالضرورة لاتحتوشه الفتن.
والجمهور غير الموجّه، وغير الراشد، هو الوسط الخصب، والتربة الصالحة لأمثال هذه الفتن؛ وعن طريق التوعية، والتثقيف السياسي، يمكننا أن نحافظ على سلامة الجمهور ورشده.
والجمهور كما هو تربة صالحة للفتن والضوضاء، كذلك هو وعاء صالح للوعي، والعقل، والسداد، والتقوى.. ويمتلك أعماقاً سليمة من الفطرة، لم ينفذ إليها الفساد، والقادة الحقيقيون هم الذين يدركون هذا العمق الفطري السليم للجمهور، ويقودون الجمهور إلى صراط الله المستقيم والتقوى، ويحذرونه من مغبّة الوقوع في أمثال هذه الفتن،ويفلحون في ذلك.
إنّ الثقة بالجمهور، وكفاءاته الكثيرة، وسلامة فطرته، هو رأس مال أولئك القادة الذين يعرفون كيف يخاطبون الجمهور، وكيف يكسبونه.. بعد الثقة بالله تعالى، والاعتماد عليه، والاطمئنان إلى وعده بالنصر، وتأييده للقلّة المؤمنة، في مواجهة أمثال هذه الفتن والتحديات.
الخطاب الإسلامي المعاصر
ولابدّ للوعي من خطاب، كما أنّ للتضليل السياسي خطاب، ولإثارة الفتنة بين الناس خطاب، ولتغرير الناس، وتجهيلهم، وتسطيح عقولهم خطاب، كذلك للوعي خطاب.
ولغة هذا الخطاب لغة العقل، وهي اللغة المفضّلة في خطاب الوعي... إنّ العاطفة جزء ضروري من خطاب الجمهور لاشك في ذلك، ولكن من الخطأ الاقتصار على العاطفة في خطاب الجمهور.. ولابد من استخدام لغة العقل في خطاب الناس، إلى جانب لغة العاطفة، ولابد أن تكون لغة العقل هي الحاكمة وهي الأصل، ولغة العاطفة تأتي في امتداد لغة العقل، ولإسناد العقل عندئذ يكون الخطاب العاطفي خطاباً صالحاً للجمهور... وأمّا عندما يتمحّض خطاب الجمهور في الخطاب العاطفي، فلا يكون مثل هذا الخطاب خطاباً راشداً أميناً غالباً، ولايكون قادراً على توجيه الجمهور إلى الوجهة الصحيحة...
إنّ مشكلة الخطاب الإسلامي المعاصر لدى أصحاب التوجهات الطائفية المعاصرة، هي الحالة العاطفية الطاغية على هذا الخطاب والحالة الشعارية، ورفض لغة العقل، وحالة الإنكفاء علي الذات، والانغلاق على الرأي الآخر، ورفض الطرف الآخر، رفضاً مطلقاً إلى حدود التكفير، واستباحة الدماء التي حرّمها الله تعالى إلاّ بحقها.
وقد يكون استجابة الجمهور أحياناً إلى الخطاب الشعاري والعاطفي أسرع من استجابتهم للخطاب العقلاني الرافض للعاطفة.. ولكن يبقى استخدام لغة العاطفة والشعار محضاً وحصراً في خطاب الجمهور، خيانة للجمهور مهما كانت استجابتهم لهذا الخطاب، واستخدام لغة العقل ومحكمات الدين في خطاب الجمهور هو الموقف الناصح الأمين من الجمهور، وإن واجهه الجمهور أحياناً بالرفض.
وعلى علماء المسلمين أن يتقوا الله في الخطاب، ولا يبتغوا مرضاة الناس في ذلك، فقد يكون في الناس من يستجيب للشعار والعاطفة، وقد يكون الخطاب العاطفي والشعاري أسرع قبولاً في وسط الجمهور.. ولكنّه على كل حال خيانة، يجب أن يحذرها العلماء الراشدون.
والجمهور الذي يتثقف من خلال الخطاب العقلائي أكثر ثباتاً وصلابة في الموقف، والجمهور الذي يتلقى الخطاب العاطفي الشعاري جمهور متقلّب في الرأي، لا يثبت على موقف ورأي، ومسؤولية هذه الحالة المتقلّبة على عهدة الخطاب العاطفي والشعاري الذي يتلقاه هذا الجمهور من حملة الخطاب الطائفي المتشنّج.
منطلقات الخطاب الديني
وكما يجب الاهتمام بلغة الخطاب في حياتنا الثقافية والسياسية المعاصرة، كذلك يجب الاهتمام بمنطلقات الخطاب الإسلامي... هناك خطابات سياسية وثقافية كثيرة معاصرة صادرة من (الولاءات) المنتحلة الوهمية، كالولاء للقوم، والوطن، والأحزاب، والعشيرة، وهي ولاءات منتحلة كاذبة في مقابل الولاء لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وللمؤمنين، وهو الولاء الراشد الصحيح الذي جاء به الوحي من عند الله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}(6)...
وهذا هو الولاء الحق الذي جاء به رسول الله (ص) من عند الله، وهو الولاء الذي يوحّد صف المسلمين، ويجعل منهم أمة واحدة في صف مرصوص، مقابل أعداء هذه الأمة.
وللقضاء على هذا الولاء، بادر أعداء هذا الدين إلى طرح ولاءات أخرى، في مقابل الولاء لله، ولرسوله، ولأولياء الأمور، وللمؤمنين، كالولاء للقوم والوطن والعشيرة، وبذلوا أموالاً طائلة لتثبيت هذه الولاءات في ثقافة المسلمين المعاصرة، من خلال المدرسة، والصحافة، والإذاعة، والتلفاز، وإحياء المآثر الفرعونية والبابلية والكسروية والفينيقية.. إلى غير ذلك.
من خلال هذه الثقافات عملوا على زرع ولاءات وهمية، قومية، ووطنيه.. مقابل الولاء لله ولرسوله.
ونحن عندما نتحدث عن الخطاب السياسي الذي نلقيه إلى جمهورنا يجب أن نأخذ بنظر الاعتبار منطلقات هذا الخطاب... هذا الخطاب يجب أن ينطلق عن الولاء لله ولرسوله في قوله تعالى:
{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ}(7).
وقوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أمَّتُكُمْ أمَّةً وَاحِدَةً وَأنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}(8).
وقوله تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أمَّتُكُمْ أمَّةً وَاحِدَةً وَأنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}(9).
وقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}(10).
وقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أوْلِيَاء بَعْضٍ} (11).
وقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ} (12).
وقوله تعالى: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (13).
وقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} (14).
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أوْلِيَاء بَعْضٍ} (15).
أمّة واحدة، وطاعة واحدة، وولاء واحد.
إنّ لكل ولاء خطاب، وخطاب كل ولاء يختلف عن الخطاب الآخر، ونحن ولاؤنا لله ولرسوله ولأولياء الأمر وللمؤمنين وليس للوطن والقوم والعشيرة.. ولهذا الولاء خطاب يختلف عن خطاب الولاء للقوم والوطن.
ونحن لا نرفض الارتباط بالقوم والوطن إلاّ أن هذا الارتباط من الانتماء وليس من الولاء، والولاء يحكم الانتماء.. فقد حارب المسلمون صدر الإسلام أهلهم وآباءهم وإخوانهم من مكة في الله.
وخطابنا إلى جمهور أمتنا ـ في السراء والضراء ـ يجب أن ينطلق من هذا المصدر، وهو الخطاب الذي يجمع الشمل، ويزرع المحبة والمودة في القلوب، ويؤسس التفاهم والتعاون في الأفكار والأعمال.
الصدق والنصح في الخطاب
ويجب أن يكون الخطاب صادقاً ناصحاًً.. وفي خطابنا المذهبي الطائفي المعاصر الكثير من الكذب والافتراء.. ومن يقرأ بعض أدبيات الفتنة الطائفية المعاصرة، يجد نماذج كثيرة من هذا الافتراء والكذب، ومن أمثلة هذا الافتراء: الافتراء على الشيعة الإمامية بأنهم يقولون بتحريف القرآن، وهم ينفون عن أنفسهم هذه التهمة، ويصرّحون ويكتبون عن صيانة القرآن عن التحريف.
ولو أنك سبرت بلاد المسلمين في كل العالم لا تجد غير هذا القرآن قرآناً يتلوه الناس، ويتعبدون به في مشارق الأرض ومغاربها.
وكم يتبادل المسلمون من المذاهب المختلفة، الافتراءات فيما بينهم من غير هدى ولا بيّنة.
ولا يقتصر أمر هذه الافتراءات فيما بين الشيعة والسنة، وإنما يتم بين الشيعة أنفسهم، والسنة أنفسهم بما لا يقلّ عما يجري بين الشيعة والسنة...
وهذا الخطاب الطائفي الاستفزازي، ينقصه الصدق والنصح..
ينقصه الصدق، لأنّ علماء المسلمين من جميع المذاهب يكتبون ويعلنون ويصرّحون أن ليس لله على وجه الأرض كلها قرآن غير هذا القرآن، الذي يتلوه المسلمون صباحاً ومساءاً.
وينقصه النصح، لأنّ المسلم الذي يهمّه أمر وحدة المسلمين وانسجامهم، والذي يأمر الله تعالى به ورسوله لا ينال مذاهب المسلمين بهذا اللون القاسي من الجرح والتشهير والتسقيط، من دون تثبت علمي، بل مع إعلانهم البراءة عما ينسب إليهم من الافتراء.
الشجاعة والصراحة في الخطاب
إنّ مواجهة ظروف الفتنة الطائفية اليوم تستدعي شجاعة وصراحة في الخطاب وما لم يمتلك حَمَلَةُ الخطاب الإسلامي هذه الشجاعة والصراحة لا يتمكنون من مواجهة الفتنة الطائفية المعاصرة واستئصالها.
إنّ الحالة التكفيرية المعاصرة، واستباحة دماء المسلمين بغير الحق، عودة للحالة الخارجية التي ظهرت صدر الإسلام في حرب صفين والنهروان في أيام خلافة أمير المؤمنين (ع) ، وولادة جديدة لنفس الحالة.
وهذه الحالة آخذة بالتوسع والنفوذ إلى داخل الحركة الإسلامية المعاصرة.. ولابد أن يمتلك تجاه هذه الحالة، علماء المسلمين الجرأة، والشجاعة، والصراحة الكافية في بيان موقف الإسلام من هذه الجماعة، ومن هذه الحالة التي تُعدّ انزلاقاً خطيراً للحركة الإسلامية المعاصرة.
والتردد والتريث في مثل هذا البيان والخطاب، يؤدّي إلى استشراء هذه الحالة وتوسعها، وإلى حدوث انزلاقات خطيرة في الحركة الإسلامية المعاصرة بهذا الاتجاه.
وقد حرّم الإسلام دم المسلم وماله إذا كان يشهد بالتوحيد لله والنبوة لرسول الله قولاً واحداً بين فقهاء المسلمين.
روى مسلم في الصحيح في فضائل علي (ع) : عندما دعا رسول الله (ص) علياً في فتح خيبر فأعطاه الراية وقال له: «امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك، قال: فسار علي (ع) شيئاً ثم وقف ولم يلتفت فصرخ:
يا رسول الله، على ماذا أقاتل الناس؟
قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنّ محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم»(16).
وفي الصحيحين بالإسناد إلى مقداد بن عمرو: أنه قال: يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار، فاقتتلنا فضرب إحدى يدي بالسيف، فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، فأقتلْه يا رسول الله بعد أن قالها، فقال رسول الله (ص) : «لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال»(17).
و أخرج البخاري في بعث علي (ع) وخالد إلى اليمن: أنّ رجلاً قام، فقال: يارسول الله: اتق الله، فقال (ص) : «ويلك ألست أحق أهل الأرض أن يتقي الله»، فقال خالد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه، فقال (ص) : «لا، لعله أن يكون يصلي»(18).
وعن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: «قال رسول الله (ص) : اُمرت أن اُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد حرم عليّ دماءهم وأموالهم»(19).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص) :
«اُمرت أن اُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله»(20).
وعن أبي عبد الله الصادق (ع) أنه قال: «الإسلام يُحقن به الدم»(21).
وعنه (ع) أنه قال: «شهادة أن لا إله إلا الله والتصديق برسول الله (ص) ، به حُقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث»(22).
وعن رسول الله (ص) أنه قال: «من وحّد الله وكف بما يعبد من دونه حَرُم ماله ودمه وحسابه على الله»(23).
وعن أبي عبد الله الصادق (ع) أيضاً عن رسول الله (ص) أنه قال: «أيها الناس إنّي أمرت أن أقاتلكم حتى تشهدوا أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله، فإذا فعلتم ذلك حقنتم بها أموالكم ودماءكم إلاّ بحقّها وكان حسابكم على الله»(24).
وروي الدارمي عن رسول الله (ص) أنه قال: «إنّي أمرت أن اُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها حرمت عليّ دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقّها، وحسابهم على الله»(25).
عن أبي سعيد الخدري قال: وجد قتيل على عهد رسول الله (ص) ، فخرج مغضباً حتى رقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «يقتل رجل من المسلمين لا يُدرى من قتله، والذي نفسي بيده لو أنّ أهل السماوات والأرض اجتمعوا على قتل مؤمن أو رضوا به لأدخلهم الله في النار»(26).
وروى مسلم في (الصحيح) روايتين عن رسول الله (ص) نعرف منهما عظيم حرمة «لا إله إلا الله» وحرمة القائل بها، ولو كان القائل بها قد تظاهر بها ليحمي نفسه من القتل، وأنّ هذه الكلمة تعطي قائلها وحاملها من الحرمة ما لا يجوز لأحد انتهاكها إلاّ بحقه.
روى مسلم أنّ رسول الله (ص) بعث بعثاً من المسلمين إلى قوم من المشركين، وأنهم التقوا فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله، وإنّ رجلاً من المسلمين قصد غفلته، قال: وكنا نحدّث أنه أسامة بن زيد، فلما رفع عليه السيف قال: لا إله إلاّ الله فقتله، فجاء البشير إلى النبي (ص) ، فسأله فأخبره، حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع، فدعاه فسأله قال: >لِمَ قتلته؟ قال: يا رسول الله اوجع في المسلمين، وقتل فلاناً وفلاناً وسمّى له نفراً، وإنّي حملت عليه فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله، قال رسول الله (ص) :أقتلته؟ قال: نعم، قال: فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة، قال:يا رسول الله استغفر لي، قال: وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة، قال: فجعل لا يزيد على أن يقول: كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة»(27).
وروى مسلم أيضاً عن أسامة بن زيد أنه قال:
«بعثنا رسول الله (ص) في سرية فصبحنا الحرقات(28) من جهينة فأدركت رجلاً فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي (ص) فقال رسول الله (ص) : أقال لا إله إلاّ الله وقتلته! قال: قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا، فمازال يكررها عليَّ حتى تمنّيت أني أسلمت يومئذ»(29).
ورغم أنّ القتيل كان مقاتلاً يقاتل المسلمين في صفوف الكافرين حتى اللحظة الأخيرة، ونطق بكلمة التوحيد في اللحظة الأخيرة عندما وجد السيف على رأسه، وواضح من كل القرائن أنّ الرجل شهد بـ لا إله إلاّ الله خوفاً من القتل، وليس عن إيمان، كما قال أسامة بن زيد.. إلاّ أنّ رسول الله (ص) غضب غضباً واضحاً، وأنكر على أسامة بشدة وقوة، وكرّر إنكاره على أسامة حتى تمنى أسامة أن يكون قد أسلم في ذلك اليوم، حتى يكون الإسلام قد جبَّ من ذنوبه ما سبق.
خطبة رسول الله (ص) بمنى
وهذه الخطبة ألقاها رسول الله (ص) في جموع المسلمين الغفيرة بيوم النحر بمنى، وقد روى هذه الخطبة ثقاة المحدثين بألفاظ متقاربة، ونحن ننقل الخطبة برواية الإمام أبي عبد الله الصادق (ع) ، ويغنينا اشتهار روايتها بين حفاظ الحديث النبوي عن ذكر مصادرها: عن زيد الشحّام عن أبي عبد الله الصادق (ع) أنه قال: «إنّ رسول الله (ص) وقف بمنى حين قضى مناسكها في حجة الوداع فقال: أيها الناس اسمعوا ما أقول لكم، واعقلوه عني، فإني لا أدرى لعليّ لا ألقاكم في هذا الموقف بعد عامنا هذا، ثم قال: أيُّ يوم أعظم حرمة؟ قالوا: هذا اليوم، قال: فأيّ شهر أعظم حرمة؟ قالوا هذا الشهر، قال: فأيّ بلد أعظم حرمة؟ قالوا: هذا البلد، قال: فإنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقونه فيسألكم عن أعمالكم، ألا هل بلّغت؟ قالوا: نعم، قال: اللّهم اشهد، ألا من كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها، فإنه لايحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفسه، ولا تظلموا أنفسكم، ولا ترجعوا بعدي كفّاراً»(30).
ثانياً: الجماعة، واللقاء، والحوار
هذه ثلاثة عناوين يحبها الله تعالى، وهي أساس التقريب والتفاهم وجمع الشمل وهي:
(الجماعة) و(الاجتماع واللقاء) و(الحوار والتفاهم).
وهذه الثلاثة هي الأداة المفضلة في دين الله لمكافحة الفتن الطائفية، وإزالة التقاطعات، والوصول إلى الانسجام والتفاهم والتعاون.
وسوف نشرح هذه الثلاثة، ونقف وقفات قصيرة عند كل واحد منها:
الجماعة (الأمّة)
نقصد بالجماعة: الأمّة الإسلامية الواحدة، وتتميز هذه الأمّة من سائر الأمم في العقيدة والشريعة والرسالة، ورسالتها التعاون والتضامن الاجتماعي، علي أداء هذه الرسالة، والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...
{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي}(31).
{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَاْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(32).
{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ}(33).
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أوْلِيَاء بَعْضٍ يَاْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(34).
هؤلاء، جماعة هذه الأمة، يحملون هماً واحداً، ومسؤولية واحدة، هي الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم أسرة واحدة، متعاونة ومتفاهمة ومتعاطفة {بَعْضُهُمْ أوْلِيَاء بَعْضٍ}، وهم يؤمنون جميعاً بالله ورسوله، ويطيعون الله ورسوله؛ فإنّ الدعوة إلى الله ورسوله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لايكون إلاّ مع الإيمان بالله ورسوله، وطاعة الله ورسوله.
إذن هذه الجماعة تحمل ثلاث خصال:
1 ـ الإيمان بالله ورسوله، وطاعة الله ورسوله.
2 ـ الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصلاة..
3 ـ التفاهم والتعاون والتعاضد والتواصي بالحق والصبر فيما بينهم.
{إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(35).
وعليه فإنّ مفهوم (الجماعة) بهذا التوضيح يلتقي مفهوم (الأمة)، ويتحد معه.
وهذه الأمة أمة واحدة، وليست أمماً شتى، لا ريب في ذلك.
{إِنَّ هَذِهِ أمَّتُكُمْ أمَّةً وَاحِدَةً وَأنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}(36).
{وَإِنَّ هَذِهِ أمَّتُكُمْ أمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}(37).
وهذه الأمة بعرضها العريض أمّة واحدة، لها عقيدة واحدة، وشريعة واحدة، ومنهاجاً واحداً، ودعوة واحدة، وسبيل واحد، ورسالة واحدة، يؤدّونها مجتمعين.
وهذه الوحدة والاجتماع في الأداء، وتحمّل المسؤولية، والوحدة في العقيدة والشريعة والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هي التي تجعل من هذه الأمة جماعة واحدة.
وقد ورد التأكيد على هذا الاجتماع، والوحدة في الأداء، والوحدة في الموقف والعمل في آيات عديدة من القرآن.
منها قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا} فإنّ الآية الكريمة تحمل معنيين:
الاعتصام بحبل الله، وهذا هو المعنى الأول، وأن يكون هذا الاعتصام من قبل الجميع (جميعاً) وهذا هو المعنى الثاني.
ومنها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً}(38).
والآية الكريمة كذلك تحمل معنيين:
1 ـ الدخول في السلم.
2 ـ وأن يكون هذا الدخول من قبل الجميع، (كافة).
وقد ورد التأكيد في أحاديث كثيرة متضافرة على لزوم الجماعة، منها ما رواه الفريقان عن رسول الله (ص) في الخطبة التي خطبها في مسجد (الخيف) بمنى عام حجة الوداع، وإليك هذا الخطاب النبوي الشريف: «نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها، وبلغها من لم تبلغه، فربّ حامل فقه ليس بفقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لائمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإنّ دعوتهم محيطة من ورائهم، المؤمنون أخوة تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواه، يسعى بذمتهم أدناهم»(39).
وهذا خطاب شريف يتضمن ثلاث دعوات، وأية دعوات؟
1 ـ الإخلاص في العلاقة بالله.
2 ـ والنصيحة في العلاقة بأئمة المسلمين وأولياء الأمر (ع) .
3 ـ واللزوم لجماعة المسلمين في العلاقة بالأُمة.
وسلامة الفرد والمجتمع بسلامة هذه العلاقات الثلاثة:
1 ـ العلاقة بالله.
2 ـ والعلاقة بأئمة المسلمين.
3 ـ والعلاقة بجماعة المسلمين.
فإذا سلمت علاقة الفرد بهذه المحاور الثلاثة، يسلم الفرد، وتسلم الأمة.
اللقاء والاجتماع
ورد في النصوص الإسلامية التأکيد علي اللقاء والاجتماع والنهي عن الاختلاف والتفريق والتقاطع داخل الجماعة المسلمة، والنهي عن الخروج عن جماعة هذه الأمة والشذوذ عنها.
عن رسول الله (ص) : «عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة»(40).
وعنه (ص) : «اثنان خير من واحد وثلاثة خير من اثنين وأربعة خير من ثلاثة. فعليكم بالجماعة، فإنّ يد الله مع الجماعة، ولم يجمع الله أمتي إلاّ على هدى، واعلموا أنّ كل شيطان (البعيد من الحق) هوى في النار»(41).
وعنه أيضا (ص) : «لا يجمع الله أمر أمتي على ضلالة أبداً، اتبعوا السواد الأعظم، من شذّ في النار»(42).
وعن أمير المؤمنين (ع) : «ألزموا السواد الأعظم، فإنّ يد الله مع الجماعة، وإياكم والفرقة، فإنّ الشاذ من الناس للشيطان، كما أنّ الشاذ من الغنم للذئب، فلا تكونوا أنصاف الفتن، وأعلام البدع، وألزموا ما عقد عليه حبل الجماعة، وبنيت عليه أركان الطاعة»(43).
وعن الإمام الصادق (ع) انه قال: «إنّ قوماً جلسوا عن حضور الجماعة، فهمّ رسول الله (ص) أن يشعل النار في دورهم حتى خرجوا وحضروا الجماعة مع المسلمين»(44).
وقد جعل الله تعالى في لقاء المؤمنين رحمة وبركة وخيراً كثيراً، وجعل اللقاء والحوار من منازل رحمته وبركاته...
كما أنّ الشيطان يجعل من التباعد سبباً للنفور والقطيعة والخلاف.
واللقاء لا يتمّ من غير حوار عادة، فهما متلازمان من ناحية اللقاء، وقد رأينا بركات كثيرة في اللقاءات الأخيرة المعاصرة التي تمت في إيران بعد قيام نظام الجمهورية الإسلامية... بين المذاهب الإسلامية فقد كانت هذه اللقاءات مصدر خير كثير في حياة هذه الأمة، تعارف خلالها بعضهم على بعض، وتحاببوا، ووجدوا فرصاً واسعة للتفاهم والتعاون، لم يكونوا يعرفوها من قبل... في هذه اللقاءات إرتفع كثير من اللبس والغموض الذي كان ينظر من خلاله بعضهم إلى بعض من قبل، واكتشفوا مساحات مشتركة واسعة جداً في الفكر والثقافة والمعرفة، كانوا يعدونها من قبل مما ينفرد بها بعضهم عن بعض.
(الجماعة) و(الجمعة)
إنّ اجتماع المؤمنين واللقاء بينهم أمر يحبّه الله تعالى، وما يحبّه الله يجعل فيه البركة والخير، ويجعله من منازل رحمته.
وهذا اللقاء، وما يستتبعه من الحوار يدخل في صلب التشريع.. فقد شرَّع الله في هذا الدين للمسلمين (الجماعة) و(الجمعة) و(الحج)..
ويدخل في (الجمعة) صلاة العيدين الفطر والأضحى.
وهذه الثلاثة (الجماعة، والجمعة، والحج) تجمعات إسلامية ثلاثة تجمع المسلمين من مختلف الأقاليم والقوميات والمذاهب والاتجاهات والاجتهادات.. ولاشكّ أنّ الحالة العبادية والذكر في الصلاة والحج جزء لا يتجزأ من هذه الثلاثة... إلاّ أن حالة اللقاء والاجتماع أمر مقصود في هذه التشريعات الثلاثة من دون شك.
ورغم أن الإنسان يُقبل على صلاته في الخلوات أكثر من الإقبال عليها في الاجتماعات... مع ذلك كله يفضّل الإسلام إقامة الفرائض اليومية جماعة على الصلاة بالانفراد، وذلك نظراً لأهمية التقاء المؤمنين وتواجدهم في ساحة واحدة.
وقد بلغ من اهتمام الإسلام بالجماعة أنّ رسول الله (ص) هدد أقواماً كانوا مقاطعين لصلاة الجماعة في المدينة بأن يحرق بيوتهم، كما في الرواية.
روى الشيخ الطوسي في التهذيب عن الصادق (ع) : أنّ أناساً كانوا على عهد رسول الله (ص) ابطئوا عن الصلاة في المسجد، فقال رسول الله (ص) : «ليوشك قوم يدعون للصلاة (يَدَعون الصلاة ظ) في المسجد أن نأمر بحطب فيوضع على أبوابهم فتوقد عليهم النار فنحرق عليهم بيوتهم»(45).
وكذلك الاهتمام بأمر (الجمعة) في الإسلام وتحشيد المؤمنين من كل منطقة في جامع عام لإقامة الجمعة، وقد روي عن الإمام الباقر (ع) : «صلاة الجمعة فريضة، والاجتماع إليها فريضة مع الإمام، فإنّ ترك رجل من غير علة ثلاث جمع فقد ترك ثلاث فرائض، ولا يدع ثلاث فرائض، من غير علة إلاّ منافق»(46).
واجتماع الحج هو الاجتماع الأوسع للأمة كلها، تجتمع في موعد واحد ومكان واحد، لإقامة هذه الفريضة، وهو أوسع اجتماع يعرفه الناس على وجه الأرض.. يقيمه المسلمون في كل عام تلبية لأذان أبيهم أبي الأنبياء إبراهيم (ع) {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}(47).
الجماعة والجمعة تجمعان كل الشرائح والمذاهب
وقد حرص الإسلام أن يحضر المسلون بكل مذاهبهم واتجاهاتهم هذه الاجتماعات الثلاثة لأداء الفريضة اليومية وصلاة الجمعة وفريضة الحج مجتمعين.
وكان أئمة أهل البيت (ع) يؤكدون لشيعتهم حضور الجماعات والجمعات لأهل السنة.
عن الإمام الصادق (ع) : «من صلّى خلفهم كان كمن صلّى خلف رسول الله (ص) ».
وفي حديث آخر عنه (ع) : «إذا صليت معهم غُفِرَ بعدد من خالفك في قراء البسملة وحضر الصلاة في المسجد».
وذلك أنّ الأحناف من أهل السنّة يلغون البسملة في القراءة، على خلاف مذهب أهل البيت (ع) في اعتبار البسملة جزءاً من كل سورة، إلاّ سورة التوبة.
ويشكو أحد الرواة إلى الإمام الصادق (ع) حاله في حضور صلوات جماعة أهل السنّة يقول: إنّ لنا إماماً مخالفاً، وهو يبغض أصحابنا كلهم، فقال (ع) : «ما عليك من قوله، والله لئن كنت صادقاً لأنت أحق بالمسجد منه، فكن أنت أول داخل وآخر خارج، وأحسن خلقك مع الناس، وقل خيراً».
ويقول الإمام الصادق لإسحاق بن عمار: «يا إسحاق أتصلي معهم في المسجد؟ قال: قلت نعم، قال: صلّ معهم فإنّ المصلي معهم في الصف الأول كالشاهر سيفه في سبيل الله».
* * *
إنّ من الضروري تعبئة الجماعات والجمعات بحضور الشرائح الإسلامية المختلفة من كل المذاهب والطوائف الإسلامية، وكسر الحواجز الطائفية والمذهبية فيهما.
ومن الضروري أن يكون خطاب أئمة الجمعات والجماعات، خطاباً تقريبياً، وحدوياً، توحيدياً، يكسب كل الفرق والطوائف الإسلامية، ولا يفرّقهم ولايُنَفِّرُهم.
ومن الضروري تعبئة الحج بالحوار الهادف الموجّه بين المسلمين في شؤونهم السياسية والثقافية والاقتصادية.
مساحات اللقاء والحوار
أهم مساحات اللقاء والحوار، هي المساحة الثقافية، والمعرفية، والمساحة السياسية، والمساحة الاقتصادية، والاختلاط العائلي بالتزاوج والمصاهرة.
المساحة الثقافية والمعرفيّة
اللقاء، والحوار الموجّه في شؤون الثقافة والمعرفة، يؤدي إلى تقريب وجهات النظر من المذاهب الإسلامية في شؤون المعرفة والعلم، كالفقه واُصول الفقه والكلام والتفسير.
ويؤدي إلى اكتشاف مساحات مشتركة بين المذاهب الإسلامية في مختلف أبواب المعرفة، ويتبين لهم أنّ الخلاف في ما بين المذاهب الإسلامية في هذه المسائل لم يكن إلاّ خلافاً لفظياً، وهم متفقون على جوهر هذه المسائل.
كما يؤدي إلى التكامل والتلاقح العملي لدى الجميع.
وقد كانت هذه الطريقة مألوفة لدى العلماء، وطلبة العلوم من المذاهب الإسلامية المختلفة، في التردد على المدارس، والحوزات العلمية المختلفة لتلقي العلم، رغم اختلاف المذاهب.. وكان لهذا الترافد العلمي والثقافي أثر كبير في إثراء المعرفة والثقافة الإسلامية، وتكامل العلوم والمعارف لدى المسلمين.
المساحة السياسية
المساحة السياسية مساحة واسعة... وهذه المساحة اليوم أصبحت مساحة لهواة السياسة، والإنتهازيين، واللاعبين الدوليين في السياسة، وأنّ للسياسة لاعبين، يلعبون في هذه المساحة كما يلعب اللاعبون من هواة الشعبذة والمسرح.. ويقيسون العمل السياسي ويفهمونه ويقيّمونه بنفس المقاييس التي يفهم فيها الناس العاب التمثيل السينمائي.. يكذبون ويُكَذّبون حتى يصدقهم الناس، ويستخدمون بيوت أموال المسلمين بسخاء لكسب آراء الناس، ويبطلون الحقائق، ويحققون الزيف والكذب والباطل، بأدوات الكذب والتضليل والتغرير.
وللأسف أنّ المساحة السياسية في العالم اليوم تحكمها هذه العصابات، إلاّ ما ندر وشذّ، ولا نطيل في هذا الحديث، وسوف يطول موقفنا بين يدي الله تعالى يوم السؤال الأكبر والمحاسبة الكبرى {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}(48) تجاه هذه القضية.
فقد عرف الناس الظالمين، وسكتوا عنهم، وجاوروهم وتعاونهم معهم، ولم يحرّكوا ساكناً، ولم يزعجوهم بموقف أو كلمة، وتركوهم يمرحون ويلعبون بمصالح هذه الأمة وقضاياها الكبرى، وينهبون ثرواتها، ويمكّنون أنظمة الاستكبار العالمي من بلاد المسلمين، إلاّ القليل النادر، الذين نهضوا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجابهوهم بكلمة الحق، وكسروا كبريائهم وأذلوا غرورهم.. وهؤلاء قلة في هذه الأمة، ولكنّها قلة مباركة.
والسبيل الوحيد إلى طرد هذه العصابات السياسية الانتهازيّة من الساحة الإسلامية السياسية هو حضور جمهور المسلمين في هذه الساحة، حضوراً مُوحّداً بالإيمان والوعي والعطاء.
إنّ حضور الجمهور في الساحة يغيّب هذه العصابات، ويسلب منهم الأضواء التي يتألّقون بها، وتكشفهم وتعرّيهم.
وهذا الحضور عبادة، بمستوي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنّه يطرد حملة المنكر من الساحة، ويفتح المجال للمعروف والعاملين به.
وهذا الحضور عبادة، كما أنّ الصلاة والصيام عبادة، وهو من مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
شريطة أن يكون هذا الحضور عن وعي وبصيرة، وليس حضوراً غوغائياً انفعالياً، وبشرط أن يحمل هذا الحضور خصلة المقاومة والعطاء، وليس حضوراً واهياً ضعيفاً انفعاليّاً، تفرّقه طلقات من الرصاص والغازات المسيلة للدموع.
وبشرط أن يكون هذا الحضور حضوراً وحدوياً، تتجسّد فيه وحدة الصف.
ويتم الحوار فيه على أساس مصلحة الإسلام الكبرى، ويتعامل الجمهور في هذه الساحة من منطلق (الأمة الواحدة)، ويتفقون فيها على موقف واحد ورأى واحد.
إنّ مثل هذا الحضور واللقاء والحوار عندما يعمّ الساحة الإسلامية، وينتشر في العواصم والحواضر والمراكز الإسلامية، يكون له دور كبير في توجيه قضايانا السياسية... ولست أريد أن أشُطَّ في الخيال وأقول: إنّ حضور الناس في المساحة سوف يؤدي إلى تغيير شامل لأوضاعنا السياسية الفاسدة في العالم الإسلامي، ولكنني أقول إنّ هذا الحضور الواحد الشامل سوف يُعدّل كثيراً من قرارات الأنظمة السياسية الكبرى، مثل قرار (التطبيع)، وتبادل السلام بالأرض في فلسطين، والموقف من الإحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان والموقف من المسألة النووية الإيرانية، والموقف السلبي الذي اتخذته الأنظمة العربية من (حماس) في خلافها مع (منظمة التحرير الفلسطينية)، تبعاً للموقف الأميركي ـ الأوربي ـ الإسرائيلي، والموقف من التأييد الأمريكي لإسرائيل والرفض الأمريكي للمقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين (حزب الله وحماس والجهاد)، وضرورة التفكيك بين (المقاومة) و(الإرهاب)، واحترام الأول وتبنّيه، ونبذ الثاني ورفضه...
إنّ مثل هذا اللقاء والحوار في الساحة الإسلامية العريضة من أهم ضرورات المرحلة، شريطة أن نحصّن هذا اللقاء والحوار من نفوذ الأنظمة واختراقاتها، فإنّ الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي، تملك من وسائل إختراق الساحة ما يهدّد وحدة الساحة ووعيها، ويؤدي إلى تفريقها وتضليلها، وقد شاهدنا في حياتنا السياسية المعاصرة نماذج كثيرة من هذا الاختراق والتضليل والتجهيل والتفريق.
شروط اللقاء والحوار
ولكي يكون هذا اللقاء والحوار نافعين يجب أن يتوفر فيهما الشروط التالية:
1 ـ تقديم مصلحة الإسلام العليا..
فقد تتدافع الأطراف الإسلامية فيما بينها، ولا يصلون إلى قناعة مشتركة، عند ذلك يجب عليهم أن يقدّموا المصلحة الإسلامية العليا على كل مصلحة.. وقد كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) قدوة لكل المسلمين في ذلك.. يقول (ع) فيما جرى عليه من بعد رسول الله (ص) في تقديم الآخرين عليه في أمر الولاية والخلافة، وتنحيته عن حقّه في هذا الأمر: «فوالله ما كان يلقى في روعي، ولا يخطر ببالي أن العرب تُزعج هذا الأمر من بعده (ص) عن أهل بيته، ولا أنهم مُنَحُّوهُ عني من بعده، فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي (عن البيعة)، حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يَدْعُون إلى محق دين محمد (ص) ، فخشيت إنْ لم أنصر الإسلام وأهله، أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة بها عليّ أعظم من فوت ولايتكم»(49).
2 ـ حسن الظن في التعامل والحوار
إنّ سوء الظن إذا استولى على الناس في علاقة بعضهم ببعض أفسد اللقاء، وكانت نتائج اللقاء سلبية.. وإنّ سوء الظن آفة كل لقاء وحوار وعمل مشترك... وقد نهانا الله تعالى عن سوء الظن في دائرة العلاقات التي تربط المسلمين بعضهم ببعض: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}(50).
إنّ تعاطي سوء الظن في العلاقة يفسد العلاقة ويلغيها.
3 ـ العقلائية في اللقاء والحوار:
عندما نكون في منعطف تاريخي حساس، كالمنعطف الذي تعيشه الأُمّة الإسلامية اليوم.
وعندما تكون الأمة الإسلامية ناهضة، وتخوض صراعاً مريراً في مواجهة الأنظمة المرتبطة بعجلة الاستكبار العالمي وأنظمة الاستكبار العالمي التي تقف خلف هذه الأنظمة.
وعندما تُحشّد أنظمة الاستكبار العالمي كل إمكاناتها لمواجهة التيار الإسلامي العظيم، الذي يعمّ كل العالم الإسلامي، وكان الموقف بيننا وبين الاستكبار العالمي موقفاً تاريخياً مصيرياً فاصلاً...
أقول عند ذلك فإنّ من أفدح الأخطاء في ظروف صعبة وعسيرة مثل هذه الظروف، أن تغلب العاطفة والانفعال والشعار على مواقفنا السياسية، ولقاءاتنا، وخطابنا لجماهيرنا، وحواراتنا المتبادلة داخل البيت الإسلامي الكبير.
إنّ لغة العاطفة والانفعال والشعار، كما هو نافع في إثارة الهمم وإنهاض الجمهور، يُمكنُ أن يتحول في بعض الحالات إلى ألغام سريعة الانفجار تُحَوّل الساحة إلى ساحات للسجال والجدال العقيم الضار.
ونتمنى، لو أنّ طرفاً أو جهة أو شخصاً أراد أن يستخدم هذه اللغة في إثارة التشنج في صفوف المسلمين، ويعكر صفو العلاقات الإسلامية داخل الصف الإسلامي... من أيّ مذهب، وأيّة طائفة، نتمنى أن يواجهه الآخرون بالعقلانية الإسلامية، والدعوة إلى ما يأمرنا الله تعالى به من الاعتصام بحبل الله {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ} والنهي عن التفرقة {وَلاَ تَفَرَّقُواْ}.
4 ـ الوعي السياسي
إنّ الحالة السياسية والإعلامية في العالم، والعلاقات السياسية والاقتصادية بين أنظمة الاستكبار العالمي، والأنظمة التابعة لها في العالم الإسلامي، والعلاقة بين السياسة والإعلام... حالات معقدة شديدة التعقيد، ويدخل في تكوينها عوامل غير مرئية كثيرة، وما يظهر على السطح من التصريحات والعلاقات لا يعبّر عن كل شيء...
أذكر في المصالحة التي تمت بين نظام عربي وإسرائيل بالوساطة الأمريكية... فتصافح زعيمان من الطرفين أمام أضواء الكاميرات في حضور الرئيس الأمريكي فاجأ الرئيس الأمريكي المسؤول العربي بالسؤال التالي:
منذ كم كانت لكم علاقة وارتباط ولقاءات مع المسؤولين في إسرائيل؟
فقال المسؤول العربي الكبير مأخوذاً بهذه المفاجأة ممتعضاً من هذا الإحراج: منذ عشرين عاماً.
إنّ هذا السؤال والجواب يكشف عن الاحتقار الأمريكي لجملة من زعماء الأنظمة العربية الذين تحميهم أمريكا نفسها، ويحمون مصالحها، كما تكشف عن عمق الفساد السياسي في طائفة من الأنظمة العربية.
منذ عشرين عاماً يتعامل مع إسرائيل، ويتعاطى معها، ويلتقي بقادتها في لندن وواشنطن.. ولا يعرف الناس على سطح الإعلام السياسي عنه إلاّ لغة الشجب والتهديد لإسرائيل..!!
إنّ هذه الأنظمة السياسية، بين الواقع والتصريحات التي يقدمونها للإعلام، تشبه الكتل الثلجية العائمة على مياه البحار، تسعة أعشار منها غاطسة في الماء لا تُرى، وعُشْرٌ منها فقط تظهر على سطح الماء...
إنّ هذه الأنظمة بين واقعها الغاطس في مستنقع العلاقة بأنظمة الاستكبار العالمي، والشطر الظاهر المسموع والمرئي منها في الإعلام، تشبه هذه الكتل الثلجية.. ومن أفدح الخطأ أن نتعامل مع هذه الأنظمة من خلال الإعلام المرئي والمسموع، ومن خلال الخطب والتصريحات السياسية التي يطلقوها بين حين وآخر.
إنّ لقاءاتنا السياسية، وخطابنا السياسي، يجب أن يمتلك خلفية غنية من الوعي السياسي، والإحاطة بالظروف السياسية المعقدة، والمعرفة بالخلفيات السياسية التي تقع خلف المواقف والقرارات والتصريحات السياسية.
ومن دون هذا الوعي السياسي سوف يقع جمهورنا وساحتنا في تخبّط سياسي واسع... ونحن قد تحدثنا عن ضرورة الوعي السياسي وأهميته الكبيرة في هذه المرحلة... وعلى علماء المسلمين، وخطبائهم، ومثقفيهم، والحركات الإسلامية، إشاعة الوعي السياسي ونشره، في الأوساط الإسلامية الشعبية.
5 ـ الحوار بالتي هي أحسن
قد ينقلب الحوار إلى جدال عقيم، بل ينقلب إلى عائق يعيق حركة الأمة، وحجاب يحجب المسلمين بعضهم عن بعض، وقد يكون الحوار جسراً للتفاهم والتعاون والتلاقي في المساحات المشتركة السياسية والثقافية والاقتصادية لهذه الأمة، وذلك عندما يكون الحوار بالأسلوب الذي علّمنا الله تعالى بـ (التي هي أحسن، وأقوم للعلاقة الحسنة والتفاهم بين المسلمين)، يقول تعالى: {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(51).
ويقول تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ}(52).
ولا سبيل لدفع (نزغ الشيطان) في العلاقة بين أطراف هذه الأمة إلاّ أن يخاطب بعضنا بعضاً بأحسن ما نستطيع عليه من القول.
6 ـ تحصين اللقاء والحوار:
إنّ علينا أن نحصّن هذه اللقاءات والحوارات الإسلامية من نفوذ الأنظمة التي تقع تحت سلطان أنظمة الاستكبار العالمي واختراقها، فإنّ هذه الأنظمة تملك من وسائل الإعلام والاستخبار ما يمكّنها من اختراق هذه اللقاءات والحوارات، وإحباطها وإفسادها... ولكي نتمكن من تفعيل هذه اللقاءات واستثمارها يجب علينا أن نحصّن هذه اللقاءات من نفوذ هذه الأنظمة واختراقاتها.
أحاديث أهل البيت (ع) في ضرورة اللقاء والحوار
كان أهل البيت (ع) يوجهون شيعتهم واتباعهم دائماً إلى اللقاء والاجتماع بأهل السنة، والحضور معهم في جوامعهم، واجتماعاتهم، ومجالسهم، وندواتهم، وينهونهم عن الابتعاد عنهم، ويؤكدون لهم بضرورة التواجد في الساحة الإسلامية العامة، وحضور الجمعات والجماعات، وتوحيد المواقف في الحج، ولم يردنا ـ ولا حديث واحد ـ عن انفراد أئمة أهل البيت (ع) في موقف من مواقف الحج عن الموقف العام الذي كان يحدده الحكام في تلك البرهة، لعامة المسلمين.
وقد تصدى بعض المنحرفين عن أهل البيت (ع) للدسّ في أحاديثهم (ع) لعزلهم وعزل شيعتهم عن الوسط الإسلامي الكبير.. وكانت هذه الأحاديث على أنحاء، منها أحاديث الغلوّ، ومنها أحاديث التحريف، ومنها أحاديث فيها تخليط في الفقه، ومنها أحاديث فيها انتقاص وتسقيط لأهل البيت (ع) ، ومنها أحاديث في الطعن واللعن على خصومهم.
وكانوا يعملون لإشاعة هذه الأحاديث عنهم (ع) ، وقد روي عن الإمام الصادق (ع) في هذا المعنى: «إنا أهل بيت صادقون، لا نخلو من كذّاب يكذب علينا، فيسقط صدق كلامنا بكذبه»(53).
وعنه (ع) أيضاً: «إنّ المغيرة بن سعيد دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي، فاتقوا الله، ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا وسنّة نبيّنا»(54).
وروي عن يونس عن أبي الحسن الرضا (ع) ، قال: «إنّ أبا الخطاب كذّب على علي بن أبي طالب (ع) ، لعن الله أبا الخطاب، وكذلك أصحاب أبي الخطاب، يدسّون من هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله (ع) فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن»(55).
وعن أبي الحسن الرضا (ع) في حديث إلى ابن أبي محمود: «يابن أبي محمود، إنّ مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا، جعلوها على ثلاثة أقسام: أحدها الغلوّ، وثانيها التقصير في أمرنا، وثالثها التصريح بمثالب أعدائنا، فإذا سمع الناس الغلوّ فينا كفّروا شيعتنا، ونسبوهم إلى القول بربوبيتنا، وإذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا، وإذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم ثلبونا بأسمائنا»(56).
وقد كان أئمة أهل البيت (ع) يعملون لكسر هذا الطوق عنهم وعن شيعتهم بتكذيب هذه الأحاديث، وفضح الوضّاعين الذين كانوا يضعون عليهم من الحديث ما لم يتحدثوا به والتأكيد على رفض كل حديث يروى عنهم يخالف القرآن.
فكانوا يقولون: «فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا وسنّة نبينا»، «فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن»(57).
وكانوا يطلبون من فقهاء شيعتهم، ورواة أحاديثهم، أن يتحرّوا الأحاديث الصادقة المروية عنهم (ع) ويحذروا ما وضعه النواصب، والمنحرفون عنهم، عليهم من الأحاديث المنتحلة، وكانوا يضعون لهم الأصول والقواعد العلاجية لمعرفة الأحاديث الصادقة من الأحاديث المتعارضة، والأحاديث الضعيفة، وكانوا يَدْعُون شيعتهم للتعايش مع سائر الطوائف الإسلامية، والانفتاح عليهم، والتعاطي العلمي والثقافي معهم وحضور اجتماعاتهم وصلواتهم.
وكانوا لا يرضون لشيعتهم أن يعتزلوا الوسط الإسلامي العام، فهم جزء من هذه الأمة الكبيرة، واختلافهم عن أهل السنة في بعض الفروع والأصول، ومقاطعتهم للحكام الظلمة الذين كانوا يحكمون المسلمين في العصر الأموي والعباسي لم يكن يحمل معنى الاعتزال عن الساحة والانقطاع عنها.
وقد كان أئمة أهل البيت (ع) يعيشون معهم وفي أوساطهم، ويجتمع إليهم المسلمون من كافة المذاهب والاتجاهات، ويحضرون مجالسهم، ويأخذون منهم العلم، ولو أحصينا أهل العلم الذين أخذوا العلم عن الإمامين الباقر والصادق (ص) ، لوجدناهم اُمة كبيرة من أهل العلم، وكانت مجالسهم ومحاضرهم عامرة بفقهاء المسلمين، وحملة الحديث النبوي، وأهل العلم من كل اتجاه ومن كل بلد... وهذه الحالة يعرفها جيداً من يعرف حديث أئمة أهل البيت (ع) وسيرتهم، وهي تعبّر عن حالة الانفتاح والتعايش المذهبي الإيجابي السليم لكل الاتجاهات والمذاهب الإسلامية. في الوقت الذي كان أهل البيت (ع) يرسمون ويوضحون لشيعتهم وللمسلمين عامة الخط الفكري الصحيح في الاُصول والفروع بوضوح وصراحة وبشكل دقيق.
وفي أحاديث أهل البيت (ع) دعوة واضحة وصريحة إلى هذا الانفتاح مع المسلمين والتعايش الإيجابي، والتواصل، والتعاطف، والتعاون معهم، وإليك نماذج من أحاديث أهل البيت (ع) في هذا الشأن:
روى محمد بن يعقوب الكليني بسند صحيح في الكافي عن أبي اُسامة زيد الشحّام قال: قال أبو عبد الله (ع) : «أقرأ على من ترى أنه يطيعني منهم، ويأخذ بقولي السلام، أوصيكم بتقوى الله عزّ وجلّ والورع في دينكم والاجتهاد لله وصدق الحديث وأداء الأمانة وطول السجود، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد( (ص) ). وأدوا الأمانة إلى من ائتمنكم عليها برّاً أو فاجراً، وأنّ رسول الله( (ص) ) كان يأمر بأداء الخيط والمخيط.
صِلُوا عشائركم واشهدوا جنائزهم وعودوا مرضاهم، وأدّوا حقوقهم، فإنّ الرجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق الحديث وأدّى الأمانة، وحسن خلقه مع الناس قيل: هذا جعفري، فَيسُرّني ذلك ويدخل عليّ منه السرور، وقيل هذا أدب جعفر، وإذا كان على غير ذلك دخل عليّ بلاؤه وعاره، وقيل هذا أدب جعفر، والله لحدثني أبي (ع) إنّ الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة عليّ فيكون زينها، أدّاهم للأمانة، وأقضاهم للحقوق، وأصدقهم للحديث، واليه وصاياهم وودائعهم، تسأل العشيرة عنه فتقول: من مثل فلان أنّه أدّانا للأمانة، وأصدقنا للحديث»(58).
وأيضاً بسند صحيح عن معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد الله الصادق (ع) : كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا، وفيما بيننا وبين خلطائنا من الناس؟ قال: فقال (ع) «تؤدون الأمانة إليهم وتقيمون الشهادة لهم وعليهم، وتعودون مرضاهم، وتشهدون جنائزهم»(59).
وأيضاً بسند صحيح عن معاوية بن وهب قال: قلت له (الصادق (ع) ): كيف ينبغي أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وبين خلطائنا من الناس ومن ليسوا على أمرنا فقال: «تنظرون إلى أئمتكم الذين تقتدون بهم فتصنعون ما يصنعون فوالله إنهم ليعودون مرضاهم، ويشهدون جنائزهم، ويقيمون الشهادة لهم وعليهم ويؤدون الأمانة لهم»(60).
وفي رواية اُخرى للكليني في الكافي بسند صحيح عن حبيب الحنفي قال: سمعت أبا عبد الله الصادق (ع) يقول: «عليكم بالورع والاجتهاد، وأشهدوا الجنائز، وعودوا المرضى، وأحضروا مع قومكم مساجدهم، وأحبّوا للناس ما تحبون لأنفسكم، أما يستحي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حقّ جاره»(61).
وبسند صحيح عن مرازم قال: قال أبو عبد الله الصادق (ع) : «عليكم بالصلاة في المساجد، وحسن الجوار للناس، وإقامة الشهادة، وحضور الجنائز، إنه لابدّ لكم من الناس، أنّ أحداً لا يستغني عن الناس في حياته، والناس لابدّ لبعضهم من بعض»(62).
ثالثاً ـ الأعمال والمشاريع المشتركة
قرأنا فيما سبق أنّ النقاط الثلاثة التالية من أفضل المناهج لمكافحة الفتنة الطائفية.. وهذه الثلاثة هي:
1 ـ الوعي والخطاب.
2 ـ اللقاء والحوار.
3 ـ العمل المشترك.
وقد تحدثنا فيما مضى عن النقطة الأولى والثانية، وها نحن نتحدث إن شاء الله عن النقطة الثالثة، وهي العمل المشترك، سواءً كان العمل في المجال العملي والثقافي أم في مساحة العمل السياسي، أم في المساحة الاقتصادية.
والتجارب العديدة التي مارسها المسلمون في الآونة الأخيرة في المشاريع الاقتصادية والفقهية تؤكّد هذا المعنى.
ونظراً للتحديات العظيمة التي يواجهها المسلمون اليوم لابدّ من مواجهة هذه التحديات بالمشاريع الإسلامية السياسية، والاقتصادية، والثقافية، التي يشترك فيها عامّة المسلمين من كل المذاهب والشرائح الإسلامية، فلم تعد الأعمال الفردية، والتي تقوم بها طائفة من المسلمين كافية لمقابلة هذه التحديات، فإنّ التحديات التي تواجهنا في ساحتنا أكبر من أن نقابلها بمثل هذه المشاريع.
إنّ مشاريعنا السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية يجب أن تكون بحجم الأمة كلها.. عندئذ تكون يد الله مع هذه المشاريع، وعليها، إن شاء الله تعالى.
وعندئذ تكون هذه المشاريع والأعمال قادرة على مقابلة التحديات القويّة التي تواجهنا في ساحة عملنا.
جدلية الشرعية والواقع:
وسوف أتحدّث عن واحدة من هذه التحدّيات التي تواجهنا في حياتنا السياسية والثقافية، ولايتأتّى لنا مقاومتها وإحباطها إلاّ ضمن مشروع سياسي وثقافي كبير، وبتضامن إسلامي واسع على قدر سعة هذه الأمة.
أمامنا قضيتان متخالفتان ومتقاطعتان، في ساحة حياتنا ويجب علينا أن نتعامل معها بالضرورة، وليس بوسعنا التشكيك في أي منهما، وليس بوسعنا الإعراض عن أي منها أو كليهما ومقابلته باللامبالاة.
القضية الأولى: وحدة الأمة الإسلامية، وليس بوسع أحد أن يشك في هذه الحقيقة، وقد تلوت عليكم قريباً قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أمَّتُكُمْ أمَّةً وَاحِدَةً وَأنَا ربُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}.
وقوله تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أمَّتُكُمْ أمَّةً وَاحِدَةً وأنَا ربُّكُمْ فَاتَّقُونِ}.
وهذه حقيقة من حقائق الوحي.
ووحدة الأمة بوحدة ولائها وبراءتها، من غير شك ولا ترديد، وإذا تعددت الولاءات والبراءات تتعدد الأمة، ولا تبقى الأمة واحدة، كما تخبرنا بها سورة (الأنبياء) و(المؤمنون).
ولا يمكن فصل القيادة السياسية والنظام والقرار السياسي عن مسألة الولاء.
كما لايمكن فصل التقاطعات والصراعات السياسية والعسكرية بين الأنظمة عن مسألة البراءة...
أقول إنّ وحدة الأمة بوحدة ولائها وبراءتها، فإنّ الولاء للقيادة السياسية الصالحة للأمة تأتي في امتداد الولاية لله ولرسوله ولأولي الأمر.. يقول تعالى: {أطِيعُواْ اللّهَ وأطِيعُواْ الرَّسُولَ واُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}(63).
ووجود ولائين أو أكثر من ذلك ـ في عرض بعض ـ ينافي وحدة الأمة... فضلاً عما إذا كانت هذه الولاءات متعارضة فيما بينها، كما هو حاصل عادة في الأنظمة السياسية المتعددة الواقعة على خطوط سياسية متعددة.
أما الولاءات السياسية الطولية (التي يقع بعضها في امتداد بعض) فلا تنافي وحدة الأمة مهما تعددت وكثرت.
إذن لهذه الأمة، طبقاً لهاتين الآيتين الكريمتين من سورتي الأنبياء والمؤمنون قيادة واحدة صالحة.. وهذه هي الحالة الشرعية التي نطلبها في نظام الحكم والقيادة السياسية للعالم الإسلامي.
هذه هي القضية الأولى: (الشرعية).
القضية الثانية: قيام أنظمة متعددة من الحكم في طول العالم الإسلامي وعرضها...
وهذه الأنظمة ـ في الأغلب ـ لا تمثّل الحالة الشرعية لأنها غير صالحة، وغير مؤتمنة على دين الناس ودنياهم، وغير منتخبة من قبل الناس، وإنما تُفرض على الناس بآليات عسكرية، أو عبر وسائل أنظمة الاستكبار العالمي... وهذه الأنظمة تفرض طاعتها والالتزام بقراراتها على الناس بالنار والحديد والعنف.. والتغرير والتجهيل الإعلامي.
ولابدّ للناس من الالتزام بقرارات هذه الأنظمة: وهذا هو (الأمر الواقع) اللاشرعي.
وبين هذا (الأمر الواقع) و(الشرعية) تقاطع شديد ولكل منهما ثقافة، وسياسة، وقوانين، وأنظمة، وآليات، وقوة للتنفيذ.
هذه هي الجدلية القائمة بين (الشرعية) و(الأمر الواقع).
ما هو تكليف المسلم تجاه هاتين القضيتين (الشرعية المحظورة) و(الواقع المفروض).
(فلا يجوز) الاستسلام للأمر الواقع المفروض، وإلغاء الحالة الشرعية، و(لايمكن) تجاوز الأمر الواقع المفروض بالقوة من قبل الأنظمة..
هذه هي الجدلية بين (ما لا يجوز) و(ما لا يمكن) وهي جدلية قديمة في التاريخ الإسلامي.
فما هو موقف (الفقه الإسلامي) تجاه هذه الجدلية الصعبة.
منهج أهل البيت (ع) الفقهي
إنّ منهج أهل البيت (ع) الفقهي تجاه هذه الجدلية في الفترة الطويلة التي عاشوها في العصر الأموي والعباسي، تتلخص في ثلاث نقاط:
1 ـ النهي عن إسناد هذه الأنظمة ودعمها، وتحريم (التعاون مع الظلمة)، فلايجوز للمسلم أن يقوم بأيّ عمل فيه إسناد ودعم لهذه الأنظمة غير الصالحة بأي شكل، ولو كان ذلك بإعداد ليقة دواة للحاكم الظالم.. وقد وردت روايات كثيرة عن أهل البيت (ع) في هذا المعنى(64).
2 ـ الأمر بمعايشة الواقع السياسي الاجتماعي لأنّ الانفصال عنه بمعنى الخروج من ساحة الحياة والانتحار السياسي والاقتصادي.
ولا مناص للمسلمين من أن ينتظم أمر معاشهم ومعادهم ضمن هذا الواقع، ولامناص لهم من أن يعايشوا هذا الواقع، لتستقيم لهم أمور معاشهم ودينهم.. حتى لو يتطلب الأمر أن ينضمَّ المؤمنون إلى مواقع المسؤولية من هذه الأنظمة الفاسدة، ولكن لا لغاية إنعاشها ودعمها، وإنما لغاية تحقيق الضمان لمعيشة المؤمنين وخدمة الناس في معايشهم ومكاسبهم(65).
فلا يستغني الناس عن المدارس والجامعات، وجهاز الشرطة، والمستشفيات، والمؤسسات الخدمية وغيرها، وكل هذه المؤسسات مؤسسات قائمة ضمن هذه الأنظمة الفاسدة... لاحيلة للناس عنها، فيجوز الدخول في هذه المؤسسات لخدمة الناس، ويجوز الاستفادة من هذه المؤسسات، ومن دون ذلك تتعطل حياة الناس، والله تعالى لا يريد تعطيل حياة الناس.
وبين الأمر الأول (المحظور)، والأمر الثاني (السائغ) فرق واضح.
3 ـ العمل على تحويل هذا الواقع الفاسد إلى نظام صالح، وقيادة صالحة وقوانين وتشريعات صالحة.
وهذه النقطة الأخيرة تختلف من مجتمع إلى مجمع، فقد يتم ذلك عن طريق ثورة مسلحة، وقد يكون ذلك عن طريق الترحيل الثقافي والتبليغي للناس، وقد يكون بالوسائل الديمقراطية الحديثة، التي تمكّن الأكثرية الصالحة من الوصول إلى مواقع الحكم وتغيير الحكم إلى نظام صالح، وقيادة صالحة، بصورة سليمة، أو غير ذلك من الوسائل والآليات(66).
وهذه ثلاثة مشاريع عمل إسلامية سياسية، تتطلب مشاركة عامة من المسلمين، من كل المذاهب والفرق والشعوب الإسلامية التي تعاني من سلطة الحكومات الظالمة:
1 ـ مقاطعة الأنظمة الفاسدة وتحريم دعمها وإسنادها، ووجوب عزل هذه الأنظمة عن الأمة والتشهير بها وتسقيطها.
2 ـ المشاركة الإيجابية في كل مسالك الحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والنفوذ إلى مواقع مختلفة من الحكم بهذه الذهنية، ولهذه الغاية.
3 ـ مشاريع أسلمة الأنظمة، وإقامة الدولة الإسلامية، على أسس شرعية، وترحيل الحالة السياسية إلى قيام حكومة عالمية إسلامية صالحة، كما وعدنا الله تعالى في كتابه.. وهذا المشروع يختلف من بلد إلى بلد، ومن حالة سياسية إلى حالة أخرى، ولا يخضع لوصفة سياسية أو حركية واحدة.
المشروع السياسي الإسلامي
الأنظمة في العالم الإسلامي ـ في الغالب ـ غير صالحة، ولا يمكن الاعتماد عليها في تقرير الموقف الإسلامي من القضايا السياسية الكبرى في العالم الإسلامي.. ومن الواضح أنّ المواقف الرسمية للأنظمة تجاه القضايا الكبرى تبقى خاضعة لتأثير الدول الكبرى، وليس بوسع هذه الأنظمة أن تتجاوز الخطوط الحمراء التي ترسمها دول الاستكبار العالمي...
نعم، هناك مساحات صفراء يتحرك عليها هؤلاء الحكام.. وقد تكون هذه الحركة مخالفة لقرارات الدول الكبرى...
أما الخطوط الحمراء، فليس بوسع هذه الأنظمة تجاوزها، مهما كان الثمن الذي تدفعها هذه الأنظمة.. مثل النفط، فليس بوسع هذه الأنظمة أن تستخدم «النفط» في قضايا الأمة السياسية، والعكس حاصل فعلاً، فانّ الدول الكبرى، ومجلس الأمن يستخدمان العامل الاقتصادي سلاحاً قاطعاً في قراراتها السياسية، وفي عقوبة الأنظمة التي تتجاوز الخطوط الحمراء، في حين لا يجرأ حُكّامنا، أو لايملكون في أكثر مناطق العالم الإسلامي، تجاوز الخطوط الحمراء، فيما يتعلق بأنظمة الاستكبار العالمي.
ومهما يكن السبب، فإنّ الساحة الإسلامية الواسعة، لاتمتلك اليوم مقومات القرار، والموقف السياسي الراشد الإسلامي، إلاّ ما يصدر بصورة عفوية من مواقف وقرارات، يتبناه جمهور المسلمين في مختلف أقاليم العالم الإسلامي، كما رأينا ذلك في التعاطف الشديد لمواقف المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان (حزب الله)، من جانب جماهير المسلمين في كل أقاليم العالم الإسلامي، وفي المهاجر الغربية.
ورغم أنّ الأنظمة العربية ـ في الغالب ـ كانت ممتعضة من انتصار المقاومة، وماسجلتها من انتصارات باهرة خلال 33 يوماً إلاّ أنّ تيار التضامن والتعاطف الإسلامي مع حزب الله كان أقوى من أن تعاكسها الأنظمة، وأدواتها الإعلامية المسخّرة لخدمة مواقفها السياسية... ولكن هذه الأنظمة تمكّنت أخيراً من إبراز كراهيتها لانتصار حزب الله، في الاصطفاف الواسع الذي قامت به إلى جانب فؤاد السنيورة، وجعجع، والحريري، وجنبلاط، في إفشال مشروع حكومة الوحدة الوطنية التي دعت إليها المعارضة.. وفي مقدمتها حزب الله؛ ولولا التصرف العقلائي لحزب الله في هذا الموقف المعارض لاستئثار الأقلية بالحكم في لبنان، لكانت العاقبة حرباً أهلية واسعة في لبنان، إلاّ أنّ (حزب الله) آثر ممارسة الاعتراض، بصورة سلمية، حتى عندما كانت الحكومة تقابل المعارضة بالعنف.. وكفى الله اللبنانيين القتال.
ومهما يكن من أمر فلابدّ للساحة الإسلامية الكبرى من أدوات نابعة من إرادة الأمّة، ومن عمق الساحة لتنضيج القرار السياسي الذي يهم الأمة ـ كلها ـ ولتوحيد الرأي، والموقف السياسي في القضايا الكبرى، وتعميمها على كل الساحة الإسلامية، وتحشيد الرأي العام الإسلامي لإسناده، والوقوف إلى جانبه، وتفعيله في الساحة من خلال المسيرات، والاحتجاجات، والهتافات، والإعلاميات، والآليات المشاعة التي يمتلكها الشارع، للتعبير عن موقفه، ورأيه، واعتراضه، واحتجاجه، وحبّه، وبغضه.
ومن دون وجود مشروع سياسي ـ مثل هذا المشروع ـ ينضّج الرأي السياسي الراشد الناضج الموحّد، تبقى الساحة معرّضة لأمواج الفتن السياسية، وضغوط وسائل الإعلام الرسمية التي تجعل من الحق باطلاً ومن الباطل حقاً، وتقرّب البعيد، وتبعّد القريب.
وتبقى الساحة الإسلامية تتخبط بين اختلاف الآراء والمواقف، والفتن، والضغوط الإعلامية.
ولكي تسلم الساحة الإسلامية الكبرى من هذا التخبّط، لابدّ من مشروع سياسي إسلامي كبير، خارج حوزة نفوذ هذه الأنظمة، تمارس هذه المسؤولية في تنضيج القرار، والموقف الإسلامي، وتوحيده، وتعميقه، وتفعيله في الساحة.
ولابدّ أن يمثّل هذا المشروع السياسي كل الشرائح والمذاهب والأقاليم الإسلامية تمثيلاً صادقاً حقيقياً، ليكون لرأي هذا التجمع الإسلامي، النفوذ والتأثير الفعلي على كل الساحة الإسلامية.
ويكون هذا التجمّع مركزاً لتنضيج القرار الإسلامي الراشد الذي تتبناه الساحة الإسلامية كلها، في المسائل الأمّ الكبرى في العالم الإسلامي، مثل قضية القدس والمسجد الأقصى، والقضية الفلسطينية، والاحتلال الإسرائيلي لأجزاء واسعة من أراضي الوطن الإسلامي من سوريا ومصر والأردن ولبنان؛ ومثل المشكلة الصومالية، وتدخل القوى المتعددة الجنسيات في دارفور؛ والمشروع الإيراني النووي السلمي؛ والاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق؛ والموقف الأمريكي المعادي للقضية الفلسطينية، والداعم لإسرائيل؛ والموقف البريطاني، بل الاتحاد الأوروبي من دعم المرتد سلمان رشدي؛ والموقف الروسي المتعنت من الولايات الإسلامية كالشيشان، وقضية الصحراء المغربية، واضطهاد الأنظمة في العالم الإسلامي لأبناء الحركة الإسلامية، كما في الجزائر وتونس ومصر، وكما في العراق في عهد الطاغية، ومثل الصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني بين حماس وفتح، والدعم الإسرائيلي والأوربي والأمريكي والعربي لفتح، وتضييق الحصار على غزة وحماس إقتصادياً وسياسياً، وعزل حماس عزلاً سياسياً كاملاً... وأمثال ذلك، والتخريب الواسع الذي قامت به إسرائيل للبنان، انتقاماً لانتصار حزب الله عليها في الحرب التي دارت بينها وبين حزب الله في جنوب لبنان، وسكوت الدول الغربية ـ الأوروبية والأمريكية ـ برمّتها تجاه هذا العدوان السافر على لبنان، ودعم الموقف الإسرائيلي بشكل مطلق، بكل أشكال الإسناد والدعم... وأمثال ذلك.
وقد يتساءل أحد عن الصيغة العملية لهذا المشروع السياسي... فأقول: إنني لست بصدد عرض صيغة محددة لهذا المشروع السياسي... يمكن أن يكون على هيئة مؤتمر دوري لأهل الحل والعقد من المسلمين، ويمكن أن يكون بصيغة أخرى... وأيّاً ما تكون الصيغة العملية لهذا المشروع، فهو مركز سياسي، يمثل الأمّة الإسلامية، بعرضها العريض، في تنضيج القرارات، والتوصيات السياسية، والاقتصادية، والثقافية، وغيرها، وبلورتها وتقديمها، في الأمور التي تهمّ الأمّة، ويكون هذا المركز في مقابل مراكز القرار الرسمية للأنظمة، يعبّر عن إرادة الناس وانتمائهم، وهويتهم الإسلامية... وهو أمر قائم فعلاً، في بعض الحدود، ولكن يحتاج إلى تثبيت، وتطوير، وتوسعة، وتعديل، وتقنين، وتبني من قبل المسلمين.
تساؤلات حول هذا المشروع
وقد يثير أحد حول هذا المشروع التساؤلات التالية:
1 ـ أين يمكن إقامة هذا المشروع السياسي المستقل، عن الإرادة الأمريكية ـ والدول الغربية، وأمريكا تقول اليوم للسحاب: أينما تذهبين فإنّك تمطرين في مساحة نفوذي وسلطاني.
2 ـ ما جدوى رأي هذا المركز السياسي إذا كان لا يملك آلية التنفيذ في مقابل قرارات الأنظمة التي ينفذها أصحابها بالإرهاب والإعلام.
3 ـ وكيف يمكن عزل رأي هذا المركز أو توصياته عن تأثير ونفوذ الأنظمة ودول الاستكبار العالمي، في هذه الدنيا المتشابكة المتداخلة.
والجواب عن السؤال الأول:
إنّ ارض الله واسعة، ونحن لدينا مناقشات جوهرية في صدقية النفوذ الأمريكي الكوني المطلق، ليس هنا مجال بسط الكلام فيها.
وعن السؤال الثاني:
أقول إنّ رأي هذا المشروع وتوصياته، يكون مدعوماً بالرأي العام الإسلامي، وسوف يكون له دور واضح في تعديل القرارات السياسية للأنظمة إن لم تكن قادرة على إلغائها.
وعن التساؤل الثالث:
لا ننفي إمكانية نفوذ الأنظمة ومن ورائها أنظمة الاستكبار العالمي إلى صلب هذا المركز وآرائه وتوصياته، ولكنه على كل حال إمكانية محدودة وليست مطلقة، ولايمكن أن يحقق أي مشروع سياسي في هذه الدنيا المتداخلة المتشابكة غايته بصورة مطلقة.
وبعد فإننا نرى أنّ أمثال هذه المشاريع طموحات سياسية واقعية، يمكن أن نسعى إليها وليست ضرباً من أحلام اليقظة في واقعنا السياسي المعاش.
المرجعية السياسية للعالم الإسلامي:
نحن اليوم أمة فاعلة قوية على وجه الأرض؛ ولهذه الأمة ثقل كبير في المعادلات السياسية، وحضور واسع في القضايا السياسية ذات الشأن بالحالة الإسلامية خصوصاً، وبالحالة الكونية عموماً.
ورغم أنّ أكثر الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي تعمل لتشتيت هذه القوة الكبرى على وجه الأرض، لكن تبقى الأمة الإسلامية التحدي الأكبر للغرب؛ والذين يقرءون التاريخ والمستقبل من المنظّرين في الغرب يفهمون هذه الحقيقة، وينذرون أنظمة الاستكبار الغربي من هذا العملاق الذي بدأ ينهض من سباته في القرن العشرين.
وفي ضوء هذا الفهم نقول:
1 ـ إنّ الحقائق المتقدمة في نهضة الأمة بعرضها العريض لايمكن أن تخفى على مراكز الرصد الاستكباري في الغرب.
2 ـ ولابدّ أن تلقى هذه الأمة تحديات صعبة من ناحية الغرب لإحباط المشروع الإسلامي الكوني الكبير.
3 ـ ولاتخصّ هذه التحديات إقليماً، أو قوماً ومذهباً من المذاهب، وإنما تعم الأمة الإسلامية برمّتها، لأنّ هذه الأمة هي التربة الصالحة للمشروع الكوني الذي يخبرنا به الله تعالى في كتابه: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبوُرِ مِن بعْدِ الذِّكْرِ أنّ الأرضَ يَرثُهَا عِبَادِيَ الصَّالحوُن} والذي يتنبّأ به المنظرون في الغرب.
4 ـ إذن المسلمون جميعاً في مواجهة صراع حضاري، وعسكري، وسياسي، وثقافي قاس، من أقسى ما يعرفه تاريخ الإنسان من الصراعات الحضارية السياسية، والعسكرية، شئنا ذلك أم أبينا.
والمطالبة بالمعايشة السلمية، وشجب الحروب والصراعات، لايعفينا من هذه المعركة.. ولسنا نحن الذين ندفع الغرب إلى مثل هذا الصراع، وإنما العكس هو الصحيح، الغرب هو الذي يدفعنا إلى مثل هذه المعركة... فإنّ الكيانات السياسية، والعسكرية، والثقافية في الغرب، يرون أنهم قد وصلوا إلى نهايات التاريخ، والعاقبة التي آل إليها أمر الاتحاد السوفيتي ليس ببعيد عنهم، والقوانين والسنن التي آلت إلى سقوط الاتحاد السوفيتي هي التي تؤول بهم إلى تلك العاقبة؛ وهم يدافعون عن أنفسهم في معركة مصيرية بالنسبة لحضارتهم، وكيانهم الاقتصادي، والسياسي، والعسكري، ومن الطبيعي أن يكون هذا الصراع أشرس صراع يعرفه الإنسان، لأنه صراع على الموت والحياة.
5 ـ ومن أفدح الخطأ أن ندخل هذا الصراع من غير الإعداد المكافئ لهذه المعركة الحضارية، ومن غير الإعداد لآليات هذا الصراع.. والدخول في مثل هذه المعركة من غير الإعداد المكافئ لها يعادل الفشل والهزيمة فيها... يقول تعالى: {وَأعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}(67) وليست القوة كلها في السلاح، وإن كان السلاح من مقومات ساحة القتال، إلاّ أنّ دائرة الإعداد الذي يأمرنا به الله تعالى أوسع من السلاح.
6 ـ ومن أهم الآليات التي تُعِدُّ هذه الأمة لدخول مثل هذه المعركة التي نتوقعها كل حين، بل نعايشها اليوم، دون أن ننتبه لها.. في مقدمة هذه الآليات: (المرجعية السياسية الواحدة للأمة الإسلامية)... فليس من الممكن أن تدخل هذه الأمة صراعاً سياسياً، وحضارياً واسعاً، وتواجه تحديات كثيرة، دون أن تمتلك الأمّة (مرجعية سياسية)، توحّد قرارها، وموقعها، وصفّها.
إنّ وحدة الأمة، ووحدة القرار السياسي، لاتتحقق إلاّ من خلال الآليات التي أعدّها الله تعالى لذلك، وفي مقدمة هذه الآليات المرجعية السياسية التي يسميها الفقهاء بـ (ولاية الأمر).
يقول تعالى: {أطِيعُوا اللّهَ وَأطِيعُواْ الرَّسُولَ واُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ}.
7 ـ و(الموقع الأول) و(الموقع الثاني) الذين تحدّثنا عنهما مؤسستان إسلاميتان للأمة الإسلامية كلها تتكاملان، يؤدي الأولى دور الشورى وتنضيج القرار السياسي الذي تشير إليه آية الشورى {وَأمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}(68) وتقوم الثانية بدور (الولاية السياسية) في حياة المسلمين.. تنفيذاً لقوله تعالى:
{أطِيعُوا اللّهَ وَأطِيعُواْ الرَّسُولَ واُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ}.
{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}(69).
في المساحة الاقتصادية
إنّ عملاً واسعاً يجري اليوم لإلحاق أسواق العالم الإسلامي، ومصادر ثرواته الطبيعية بشبكة العولمة الاقتصادية، وهو أمر حاصل بالفعل في بعض الحدود، ولكن الحركة التي تقوم بها الأنظمة في العالم الإسلامي هي إلحاق أسواقنا في العالم الإسلامي وثرواتنا الطبيعية بشبكة العولمة الاقتصادية بشكل كامل.. وهذا الأمر إذا تمّ يجعل من حركتنا الاقتصادية حركة تابعة لاقتصاد الدول الصناعية الكبرى، وتجعل من أسواقنا معرضاً ومحلاً لاستهلاك ما تنتجه المصانع في الدول الصناعية الكبرى، وتجعل مصادرنا الطبيعة للثروة مثل النفط، والكبريت، والصلب، والحديد، والقطن، وقصب السكر، والمطاط، والتمور، مصدراً لتموين المعامل والمصانع في الغرب.
ونتحول من موقع الإنتاج والاكتفاء الاقتصادي إلى مركز لتموين المصانع في الدول الصناعية الكبرى بالمواد الخام التي تحتاجها هذه المصانع، ومحلاً لاستهلاك ما تنتجه هذه المعامل.
وهذه العاقبة، أسوأ عاقبة اقتصادية للعالم الإسلامي، وتؤدي هذه التبعية الاقتصادية إلى تبعية سياسية خالصة، وانهيارات اقتصادية واسعة كما حصل لجنوب شرق آسيا قبل سنين، وتفقدنا حالة الاكتفاء الذاتي في الاقتصاد، بشكل كامل.
وكما يستخدم الغرب الآلة الصناعية والاقتصادية في تحقيق (التبعية السياسية) في العالم الإسلامي، بشكل واسع، كذلك يستخدم الغرب المقاطعة الاقتصادية والحظر الاقتصادي لإخضاع أنظمة العالم الإسلامي لإرادتها السياسية، كما حصل ذلك لإيران وليبيا وسوريا والسودان... عندما امتنعت من تنفيذ إرادتها.
وقد كان بوسع العالم الإسلامي أن يستخدم الآلة الاقتصادية، مثل تصدير النفط في تعديل بعض المواقف الغربية المتطرفة عموماً، والأمريكية خصوصاً، تجاه العالم الإسلامي، مثل الجنوح المتطرف إلى جانب إسرائيل، والوقوف إلى جانب إسرائيل في كل مراحل عدوانها على فلسطين ولبنان؛ والتشديد على إيران بسبب محاولاتها لتخصيب اليورانيوم، والوصول إلى مرحلة استخدام الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء وسائر الغايات السلمية، والسكوت عن إسرائيل ومفاعلاتها النووية وترساناتها التي تختزن أكثر من200 رأساً نووياً جاهزاً للتفجير والعدوان، كما يقول بعض المؤسسات العسكرية.
لو أنّ المسلمين كانوا يستخدمون الآلة الاقتصادية في تعديل المواقف السياسية الغربية المتطرفة تجاه العالم الإسلامي لتغيّر وجه العلاقات الإسلامية ـ الغربية، ولم يتمكن الغرب من أن يمارس هذا النفوذ الواسع في العالم الإسلامي، ولم يسع الغرب أن يستهتر بهذه الصورة بكل القيم الدبلوماسية، والسياسية، في علاقاتها بالعالم الإسلامي.
ولكن ما الحيلة إذا كان حكام العالم الإسلامي في الغالب لا يجرءون على التطوّل على الإرادة السياسية الغربية، وبشكل خاص الإرادة السياسية الأمريكية، ولا يمتلكون الشجاعة الكافية لاتخاذ أي قرار سياسي أو اقتصادي يعارض مصالح أنظمة الاستكبار العالمي، ويتجاوز الخطوط الحمراء المرسومة لهم؟!
إنّ حركة غاضبة عفوية قامت بها جماهيرنا في مقاطعة البضائع الدنماركية، عندما أساءت صحيفة دانمركية إلى رسول الله (ص) ، وامتنعت الدانمارك من الاعتذار إلى المسلمين ومعاقبة الصحيفة، كان لها تأثير كبير في تعديل موقف الحكومة الدانمركية والحكومات الاسكندنافية، التي وقفت إلى جانب الدانمارك في حينه.
إنّ الموقف الصحيح في هذه المسألة الخطيرة هو الحضور المليوني الموحّد في الساحة، والهتاف بمقاطعه العولمة الاقتصادية الزاحفة إلى العالم الإسلامي، والمطالبة باستخدام الآلة الاقتصادية في قضايانا السياسية الأُم، والمناداة بتحرير أسواقنا من سيطرة البضاعة التي تصدرها إلينا الدول الصناعية الكبرى؛ والدعوة إلى تحرير مصادرنا الطبيعية للثروة وإنتاجنا الزراعي والحيواني من نفوذ الدول الكبرى، والمناداة بالوصول إلى حالة الاكتفاء الذاتي، والتشهير بالأنظمة والحكام الذين يستخدمون مواقعهم في الحكم لتمكين النفوذ الاقتصادي الغربي والشرقي (الاستكباري) من أسواقنا ومصادرنا الطبيعة، ودعوة الجمهور إلى استخدام المقاطعة الاقتصادية عندما يتطلب الأمر، ويتقاعس الحكّام، ويجبنون عن اتخاذ القرار الاقتصادي المناسب.
إنّ الحضور الواعي القوي للأمة في الساحة الإسلامية، في كل المراكز والحواضر والعواصم الإسلامية يؤدي بالضرورة إلى تعديل قرار كثير من الأنظمة، والحكام الذين يحكمون العالم الإسلامي، كما يؤدي إلى تعديل القرارات الاقتصادية والسياسية لدول الاستكبار العالمي تجاه العالم الإسلامي، وتخفيف الضغوط السياسية والاقتصادية عليه.
الشيخ محمد مهدي الآصفي
(1 ) الحج: 28.
(2 ) الأنعام: 79.
(3 ) آل عمران:20.
(4 ) الأنبياء: 92.
(5 ) المؤمنون: 52.
(6 ) المائدة: 55.
(7 ) المائدة: 55.
(8 ) الأنبياء: 92.
(9 ) المؤمنون: 52.
(10) آل عمران: 103.
(11) التوبة: 71.
(12) الحجرات: 10.
(13) الأنفال: 46.
(14) النساء: 59.
(15) الأنفال: 72.
(16) صحيح مسلم 4: 1871 ـ 1872 كتاب فضائل الصحابة.
(17) صحيح البخاري 4: 1581 ح4094 وصحيح مسلم 1: 95 كتاب الإيمان ح155 عدى الجملة الأخيرة.
(18) صحيح البخاري 4: 1581 ح 4094 ومسند احمد 4: 10 ـ 11.
(19) بحار الأنوار 68: 242.
(20) مشكاة المصابيح ج12 ـ 14.
(21) المحاسن: 285؛ وبحار الأنوار 68: 243.
(22) الكافي 2: 25؛ وبحار الأنوار 68: 248.
(23) مسند أحمد بن حنبل 3: 472.
(24) المحاسن: 284، بحار الأنوار 68: 282.
(25) سنن الدارمي 2: 218، ورواه بلفظ قريب منه عن رسول الله (ص) البخاري في 1: 57 من الصحيح في فضل استقبال القبلة، وأبو داود في السنن 2: 41 ـ 42 باب على ما يقاتل المشركون، واحمد بن حنبل في المسند 3: 199، و2: 445، 3: 339، و4: 8 ـ 9، وابن ماجة في السنن 2: 1285 ـ 1286، والنسائي في السنن 8: 109
(26) بحار الأنوار 75: 150.
(27) صحيح مسلم 1: 68 ـ 69.
(28) الحرقات بضم المهملة والراء وقاف بعدها من جهينة، هم بنو حميس بن عمرو بن ثعلبة بن مودوعة بن جهينة، كما في جمهرة ابن حزم: 446.
(29) صحيح مسلم 1: 67.
(30) روى هذه الخطبة جمع غفير من الحفاظ والمحدّثين من الفريقين ولشهرتها نعرض عن ذكر مصادر الخطبة.
(31) يوسف: 108.
(32) آل عمران: 104.
(33) آل عمران: 110.
(34) التوبة: 71.
(35) العصر: 3.
(36) الأنبياء: 92.
(37) المؤمنون: 52.
(38) البقرة: 208.
(39) بحار الأنوار 27: 69 ح7.
(40) ميزان الحكمة 1: 765.
(41) كنز العمال 1: 205 ح1025.
(42) ميزان الحكمة 1: 406.
(43) نهج البلاغة: الخطبة 127.
(44) مستدرك الوسائل 6: 450.
(45) التهذيب 3: 25، ووسائل الشيعة 5: 376، نقلاً عن ميزان الحكمة 5: 410.
(46) وسائل الشيعة 5: 4 نقلاً عن ميزان الحكمة 5: 426.
(47) الحج: 27.
(48) الصافات: 24.
(49) نهج البلاغة: كتاب رقم 62.
(50) الحجرات: 12.
(51) النحل: 125.
(52) الإسراء: 53.
(53) رجال الكشي: 305 الرقم 549.
(54) المصدر السابق: 195 ترجمة المغيرة بن سعيد.
(55) رجال الكشي: 224 الرقم 401.
(56) عيون أخبار الرضا (ع) 1: 303.
(57) بحار الأنوار 2: 250 ح62.
(58) وسائل الشيعة 8: 398، كتاب الحجّ آداب أحكام العشرة، الباب الأوّل، ح1.
(59) المصدر السابق، ح2.
(60) المصدر السابق، ح3.
(61) وسائل الشيعة 8: 399، كتاب الحجّ آداب أحكام العشرة، الباب الأوّل، ح4.
(62) المصدر السابق، ح5.
(63) النساء: 59.
(64) راجع أبواب: (حرمة التعاون مع الظلمة) في مباحث المكاسب المحرمة، وكتاب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، في وسائل الشيعة وسائر كتب الحديث والفقه.
(65) راجع الروايات الواردة في مستثنيات التعاون مع الظلمة وأبواب التقية.
(66) راجع روايات باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأبواب الجهاد.
(67) الأنفال: 60.
(68) الشورى: 38.
(69) المائدة: 55.
معالم الحجّ ونظامه في سيرة أهل البيت
الحجّ ركن من أركان الإسلام
تحظى فريضة الحجّ باهتمام المسلمين جميعاً وتعتبر من الشعائر والعبادات التي يتفق على وجوب أدائها جميع المذاهب الإسلامية.
كما تعبّر هذه الفريضة عن وحدة الأُمّة الإسلامية واستقلال كيانها.
وهي بعد ذلك كلّه: رمز قوّتها وعظمة قدرتها واستمرار حيويّتها.
لم تستطع أيدي العابثين أن تعطّل هذه العبادة العظيمة بالرغم من سعيهم الحثيث لإفراغها من مضمونها ومحتواها الكبير ويعود ذلك لأسباب منها:
1 ـ الدور الفاعل لأهل بيت الوحي(ع) بما فيهم سيّد المرسلين وأئمة المسلمين من أبناء الرسول العظيم الّذين تابعوا الرسول الكريم’ في خطاه الحكيمة، واتّبعوا القرآن العظيم في توجيهاته السديدة.
فسلكوا سبيل الهدى بكلّ ما أُوتوا من حول وقوّة وحكمة حتى بيّنوا معالم وتفاصيل هذه العبادة المهمة بشعائرها المتنوعة، وأرسوا دعائمها التشريعيّة.
2 ـ وحثّوا على أدائها كلّ مَن يرتبط بهم من قريب أو بعيد.
3 وجسّدوا كلّ ما قالوه عن الحجّ في سلوكهم السويّ .
4 ـ ولم يكتفوا ببيان تاريخها العريق من لدن آدم(ع) إلى خاتم الأنبياء’وفضائلها وآثارها الدنيوية المادية وأجرها الأُخروي .
5 ـ وإنّما عكفوا على بيان فلسفتها شعيرة شعيرة، وعملاً عملاً، ونفذوا إلى أعماقها ليصوّروا عرفانها بالعمل قبل البيان وبالجَنان قبل اللّسان.
مميزات الحجّ في مدرسة أهل البيت(ع)
لقد تميّزت مدرسة أهل البيت في نظرتها إلى الحجّ وشعائره بمميّزات أعطت الحجّ مضموناً خاصاً، وشكلاً متميزاً يُشار من خلاله إلى أتباعها بالبنان، وهو يثير لدى المسلمين عامة أسئلة شتّى عن آفاق البعد المعنوي والسياسي المتميّز للحجّ عندهم، اقتداءً بأئمة أهل البيت المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ويمكن تلخيص هذه المميّزات في عدّة نقاط:
الأُولى: شدّة الإهتمام.
الثانية: الإهتمام بالشكل والمضمون معاً.
الثالثة: التركيز على البُعد السياسي والجهادي والعبادي.
الرابعة: تعميق البُعد العبادي والعرفاني.
الخامسة: مقاصد الكتاب والسنّة السادسة: كثرة التفريع والتفصيل لأحكام الحجّ.
إنّ أهل بيت الرسول الأمين’ وعترته المعصومين الذين قرنهم الرسول’بمحكم التنزيل واعتبرهم عِدلاً للقرآن العظيم في حديث الثقلين(1) الشهير وحديث السفينة(2) وحديث النجوم(3) وغيرها ممّا ورد في تفسير آيات الذكر الحكيم التي تشير إلى أنّهم أهل الذكر(4)
وولاة الأمر(5) والحافظون لحدود الله(6). هم الروّاد الصادقون(7) الأُمناء على شريعة جدّهم ورسالته حيث عصمهم الله من الزلل وآمنهم من الفتن والمطهّرون(8) الّذين يتسنى لهم تفسير الكتاب كما ينبغي(9) واقتفاء أثره اقتفاءاً يجعلهم الأُسوة الحسنة بعد رسول الله’والقدوة المثلى التي لا يطمع في إدراكها طامع(10).
ومن هنا كان من الطبيعي جدّاً أن يكون منهجهم في إرساء دعائم هذه الفريضة العظيمة، وتعظيم شعائر الله هو منهج القرآن المجيد، وخطاهم إلى تثبيت قواعدها تبعٌ لخطاه.
والقرآن المجيد قد كثّف الإضاءة على بيت الله الحرام، وشعائر الحجّ العظام، تاريخاً وتعظيماً وفلسفة وأحكاماً وعرفاناً، فجعله مركزاً للتوحيد وعتيقاً من براثن الشرك(11) وقياماً للناس(12) ومباركاً وهدىً للعالمين(13) وأمناً للناس ومثابة لهم ومطهّراً(14) ومحلاًّ خاصّاً للطائفين حول محور الوحدانية الحقيقية وللعاكفين والركّع السجود(15)... فهو التعبير الصادق عن إسلام الوجه لله تعالى والتسليم لإرادته العليا، وهو المختبر الكامل للإنسان الطائع باتجاه الكمال اللائق به، والبوتقة التي تصهر شوائب الروح وتمحو ما علق بها من أدران خلال مختلف مراحل الحياة.
لقد كانت لسيرتهم الزاخرة بالعطاء العلمي والعملي والعرفاني ولسعيهم الحثيث ـ لإرساء معالم الشريعة الإسلامية وقواعدها المحكمة ـ الدور الكبير والأثر البالغ في تألّق الإسلام والمسلمين بشكل عام وتجلية عظمة الشريعة الإسلامية بشكل خاص، وتركيز شعائر الحجّ بشكل أخصّ، حتى ورد عنهم (ع) : «أنّ الدين لا يزال قائماً ما قامت الكعبة»(16)، وأنّ ولاة الأمر مسؤولون عن رعاية هذه الشعائر في كلّ الظروف التي تمر بها الأُمّة الإسلامية، وينبغي أن لا يحول بينهم وبين إقامتها أيّ ضعف ماليّ، أو أيّ خلل اقتصادي ينتاب الناس، حيث يُخصص ما يمكن من ميزانية الدولة الإسلامية لإحياء هذه الشعائر على مرّ الدهور.
نعم، هذه هي مدرسة أهل البيت(ع) وهي صورة موجزة وملخّصة جدّاً من معالم نظريتهم وثقافتهم الربّانية عن الإسلام ككلّ، وعن هذا الركن الإسلامي العظيم بشكل خاص.
معالم الحجّ ونظامه في القرآن الكريم
تتّضح أهمية الحجّ وشعائره الإلهية ونظامه في القرآن الكريم من خلال:
1 ـ المساحة التي استوعبتها آيات الحجّ في القرآن الكريم.
2 ـ أُسلوب الطرح وأُسلوب الدعوة إلى إقامة شعائره.
3 ـ الإهتمام البالغ بفلسفة إقامة هذه الشعائر.
4 ـ تقنين هذه الشعائر وبيان أحكامها بالتفصيل.
5 ـ الإهتمام ببيان جذورها التاريخية العريقة.
وإذا لاحظنا منهج أهل البيت(ع) فيما يخص إحياء شعائر الحجّ وقارنّاه بالمنهج القرآني وجدناه يحذو حذوه ويتمثّل خُطاه حذو القذة بالقذة.
أمّا المساحة التي استوعبتها آيات الذكر الحكيم فيما يخص البيت الحرام وشعائر الحج ومناسكه فهي ملفتة للنظر وتتوزع على السور المكّية(17) والمدنية(18) معاً، ولا سيّما إذا لاحظنا كلّ ما يرتبط بالحجّ وتاريخه وشؤونه.
وأمّا أُسلوب العرض فهو أُسلوب الحثّ والتحضيض والتأكيد والتعميم فالخطاب فيه للنّاس كافة وليس للمؤمنين خاصة، قال تعالى:
1 ـ {إِنَّ أَوَّلَ بَيْت وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}(19) .
2 ـ {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ ا لْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}(20) .
3 ـ {وَإِذْ جَعَلْنَا ا لْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا}(21) .
4 ـ {جَعَلَ اللَّهُ ا لْكَعْبَةَ ا لْبَيْتَ ا لْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ}(22) .
5 ـ {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ...}(23) .
ويأتي بيان حرمة البيت وأمنه والبركة فيه واعتباره محطّة اشعاع وهداية للعالمين ـ بما فيه من الآيات البيّنات ـ عدّة عوامل إيجابية مهمّة للحثّ والتحضيض والتشويق لقصده وحجّه وإحياء شعائره.
فلسفة الحجّ في القرآن الكريم
قد تكررت في آيات الحجّ الإشارة إلى فلسفة الحجّ في الإسلام والحِكَم التي تحققها ممارسة شعائره ومناسكه، قال تعالى:
1 ـ {وَلِكُلِّ أُمَّة جَعَلْنَآ مَنسَكًا لِّيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الاَْنْعَامِ}(24) .
2 ـ {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ}(25) .
3 ـ {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ}(26) .
4 ـ {كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}(27) .
5 ـ {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجّ عَمِيق* لِّيَشْهَدُواْ مَنَـفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ}(28).
6 ـ {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ}(29) .
7 ـ {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ* لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَل مُّسَمّىً}(30) .
8 ـ {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ... وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ ا لْتَّقْـوَى}(31) .
إنّ تكثيف الإضاءة على فلسفة الحجّ وحِكَم ممارسة الشعائر المرتبطة به هو أُسلوب متميّز في بناء الإنسان وتربيته وصياغة تصوراته صياغة تجمع بين طيّاتها روح التعبّد والتعقّل معاً من دون أن يسلب التعقّل روح التعبّد من الإنسان العاقل، وإنّما يتسامى بتقواه ليبلغ مرتبة أُولي الألباب، فيتكامل عقلاً ويتسامى روحاً وهو يمارس هذه الشعائر بوعي وجدّ واهتمام.
ويمكن تلخيص هذه الأهداف التي نصّ عليها الكتاب العزيز في ما يلي:
1 ـ ذكر الله وحده في كلّ حال ومجال وعلى كلّ شيء، واجتناب رجس الشرك على كلّ المستويات تصوراً واعتقاداً وتعلقاً وسلوكاً.
2 ـ تنمية روح التقوى التي بها فلاح الإنسان وفوزه على أُسس التوحيد الخالص.
3 ـ الانتفاع من موسم الحجّ وشعائره على شتى الأصعدة: اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، فضلاً عن التكامل الثقافي في مثل هذا الموسم الفريد، والتسامي الروحي والمعنوي في جميع لحظات هذا الموسم.
ويتفرّد القرآن الكريـم بأُسلوبه الخاصّ لبيان قوانينه وأحكامه بياناً يتناغم مع منطق العقل ومنطق العاطفة ويجمع بين متطلبات العقل ومتطلبات الروح معاً.
قال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ ا لْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ا لْعَالَمِينَ}(32) .
وقال أيضاً: {وَإِذْ جَعَلْنَا ا لْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَا هِيمَ مُصَلًّى}(33) .
فالله سبحانه ـ الّذي له المولوية المطلقة وله الحقّ على الخلق وله حقّ النعمة على جميع
الناس ـ يجعل أداء هذا الواجب أداءً لحقّه، ويعتبر الإعراض عنه كفراناً للنعم الإلهية وكفراً عملياً بالمنعم ولا يكون أداءه تلبية لهذا الحقّ لحاجة منه تعالى إلى أعمال عباده، بل يعود نفعه إلى الناس أنفسهم، ومثل هذا القانون الذي ينطلق تشريعه للناس من مصالح العباد أنفسهم ولا يكون للمشرّع فيه أي غرض أو مصلحة شخصية، لا يجد الإنسان الطائع في أدائه ثقلاً وحرجاً مهما كانت صعوبته.
معالم الحجّ في نصوص مدرسة أهل البيت(ع) وسيرتهم
إنّ هذه الفريضة العظيمة تحظى بإهتمام جميع المسلمين، وتعتبر من الشعائر والعبادات التي يتفق عليها جميع المذاهب الإسلامية، وتتوحد فيها كلمتهم التي تعبّر عن وحدة وجود الأُمّة وكيانها.
وتتميز مدرسة أهل البيت(ع) عن سائر المدارس الإسلامية فيما يخص فريضة الحجّ وشعائره العظيمة بجملة من المميزات والخصائص التي تكاد تنعدم عند غيرهم أو لم يتم التأكيد عليها في سائر المدارس كما نجد ذلك بوضوح في هذه المدرسة الرسالية المباركة.(34)
وإليك جملة من هذه المعالم والخصائص للحجّ في هذه المدرسة المباركة:
1 ـ سعة دائرة الإهتمام بالقول والعمل
الإهتمام الواسع بالحجّ على مستوى أهل البيت(ع) تناول جميع الشؤون والتفاصيل، سواء على مستوى التصور العام للحجّ وتاريخه وفضله وقيمته ودوره وأهدافه وكيفية الاستزادة منه والتفاعل مع أعماله واستكمال النفس به كما أكدته سيرتهم فضلاً عن نصوصهم، أو على مستوى الأحكام الفقهية لأعمال الحجّ وأقسامه، والفرضيات المختلفة التي يمكن أن يبتلى بها أبناء الأُمّة وكيفية معالجتها.
ويمكن معرفة ذلك بمقارنة بسيطة وسريعة بين ما ورد عن أهل البيت(ع) في هذا المجال، وما تحدثوا فيه عن رسول الله بشكل مباشر أو غير مباشر، وبين ما ورد عن طريق غيرهم، حيث تشكل المادة التي وردت عن أهل البيت من حيث الكم(35) والكيف نسبة مضاعفة عدة مرات بالقياس لما ورد عن طريق غيرهم.
ولعلّ في هذين النموذجين ما يشير إلى هذه الحقيقة بوضوح:
النموذج الأوّل: الرواية التي تذكرها كتب الحديث المعروفة لدى الجمهور عن الإمام الباقر (ع) عن جابر بن عبدالله الأنصاري، والتي تتحدث عن حج رسول الله’ في حجّة الوداع بتفاصيل لا نراها في أي رواية اُخرى في هذه الكتب، وتمثل بذلك أساساً فقهيّاً لجميع مدارس الفقه الإسلامية في موضوع الحجّ(36) .
النموذج الثاني: ما رواه الصدوق بسند معتبر عن زرارة بن أعين قال: «قلت لأبي عبدالله (ع) جعلني الله فداك، أسألك عن الحجّ منذ أربعين عاماً فتفتيني. فقال: يا زرارة، بيت حجّ إليه قبل آدم بألفي عام تريد أن تفنى مسائله في أربعين عاماً»(37) .
فإن هذا النصّ يعبّر بشكل رائق وواضح عن سعة دائرة الإهتمام العملي من الأنبياء واُممهم حيث يفسرها بهذا الجانب التاريخي لهذه العبادة الشريفة.
ونظرة سريعة إلى سيرتهم العملية(ع) ومدى اهتمامهم بأداء هذه الشعيرة وكيفية تطبيقهم لأحكامها وحدودها وآدابها تكشف عن مدى اهتمامهم بالقول والعمل معاً بها، وتكشف عن دور هذا الإهتمام في إرساء دعائمها في المجتمع الإسلامي.
2 ـ سعة المضمون العبادي
إلى جانب هذا الإهتمام الواسع بالحجّ نجد أنّ أهل البيت(ع) اهتموا بالمحتوى والمضمون العبادي لجميع أعمال الحجّ والمناسك حتى لا يكاد أن يؤدي الحاجّ أي عمل من أعمال الحجّ إلاّ ويكون إلى جانبه شيء من الصلاة والدعاء والذكر يسبقه أو يلحقه أو يقارنه، بل إنّ ذلك يصاحب الحاجّ ويبدأ معه منذ عزمه على السفر إلى الحجّ وحتى رجوعه منه. وهناك مئات النصوص التي تناولت هذا الموضوع(38) .
على أنّ الأدعية التي أُثرت عنهم في خصوص الحجّ وفي عرفه والعيد الأضحى تنفرد بها مدرستهم(39) .
3 ـ تعظيم النبيّ’ الأعظم والأئمة(ع) الطاهرين والمساجد المباركة
إنّ إكمال الحجّ إنّما يتمّ بزيارة النبيّ’ والمسجد النّبوي الشريف، وهذا ما يصنعه جميع المسلمين بشكل عام(40)، ولكنّ أهل البيت سلام الله عليهم اعطوا لهذا الموضوع أهمية خاصة في الكم والكيف.
أمّا على مستوى الكم فهم يحثّون على زيارة أئمة الهدى من آل الرسول’ الّذين دفنوا في البقيع، وهم: الإمام السبط الحسن بن عليّ بن أبي طالب والإمام عليّ بن الحسين زين العابدين وولده الإمام محمّد بن عليّ بن الحسين الباقر وولده الإمام جعفر الصادق (ع) .
وكذلك أُمّهم الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء بنت رسول الله المدفونة في بيتها‘ (41) في جوار المسجد النبوي، وزوجات النبيّ’ وفاطمة بنت أسد أُمّ الإمام أميرالمؤمنين وبقية الصحابة الصالحين، وشهداء معركة أُحد وفي مقدمتهم سيّد الشهداء حمزة بن عبدالمطّلب عمّ رسول الله’ .
مضافاً إلى ذلك كلّه نجد الإهتمام البالغ بزيارة مساجد رسول الله ومواضع صلواته ودعائه ومواقفه، وكذلك مواضع الحوادث التاريخية والكرامات الإلهية له.
وفي مقدمة هذه المواضع مسجد قبا ومسجد الفتح ومسجد القبلتين، ومسجد أُحد ومسجد عليّ (ع) ومسجد سلمان الفارسي ومسجد فاطمة الزهراء ومسجد الغمامة ومشربة اُمّ إبراهيم وغيرها.
وكذلك زيارة (الأبطح) في مكة الذي فيه قبر خديجة أُمّ المؤمنين وقبر ناصر الرسول وكافله عمّه أبي طالب وغيرهما من الصالحين، وشعب أبي طالب، وغار حراء، ودار الأرقم، ودار الندوة وغيرها من الأماكن التاريخية الإسلامية المهمة، التي تذكّر المسلمين بعزهم وشرفهم وتضحياتهم والصعوبات التي واجهتها الرسالة، وتشدهم إلى هذا التاريخ العظيم وتبعث في نفوسهم الهمم والنهضة، وتعيدهم إلى أسباب النصر والاستقلال والكرامة(42) .
وأما على مستوى الكيف فهم يعتبرون زيارة النبيّ’ والأئمة من أهل البيت من إكمال الحجّ وإتمامه، كما وردت في ذلك النصوص:
عن الإمام أبي الحسن الرضا (ع) قال: «إنّ لكلّ إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقاً بما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاؤهم يوم القيامة»(43) .
وعن إسماعيل بن مهران، عن الإمام جعفر بن محمّد‘قال: «إذا حجّ أحدكم فليختم بزيارتنا؛ لأنّ ذلك من تمام الحجّ»(44) .
وكذلك عن الإمام عليّ (ع) في حديث الأربعمائة قال: «اتمّوا برسول الله’ إذا خرجتم إلى بيت الله الحرام؛ فإنّ تركه جفاء، وبذلك أُمرتم بالقبور التي ألزمكم الله حقّها وزيارتها واطلبوا الرزق عندها»(45) .
وقد روى الكليني في الكافي عن الإمام أبي جعفر (ع) قال: «تمام الحجّ لقاء الإمام»(46) .
4 ـ تشخيص الموقف السياسي العام
إنّ أهل البيت(ع) أرادوا أن يكون الحجّ اجتماعاً سنوياً، يعقده المسلمون ليعرفوا فيه موقفهم السياسي العام والمواقف الهامة التي تهم المسلمين جميعاً. وقد أخذوا ذلك عن رسول الله’ والقرآن الكريم.
ففي السنة الأُولى التي حجّ فيها المسلمون بعد الفتح نزلت سورة براءة، ليعلن فيها القرآن الكريم والنبيّ’ الموقف السياسي الهام وهو البراءة العامة من المشركين.
وفي حجّة الوداع نجد أنّ خطبة النبيّ’ في منى تتضمن هذه المفاهيم السياسية والاجتماعية.
كما أنّه أعلن في نهاية الحجّ الولاية لعليّ (ع) على المسلمين في موقع غدير خمّ، وهذا ممّا رواه جميع المسلمين، حيث قال: «مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه وانصر من نصره واخذل مَن خذله»(47) .
كما أنّ النصوص السابقة التي ثبّتناها حول الأهداف تشير إلى هذا الموقف والخط العملي في عبادة الحجّ.
وهذا مما تفرضه طبيعة هذه العبادة الشريفة، وهذا الاجتماع العظيم السنوي الذي يأتي فيه النُخَب من أبناء الأُمّة الإسلامية وذوو القدرة والاستطاعة فيها.
5 ـ تجديد البيعة مع القيادة الإسلامية العُليا في كل عصر
إنّ الإهتمام بلقاء الإمام في الحجّ وزيارته في حياته إنّما هو لأجل التزوّد بنصائحه وإرشاداته، ومعرفة المواقف التفصيلية تجاه مختلف القضايا منه، وعرض الأعمال والنشاطات التي يقوم بها المؤمنون عليه وطرح مشاكلهم وقضاياهم الخاصّة والعامّة، وغير ذلك من الأُمور التي تقتضيها هذه العلاقة المباشرة المهمة في المجتمع الإسلامي وفي بناء الجماعة الصالحة، وهي علاقة الإمام بالمأموم مباشرة.
فقد روى الكليني والصدوق بسند معتبر عن الإمام أبي جعفرالباقر (ع) قال: «إنّما أُمر النّاس أن يأتوا هذه الأحجار ليطوفوا فيها، ثمّ يأتونا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرهم»(48) .
وقد جاءت الإشارة إلى هذا الموضوع في عدة روايات أُخرى، الأمر الذي يؤكد أهمية هذا الخط والتوجه التنظيمي في الجماعة الصالحة من خلال هذا الموسم الشريف، واعتبار ذلك من العبادات التي يمكن أن يقوم بها الإنسان المؤمن.
وهذا التوجه التنظيمي هو مبدأ إسلامي جسّده أهل البيت(ع) في نظام الجماعة الصالحة، حيث إنّ إرتباط الأُمّة بالقيادة الإسلامية والالتزام بالمواثيق والعهود تجاهها، سواء على مستوى توجيهاتها وأوامرها، أو على مستوى النصرة لها في مواقفها، يمثل أصلاً من أُصول الإسلام دعى إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنـَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}(49) .
6 ـ إحياء روح الجهاد من خلال إحياء الحجّ في كل عام
لقد ورد في بعض النصوص عن النبيّ’ أنّ الحجّ جهاد، وقد قال ذلك بشأن النساء اللاتي أسقط الإسلام عنهنّ فرض الجهاد الابتدائي. فقد روى البخاري عن عائشة أنها قالت: «يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: لا، ولكنّ أفضل الجهاد حجّ مبرور»(50)، وفي لفظ النسائي: «ولكنّ أحسن الجهاد وأجمله حجّ البيت» .
ونجد أنّ النسائي يعمّم هذا الحكم لكبار السن والصغار والضعفاء والنساء(51).
ونجد أنّ أهل البيت(ع) يعطون للحجّ في هذا الجانب بُعداً أوسع، بحيث يشمل كلّ أبناء الجماعة الصالحة التي تواجه ظروفاً استثنائية تمنعها من الجهاد لأسباب شرعية وأخلاقية، كلّ ذلك حفاظاً من أئمة أهل البيت(ع) على فكرة الجهاد وروح العبادة فيه وضرورة الممارسة لها في كلّ الأحوال، استلهاماً من موقف رسول الله’ ومن فهمه لمضمون هذه العبادة.
لقد واجه شيعة أهل البيت(ع) وأبناء الجماعة الصالحة الظروف السياسية الاستثنائية، التي كان يشن فيها الحكّام الظالمون الجائرون الحرب عليهم دون مبررات، ودون أهداف إسلامية، أو شرعية، وإنّما لمجرد التسلّط والحصول على المزيد من المكاسب والضرائب المالية، حتى وصل الحال ببعض هؤلاء الحكّام الأُمويين أن يمتنع عن قبول إسلام أبناء النصارى; لأنّ إسلامهم يعني سقوط الجزية عنهم، فكان يلزمهم الجزية ويرفض إسلامهم ويبقيهم على نصرانيتهم(52) .
وكان الموقف الشرعي لأئمة أهل البيت(ع) هو عدم الإذن لأبناء الجماعة الصالحة في المشاركة في مثل هذه الحروب. ولكنّ هذا الموقف كان له تأثير روحي سلبي على الجماعة، حيث تحرر عملياً من الآثار المعنوية لعبادة الجهاد في سبيل الله.
وقد دعا أهل البيت(ع) أبناء الجماعة الصالحة إلى عبادة الحجّ والاستزادة منها باعتبارها تعويضاً روحياً وتربوياً وأخلاقياً عن عبادة الجهاد التي فرضت ظروفهم حرمانهم من ممارستها، استلهاماً لذلك من سنة رسول الله’ .
وقد ورد في الرواية المعتبرة عن الصادق (ع) عن رسول الله’قوله: «هو أحد الجهادين. هو جهاد الضعفاء ونحن الضعفاء»(53).
وفي نصّ آخر: «نحن وشيعتنا الضعفاء» ولعلّ في هذين النصّين ما يلقي الضوء على هذا الموقف وهذا الفهم من أهل البيت سلام الله عليهم.
ويتّضح هذا المفهوم من ملاحظة النصوص التالية التي تربط بين الموقف من الجهاد والموقف من الحجّ:
1 ـ روى جعفر بن محمّد بن قولويه عن أبي جعفر الباقر (ع) في حديث قال: «الجهاد أفضل الأشياء بعد الفرائض في وقت الجهاد، ولا جهاد إلاّ مع الإمام...»(54) .
2 ـ روى الكليني وغيره بسند معتبر عن أبي عبدالله الصادق (ع) قال: «لقي عبّاد البصري عليّ بن الحسين (ع) في طريق مكة فقال له: يا عليّ بن الحسين، تركت الجهاد وصعوبته، وأقبلت على الحجّ ولينه؟ إنّ الله عزّ وجلّ يقول: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ...}الآية، فقال عليّ بن الحسين (ع) : أتمّ الآية، فقال: {التَّـائِبُونَ الْعَابِدُونَ...} الآية، فقال عليّ بن الحسين (ع) : إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد أفضل من الحجّ»(55).
وفي رواية اُخرى قال له: «إذا ظهر هؤلاء لم نؤثر على الجهاد شيئاً»(56) .
وقد وردت الرواية المعتبرة عن أبي عبدالله، عن آبائه(ع) أنّه قال: قال أميرالمؤمنين (ع) : «لا يخرج المسلم في الجهاد من لا يؤمن على الحكم، ولا ينفذ في الفيء أمر الله عزّ وجل; فإنّه إن مات في ذلك المكان كان معيناً لعدوّنا في حبس حقّنا والإشاطة بدمائنا، وميتته ميتة الجاهلية»(57) .
نظام الحجّ في نصوص أهل البيت(ع)
من يرجع الى نصوص أهل البيت(ع) حول الحجّ يجد نصوصاً تبلغ كثرتها عدة مجلّدات فقد خصص صاحب وسائل الشيعة ثلاث مجلدات من عشرين مجلداً من موسوعته الفقهية بكتاب الحجّ. هذا سوى ما استدركه عليه غيره من المؤلفين كصاحب مستدرك وسائل الشيعة. وهذا خير دليل على مدى اهتمام أهل البيت(ع) بهذه الفريضة وبأحكامها. ونختار من هذه الموسوعة الحديثية نماذج لإيضاح موقف أهل البيت(ع) من الحج في نصوصهم المباركة، وذلك ضمن نقاط عشرة:
أوّلاً: أهمية الحجّ وفضيلته
1 ـ قال الإمام عليّ (ع) ـ فيما أوصى عند رحيله ـ «الله الله في بيت ربّكم لا تخلّوه ما بقيتم، فإنه إن تُرك لم تُناظروا»(58) .
2 ـ وقال (ع) : «الحجّ جهاد الضعيف»(59) .
3 ـ وقال: «نفقة درهم في الحجّ تعدل ألف درهم»(60) .
4 ـ وقال: «الحاجّ والمعتمر وفد الله، ويحبوه بالمغفرة»(61) .
ثانياً: فلسفة الحجّ وعلل تشريعه
1 ـ قال الإمام عليّ (ع) : «وفرض عليكم حجّ بيته الحرام الّذي جعله قبلة للأنام، يردونه ورود الأنعام، ويألهون إليه وُلوه الحمام، وجعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته وإذعانهم لعزّته»(62) .
2 ـ خطب الإمام عليّ (ع) قائلاً: «ألا ترون أنّ الله سبحانه اختبر الأوّلين من لدن آدم ـ صلوات الله عليه ـ إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضرّ ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، فجعلها بيته الحرام الّذي جعله للناس قياماً، ثمّ وضعه بأوعر بقاع الأرض حجراً، وأقلّ نتائق الدنيا مدراً، وأضيق بطون الأودية قطراً، بين جبال خشنة، ورمال دمثة، وعيون وشلة، وقرى منقطعة، لا يزكو بها خفّ ولا حافر ولا ظلف.
ثمّ أمر سبحانه آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم، وغاية لملقى رحالهم، تهوي إليه ثمار الأفئدة من مفاوز قفار سحيقة، ومهاوي فجاج عميقة، وجزائر بحار منقطعة، حتى يهزّوا مناكبهم ذللاً، يُهلّلون لله حوله، ويرملون على أقدامهم، شعثاً غبراً له، قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم، وشوّهوا بإعفاء الشعور محاسن خلقهم، إبتلاءً عظيماً، وامتحاناً شديداً، واختباراً مبيناً، وتمحيصاً بليغاً، جعله الله سبباً لرحمته، ووصلة إلى جنّته.
ولو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام ومشاعره العظام، بين جنات وأنهار، وسهل وقرار جمّ الأشجار، داني الثمار، ملتف البُنى، متّصل القرى، بين برّة سمراء، وروضة خضراء، وأرياف محدقة، وعراص مغدقة، وزروع ناضرة، وطرق عامرة، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء.
ولو كان الأساس المحمول عليها والأحجار المرفوع بها، بين زمرّدة خضراء، وياقوتة حمراء، ونور وضياء، لخفف ذلك مصارعة الشك في الصدور، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب، ولنفى معتلج الريب من الناس، ولكنّ الله يختبر عباده بأنواع الشدائد، ويتعبّدهم بألوان المجاهد، ويبتليهم بضروب المكاره، إخراجاً للتكبر من قلوبهم، وإسكاناً للتذلل في نفوسهم، وليجعل ذلك أبواباً فُتحاً إلى فضله، وأسباباً ذُللاً لعفوه»(63) .
3 ـ قال الإمام زين العابدين (ع) : «حجّوا واعتمروا، تصحّ أجسادكم، وتتّسع أرزاقكم، ويصلح إيمانكم، وتكفوا مؤونة الناس ومؤونة عيالاتكم»(64) .
4 ـ قال الإمام الباقر (ع) : «الحجّ تسكين القلوب»(65) .
5 ـ قال الإمام الصادق (ع) : «عليكم بحجّ هذا البيت فأدمنوه، فإنّ في إدمانكم الحجّ دفع مكاره الدنيا عنكم، وأهوال يوم القيامة»(66) .
6 ـ وقال الإمام الصادق (ع) : «ما من بقعة أحبّ إلى الله تعالى من المسعى لأنه يُذلّ فيه كلّ جبار».
7 ـ أتى ابن أبي العوجاء الى الإمام الصادق (ع) ، فجلس إليه في جماعة من نظرائه، ثمّ قال له: يا أبا عبدالله إنّ المجالس أمانات، ولا بدّ بكلّ من كان به سعال أن يسعل، فتأذن لي في الكلام؟ فقال الصادق (ع) تكلّم بما شئت.
فقال ابن أبي العوجاء: إلى كم تدوسون هذا البيدر، وتلوذون بهذا الحجر، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمدر، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر؟ مَن فكّر في هذا أو قدّر علم أنّ هذا فعل أسّسه غير حكيم ولا ذي نظر، فقل فإنّك رأس هذا الأمر وسنامه وأبوك أُسّه ونظامه.
فقال الصادق (ع) : «إنّ من أضلّه الله وأعمى قلبه استوخم الحقّ فلم يستعذبه، وصار الشيطان وليّه يورده مناهل الهلكة ثمّ لا يصدره.
وهذا بيتٌ استعبد الله به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثّهم على تعظيمه وزيارته، وقد جعله محلّ الأنبياء وقبلة للمصلّين له، وهو شعبة من رضوانه، وطريق يؤدّي إلى غفرانه، منصوب على استواء الكمال، ومجتمع العظمة»(67) .
8 ـ قال الإمام الصادق (ع) : وقد سأله هشام بن الحكم عن علّة الحجّ والطواف بالبيت؟ «إنّ الله خلق الخلق... وأمرهم بما يكون من أمر الطاعة في الدين، ومصلحتهم من أمر دنياهم، فجعل فيه الاجتماع من المشرق والمغرب ليتعارفوا، وليتربّح كلّ قوم من التجارات من بلد إلى بلد، ولينتفع بذلك المكاري والجمّال، ولتعرف آثار رسول الله’ وتعرف أخباره ويذكر ولا ينسى. ولو كان كلّ قوم ]إنّما[ يتّكلون على بلادهم وما فيها هلكوا، وخربت البلاد، وسقطت الجلب والأرباح، وعمّيت الأخبار، ولم يقفوا على ذلك، فذلك علّة الحجّ»(68) .
9 ـ وجاء عن الإمام الرضا (ع) : «علّة الحجّ الوفادة إلى الله تعالى، وطلب الزيادة، والخروج من كلّ ما اقترف، وليكون تائباً ممّا مضى مستأنفاً لما يستقبل، وما فيه من استخراج الأموال، وتعب الأبدان، وحظرها عن الشهوات واللّذات...، ومنفعة في شرق الأرض وغربها، ومن في البرّ والبحر، ممّن يحجّ وممّن لا يحجّ، من تاجر وجالب وبايع ومشتر وكاتب ومسكين، وقضاء حوائج أهل الأطراف والمواضع الممكن لهم الاجتماع فيها كذلك ليشهدوا منافع لهم»(69) .
10 ـ قال الإمام الرضا (ع) : «فإن قال: فلمَ أمر بالحجّ؟ قيل: لعلّة الوفادة وطلب الزيادة... مع ما فيه من التفقّه ونقل أخبار الأئمة(ع) إلى كلّ صقع وناحية، كما قال الله عزّ وجلّ: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ... وَلِيَشهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}»(70) .
ثالثاً: آثار الحجّ وبركاته
1 ـ قال رسول الله’: «الحجّ ينفي الفقر»(71) .
2 ـ قال الإمام عليّ (ع) : «وحجّ البيت والعمرة، فإنّهما ينفيان الفقر، ويكفّران الذنب، ويوجبان الجنّة»(72) .
3 ـ قال الإمام الصادق (ع) : «ما رأيت شيئاً أسرع غنىً ولا أنفى للفقر من إدمان حجّ البيت»(73) .
رابعاً: الحجّ التّام
1 ـ قال الإمام الباقر (ع) : «تمام الحجّ لقاء الإمام»(74) .
2 ـ وقال الإمام الصادق (ع) في قوله تعالى: {لِيَقضُوا تَفَثَهُم}«لقاء الإمام»(75) .
خامساً: مضاعفات ترك الحجّ
1 ـ قال الإمام الصادق (ع) : «مَن مات ولم يحجّ حجّة الإسلام، ولم تمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق الحجّ من أجله، أو سلطان يمنعه، فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً»(76) .
2 ـ قال الإمام الكاظم (ع) في قوله تعالى: «{وَمَن كَانَ فِي هذِهِ أعمى فَهوَ فِي الآخرة أعمى وأضلّ سبيلاً}: ذاك الذي يسوّف الحجّ ـ يعني: حجّة الإسلام ـ يقول: العام أحجّ العام أحجّ حتى يجيئه الموت»(77) .
3 ـ قال الإمام الصادق (ع) ـ لمّا قال له عبدالرحمن: إنّ ناساً من هؤلاء القصّاص يقولون إذا حجّ رجل حجّة ثمّ تصدّق ووصل كان خيراً له ـ : «كذبوا، لو فعل هذا النّاس لعطّل هذا البيت، إنّ الله عزّ وجلّ جعل هذا البيت قياماً للناس»(78) .
4 ـ وقال (ع) : «لو عطّل النّاس الحجّ لوجب على الإمام أن يجبرهم على الحجّ إن شاءوا وإن أبو لأنّ هذا البيت إنّما وضع للحجّ»(79) .
سادساً: قلّة الحجيج وكثرة الضجيج
قال عبدالرحمن بن كثير: حججت مع أبي عبدالله (ع) ، فلمّا صرنا في بعض الطريق صعد على جبل فأشرف فنظر إلى الناس فقال: «ما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيج؟!»(80) .
سابعاً: أدب الحاجّ وعرفان الحجّ
1 ـ قال الإمام الباقر (ع) : «ما يُعبأ بمَن يؤمّ هذا البيت إذا لم يكن فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم يملك به غضبه، وحسن الصحابة لمَن صحبه»(81) .
2 ـ وقال الإمام الصادق (ع) : «إذا أحرمت فعليك بتقوى الله وذكر الله كثيراً، وقلّة الكلام إلاّ بخير; فإنّ من تمام الحجّ والعمرة أن يحفظ المرء لسانه إلاّ من خير، كما قال الله تعالى، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: {فَمَن فَرَضَ فِيهنّ الحجّ فَلا رفث ولا فُسوق ولا جدال في الحجّ}»(82) .
3 ـ وقال (ع) : «إذا أردت الحجّ فجرّد قلبك لله تعالى من قبل عزمك من كلّ شاغل، وحجاب كلّ حاجب، وفوّض أُمورك كلّها إلى خالقك، وتوكّل عليه في جميع ما يظهر من حركتك وسكناتك، وسلّم لقضائه وحكمه وقدره، وودّع الدنيا والراحة والخلق، واخرج من حقوق تلزمك من جهة المخلوقين، ولا تعتمد على زادك وراحلتك وأصحابك وقوّتك وشبابك ومالك، مخافة أن يصير ذلك عدواً ووبالاً، فإنّ من ادّعى رضا الله واعتمد على شيء صيّره عليه عدوّاً ووبالاً، ليعلم أنّه ليس له قوّة ولا حيلة ولا لأحد إلاّ بعصمة الله وتوفيقه.
واستعدّ استعداد من لا يرجوا الرجوع، وأحسن الصحبة، وراع أوقات فرائض الله وسنن نبيّه’، وما يجب عليك من الأدب والاحتمال والصبر والشكر والشفقة والسخاء وإيثار الزاد على دوام الأوقات.
ثمّ اغتسل بماء التوبة الخالصة ذنوبك، والبس كسوة الصدق والصفاء والخضوع والخشوع.
وأحرم من كلّ شيء يمنعك من ذكر الله ويحجبك عن طاعته.
ولبّ بمعنى إجابة صافية زاكية لله عزّ وجلّ في دعوتك له متمسّكاً بالعروة الوثقى.
وطُف بقلبك مع الملائكة حول العرش كطوافك مع المسلمين بنفسك حول البيت.
وهرول هرولة من هواك، وتبرّياً من جميع حولك وقوّتك.
واخرج من غفلتك وزلاّتك بخروجك إلى منى، ولا تتمنّ ما لا يحلّ لك ولا تستحقّه.
واعترف بالخطايا بعرفات، وجدّد عهدك عند الله بوحدانيّته.
وتقرّب إلى الله واتّقه بمزدلفة(83) .
واصعد بروحك إلى الملأ الأعلى بصعودك إلى الجبل.
واذبح حنجرتي الهوى والطمع عند الذبيحة.
وارم الشهوات والخساسة والدناءة والأفعال الذميمة عند رمي الجمرات.
واحلق العيوب الظاهرة والباطنة بحلق رأسك.
وادخل في أمان الله وكنفه وستره وكلاءته من متابعة مرادك بدخولك الحرم.
وَزُر البيت محقّقاً لتعظيم صاحبه ومعرفة جلاله وسلطانه.
واستلم الحجر رضاً بقسمته وخضوعاً لعزّته.
وودّع ما سواه بطواف الوداع.
وصفّ روحك وسرّك للقاء الله يوم تلقاه بوقوفك على الصفاء.
وكن ذا مروّة من الله تقيّاً أوصافك عند المروة.
واستقم على شرط حجّك هذا ووفاء عهدك الذي عاهدت به مع ربّك وأوجبته إلى يوم القيامة»(84) .
4 ـ قال مالك بن أنس: حججت مع الصادق (ع) سنةً، فلمّا استوت به راحلته عند الإحرام كان كلّما همّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه، وكاد أن يخرّ من راحلته، فقلت: قل يابن رسول الله! ولابدّ لك من أن تقول، فقال (ع) : «يابن أبي عامر! كيف أجسر أن أقول: لبّيك اللهمّ لبّيك، وأخشى أن يقول عزّ وجلّ لي: لا لبّيك ولا سعديك»(85) .
5 ـ قال الإمام الصادق (ع) : «إذا اكتسب الرجل مالاً من غير حلّه ثمّ حجّ فلبّى، نودي: لا لبّيك ولا سعديك، وإن كان من حلّه فلبّى نودي: لبّيك وسعديك»(86) .
6 ـ قال رسول الله’ : «مَن حجّ بمال حرام فقال: لبّيك اللهمّ لبّيك، قال الله له: لا لبّيك ولا سعديك حجّك مردود عليك»(87) .
7 ـ وقال الإمام الرضا (ع) : «إنّما أُمروا بالإحرام ليخضعوا قبل دخولهم حرم الله وأمنه، ولئلاّ يلهوا ويشتغلوا بشيء من أُمور الدنيا وزينتها ولذّاتها، ويكونوا جادّين فيما هم فيه، قاصدين نحوه، مقبلين عليه بكلّيتهم»(88) .
ثامناً: الاخلاص في الحج (الحجّ لله والحجّ لغير الله )
1 ـ قال الإمام الصادق (ع) : «الحجّ حجّان: حجّ لله وحجّ للناس، فمَن حجّ لله كان ثوابه على الله الجنّة، ومن حجّ للناس كان ثوابه على الناس يوم القيامة»(89) .
2 ـ وقال (ع) : «مَن حجّ يريد الله عزّ وجلّ لا يريد به رياءً ولا سمعة، غفر الله له البتّة»(90) .
3 ـ وقال الإمام الصادق (ع) : «مَن مات في طريق مكة ذاهباً أو جائياً، أمن من الفزع الأكبر يوم القيامة»(91) .
4 ـ وقال (ع) : «مَن مات محرماً بعثه الله ملبيّاً»(92) .
5 ـ وقال (ع) : «مَن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين، ومَن مات بين الحرمين لم ينشر له ديوان»(93) .
تاسعاً: حرمة الحرم وحريم البيت الحرام
1 ـ قال الإمام الصادق (ع) في قول الله تعالى : «{ومَن دخله كان آمناً}: مَن دخل الحرم من الناس مستجيراً به فهو آمن من سخط الله، ومَن دخله من الوحش والطير كان آمناً من أن يهاج أو يؤذى حتى يخرج من الحرم»(94) .
2 ـ عنه (ع) أيضاً: «إن سرق سارق بغير مكة، أو جنى جناية على نفسه ففرّ إلى مكّة، لم يؤخذ مادام في الحرم حتى يخرج منه، ولكن يمنع من السوق، فلا يبايع ولا يجالس حتى يخرج منه فيؤخذ، وإن أحدث في الحرم ذلك الحدث أخذ فيه»(95) .
عاشراً: حضور الإمام المهدي في الموسم
قال الإمام الصادق (ع) : «يفقد الناس إمامهم فيشهد الموسم فيراهم ولا يرونه»(96) .
وتصرح الأحاديث الشريفة بأن من سيرته (ع) في غيبته حضور موسم الحج في كل عام، وواضح مافي حضور هذا الموسم السنوي المهم من فرصة مناسبة للالتقاء بالمؤمنين من أنحاء أقطار العالم وإيصال التوجيهات إليهم ولو من دون التعريف بنفسه بصراحة والتعرف على أحوالهم عن قرب دون الحاجة الى أساليب إعجازية.
إنّ الأحاديث الشريفة التي تذكر حضوره (ع) هذا الاجتماع الإسلامي السنوي العام، ذكرت أنه (ع) : «يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه»(97)، ويبدو أن المقصود هو الرؤية مع تحديد هويته (ع) ، بمعنى أن يعرفوه أنه هو المهدي، إذْ توجد عدة روايات اُخرى تصرح برؤيته في هذا الموسم وبعضها يصرح بعدم معرفة المشاهدين لهويته على نحو التحديد واقتصار معرفتهم بأنّه من ذرية رسول الله’ (98).
الحجّ في سيرة خاتم الأنبياء’
1 ـ روى معاوية بن عمّار عن الإمام الصادق (ع) : «إنّ رسول الله’أقام بالمدينة عشر سنين لم يحجّ، ثمّ أنزل الله عليه: {وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجّ عَمِيق}(99) فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم: إنّ رسول الله يحجّ من عامه هذا، فعلم به من حضر المدينة، وأهل العوالي والأعراب، فاجتمعوا فحجّ رسول الله’، وإنّما كانوا تابعين ينتظرون ما يؤمرون به فيصنعونه، أو يصنع شيئاً فيصنعونه، فخرج رسول الله’ في أربع بقين من ذي القعدة، فلما انتهى إلى ذي الحليفة فزالت الشمس ثمّ اغتسل، ثمّ خرج حتى أتى المسجد الذي عند الشجرة فصلّى فيه الظهر، وعزم بالحجّ مفرداً، وخرج حتّى إنتهى إلى البيداء عند الميل الأوّل، فصف الناس له سماطين، فلبّى بالحجّ مفرداً، وساق الهدي ستّاً وستّين أو أربعاً وستّين، حتى انتهى إلى مكة في سلخ أربع من ذي الحجّة، فطاف بالبيت سبعة أشواط، وصلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم (ع) ، ثمّ عاد إلى الحجر فاستلمه، وقد كان استلمه في أوّل طوافه.
ثمّ قال: إنّ الصفا والمروة من شعائر الله، فابدءوا بما بدأ الله به.
وأن المسلمين كانوا يظنّون أنّ السعي بين الصفا والمروة شيء صنعه المشركون فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَا لْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ا لْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا}(100) . ثمّ أتى إلى الصفا، فصعد عليه فاستقبل الركن اليماني، فحمد اللهوأثنى عليه، ودعا مقدار ما يقرأ سورة البقرة مترسلاً، ثمّ انحدر إلى المروة، فوقف عليها كما وقف على الصفا، حتى فرغ من سعيه.
ثمّ أتاه جبرئيل (ع) وهو على المروة فأمره أن يأمر الناس أن يحلّوا إلاّ سائق الهدي، فقال رجل: أنحُلّ ولم نفرغ من مناسكنا؟ فقال: نعم.
قال (ع) : فلما وقف رسول الله’ بالمروة بعد فراغه من السعي أقبل على الناس بوجهه فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّ هذا جبرئيل ـ وأومى بيده إلى خلفه ـ يأمرني أن آمر مَن لم يسق هدياً أن يحلّ، ولو استقبلت مَن أمرني مثل ما استدبرت لصنعت مثل ما أمرتكم، ولكنّي سقت الهدي، ولا ينبغي لسائق الهدي أن يحلّ حتى يبلغ الهدي محلّه.
قال (ع) : قال له رجل من القوم: لنخرجنّ حجّاجاً وشعورنا تقطر! فقال له رسول الله’: أما إنّك لن تؤمن بعدها أبداً. فقال له سراقة بن مالك بن جعشم الكناني: يا رسول الله، علّمنا ديننا كأنّما خلقنا اليوم، فهذا الّذي أمرتنا به لعامنا هذا أم لما يستقبل؟ فقال رسول الله’: بل هو للأبد إلى يوم القيامة، ثمّ شبّك أصابعه بعضها إلى بعض وقال: «دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة».
وقدم عليّ (ع) من اليمن على رسول الله’ وهو بمكة، فدخل على فاطمة÷ وهي قد أحلّت، فوجد ريحاً طيّبة، ووجد عليها ثياباً مصبوغة، فقال: ما هذا يا فاطمة؟ فقالت: أمرنا بهذا رسول الله’. فخرج عليّ (ع) إلى رسول الله’ مستفتياً محرشاً على فاطمة÷فقال: يا رسول الله، إنّي رأيت فاطمة قد أحلّت وعليها ثياب مصبوغة! فقال رسول الله’ : أنا أمرت الناس بذلك، وأنت يا عليّ بم أهللت؟ قال: قلت يا رسول الله، إهلالاً كإهلال النبيّ’، فقال له رسول الله’: كن على إحرامك مثلي، وأنت شريكي في هدْيي.
قال (ع) : ونزل رسول الله’ بمكة بالبطحاء هو وأصحابه، ولم ينزل الدُّور، فلمّا كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر الناس أن يغتسلوا ويُهلوا بالحجّ، وهو قول الله الذي أنزله على نبيّه’: {فاتّبعوا ملّة إبراهيم حنيفاً}(101) فخرج النبيّ’ وأصحابه مهلّين بالحجّ حتى أتوا منى، فصلّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر، ثمّ غدا الناس معه، وكانت قريش تفيض من المزدلفة ـ وهي جُمَع ـ ويمنعون الناس أن يفيضوا منها، فأقبل رسول الله’ وقريش ترجو أن تكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون، فأنزل الله على نبيّه’ {ثمّ أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله}(102)، يعني: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق(ع) في إفاضتهم منها ومن كان بعدهم. فلمّا رأت قريش أنّ قبّة رسول الله’ قد مضت، كأنّه دخل في أنفسهم للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانتهم، حتى انتهى إلى نمرة ـ وهي بطن عرنة بحيال الاراك ـ فضرب قبته، وضرب الناس أخبيتهم عندها. فلمّا زالت الشمس خرج رسول الله’ ومعه فرسه، وقد اغتسل وقطع التلبية حتى وقف بالمسجد، فوعظ الناس وأمرهم ونهاهم، ثمّ صلّى الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، ثمّ مضى إلى الموقف فوقف به فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته يقفون إلى جنبها فنحّاها، ففعلوا مثل ذلك، فقال: أيّها الناس، إنّه ليس موضع أخفاف ناقتي الموقف، ولكن هذا كلّه موقف ـ وأومى بيده إلى الموقف ـ فتفرّق الناس. وفعل مثل ذلك بمزدلفة، فوقف حتى وقع القرص ـ قرص الشمس ـ ثمّ أفاض. وأمر الناس بالدّعة حتى انتهى إلى المزدلفة ـ وهي المشعر الحرام ـ فصلّى المغرب والعشاء الآخرة بأذان واحد وإقامتين، ثمّ أقام حتى صلّى فيها الفجر، وعجّل ضعفاء بني هاشم بالليل، وأمرهم أن لا يرموا الجمرة ـ جمرة العقبة ـ حتى تطلع الشمس، فلمّا أضاء له النهار أفاض حتى انتهى إلى منى، فرمى جمرة العقبة. وكان الهَدْي الذي جاء به رسول الله’ أربعاً وستّين، أو ستّاً وستّين(103)، وجاء عليّ (ع) بأربع وثلاثين، أو ست وثلاثين فنحر رسول الله’ ستاً وستين ونحر عليّ (ع) أربعاً وثلاثين وبدنة، وأمر رسول الله’ أن يؤخذ من كلّ بدنة منها جذوة من لحم، ثمّ تطرح في بُرمة(104) ثمّ تطبخ، فأكل رسول الله’ منها وعليّ (ع) وحسيا من مرقها، ولم يُعطِ الجزّارين جلودها ولا جلالها ولا قلائدهاوتصدّق به. وحلق وزار البيت ورجع إلى منى، فأقام بها حتى كان اليوم الثالث من آخر أيام التشريق، ثمّ رمى الجمار، ونفر حتى انتهى إلى الأبطح، فقالت له عائشة: يا رسول الله، ترجع نساؤك بحجّة وعمرة معاً، وأرجع بحجّة؟! فأقام بالأبطح وبعث معها عبدالرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم(105) فأهلّت بعمرة، ثمّ جاءت فطافت بالبيت، وصلّت ركعتين عند مقام إبراهيم (ع) ، وسعت بين الصفا والمروة، ثمّ أتت النبيّ’، فارتحل من يومه، ولم يدخل المسجد، ولم يطف بالبيت، ودخل من أعلى مكّة من عقبة المدنيّين وخرج من أسفل مكّة من ذي طوى(106) .
2 ـ حدّثنا أبوبكر بن أبي شيبة وإسحق بن إبراهيم، جميعاً عن حاتم، قال: أبوبكر: حدّثنا حاتم بن إسماعيل المدنيّ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبدالله فسأل عن القوم حتى انتهى إليَّ، فقلت: أنا محمّد بن عليّ بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زرّي الأعلى، ثم نزع زرّي الأسفل، ثم وضع كفّه بين ثدييّ وأنا يومئذ غلام شاب، فقال: مرحباً بك، يا ابن أخي! سل عمّا شئت، فسألته، وهو أعمى وحَضَرَ وقت الصلاة، فقام في نساجة ملتحفاً بها، كُلّما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه، على المشجب، فصلّى بنا، فقلت: أخبرني عن حجّة رسول الله’، فقال بيده، فعقد تسعاً، فقال: إنّ رسول الله’ مكث تسع سنين لم يحجّ، ثم أذّن في النّاس في العاشرة: أنّ رسول الله’ حاجّ، فقَدِمَ المدينة بشرٌ كثيرٌ، كلّهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله’، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه، حتّى أتينا ذا الحُليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمّد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله’: كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي، واستثفري بثوب وأحرمي» فصلّى رسول الله’ في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرت إلى مدّ بصري بين يديه، من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله’ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عَمِلْنا به، فأهلّ بالتوحيد: «لبيك اللهمّ! لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنعمة لك، والملك لا شَرِيكَ لكَ»، وأهلّ الناس بهذا الذي يُهلّون به، فلم يردّ رسول الله’ عليهم شيئاً منه، ولَزِمَ رسول الله’تلبيته، قال جابر(رضي الله عنه): لسنا ننوي إلاّ الحجّ، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن فرَمَلَ ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم (ع) ، فقرأ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلَّى}(107) فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبي يقول ـ ولا أعلمه ذكره إلاّ عن النبيّ’ : ـ كان يقرأ في الركعتين: {قُلْ هو الله أحد}، و{قل يا أيها الكافرون}، ثم رجع الى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب الى الصّفا، فلمّا دنا من الصّفا قرأ: {إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِر الله}(108) «أبْدأُ بِما بَدَأَ الله بِهِ» فبدأ بالصّفاء، فَرقى عليه، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحّد والله، وكبّره، وقال: «لا إله إلاّ الله وحدهُ لا شريكَ له، له المُلك ولهُ الحمد وهو على كلّ شيء قدير، لا إله إلاّ الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». ثم دعا بين ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرّات، ثم نزل الى المروة، حتى ]إذا[ انصبّت قدماه في بطن الوادي سعى، حتّى إذا صعدتا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصّفا، حتّى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: «لو أنّي استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهَدْيَ، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هَدْيٌ فليحلّ، وليجعلها عمرةً».
فقام سراقة بن مالك بن جُشعم فقال: يا رسول الله! ألِعَامِنا هذا أم لأبد؟ فشبّك رسول الله’ أصابعه واحدة في الأُخرى، وقال: «دخلت العُمرة في الحجّ» مرتين «لا بل لأبد أبد».
وقدم عليّ من اليمن ببُدْنِ النبيّ’، فوجد فاطمة ـ رضي الله عنها ـ ممّن حلّ، ولبست ثياباً صبيغاً، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إنّ أبي أمرني بهذا، قال: فكان عليّ يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله’ محرّشاً على فاطمة، للّذي صنعت، مستفتياً لرسول الله’ فيما ذكرت عنه، فأخبرته أنّي أنكرت ذلك عليها، فقال: «صَدَقتْ صَدَقَتْ، ماذا قُلتَ حين فرضت الحجّ؟» قال: قلتُ: اللهمّ! إنّي أُهلُّ بما أهلَّ به رسولك، قال: «فإنّ معي الهَدْيَ فلا تحلّ». قال: فكان جماعة الهدي الّذي قَدِم به عليّ من اليمن والذي أتى به النبيّ’ مائة، قال: فحلّ الناس كلّهم وقصّروا، إلاّ النبيّ’ ومن كان معه هَدْيٌ فلمّا كان يوم التروية توجّهوا إلى مِنى، فأهلّوا بالحجّ، وركب رسول الله’ فصلّى بها الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتّى طلعت الشمس، وأمر بقبّة من شعر تضرب له بنمرةَ، فسار رسول الله’ ولا تشكّ قريش إلاّ أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله’ حتّى أتى عَرَفَة، فوجد القُبّة قد ضُربت له بنمرة، فنزل بها، حتّى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرُحِلَتْ له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس وقال: «إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كلّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدميّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإنّ أوّل دم أضَعُ من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مُسترضعاً في بني سعد فقتله هُذيل، ورِبا الجاهلية موضوع، وأوّل رباً أضعُ رِبانا، رِبا العبّاس بن عبدالمطلب، فإنّه موضوع كلّه، فاتقوا الله في النّساء، فإنّكم أخذتموهنّ بأمان الله، واستحلَلْتُم فروجهنّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يُوطئن فُرُشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضرباً غير مُبرِّح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتُهُنّ بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلُّوا بعده إن اعتصمتُمْ به، كتاب الله(109) وأنتم تُسألون عنّي، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت، فقال بإصبعه السّبّابة، يرفعها إلى السماء وينكُتُها إلى الناس: «اللهمّ! اشهدْ اللهمّ! اشهدْ» ثلاث مرّات، ثم أذّن، ثمّ أقام فصلّى الظهر، ثم أقام فصلّى العصر، ولم يُصلِّ بينهما شيئاً، ثمّ ركب رسول الله’، حتّى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء الى الصّخرات، وجعل حبل المُشاة بين يديهِ، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصُّفرة قليلاً حتى غاب القُرص، وأردف أُسامة خلفه، ودفع رسول الله’وقد شَنَقَ للقصواء الزّمام، حتى إنّ رأسها ليُصيب مورك رَحْلِهِ، ويقول بيده اليمنى: «أيّها الناس! السّكينة السّكينة» كلّما أتى حَبْلاً من الحِبال أرخى لها قليلاً، حتّى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسبّح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله’ حتى طلع الفجر، وصلّى الفجر، حين تبيّن له الصّبح، بأذان وإقامة، ثمّ رَكِبَ القصواء، حتى أتى المَشْعَر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبّره وهلّله ووحّده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جدّاً، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عبّاس، وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً، فلمّا دفع رسول الله’ مرّت به ظُعُنٌ يَجْرينَ، فطفق الفضل ينظر إليهنّ، فوضع رسول الله’ يده على وجه الفضل، فحوّل الفضل وجهه الى الشّقّ الآخر ينظر، فحوّل رسول الله’ يده من الشّقّ الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشّقّ الآخر ينظر، حتى أتى بطن مُحَسِّر، فحرّك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حَصَيَات، يُكبّر مع كلّ حصاة منها، حصى، رمى من بطن الوادي، ثمّ انصرف الى المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بيده، ثمّ أعطى عليّاً، فنحرَ ما غَبَرَ، وأشركه في هَدْيِه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجُعلت في قدر، فطُبخت، فأكلا من لحمها وشَرِبَا من مرقها، ثمّ ركب رسول الله’ فأفاض الى البيت، فصّلى بمكّة الظهر، فأتى بني عبدالمطّلب يسقون على زمزم، فقال: «انْزِعُوا، بني عبدالمطّلب، فلولا أن يغلبكم النّاس على سقايتكم لنزعت معكم» فناولوه دلْواً فشرب منه(110).
السيّد منذر الحكيم
(1) ورد حديث الثقلين في مسند أحمد: 3/17 و26، كنز العمّال: 1/165 ح945، الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي: ص148 ط المحمّدية، وللمزيد راجع كتب الأحاديث للفريقين، وحديث الثقلين من الأحاديث المتواترة عند الفريقين واليك واحداً من نصوصه:.
(2) المعجم الصغير للطبراني: 1/139، مسند أحمد: 5/95، حديث السفينة من الأحاديث المتواترة عن المسلمين راجع إحقاق الحقّ للتستري: 9/270 ونصّ الحديث:
(3) مستدرك الحاكم: 2/448 و3/457، الصواعق المحرقة: 150، 185، 233 ط المحمّدية بمصر، مجمع الزوائد: 9/174 ونصّ الحديث:
(4) أهل الذكر قوله تعالى: (فَسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لاَتَعْلَمُونَ) النحل: 43، راجع شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني: 1/334، حديث 459، 460، 463، تفسير القرطبي: 11/272، تفسير الطبري: 17/5 ط. بولاق ونصّ الحديث المفسّر للآية.
(5) أولو الأمر قوله تعالى: {أَطِيعُواْ اللَّهَ وأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الاَْمْرِ مِنكُمْ} (المائدة: 59) راجع تفسير الرازي: 3/357 ط الدار العامرة، شواهد التنزيل: 1/148، فرائد السمطين: 1/314 ح250 ونصّ الحديث المفسّر الآية .
(6) انظر ذلك من تفسير القمي: 1/306 .
(7) تذكرة الخواص: ص20 ط النجف قال: كونوا مع عليّ وأهل بيته، كفاية الخصام ابن شهرآشوب: ص347 وفيه: كونوا مع الصادقين أي محمّد وأهل بيته.
(8) المستدرك للحاكم: 3/149، بحار الأنوار: 23/123 وللمزيد من التفصل راجع إحقاق الحق: والحديث «... وأهل بيتي أمان من الضلال...» وقد جاء هذا الحديث بألفاظ مختلفة، وعصمهم الله وطهّرهم وآمنهم من الزلل والفتن بآية التطهير، وهي الآية 33 من سورة الأحزاب.
(9) قال تعالى: {لا يمسّه إلاّ المطهّرون} الواقعة:..... وعين المطهّرين في قوله تعالى:{إنّما يُريدُ الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا}.
(10) الأحاديث التي تعتبرهم أُسوة بعد رسول الله’ كثيرة، انظر:1
ـ قال رسول الله’ : «يا أيها الناس إن الفضل والشرف والمنزلة والولاية لرسول الله وذريّته، فلا تذهبن بكم الأباطيل» الصواعق المحرقة: 174، ط المحمدية، ينابيع المودّة: ص169 و306 ط إسلامبول.
2 ـ وعنه’ : «في كل خلف من أُمتي عدول من أهل بيتي، ينفون عن هذا الدين تحريف الضالّين، وتأويل الجاهلين، ألا وإن أئمتكم وفدكم الى الله، فانظروا من توفدون» الصواعق المحرقة: 148، ذخائر العقبى: 17.
3 ـ وذيل حديث الثقلين عنه’ : «فلا تقدّموهم فتهلكوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا...» مجمع الزوائد: 9/163، الدر المنثور: 2/60 .
وعنه أيضاً: «اجعلوا أهل بيتي منكم مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس، ولا يهتدي الرأس إلاّ بالعينين» الشرف المؤبد للشيخ يوسف النبهاني: 31 ، إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: 110 ط السعيدية بمصر، الفصول المهمة، ابن الصباغ: 8 ط الحيدرية، مجمع الزوائد: 9/172 .
(11) الآية 24 من سورة الحجّ.
(12) الآية 97 من سورة المائدة.
(13) الآية 96 من سورة آل عمران.
(14) الآية 125 من سورة البقرة.
(15) الكافي: 4/271، باب لو ترك الناس الحجّ، ح4 .
(16) الكافي: 4/271 ح4، من لا يحضره الفقيه للصدوق: 243 ح2307.
(17)الفيل، التين، قريش، البلد، النمل، إبراهيم.
(18)البقرة، الأنفال، آل عمران، الحج، التوبة، المائدة..
(19) آل عمران: 96.
(20) آل عمران: 97.
(21) البقرة: 125.
(22) المائدة: 97.
(23) الحجّ: 27.
(24) الحجّ: 34.
(25) الحجّ: 36.
(26) الحجّ: 37.
(27) الحجّ: 37.
(28) الحجّ: 27 ـ 28.
(29) الحجّ: 30.
(30) الحجّ: 32 ـ 33.
(31) البقرة: 197.
(32) آل عمران: 97.
(33) البقرة: 125.
(34) اعتمدنا في هذا البحث بشكل خاص على ما كتبه العلاّمة آية الله السيد محمّد باقر الحكيم+ لأهميته وثرائه الفكري وقد نشره المجمع العالمي لأهل البيت(ع) في مجلة رسالة الثقلين العدد 27.
(35) فقد ذكر صاحب جامع أحاديث الشيعة ـ على سبيل المثال ـ في خصوص الروايات التي تتحدث عن تاريخ الحجّ وفضله وشؤونه العامة ثمانمائة وواحداً وثلاثين حديثاً.
(36) التاج الجامع للاُصول 2: 153 عن صحيح مسلم وسنن أبي داود.
(37) وسائل الشيعة: 8/7، ح12، عن من لا يحضره الفقيه.
(38) راجع وسائل الشيعة: 8/ 238 ـ 248، أبواب آداب السفر إلى الحجّ وهي ثمانية وستون باباً.
(39) راجع دعاء الإمام الحسين وابنه عليّ بن الحسين‘في يوم عرفة بالخصوص لتجد عظمة هذا الجانب وروعته في مدرستهم .
(40) باستثناء ما يذهب إليه الوهابيون من تحريم شدّ الرحال لزيارة النبيّ’، وإنّما يجوّزونها لمَن حضر (المدينة). نعم يجوز شدّ الرحال ـ في نظرهم ـ إلى مسجد النبيّ’ في المدينة وتكون الزيارة للنبيّ’ في هامش زيارة المسجد الشريف.
(41) هناك احتمالات متعددة في موضع دفنها أظهرها أنّه في بيتها، واحتمال آخر أنّه في البقيع واحتمال ثالث في الروضة والسبب في ذلك هو أنّ الصدّيقة (سلام الله عليها) ـ لظروف سياسية ـ أوصت عليّاً (ع) أن يخفي محل دفنها، وطلبت=
= منه عدم السماح بمشاركة الشيخين في تشييعها; لأنّها ماتت وهي غاضبة عليهما ومعترضة على فعلهما وإبعادهما للإمام عليّ بن أبي طالب عن ما عيّنه الرسول’ ونصّبه فيه، كما نصّت على ذلك النصوص الصحيحة التي رواها جميع المسلمين، والظلم والإيذاء الذي لحقها منهما قد أدّى إلى استشهادها سلام الله عليها.
(42) إنّ من الملاحظ ـ مع الأسف ـ أنّ هناك محاولة لمحو هذه الآثار وإلقاء الستار عليها، بحيث لا يتم الإهتمام بها، بل هناك عمل منظّم لإبعاد الحجّاج عنها قدر المستطاع كما يلاحظ ذلك من يزور البقيع وأُحد وغار حراء.
(43) وسائل الشيعة: 10/253 ح5.
(44) وسائل الشيعة: 10/254، ح4.
(45) المصدر السابق: ح10.
(46) وسائل الشيعة: 10/255، ح12.
(47) انظر موسوعة الغدير في الكتاب والسنّة والأدب للعلاّمة الأميني.
(48) وسائل الشيعة: 10/252، ح1.
(49) الأنفال: 24.
(50) التاج الجامع للأُصول: 2/106 ـ 107.
(51) المصدر السابق.
(52) هذا الموضوع من القضايا التاريخية التي ينبغي تناولها في مجال آخر.
(53) وسائل الشيعة: 8/77، ح2.
(54) وسائل الشيعة: 8/83، ح17.
(55) وسائل الشيعة 11/32، ح3.
(56) المصدر السابق: 11 / 34، ح6.
(57) المصدر السابق: 11 / 34، ح8.
(58) نهج البلاغة: الكتاب 47.
(59) الخصال: 2/620 / 10، وص 628/10، وص635 / 10.
(60) المصدر السابق.
(61) المصدر السابق.
(62) نهج البلاغة: الخطبة 1.
(63) نهج البلاغة: الخطبة 192. نتائق: جمع نتيقة وهي البقاع المرتفعة، ومكة مرتفعة بالنسبة لما انحطّ عنها من البلدان، الدمثة: اللينة ويصعب عليها السير والاستثبات منها، وتقول: دمث المكان إذا سهل ولان، ومنه دمث الأخلاق لمن سهل خلقه، الوشلة: ـ كفرحة ـ قليلة الماء، الخفّ: للجمال، والحافر: للخيل والحمار، والظلف: للبقر والغنم، وهو تعبير=
= عن الحيوان الذي لا يزكو في تلك الأرض، ثنى عطفه إليه: مال وتوجه إليه. المنتجع: محل الفائدة، الرمل بالتحريك: ضربٌ من السير فوق المشيء ودون الجري وهو الهرولة، السرابيل: الثياب، وأحدها سربال بكسر السين المهملة فسكون الراء، ملتف البنى: كثير العمران، البرّة: الحنطة والسمراء أجودها، الاعتلاج: الالتطام ومنه اعتلجت الأمواج إذا التطمت، والمراد: زال تلاطم الريب والشك من صدور الناس، فُتُحاً وذللاً بضمتين، والأُولى بمعنى: مفتوحة واسعة، والثانية مذلّلة ميسّرة، كما عن هامش البحار: 99/45/35.
(64) ثواب الأعمال: 70/3.
(65) أمالي الطوسي: 668/1398 و296/582 .
(66) أمالي الطوسي: 668/1398 و296/582.
(67) أمالي الصدوق: 493/4، التوحيد 253/4.
(68) علل الشرائع: 405/6.
(69) عيون أخبار الرضا (ع) : 2/90 / 1.
(70) عيون أخبار الرضا (ع) : 2/119/1.
(71) تحف العقول: 7 .
(72) تحف العقول: 149.
(73) أمالي الطوسي: 694/1478 .
(74) عيون أخبار الرضا (ع) : 2/262/29.
(75) نور الثقلين: 3/492/97.
(76) ثواب الأعمال: 281/1 و282/2.
(77) تفسير العياشي: 2/305.
(78) علل الشرائع: 452/1 و396.
(79) علل الشرائع: 452/1 و396.
(80) بحار الأنوار: 27/181 / 30.
(81) الخصال: 148/180.
(82) الكافي: 4/338/3.
(83) بحار الأنوار: 96/125.
(84) مصباح الشريعة: 142.
(85) الخصال: 167/219، علل الشرائع: 235/4.
(86) وسائل الشيعة: 12/60/3.
(87) الدّر المنثور: 2/63.
(88) وسائل الشيعة: 9/3/4.
(89) ثواب الأعمال: 74/16.
(90) ثواب الأعمال: 74/17.
(91) الكافي: 4/263/45.
(92) بحار الأنوار: 7/302/56.
(93) بحار الأنوار: 7/302/57.
(94) الكافي: 4/226/2 وص227 / 3، وسائل الشيعة: 9/336 باب 14.
(95) المصدر السابق.
(96) كمال الدين: 346 /33.
(97) الكافي 1: 337/6، غيبة النعماني: 175، كمال الدين: 351 ح48، تقريب المعارف، الحلبي: 422.
(98) راجع مثلاً الرواية التي ينقلها الشيخ الصدوق في كمال الدين: 444/18، الخرائج 2: 961.
(99) الحجّ: 27.
(100) البقرة: 158.
(101) آل عمران: 95.
(102) البقرة: 199.
(103) الترديد من الراوي.
(104) البرمة: القدر مطلقاً، وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن (النهاية: 1/121).
(105) التنعيم: وهو أدنى موضع في الحلّ قريب من مكة، راجع (معجم البلدان: 2/49).
(106) التهذيب: 5/454/1588، الكافي: 4/245 / 4 .
(107) البقرة: 125.
(108) البقرة: 158.
(109) سنن أبي داود: 1/425 ح1905، سنن ابن ماجة: 2/1025، باب حجّ رسول الله ح3074.
(110) صحيح مسلم: 4/39 ـ 43، وراجع للتفصيل صحيح مسلم بشرح النووي: 8 / 402 ـ 421 ح2941 (147) الطبعة التاسعة: (1423 هـ / 2003م) در المعرفة للطباعة والنشر ـ بيروت.
نصرة المسلمين في مدرسة أهل البيت
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين.
تحدّيات خطيرة في ساحة المسلمين
في العقود الأخيرة من القرن العشرين بدأت بوادر نهضة إسلامية تحررية في أرجاء مختلفة من العالم ـ وخصوصاً في أعقاب انتصار الثورة الإسلامية في إيران ـ وأخذت تلك النهضة والصحوة تشق طريقها في أوساط المسلمين وغيرها.
في المقابل أخذت القوى الوضعية «المعسكر الشرقي ـ المعسكر الغربي» بالتراجع غير أنها ما لبثت أن وثبت لتستعيد قوّتها بشتى الوسائل، أخذت تخطط في الخفاء وفي العلن لإحكام قبضتها الاستعمارية والاستغلالية، وبعد حين من الدهر تبدّى في واقع المسلمين تحديات خطيرة طلع قرنها على شكل خلافات غير مببرة بين المسلمين، ومواقف هزيلة من بعض القوى الرسمية، ومآسي فرضت نفسها على واقع المسلمين; ففي فلسطين يعيش أهلها في حصار وقتل ودمار، ويسعى الكيان الصهيوني الغاصب لمنح الفلسطينيين وطناً أصغر من حبّة قمح، ويقوم الآن بتهويد المعالم الإسلامية في القدس وغيرها و.. و...
وفي أفغانستان تتحرك جيوش الغرب في هذا البلد بزعامة أمريكا، وتقتل مَن تشاء بغير حساب، ومنذ أكثر من تسعة أعوام وتلك الجيوش تعيش فساداً في هذا البلد المسلم.وسعت تلك القوى الغربية الاستعمارية لنقل نفوذها وسيطرتها إلى باكستان بذريعة محاربة الإرهاب المزعوم والموهوم; وبالفعل انتهكت سيادة البلد، وقُتِلَ الكثير من أبنائه بشكل عشوائي.
وأخيراً نزلت بهذا البلد السيول فأتت على ما يكون وأهلكت الحرث وبعضاً من النسل فأصبحوا في حالة من الحرمان والبلاء، وهم بحاجة الى مَن يمدّ لهم يد العون والمساعدة.
أمّا في العراق فما أن وطئت جيوش الغرب أرض هذا البلد حتّى أخذت الفوضى والنزاعات والقتل بالانتشار، وأخذت الأُمور بالإنحدار والتدحرج من سيء إلى أسوأ.
نعم إنّهم يديرون فوضى تعود أرباحها الى تلك القوى القادمة من بعيد.
وفي الصومال لازال هذا البلد نهباً لصراعات حادة تسير به إلى شفير الهاوية.
وفي الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ كشف الجمهورية عن الوجه القبيح للغرب حيث أنّهم وقفوا موقفاً سياسياً استعمارياً في وجه المفاعل النووي السلمي ، إذ أنهم قاموا بتعريف هذا المفاعل على أنه مفاعل لتصنيع الأسلحة النووية، وجعلوا الاعلام الغربي كلّه يطبّل في هذا الاتجاه في حين أنه مفاعل مدني وسلمي، وأكد المسؤولون في الجمهورية الإسلامية لمرات وكرّات أنه مفاعل مدني وسلمي وسمحوا للمفتشين التابعين لمنظمة الطاقة النووية بالتفيش ، وكانت التقارير ايجابية، غير أنّهم لا يريدون الاعتراف بذلك فحوّلوه الى مجلس الأمن للدول التي تتهم الجمهورية الإسلامية بأنّها لديها مشروع عسكري ، ومن باب العلم أنّ إيران تعلم جيداً أن¬ّ مشروعها النووي واستخداماته يدخل في مئات المشاريع الصناعية المدنية ، غير أنهم يصرّون على أنه لصنع قنبلة نووية من غير دليل.
وأما في اليمن فقد بدأت فتن جديدة في هذا البلد بالنهوض من مرقدها لزعزعة استقراره وأمنه.
وفي السودان ابتدعوا له مشكلة الجنوب وأردفوها بدارفور، ثم أثاروا الغبار حول حكومته وشعبه.
وفي بلاد أُخرى وأخرى من أرض الإسلام صنعوا لها وصفة خاصة في مطابخهم طبقاً لوضعها وقالبها، ولازالت تلك المؤامرات مستمرة على هذه الأُمة.
وفي بلاد الغرب قدّمت الماكنة الإعلامية تعريفاً للمسلم بأنّه مرادف للإرهاب فأصبح كثير من الغربيين ينظرون للمسلم نظرة مختلفة وفرضوا عليهم قوانين غير أخلاقية من قبيل منع ارتداء الحجاب، ومنع الهجرة، وهدم المنائر، وإتهام كثير منهم بأن¬¬ّ لهم إرتباط بالإرهاب، وفق كل ذلك فإنّ أذهان المجتمع الغربي أصبحت مهيأة لإلصاق أي تفجير في بلادهم بالمسلمين.
وأساء الغرب استخدام الحرية فأساء بعض منهم إلى معتقدات المسلمين ووفّر الحماية لهم تحت غطاء حرية التعبير، ونشروا الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لشخص الرسول’، وحرق بعضهم نسخاً من القرآن و.. و..
نعم توجد في البين مصلحة مشتركة، وتفكير مشترك يدفع بالقوى المادية في أن تحمل كل هذه الحملة، وتتداعى على الأُمّة الإسلامية، وتلك المصلحة هي نهب تلك الخيرات الوفيرة في الشعوب «الضحية»، تماماً على شاكلة عالم الحيوان حيث يفترس القوي ضحيته ويأخذ نصيبه منها، ومن ثم تأتي الحيوانات الأضعف لتأكل ما بقي من تلك الفريسة، ويكون ذلك على شكل إتفاقيات غير متكافئة يكون السهم الأوفر للدولة الأقوى، ثم تأتي نوبة باقي الدول الأخرى.. إنّها مأدبة دسمة فتحت شهية تلك القوى الشرهة، في حديث ثوبان مولى رسول الله’ قال: قال رسول الله: «يوشكُ أن تُداعى عليكم الأُمم من كلّ أُفق كما تداعى الأكلةُ على قصعتها، قال قلنا: يا رسول الله أمن قلّة بنا يومئذ، قال’: أنتم يومئذ كثيرٌ، ولكن تكونونَ غَثاءً كغثاء السّيل، تُنتزعُ المهابةُ من قلوب عدوّكم، ويجعل في قلوبكم الوهن»(1).
أصفق أعداء الأُمّة الإسلامية في التحالف ضدّنا، قضايانا، واجتمعت كلمتهم على تشطير أُمّتنا وتشظيتها. من أجل هذا تتجلّى أهمية نصرة المسلمين في حياتنا من خلال تسليط الضوء على بحث أهم ركائز النصرة ومعالمها، وفيما يلى بيان ذلك:
ركائز نصرة المسلمين
تقوم وتستقيم نصرة المسلمين عند توفّر ثلاث مرتكزات أساسية، وهي:
أوّلاً: الاهتمام بأُمور المسلمين
المسلمون تغمر وجودهم عاطفة قوية،وحس اجتماعي مرهف يبزغ نوره من خلال إظهار الاهتمام بشؤون المسلمين فقد ورد عن الرسول الأعظم(ص): «مَن أصبح لا يهتم بأُمور المسلمين فليس بمسلم»(2).
إنّ المسلم يصبح وهمّه منصرف إلى شؤون المسلمين، ويتردّد فكره في عرصاتهم، ويستولي على وجدانه ذلك الهمّ الإنساني النبيل في كيفية ترجمته الى الواقع العملي.
نعم إنّه الودّ والمحبّة الإلهية للمسلم من أخيه المسلم وقد تعهّد نمو تلك المودة وديمومتها تلك الأحاديث الشريفة التي تبعث في النفس الحياة والأمل وتنتشر بين بني البشر.
جاء عن أبي جعفر× قال: «قال رسول الله’: ودّ المؤمن للمؤمن في الله من أعظم شعب الإيمان، ومن أحبّ في الله، وأبغض في الله، ومنع في الله فهو من أصفياء الله»(3).
المؤمنون يتردّدون على ساحات العمل، ويتسابقون في الخيرات، ويؤلمهم أن تقصر يدهم عن سد حاجة لأخ منهم في الدين أو نظير لهم في الخلق، فيشغلهم ذلك الهم الرهيف، ويرقن ذلك في صحائفهم، ويتفضّل الله تعالى عليهم بمنّه فيدخهلم الجنّة لما داخلهم من الهمّ; عن أبي جعفر(ع) قال: «إنّ المؤمن ترد عليه الحاجة لأخيه فلا تكون نده فيهتمّ بها قلبه، فيدخله الله تبارك وتعالى بهمّه الجنّة»(4).
لقد أراد الإسلام من المسلم أن يكون له شغل يشغله بأخيه المسلم أينما يكون، ودون فرق في عرق أو نحلة ينتحلون. إنّه الإسلام العظيم الذي يعلو على تلك الأُطر المصطنعة، يناشد المسلمين سواسية للإهتمام ببعضهم.
ثانياً: وجود مجتمع متماسك
سعى الرسول الأعظم لبناء مجتمع تحكمه علاقات اجتماعية رصينة، فآخى بين المسلمين بعد أن كانت تتجاذبهم الخلافات وتتحكّم بمصائرهم النزاعات، وما كان لأحد أن يؤلّف بين تلك القلوب المتنافرة لولا الله تعالى: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَاأَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(5).
وانتقل أولئك المسلمون من أشتات متفرقين إلى إخوة متحّابين: {فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}(6).
فالإسلام أقام صرح علاقات إنسانية بين المسلمين، وأسّس فيهم بنيان الإخوّة ـ التي لا تقبل التنابذ والتخاصم ـ بغرس الإيمان في نفوسهم، وجعله أساساً في علاقاتهم مع بعضهم {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}(7).
وفي نفس الاتجاه والشطر الذي حدّدته بوصلة الآيات الإلهية، نثر الرسول الكريم لئاليء وحيه وعلمه، فرسم لهم لوحة الإخوّة المرجوّة كمثل الجسد الواحد; فقال’: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمّى»(8).
إنّه تمثيل رائع للوشائج الاجتماعية التي تصبغ المؤمنين في بنائهم الداخلي، ويعكس هذا التمثيل النبوي مدى التماسك الاجتماعي وأيضاً مدى قوة الجبهة الداخلية في ساحة المسلمين، وتلاحمهم المصيري فهم يشكّلون جبهة إسلامية متنوّعة ومتماسكة الأجزاء {كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}(9).
وفي أحاديث أهل البيت^ وردت كثير من الروايات في باب الإخوّة لها نفس المضمون الذي أشار له الرسول’ ; عن المفضّل بن عمر قال: قال أبو عبدالله×: «إنّما المؤمنون إخوة بنو أب وأُمّ وإذا ضرب على رجل منهم عِرقٌ سهر له الآخرون»(10).
وعن جابر الجعفي قال: تقبضت بين يدي أبي جعفر× فقلت: جعلك فداك ربّما حزنت من غير مصيبة تصيبني أو أمر ينزل بي حتّى يعرف ذلك أهلي في وجهي، وصديقي، فقال: «نعم يا جابر إنّ الله عزّ وجلّ خلق المؤمنين من طينة الجنان وأجري فيهم من ريح روحه، فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأُمّه. فإذا أصاب روحاً من تلك الأرواح في بلد من البلدان حزن، حزنت هذه لأنّها منها»(11).
نعم يوجد إرتباط عميق فيما بين المؤمنين فيحزن لحزن الآخر الذي هو في مكان آخر، إنّه رباط الاُخوة ووثاق الإيمان ينزل الى قلوب المؤمنين فيصنع منهم أُمّة متوحّدة متماسكة يشدّ بعضها بعضاً.
ثالثاً: المثابرة نحو العمل
حثّ سبحانه وتعالى المؤمنين على العمل الصالح في كثير من آياته الكريمة: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ...}(12)، وقوله سبحانه: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ...}(13)، وقوله تعالى: {إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ...)(14)، وقوله تعالى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً}(15) و..
والعمل الصالح قرن بالإيمان في كثير من الآيات: {إِلاَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً}(16)، وقوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ}(17) وغيرها من الآيات الكريمة.
وهذا أمير المؤمنين علي× يؤكّد على العمل الصالح، وأثره في ميدان الحياة الإسلامية، فيقول: «العمل العمل، ثم النهاية النهاية، والاستقامة الاستقامة، ثم الصبر الصبر، والورع الورع. إنّ لكم نهاية فانتهوا الى نهايتكم.. واخرجوا الى الله بما افترض عليكم من حقّه، وبيّن لكم من وظائفه...»(18).
إنّ العمل الذي يحمل صفة الاستقامة فيه نظرة إلى أفق بعيد وهو نهاية الإنسان وآخرته، ويحتاج تجسيده الى ذخيرة من الصبر على طريق الاستقامة، وتحمل لتبعات ذلك العمل الذي ربّما طويت فيه محن. ولذا نجد أمير المؤمنين يحثّ المسلمين الى العمل بوظائفهم، فاليوم يحتاج المسلمون منّا العمل والتنفيذ ولا وقت للإنتظار، فكم من مسلم يَئِنّ تحت وطأة الحصار والدمار كما في أهلنا في غزة التي تستغيث ولا مغيث، وكم من مسلمة حسروا رأسها، ووضع عنها حجابها، لأنّ مظهرها العفيف لا ينسجم وطبيعة القيم الغربية المتحلّلة، {قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوط مِن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}(19).
ثمّ انظروا الى ما نزل بأهلنا في باكستان فقد خسروا أنفسهم وأموالهم من جراء ذلك السيل العرم، والمطر المنهمر عليهم، واستغاثوا ممّا أصابهم فكانت المساعدات دون المستوى المتواضع... وغيرهم الكثير..
ونحن نسأل أبناء أُمّتنا، هل أنّ هذا العمل والعطاء من المسلمين يتناسب مع ما منحنا الله تعالى من رزقه العميم الكريم؟
وهل أن «اعملوا» حدودها تقتصر على المساعدات المادية أم غير ذلك؟
معالم نصرة المسلمين
تتبدّى معالم نصرة المسلمين، في الأخذ بالخطوات التالية، وأهمّها:
1 ـ تقديم النصح للمسلمين
على المسلم إسداء النصح الى إخوانه المسلمين، قال تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ}(20)، وقال أمير المؤمنين×: «ولا تدّخروا أنفسكم نصيحة»(21) ولايمنع نفسه عن نصيحة، فإن النصيحة مركباً لوطئ الجادة الصحيحة.
لقد علّمنا الرسول الأعظم’: «الدين النصيحة»(22) فينبغي إيصال النصيحة والإرشاد الى الجميع وأن يكون ذلك النصح والقول سديداً، ففي وصية أمير المؤمنين لولديه الحسن والحسين× قال: «وقولا بالحقّ، واعملا للأجر...»(23).
وورد عن أبي عبدالله عن آبائه عن علي× قال: «قال رسول الله’: أنسك الناس نسكاً أنصحهم حبّاً، وأسلمهم قلباً لجميع المسلمين»(24).
إنّ العبادة ونسكها يترشّح منها النصح الى المسلمين بقلب سليم ملئه الحبّ والرحمة بهم جميعاً، فهو مجبول على مودّتهم، ومصقول على نصحهم.
وما أحرى بالمسلمين اليوم من التواصي بالحقّ والتواصي بالصبر من خلال الإعلام المقروء والمسموع والمرئي في نصرة بعضهم وإسعادهم بالنطق والنصيحة، وإظهار مظلوميتهم وكيفية رفعها، أو التخفيف من عبئها، لا سيّما ما يجري على المسلمين في فلسطين والتي دعا الإمام الخميني الراحل+ في أكثر من مناسبة لنصرتهم كما دعا الدول الإسلامية: أن تلزم الجدّية في هذا الصراع المقدّس، وأن¬ تقوّي إرادتها، وتستقيم وتصمد في نهجها، وأن لا تغفل عن التواصي بالحقّ والتواصي بالصبر الذي يعتبر من الأوامر الإلهية للمسلمين(25).
2 ـ الدفاع عن المسلمين
المسلمون يدٌ واحدة في مقابل أعدائهم، وعليهم تقع مسؤولية الدفاع عن بعضهم البعض، فلو تعرّض واحد منهم الى تظلّم كان حقيقاً عليهم نصره ومؤازرته وقد ورد عن أمير المؤمنين قال: «قال رسول الله’ من ردّ عن قوم من المسلمين عادية ماء أو نار وجبت له الجنّة»(26).
وكان الإمام علي× قد وصّى بنيه الحسن والحسين‘ يقول: «وكونا للظالم خصماً، وللمظلوم عوناً..»(27).
إنّه يدفع بولديه نحو مقارعة الظلم والوقوف بوجه كلّ تجاوز وتعدّي على الآخرين بغض النظر عن هويتهم الدينية والقومية، فأمير المؤمنين× لم يقل: «وللمسلم عوناً» بل قال: «وللمظلوم عوناً» إنّها نصرة للإنسان من أخيه الإنسان في وجه الظلم.
ومعلوم أن النصرة لا تقتصر على القول وحسب، بل تتعدى الى مجالات أخرى كالجود بالنفس، أو التبرّع بالدم أو المال وما الى ذلك.
ولاشك إنّ المسلمين عندما يكون بعضهم لبعض ظهيراً فإنّ يد الطامعين والظالمين والمستعمرين سوف لا تمتدّ إليهم، أمّا إذا كان المسلمون لكلّ امريء منهم شأن يغنيه، فإنّ هذا الإنكفاء سوف تكون له مردودات سلبية كبيرة على واقع المسلمين، وقد نبّه أمير المؤمنين(ع) على هذا الشرّ المستطير بقوله: «أيّها النّاس لو لم تتخاذلوا عن نصرة الحقّ، ولم تهنوا عن توهين الباطل، لم يطمع فيكم من ليس مثلكم، ولم يقو من قوي عليكم»(28). إذن لا مجال للنكوص عن نصرة الحقّ وأهله، ولا فسحة عيش كريم إلا بالاعتصام بحبل الإخوّة والنصرة فيما بيننا في وجه كلّ معتد أثيم.
3 ـ رعاية حقوق المسلمين
للمسلمين سلوك يجسّد في مفصل منه رعاية حقوق الآخرين في كثير من مفردات الحياة، ففي الحديث عن علي× قال: «قال رسول الله’ للمسلم على أخيه المسلم ثلاثون حقّاً لا براءة له منها إلا بأداء العفو يغفر زلّته، ويرحم عبرته، ويستر عورته، ويقيل عثرته، ويقبل معذرته ويردّ غيبته.. ولا يسلّمه ولا يخذله...»(29).
فالمسلم له مكانة في قلب المسلم، وقد حدّد الرسول الأعظم’ للمسلمين ما بينهم من الحقوق، وجعل لهم إطاراً نورياً يمشون به في الناس فمنهم في حصانة منيعة، ومكانة رفيعة بما أوتوه من الحقوق ; حتّى أن¬ّ الله تعالى ينظر الى تلك الحقوق التي بين عباده بعين رحمته، ويكون قريباً من عبده عندما يرعى تلك الحقوق أو يهتم بها، فقد ورد عن الرسول’ أنّه قال: «إنّ الله عزّ وجلّ يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال ياربّ كيف أعودك وأنت ربّ العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده أما علمت أنّك لو عدته لوجدتني عنده. يابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا ربّ وكيف أطعمك وأنت ربّ العالمين؟ قال: أما علمت أنّه استطعمتك عبدي فلاناً فلم تطعمه أما علمت أنّك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي. يابن آدم استسقيتك فلم تسقني قال ياربّ وكيف أسقيك وأنت ربّ العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلاناً فلم تسقه أما أنّك لو سقيته وجدت ذلك عندي»(30).
ذكر ابن شهر آشوب نقلاً عن الزهري: لما مات زين العابدين فغسّلوه وجد على ظهره محل فبلغني أنّه كان يستسقي لضعفة جيرانه بالليل. وفي حليّة الأولياء قال عمرو بن ثابت: لما مات علي بن الحسين فغسّلوه جعلوا ينظرون الى آثار سواد في ظهره وقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جرب الدقيق ليلاً على ظهره يعطي فقراء أهل المدينة. وفي روايات أصحابنا: أنّه لما وضع على المغتسل نظروا الى ظهره وعليه مثل ركب الإبل مما كان يحمل على ظهره الى منازل الفقراء.
وكان× إذا انقضى الشتاء تصدّق بكسوته، وإذا انقضى الصيف تصدّق بكسوته، وكان يلبس من خز اللباس، فقيل له: تعطيها مَن لا يعرف قيمتها ولا يليق به لباسها فلو بعتها فتصدّقت بثمنها، فقال: «أنّي أكره أن أبيع ثوباً صلّيت فيه»(31).
هذه الأحاديث وغيرها تدعو المسلمين الى الاهتمام بحقوق الآخرين وتفعيلها في حياتهم العملية. وما أجدر بالمسلمين اليوم في تقديم شتى أشكال الدعم رعاية لتلك الحقوق، وما أشدّ حاجة المسلمين اليوم الى إرسال التجهيزات الطبية والمعونات العلاجية والمادية، أو زيارتهم وعيادتهم ومواساتهم بالإلتفات إليهم و.. و..
4 ـ تقديم الخدمة والمنفعة للمسلمين
هناك خدمات يقدّمها المسلمون من باب كسب الأجر والتقرب الى الله تعالى ونفع المسلمين كالخدمات المجّانية في مساعدة الآخرين كما هو في إقراض الآخرين، قال تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ}(32).
فالمسلمون اليوم بحاجة الى القيام بخطوة عملية في تأسيس صندوق نقد إسلامي يتكفّل بمساعدة المتضرّرين من المسلمين من جرّاء الحوادث الإنسانية أو الكوارث الطبيعية، وهم بهذا يقدّمون خدمة لبعضهم، وسيضاعف الله لهم العمل والأجر والثواب ويجعل في ذلك البركة، عن جميل بن دراج× قال: سمعته يقول: «المؤمنون خدم بعضهم لبعض، قلت: وكيف يكونون خدماً بعضهم لبعض؟ قال: يفيد بعضهم بعضاً...»(33).
كما أنّ المسلمين اليوم بحاجة الى تأسيس فضائيات وقنوات إعلامية مشتركة تحت رعاية المسلمين أنفسهم، أو بعض الدول الإسلامية وتتولّى الدفاع عن قضايا المسلمين وتهتمّ بأمر الوحدة وبشكل خاص فيما بين المسلمين من أجل إرشادهم نحو الصراط السوي السليم; فقد جاء عن أبي عبدالله× قوله: «إن¬ّ المؤمن أخو المؤمن عينه ودليله»(34).
5 ـ الإيثار لمصالح المسلمين
الإيثار من المفاهيم الأخلاقية والتربوية التي رافقت حياة المسلمين، وقد ذكر الله تعالى للمؤمنين إيثارهم بقوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}(35).
فهذا الإيثار يعبّر عن روح التضحية، والتخطّي للحدود الذاتية الى الحدود الإنسانية العالية، وهذا المبدأ يعبّر أيضاً عن عمق الإيمان في إيثار مصلحة الآخرين على مصلحته، عن أنس أن النبي’ قال: «لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه»(36).
وفي الرواية عن أبان بن تغلب جاء إليه أحد أصحابه في حاجة وكان أبان برفقة الإمام الصادق× فقال له الإمام×: «يا أبان تقاسمه شطر مالك، ثم نظر إليَّ فرأى ما دخلني، فقال: يا أبان أما تعلم أن¬ّ الله عزّ وجل قد ذكر المؤثرين على أنفسهم؟ قلت: بلى جعلت فداك، فقال: أما إذا أنت قاسمته فلم تؤثره بعد، إنّما أنت وهو سواء إنّما تؤثره إذا أنت أعطيته من النصف الآخر»(37).
إنّ مفهوم الإيثار لو تم تطبيقه بين المسلمين لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم بما كانوا يعلون ويؤثرون.
أمّا إذا لم يلتزم كثير من المسلمين بمبدأ التضحية والإيثار فذلك لا يعني سقوط التكليف عنهم بل هم مطالبون بالعمل به أو بما يستطيعون فعله، فهذه الآية والأحاديث التي تحثّ المسلمين على الإيثار تبقى قائمة وشاهدة على النّاس حتى لو تنصّل فريق منهم عن العمل بها. وعليه فمن باب التذكير بمبدأ الإيثار ـ الذي عمل به صدور هذه الأُمّة فأفلحوا ـ فإنّ له فاعلية في توثيق الصلة بين المؤمنين وترسيخ الإيمان في ساحتهم وتقوية الفقراء في مقاومة شدّة الفقر، وشد أزر المعوزين بما تجود به أنفس المؤمنين من إيثار.
الخاتمة
يواجه المسلمون اليوم تحدّيات خطيرة من جميع الاتجاهات، وكلّ تلك التحدّيات إن لم يتداركها المسلمون بالنصح والوحدة والعمل فسوف ينعكس ذلك سلباً على أُمتهم وحياتهم.ولا يمكن للأُمّة أن تنهض من جديد إلا بالتمسّك بقيمها الأصيلة، وتقديم الحلول الصحيحة من خلال دراسة أوضاعها وتحديد مكامن الضعف والخلل فيها، وتقوية نقاط القوّة في هذه الأُمّة المتأثرة والمنفعلة بما يلقى إليها.
إنّ من معالم نصرة المسلمين إسداء النصح الخالص الصحيح لهم، والدفاع عنهم وعن حقوقهم في المحافل الدولية سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية وغيرها.
نعم إنّ خدمة المسلمين تعد هدفاً مقدّساً من خلال بذل الخدمات المتعددة له في بلاد الله العريضة، ويجب أن تكون لدينا آليات للتواصل مع بعضنا وتقديم الخدمات اللازمة للمتضرّرين والجلوس معهم في خندق المواجهة والصمود.
نعتقد أنّ المسلم الواقعي هو الذي يؤثر مصلحة المسلم على نفسه بل مصلحة المسلمين وتقديمها على مصالحه الخاصّة، وقد عمل صدور هذه الأُمّة بتلك المبادئ السامية فكانوا كما وصفهم الباري تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}(38).
محمد عيدان العبادي
فهرس المصادر
1 ـ البداية والنهاية، ابن كثير الدمشقي (ت 774 هـ)، تحقيق علي شيري، دار إحياء التراث العربي، بيروت ط1 ـ 1408.
2 ـ سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط9 ـ 1413 هـ .
3 ـ صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256 هـ)، دار الفكر، بيروت، سنة الطبع 1401 هـ .
4 ـ صحيح مسلم، مسلم النيسابوري (ت361 هـ)، دار الفكر، بيروت.
5 ـ الكافى، محمد بن يعقوب الكليني الرازي (ت 329 هـ)، تحقيق علي أكبر غفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط 4 ـ 1365 ش.
6 ـ كنز الفوائد، أبو الفتح الكراجكي (ت 449 هـ)، مكتبة المصطفوي، قم، ط2 ـ 1369ش.
7 ـ المحاسن، أحمد بن محمد بن خالد البرقي (ت 274 هـ)، دار الكتب الإسلامية، طهران، سنة الطبع 1370 هـ.
8 ـ مشكاة الأنوار، علي الطبرسي، دار الحديث، قم، ط 1 ـ 1418 هـ.
9 ـ مسند أحمد، الإمام أحمد بن حنبل (ت 241 هـ)، دار صادر، بيروت.
10 ـ مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب (ت 588 هـ)، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، سنة الطبع 1376 هـ / 1956م.
11 ـ المعجم¬الأوسط، الطبراني (ت 360 هـ)، دار الحرمين للطباعة، سنة الطبع 1415 هـ .
12 ـ نهج البلاغة، الإمام علي×، شرح محمد عبده، دار الذخائر، قم، ط 1 ـ 1412 هـ .
13 ـ نداء الإمام الخميني+ الى الدول الإسلامية، في رمضان سنة 1393 هـ. ق.
(1 ) مسند أحمد 5: 278، حديث ثوبان.
(2 ) الكافي 2: 163، باب الاهتمام بأُمور المسلمين والنصيحة لهم، ح1.
(3 ) المحاسن 1: 263.
(4 ) الكافى 2: 196، باب السعي في حاجة المؤمن، ح14.
(5 ) الأنفال: 63.
(6 ) آل عمران: 103.
(7 ) الحجرات: 10.
(8 ) صحيح البخاري 7: 77، كتاب الأدب.
(9 ) الصف: 4.
(10) الكافي 2: 16، باب اُخوّة المؤمنين بعضهم لبعض، ح1.
(11) الكافي 2: 165، باب اُخوّة المؤمنين بعضهم لبعض، ح2.
(12) التوبة: 105.
(13) فاطر: 10.
(14) الأنعام: 135.
(15) سبأ: 13.
(16) الشعراء: 227.
(17) سورة ص: 24.
(18) نهج البلاغة: الخطبة 176.
(19) النمل: 56.
(20) العصر: 3.
(21) نهج البلاغة: الكتاب ، 51.
(22) صحيح البخاري 1: 20، كتاب الإيمان.
(23) نهج البلاغة: الوصية رقم 47.
(24) مشكاة الأنوار: 318.
(25) نداء الإمام الخميني(قده) الى الدول والشعوب الإسلامية، في رمضان سنة 1393 هـ . ق.
(26) الكافي 5: 55.
(27) نهج البلاغة: الوصية 47.
(28) نهج البلاغة: الخطبة 166.
(29) كنز الفوائد: 141.
(30) صحيح مسلم 8: 14، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن.
(31) مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب 3: 294، وانظر: سير أعلام النبلاء 4: 393، البداية والنهاية 9: 133 وغيرها من المصادر.
(32) البقرة: 245.
(33) الكافي 2: 167، باب أخوة المؤمنين بعضهم لبعض، ح9.
(34) المصدر السابق 2: 166، باب أخوة المؤمنين بعضهم لبعض، ح8.
(35) الحشر: 9.
(36) المعجم الأوسط 8: 167.
(37) الكافى 2: 171، باب حقّ المؤمن على أخيه وأداء حقّه، ح8.
(38) عمران: 110.
هل يجوز البناء على القبور؟

إنّ البناء على قبور الأنبياء والأولياء ليس فيه محذور أو نهي صحيح يمنع منه، وقد حكم أئمة المسلمين من كل المذاهب بجواز البناء على القبور، إلا الشاذ النادر لرأي ارتآه.
فهذه سيرة السلف خير شاهد على ذلك، وهذه قبور الأنبياء والأولياء وأعلام أئمة المسلمين من كل المذاهب تنطق بالشهادة عليه في الحجاز والعراق وإيران والشام والمغرب ومصر و...
وهذا قبر النبي (صلى الله عليه وآله) قد بني عليه منذ مئات السنين سنة، وكان يجدد البناء عليه بين الحين والآخر حتى وصل إلى ما وصل به الآن.
وأما ما استدل على المنع من البناء على القبور، فهي استدلالات ضعيفة ردها علماء المسلمين، والروايات التي استدل بها المانع إما ضعيفة سندا أو لا تنهض من حيث الدلالة على المطلوب.
وأما ما ذكرت من أن الشرك كانت بدايته من تعظيم القبور على عهد نوح، فهذا أول الكلام ويحتاج في إثباته إلى دليل، وعلى كل حال، إذا تجاوزت زيارة القبور عن حدها الشرعي وأصبح يغالى فيها ويكون التقرب للقبر لا لله سبحانه وتعالى عند القبر... فهذا غير صحيح ولا يرتضيه أحد.
الشيطان و فساد النية
قصة رائعة جدا من كتاب تلبيس ابليس ( لابن الجوزي)
عن الحسن البصري قال " كانت شجرة تعبد من دون الله فجاء اليها رجل فقال :
لأقطعن هذه الشجرة .
فجاء ليقطعها غضب لله فلقيه إبليس في صورة إنسان , فقال : ماتريد ؟
قال: أريد ان أقطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله .
قال إذا أنت لم تعبدها فما يضرك من عبدها ؟
قال : لأقطعنها , فتشاجرا و تماسكا و تصارعا , فغلبه الرجل و صرعه.
فقال له الشيطان : هل لك فيما هو خير لك ؟
لا تقطعها و لك ديناران كل يوم إذا أصبحت عند وسادتك قال : فمن لي بذلك ؟
قال : أنا لك , قال : فرجع فأصبح فوجد دينارين عند وسادته.
ثم اصبح بعد ذلك فلم يجد شيئا
فقام غضبا ليقطعها فتمثل له الشيطان في صورته وقال : ماتريد ، قال : اريد قطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله تعالى .
قال: كذبت مالك إلى ذلك من سبيل .
فذهب ليقطعها فضرب فتماسكا متنازعين فغلبه ابليس و صرعه بالأرض و خنقه حتى كاد يقتله ثم قال له :
اتدري من أنا ؟
انا الشيطان ، جئت أول مرة غضبا لله فلم يكن لي عليك سبيل فخدعتك بالدينارين فتركتها فلم جئت غضبا لدينارين سلطت عليك .
الفوئد:
- القوة و الغلبة و النصر في إخلاص العمل لله
- فساد النية من مداخل الشيطان و تسلطه على العبد
- الحرص و الطمع و الميل و تغليب الدنيا على مقاصد الشرع باب واسع للمفاسد و الهزائم
- العمل للدين شرف و فخر و العمل بالدين رذيلة و خسارة
بغداد ستحاكم الهاشمي حضوريا أو غيابيا الشهر المقبل

نقلت صحيفة الصباح الحكومية العراقية عن مسؤول عراقي أن نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي المطلوب للقضاء بتهم ارهابية سيعزل خلال أسابيع، وأنه سيحاكم سواء كانت المحاكمة بحضوره أو غيابه. ونقلت الصحيفة عن المسؤول الذي لم تكشف عن هويته، أن موضوع سحب الصلاحيات من الهاشمي بات مسألة وقت، وأنه سيكون بلا صلاحيات خلال اسابيع، مضيفا أن الهاشمي سيتم عزله قبل محاكمته الشهر المقبل.
ويقوم الهاشمي بزيارة للسعودية في اطار جولة عربية بدأها بقطر، وسط مطالبات بإعادته وتقديمه للمحاكمة. وقد استنكر الرئيس العراقي جلال طالباني تصريحات أدلى بها الهاشمي بعد لجوئه الى الخارج، حيث أكد مكتب طالباني أن الهاشمي غادر البلاد بدون أخذ موافقته. في هذه الاثناء، اتهمت شخصيات عراقية كردية واخرى عربية قطر بالمتاجرة بالهاشمي واستغلاله كورقة للتآمر على العراق.
انفجار في أنابيب الغاز بين مصر والكيان الاسرائيلي
ذكرت مصادر أمنية مصرية أن انفجارا وقع الاحد في خط الانابيب الذي ينقل الغاز بين مصر واليكان الاسرائيلي والاردن في شمال سيناء. وأوضحت أن الانفجار حصل في شمال سيناء عند مدخل مدينة العريش المطلة على البحر المتوسط. وقال سكان بالمدينة لوكالة رويترز انهم سمعوا دوي الانفجار. ولم تعلن اي جماعة مسؤوليتها عن مهاجمة خط الانابيب الذي يمر عبر شبه جزيرة سيناء .
يشار إلى أن هذا الانفجار هو الرابع عشر من نوعه منذ اندلاع الثورة المصرية التي أطاحت بحسني مبارك العام الماضي. ولا تحظى اتفاقية الغاز التي وقعتها مصر قبل 20 عاما مع الكيان الاسرائيلي في عهد مبارك بشعبية لدى المصريين مع اتهام منتقدين للكيان الاسرائيلي بعدم دفع ثمن كاف مقابل حصولها على الوقود الغازي. وقالت مصر في تشرين الثاني/نوفمبر انها ستشدد اجراءات الامن على طول خط الانابيب من خلال وضع اجهزة انذار والاستعانة بدوريات امنية من البدو في تلك المنطقة.




























