Super User
الهجرة إلى المدينة المنورة (26)
مهّد النبي (ص) للهجرة إلى المدينة المنورة ببيعتين مع أهل المدينة، هما بيعتا العقبة الأولى والثانية.
ويبدو أن النبي (ص) بعد إبرامه هاتين البيعتين سمح للمسلمين وخاصة أولئك الذين كانوا يتعرضون للتعذيب والاضطهاد من قبل قريش والمشركين بالهجرة إلى المدينة.
وقال لهم – كما يروي المؤرخون:"إن الله عزّ وجل قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون بها". فراح المسلمون يتوافدون إلى المدينة المنورة أفراداً وجماعات مضحين بمسقط رأسهم، وعلاقاتهم. وكثير منهم ضحى بثرواته وممتلكاته ومكانته الاجتماعية في سبيل دينهم وعقيدتهم.
تضحية المسلمين الأوائل بكل ما يملكون :
ويبدو أن خروج المسلمين من مكة إلى المدينة أخذ في بعض الحالات طابع السرية. كما لم يكن خروجهم دفعة واحدة وإنما حصل على دفعات ومراحل. وذلك كي لا يثيروا حفيظة قريش فتقف في طريقهم وتمنعهم من الهجرة.
ولكن رغم ذلك أحست قريش بحركة المسلمين هذه وخروجهم من مكة إلى المدينة. فراحت تمنعهم من الهجرة بمختلف الوسائل، تلاحقهم وتنكل بمن يقع في قبضتها بالضرب والإهانة والحبس والضغط عليهم لحملهم على التراجع عن دينهم، وتمارس ضدهم كل أساليب الإرهاب.
والسبب الذي دفع المشركين لاتخاذ هذا الموقف السلبي من هجرة المسلمين هي أنهم كانوا يرون أعظم الخطر على مصالحهم ووجودهم المستقبلي. فقد كانوا يدركون جيدا أن هؤلاء المهاجرين سوف يتكاملون مع أنصار النبي (ص) من أهل المدينة الذين بايعوه على السمع والطاعة والجهاد، مما يعني أنهم سيشكلون قوة في وجه قريش ومصالحها. خاصة، أن تجارة قريش إلى الشام ذهابا وإياباً كانت تمر عبر طريق المدينة.
ولكن رغم كل إجراءات قريش تلك لمنع المسلمين من الهجرة لم تستطع تحقيق هدفها. بل تمكّن أكثر المسلمين من الهجرة حيث لم يبق في مكة بعد بيعة العقبة الثانية بمدة قصيرة سوى النبي (ص) والإمام علي (ع) وعدد قليل من المسلمين المستضعفين.
وهكذا بقي النبي (ص) في مكة ينتظر الإذن الإلهي للخروج.
قريش تتآمر على النبي بخطة لقتله :
وبعد هذه الهجرة الواسعة للمسلمين إلى المدينة شعرت قريش بأن الدعوة الإسلامية قد انتقلت من مكة إلى المدينة حيث يوجد الأنصار والأعوان الذين هم على أتمّ الاستعداد للتضحية بأنفسهم وأموالهم دفاعاً عن نبيهم وعن الرسالة. وأدركت أيضاً أن محمداً بين عشية وضحاها سيلتحق بأصحابه ويهاجر هو بنفسه إلى المدينة ليمارس بحرية كاملة عملية القيادة والدعوة لدينه.
وقدّرت بأن محمداً سوف تكون له الغلبة عليهم عاجلاً أم أجلاً إن هو ترك مكة وارتحل إلى المدينة. لأجل ذلك لم يكن أمامها إلا أن تتخذ بحق النبي (ص) قراراً نهائياً وحاسماً قبل فوات الأوان، فهو لا يزال بينهم وفي قبضتهم، فلا بد من تدبير أمر ما قبل أن يتحول إلى قوة فعلية تهدد مصلحتهم.
ومن هنا اجتمع طواغيت قريش في دار الندوة ليتخذوا القرار المناسب بشأن النبي محمد (ص). وبعد مشاورات سرية للغاية فيما بينهم أقروا خطة لاغتياله والقضاء عليه بشكل نهائي، يريحهم منه للأبد.
وكانت هذه الخطة تقضي بأن يختاروا من كل قبيلة شخصاً قوياً، ويشتركوا جميعاً في قتله، بأن يضربوه ضربة رجل واحد. وذلك من أجل أن يتفرّق دمه بين القبائل جميعاً فلا يعود بإمكان أحد من أنصاره وأتباعه أو من بني هاشم عائلة النبي (ص) أن يثأر لقتله.
بهذه الطريقة بني هاشم لا تقدر على مقاتلة كل هذه القبائل، فيضطرون إلى القبول بالدية والاكتفاء بها. وهكذا اتفقوا على عشرة رجال أشداء من كل القبائل، وعيّنوا الليلة التي ستنفذ فيه هذه العملية.
ولكّن الله سبحانه أخبر رسوله الكريم بذلك من أجل تدبير خطة مضادة تفشل مخططهم ومؤامرتهم.
وأشار القرآن الكريم إلى هذه المؤامرة بقوله تعالى :{وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }الأنفال30 . والمقصود بمكر الله هنا أن الله قد فوت على المشركين مؤامرة اغتيال النبي (ص) إذ أخبر رسوله بواسطة الوحي جبرائيل بخطة الكافرين وأمره بالخروج ليلا من مكة، كما أمره أن يبيت علي (ع) مكانه على فراشه الخاص لإيهام المشركين بوجود النبي (ص) ليفوت عليهم خطتهم.
الإمام علي يفدي الرسول بنفسه :
فبات الإمام علي (ع) في فراش رسول الله (ص) في تلك الليلة التي قرر المشركون اغتيال النبي فيها. وعندما حانت ساعة الصفر لتنفيذ العملية واقتحموا مبيت النبي (ص) فوجدوا أنفسهم أمام علي بن أبي طالب وليس أمام محمد، لأن النبي (ص) كان قد خرج من الدار قبل ذلك ومن بينهم وهو يقرأ هذه الأية الكريمة :"وجعلنا من بين أيديهم سدّاً ومن خلفهم سدّاً فأغشيناهم فهم لا يبصرون".
ويذكر المؤرخون أن النبي (ص) أخذ بيده قبضة من تراب فرمى بها وجوه المشركين الذين كانوا يرصدون داره، ومرّ من بينهم، من دون أن يشعروا به، وتوجه نحو غار ثور حيث بقي في الغار ثلاثة أيام، حتى تمكّن من الخروج سالماً والتوجه نحو المدينة رغم ملاحقة قريش له.
وهكذا تمّت هجرة النبي (ص) إلى المدينة المنورة، في شهر ربيع الأول، بعد أن أمضى ثلاثة عشر عاماً في مكة يدعو إلى الله سبحانه ويواجه التحديات والصعاب. وكانت هذه الهجرة بداية التاريخ الإسلامي.
ما نستفيده من هجرة المسلمين هذه، ومن تضحياتهم بكل شيء يملكونه في سبيل الحفاظ على دينهم وعقيدتهم هو أن المسلم الحقيقي هو الإنسان الذي يكون حاضراً للتضحية بوطنه وبعلاقاته الاجتماعية وبكل ما يملك من متاع الحياة وزخرفها في سبيل الحفاظ على دينه وإسلامه. تماماً كما ضحى صهيب الرومي عندما أراد الهجرة إلى المدينة.
فقد ذكر المؤرخون أن صهيباً لما اتخذ هذا القرار حاولت قريش منعه عن ذلك. وقالت له :"أتيتنا صعلوكاً لا مال لك فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت ثم تريد أن تهاجر بمالك ونفسك؟! .. والله لا يكون ذلك أبداً ". فقال لهم صهيب :"أرايتم إن تركت لكم مالي أتخلون سبيلي؟". قالوا :"نعم"، فقال لهم :" هو لكم ". فترك لهم صهيب ماله وهاجر إلى المدينة، ليواجه مستقبلا كان يعرف جيداً أنه مليء بالأحداث الجسام والأخطار والتحديات الصعبة، كل ذلك في سبيل هدفه. وإن المسلم الحقيقي بفهم جبداً أن الدين والعقيدة أغلى من كل شيء، الوطن والمال والجاه والسلطة. وكل شيء في هذه الدنيا لا قيمة له إذا كان دين الإنسان مهدداً بالخطر والزوال. وإذا كانت قيمه وأخلاقه وحريته مهددة بالزوال والسقوط.
الإمام الخامنئي يستقبل مسؤولي البلاد و ضيوف مؤتمر الوحدة الإسلامية العالمي
في السابع عشر من ربيع الأول الذكرى العطرة لولادة الرسول الأعظم سيدنا محمد المصطفى (صلى الله عليه و آله و سلم) و حفيده الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، استقبل سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي قائد الثورة الإسلامية مسؤولي البلاد و الضيوف المشاركين في مؤتمر الوحدة الإسلامية العالمي، و سفراء البلدان الإسلامية، و حشداً من مختلف شرائح الشعب الإيراني، و ذلك في صباح يوم الثلاثاء 29/12/2015 م.
و بارك قائد الثورة الإسلامية في هذا اللقاء ذكرى ولادة رسول الإسلام العظيم (صلى الله عليه و آله و سلم) و الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، و أشار إلى انبعاث روح الحياة و المعنوية الحقيقية و إحياء العالم الميت المتقلب في الآفات بظهور الإسلام و ولادة و بعثة الرسول الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم)، معتبراً الواجب الأهم الذي يقع على العالم الإسلامي اليوم، و خصوصاً على العلماء و المستنيرين الحقيقيين، السعي الجاد و الجهادي لبث روح الإسلام الحقيقي و المعنوية في العالم الحالي الملئ بالظلم و التمييز و القسوة، مؤكداً: لقد حان الدور اليوم للعالم الإسلامي ليستخدم العلم و الأدوات العالمية و كذلك العقل و التعقل و التدبر و البصيرة لإقامة الحضارة الإسلامية الحديثة.
و أوضح آية الله العظمى السيد الخامنئي أن إحياء ذكرى ميلاد الرسول الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) شيء صغير جداً بالمقارنة إلى الواجب المتوقع من العالم الإسلامي، مضيفاً: ليس واجب العالم الإسلامي اليوم مجرد إحياء ذكرى ميلاد أو بعثة رسول الإسلام (صلى الله عليه و آله و سلم)، إنما يجب على العالم الإسلامي أن يهتم بتحقيق الحضارة الإسلامية الحديثة.
و أضاف سماحته: ليست الحضارة الإسلامية الحديثة بمعنى التطاول على البلدان و سحق حقوق الناس و فرض أخلاق و ثقافة الذات على الشعوب الأخرى نظير ما قامت به الحضارة الغربية، إنما بمعنى إهداء الفضيلة الإلهية للإنسانية، و توفير الأرضية لتشخيص المسار الصحيح من قبل الناس أنفسهم.
و أشار قائد الثورة الإسلامية إلى استخدام الغرب لعلوم العالم الإسلامي و فلسفته لإرساء دعائم حضارته، ملفتاً: هذه الحضارة مع إنها قدمت تجليات جميلة من التقنية و السرعة و السهولة و أدوات الحياة المختلفة، لكنها لم تحقق السعادة و العدالة و الهناء للبشرية، و هي تعاني من التضاد و التعارض في داخلها.
و أكد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي: الحضارة الغربية بمظاهرها و بهارجها و بريقها، هي الآن فاسدة من الناحية الأخلاقية و خاوية من الناحية المعنوية إلى درجة أن الغربيين أنفسهم يعترفون بهذا الحقيقة.
و شدّد سماحته على أنه حان الدور الآن للعالم الإسلامي لإرساء دعائم الحضارة الإسلامية الحديثة، قائلاً: للوصول إلى هذا الهدف لا أمل في ساسة العالم الإسلامي، و يجب على علماء الدين و المثقفين الحقيقيين الذين لا يكون الغرب قبلتهم، أن يعملوا على تنوير الأمة الإسلامية و أن يعلموا أن إقامة مثل هذه الحضارة أمر ممكن.
و أشار قائد الثورة الإسلامية إلى إمكانيات العالم الإسلامي و قدراته بما في ذلك الأراضي الجيدة و الموقع الجغرافي الممتاز و المصادر الطبيعية الضخمة و الطاقات البشرية الموهوبة، مردفاً: إذا امتزجت هذه الإمكانيات بالتعاليم الإسلامية الحقيقية ستستطيع الأمة الإسلامية تقديم إبداعات فنية في مجالات العلم و السياسة و التقنية و كذلك في الميادين الاجتماعية.
و عدّ قائد الثورة الإسلامية نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذجاً لإمكانية الوصول إلى هذه الأهداف الكبرى مضيفاً: كانت إيران قبل انتصار الثورة الإسلامية متخلفة من الناحية العلمية و السياسية و الاجتماعية، و معزولة من الناحية السياسية، و تابعة للآخر تماماً من حيث شؤون البلاد، لكن الشعب الإيراني اليوم استطاع ببركة الإسلام أن يعبر عن هويته و شخصيته، و قد توصل البلد إلى حالات تقدم مهمة في العلوم و التقنية و العلوم الحديثة، و هو من ضمن البلدان المعدودة المتفوقة عالمياً في هذه المجالات.
و اعتبر سماحته أن هذا النموذج ممكن التعميم على كل العالم الإسلامي مؤكداً: الوصول إلى هذه المكانة لها شرطها، و شرطها هو زوال ظل القوى الكبرى الثقيل عن الشعوب، و لهذا طبعاً تكاليفه لأن الوصول إلى الأهداف الكبرى غير ممكن من دون تكاليف.
و أكد قائد الثورة الإسلامية على أن الحضارة الإسلامية و خلافاً للحضارة الغربية لا تحاول إخضاع أي بلد بالقوة لهيمنتها، مردفاً: في التأسيس للحضارة الإسلامية الحديثة يجب أن لا تكون أعيننا مسمّرة على الغرب و يجب أن لا نهتم لابتساماتهم و عبوسهم، بل ينبغي علينا السير في الطريق الصحيح بالاعتماد على قدراتنا و إمكانياتنا.
و أوضح آية الله العظمى السيد الخامنئي أن من أدوات العدو للحيلولة دون إقامة الحضارة الإسلامية الحديثة بث التفرقة بين المسلمين، قائلاً: منذ أن طرحت قضية الشيعة و السنة في أدبيات الساسة و المسؤولين الأمريكان، شعر أهل الفهم و الرأي بالقلق إذ اتضح أنهم يسعون لمؤامرة جديدة و أخطر من السابق.
و أكد سماحته على أن الأمريكيين يعارضون أصل الإسلام و يجب عدم الانخداع بتصريحاتهم في دعم بعض الفرق، ملفتاً: تصريحات رئيس جمهورية أمريكا السابق بعد حادثة الحادي عشر من أيلول حيث تكلم عن حرب صليبية تدل في الواقع على حرب العالم الاستكباري ضد الإسلام.
و اعتبر قائد الثورة الإسلامية أن تصريحات الساسة الأمريكان الحاليين حول تأييد الإسلام هي بخلاف الحقيقة و دليل نفاقهم، مضيفاً: الساسة الأمريكان الحاليون يعارضون أصل الإسلام، و بخلاف التصريحات التي يدلون بها، يحاولون بث الخلافات بين المسلمين، و مثال ذلك إيجاد الفرق الإرهابية مثل داعش و الفرق الأخرى التي ظهرت بأموال التابعين لأمريكا و مساعداتهم السياسية، و التي أرتكبت الفجائع الراهنة في العالم الإسلامي.
و أكد آية الله العظمى السيد الخامنئي على كذب تصريحات الساسة الأمريكان بشأن تأييدهم للسنة و معارضتهم للشيعة مردفاً: ألم يكن أهالي غزة الذين تعرضوا لكل تلك الهجمات سنة، أو أليس أهالي الضفة الغربية الذين يتعرضون لكل هذه الضغوط بسنة؟
و ألمح سماحته إلى تصريحات أحد الساسة الأمريكيين بأن عدو أمريكا هو النزعة الإسلامية مؤكداً: بالنسبة للأمريكان لا فرق بين الشيعة و السنة، فهم يعارضون أي مسلم يريد الحياة على أساس الأحكام و القوانين الإسلامية و الجهاد من أجل تلك الحياة.
و أوضح قائد الثورة الإسلامية أن مشكلة الأمريكان الأصلية مع المسلمين هي الالتزام و التقيد بأحكام الإسلام و دساتيره و السعي لتأسيس حضارة إسلامية ملفتاً: لهذا السبب عندما انطلقت الصحوة الإسلامية شعروا بالقلق و الاضطراب و حاولوا احتواءها و قد نجحوا في بعض البلدان، لكن الصحوة الإسلامية ليست مما يموت و ينتهي، و ستصل لأهدافها بلطف من الله.
و اعتبر آية الله العظمى السيد الخامنئي أن الهدف الأصلي لجبهة الاستكبار إشعال حرب داخلية بين المسلمين و القضاء على البنى التحتية للبلدان الإسلامية مثل سورية و اليمن و ليبيا، قائلاً: ينبغي عدم الصمت و الاستسلام حيال هذه المؤامرة، بل يجب الوقوف بوجهها ببصيرة و استقامة.
و انتقد سماحته صمت العالم الإسلامي حيال استمرار الضغوط على المسلمين في البحرين و كذلك إزاء قرابة سنة من القصف المستمر لليمن، و أوضاع سورية و العراق، و أشار إلى الأحداث الأخيرة في نيجيريا قائلاً: لماذا ينبغي ارتكاب مثل هذه الفاجعة ضد شيخ مصلح تقريبي متدين مؤمن فيقتل نحو ألف شخص و يستشهد أبناؤه و يبقى العالم الإسلامي ساكتاً؟
و أكد قائد الثورة الإسلامية: أهداف أعداء الإسلام خطيرة جداً و واجب الجميع البصيرة و الصحوة، و واجب علماء الإسلام و المثقفين الحقيقيين أن يتحدثوا مع الناس و الساسة ذوي الضمائر الحية و يبينوا لهم الحقائق.
و لفت آية الله العظمى السيد الخامنئي: عندما يخطط عالم المال و القوة بكل قدراته مخططات خطيرة للعالم الإسلامي لن يكون من حق أحد أن يخلد إلى النوم و لا يتنبه للواقع.
قبيل كلمة قائد الثورة الإسلامية، تحدث في هذا اللقاء رئيس جمهورية إيران الإسلامية الشيخ حسن روحاني فبارك ذكرى ميلاد الرسول الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) و حفيده الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) معتبراً رسول الإسلام أسوة الأخلاق و العفاف، و أضاف قائلاً: سيدنا محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) أهدى العالم درس الوحدة و الاتحاد و الأخوة.
و قال رئيس الجمهورية الإسلامية إننا نحتاج اليوم أكثر من أي وقت آخر للسير على خطى رسول الإسلام الكريم، مردفاً: بوحدة الشعب و بتوجيه قائدنا الجليل انتصرنا على القوى العالمية و طريق هذا الانتصار سيستمر.
و أشار الدكتور حسن روحاني إلى قرب موعد انتخاباتي مجلس خبراء القيادة و مجلس الشورى الإسلامي، معتبراً هذه الانتخابات اختباراً لعظمة البلاد العالمية، و تابع يقول: على الجميع أن يفكروا بانتصار النظام الإسلامي و البلاد في هذه الانتخابات.
و ألمح الشيخ روحاني إلى الملحمة التي خلقها الإيرانيون في التاسع من دي سنة 1388 هـ ش [30 كانون الأول 2009 م] مؤكداً: التاسع من دي يوم دفاع الشعب الإيراني عن آل بيت الرسالة و النظام الإسلامي و القانون و ولاية الفقيه و الولي الفقيه.
و قال رئيس الجمهورية: تم تأمين أمن الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم في ظل برامج و تدابير قائد الثورة المبجل، و شكْر هذه النعمة ممكن بمزيد من الوحدة و بمساعدة العالم الإسلامي لإنقاذ البلدان من الإرهاب و تدخل الأجانب.
و أوضح الشيخ روحاني أن الأعداء يوقعون بين العالم الإسلامي، قائلاً: لو اجتمعت البلدان الإسلامية الكبرى و فكرت بقضايا عامة المسلمين فسوف تحل مشكلات المنطقة بسهولة.
و أشار روحاني إلى أن بعض البلدان الإسلامية بدل التعامل و التواصل الثقافي و الاقتصادي فيما بينها تتعامل مع القوى خارج المنطقة، مردفاً: من المؤسف أن ينزعج بلد من انتصار شعب على الساحة السياسية، و يسلم الأرصدة السياسية للعالم الإسلامي بثمن بخس للقوى الأجنبية.
و أضاف رئيس الجمهورية الإسلامية: البلد الذي كان له أكبر الدور في خفض أسعار النفط ينظم ميزانية بلاده للسنة المقبلة بعجز قيمته مائة مليار دولار، و هذا يدل على أن من يحفر بئراً للآخرين سيسقط هو فيها أولاً.
في الختام هذه المراسم التقى عدد من ضيوف مؤتمر الوحدة الإسلامية العالمي عن قرب مع قائد الثورة الإسلامية.
كاتب يروي زيارة سماحة قائد الثورة الإسلامية لعائلة الشهيد الآشوري «روبرت لازار»
«يا حاجّة! أنا مدين لك باعتذار.. الشخص الذي من المقرر أن يتفضل بالمجئ بعد دقائق إلى منزلكم هو السيد الخامنئي...» ما اكتملت العبارة حتى كانت دموع الوالدة جارية على خدّيها. لكن الأخوين يطلبان فرصة إضافية ليصدّقا ما سمعا، فرصة لا تتعدى الثواني. و تخنق العبرات آلفرد و آلبرت مع أول كلمات يلهجون بها...
لا نتعجّب لتعجّبهم، تعجبهم بنفس درجة تعجبنا عندما دخلنا المنزل المسيحي و وجدنا على الجدار صورتين فقط، إحداهما للشهيد روبرت لازار و الثانية تجمع الإمام الخميني و السيد الخامنئي، صورتين قديمتين.
الساعة السادسة و النصف مساء. ليس في المنزل سوى والدة الشهيد و أخويه. الكنّات و الأحفاد ذهبوا للكنيسة لإحياء مراسم ليلة ولادة السيد المسيح عليه السلام. الوالدة كانت قبل دقائق تصرّ دائماً على أن نتناول من الفاكهة و الحلويات و المكرّزات الخاصة بليلة عيدهم، و ها قد زاد إصرارها الآن. أطمئنها بكلمة واحدة: «انتظري حتى يأتي السيد و يخرج، و سنفرغ لكِ الطاولة بأكملها». تبتسم و تجلس على الكنبة إلى جوار شجرة صنوبر صناعية صغيرة. البيت صغير جداً و الأمّ قلقة من زيارة على مسؤول في البلاد لهذا البيت الصغير. لكن المشرفين على الزيارة يحاولون طمأنتها بعدم أهمية هذا الشيء. طلبوا منها السماح لهم بتغيير أماكن الكنبات و طاولة الطعام ليتسع المكان بضعة أمتار. يجلس أخوا الشهيد إلى جوار أمّهم.
يفتح آلفرد باب الحديث: «سنة 75 [1996 م] كنتُ قادماً من كاشان إلى طهران فوقع لي حادث مروري. أخذوا وثائقي إلى مدينة قم. ذهبتُ إلى قم فقالوا إن الضابط المسؤول ذهب إلى مسجد جمكران. كان الوقت شهر رمضان. كان أمامي سبيلان. إما أن أترك و أعود إلى طهران و أرجع بعد أيام، أو أذهب إلى جمكران. قلتُ مع نفسي قطعتَ هذا الطريق مرات و مرات كل هذه المدة و لم تذهب إلى جمكران و لا مرة. كانت ليلة الأربعاء و شهر رمضان، و مسجد جمكران يضج بالزوار. قلت: يا صاحب الزمان! إإتني بنبأ عن أخي هل هو حيّ أم شهيد. لم أكن أعرف صاحب الزمان، لكني وجدت الناس كلهم يدعون و يصلون فآنس فؤادي أن أدعُ لأخي المفقود في الجبهة منذ أعوام. و جاءني في تلك اللحظات شخصٌ يوزّع جفاناً من «الآش». و ناولني شخص قطعة من الخبز. باختصار انتهى شغلي مع الضابط و رجعتُ إلى طهران. يوم الأربعاء كنتُ في طهران. أخبرونا يوم الخميس من معراج أن أخي قد عاد، و سيشيّع غداً مع 1000 شهيد آخر. غداً كان يوم القدس. والدتي لم تكن تعلم بأيّ شيء. وقع في قلبها شيء. ذهبت لصلاة الجمعة لتشييع الشهداء. كان الزحام عظيماً يومها. ما من تشييع حصل بهذه الحشود. كثير من أبناء حارتنا المسلمين حضروا تشييع جنازة أخي. تجمّعوا في كنيسة مارغيوغيز و راحوا يلطمون الصدور و يردّدون: سيدنا عيسي المسيح صاحب العزاء اليوم.
تقدم أحد المسؤولين و قال: «يا حاجّة! أتذكرين في سنة 86 [2007 م] قلتِ إنكِ تريدين زيارة القائد؟ سيحضر السيد الآن لمنزلكم...». الوالدة كأنها ذاهلة عن ما يدور من حديث، و لا تتعجب حتى من عبارة «الحاجّة». إنها في عالمها الخاص. تقول: «قلتُ للجميع ليتَ السيد يأتي لزيارتنا أو نذهب لزيارته». يذهب آلفرد و يأتي بصحيفة قديمة. «صحيفة همشهري، المنطقة 11 بطهران، 12 دي 86 [2 کانون الثاني 2008 م]». فيها لقاء بنصف صفحة مع والدة الشهيد، و كتبوا في مناشيت «الوالدة في لقاءاتها المتعددة مع مسؤولي مؤسسة الشهداء طلبت منهم أن يوفروا فرصة للقاء القائد، لكنها بقيت دون جواب. يودّ قلبها أن ترى القائد و تتوقع تحقيق هذا الأمل».
تجاوزت الساعة السابعة مساء. تمسك الوالدة بزمام الحديث: «عندما ذهبتُ في قوافل السائرين إلى النور، لم أذهب لمكان استشهاد ولدي، كان بعيداً جداً. و ما الفرق؟ كل الشهداء أولادي. دفنّا ولدي في مقبرة الأقليات الدينية على طريق ساوة. أزوره دوماً. كنت هناك قبل يومين. و سنذهب في عيد الفصح أيضاً. و في عشرة الفجر أيضاً نذهب يوماً لمسح الغبار عن قبره...».
في هذه الأثناء وصل قائد الثورة. ذهبت الوالدة لاستقباله. يتقدم الأخوان و يسلمان بأدب. تقول الوالدة: «تحية لك.. تحية لكل شعب إيران». يقول القائد: «حفظك الله». تجيب الوالدة: «في ظلكم». و يدعو السيد: «حشر الله ابنكم مع أوليائه». يجلس الجميع و تقول الأم: «امتلأ كوخي الصغير. فرحتُ كثيراً لأنك تفضلت بالمجئ...» اختناقها بالعبرات لا يسمح بإتمام الكلمات. تتريث لحظات و تتابع: «قلتُ للجميع إن القائد هو لي أنا أيضاً. و هل هو للمسلمين فقط؟ إنه لكل الشعب».
يعتذر قائد الثورة لإنه وصل متأخراً و يبدي فرحته لهذا اللقاء في ليلة عيد الآشوريين. يسأل عن الشهيد كالعادة. يجيب آلفرد: «بقيتْ أيام قليلة على انتهاء خدمته العسكرية. لكنه لم يرض بالعودة. استشهد بعد قبول إيران بالقرار. قيل في البداية إنه وقع أسيراً. بعد ذلك عندما ذهبنا إلى رفيقه في القتال قال إنه كان خلف الرشاش إلى آخر لحظة. ألححنا عليه أن ينسحب إلى الوراء فلم يفعل. إلى أن سقطت قذيفة على خندقنا فجرح. وقعنا في الأسر. قالوا: أين الباقين؟ فقلنا لم يبق أحد. ضربوني بعقب البندقية على رأسي فغبت عن الوعي. عدتُ إلى الوعي في بعقوبة. سألتُ هل جئتم بأحد معي؟ فقالوا لا». و كانت هذه بداية قصة ثمانية أعوام من جهل أمّ مصير ابنها ذي الـ 22 ربيعاً.
يقول السيد إن هؤلاء مفاخرنا، لا لعائلة الشهيد فحسب بل لكل البلاد. يشير إلى أمن البلاد الذي هو ثمرة هذا الجهاد. ثم يشير للأمّ و يقول: «هذا ما يعلمه الجميع، لكن النقطة المهمة هي أن خلف هذا الجهاد هناك جهاد هذه السيدة. هذه المعنويات قيمة جداً. بعض الأحيان يبدي أحدهم جزعاً و ثبوراً بحيث يمنع الباقين من مواصلة الطريق، لكن رضا الأم و الأب و صبرهما يخلق هذه الأجواء. أين ما ذهبت من عوائل الشهداء وجدت الأمهات في الغالب بمعنويات أرفع من الآباء. نحن الرجال لا نستطيع أن ندرك مشاعر الأمهات. الرجال أيضاً يحبون أبناءهم لكن الأمهات يختلفن». يؤيد آلفرد كلام القائد: «ذهبتُ إلى معراج، و حين شاهدتُ الجثمان عرفته. كان أخي ضخم القوام جداً. عرفته من عظامه. و لكن قالوا يجب أن تأتي أمه لتؤيّد هويته». تخرج الأم من ذكرياتها: «ولدي كان بطلاً».
يعود القائد ليمسك زمام الكلام: «الأقلية المسيحية، سواء الأرمنيون منهم أو الآشوريون، خرجوا من اختبار الثورة و الحرب مرفوعي الرأس، كإيرانيين أوفياء عقلاء شجعان و أصحاب بصيرة». تقول الأمّ و قد راحت تخرج من ذهول بداية اللقاء: «في كرمانشاه أقاموا مؤتمراً صحفياً. قلتُ إنني لا أجيد التحدث بالفارسية، فقالوا لا عليك. تحدثتُ أفضل من الجميع. قلتُ نحن المسلمين و المسيحيين يجب أن نضع يداً بيد و نبني إيران. قلتُ أعطوني سلاحاً لأذهب و أقاتل». نظر السيد و قال: «لو أعطوها لذهبتْ حقاً! معنوياتها عالية جداً...» ضحكة الحاضرين تذيب جليد اللقاء. تواصل الأم: «كنتُ أسأل الله أن أرى في يوم من الأيام صداماً و هو ...» عطفها لم يسمح لها بإتمام الجملة. تريّثت لحظات و تابعت بصوت يحبسه البكاء: «رأيته و ارتحت». تمانِع سقوط الدمع و تواصل: «لأننا لم نكن أهل حرب، جاءوا و فعلوا ما فعلوا...» يؤيد القائد كلام الوالدة: «الآخرون أيضاً هكذا، غير مستعدين لتحمّل استقلالنا».
تحدث الأم ولدها بشيء باللغة الآشورية و يسأل آلفرد القائد بتردّد: «هل تأكل الكعك المنزلي؟» تتفتح أسارير الوالدة حين يجيب السيد بالإيجاب. واضح أنها هي التي أعدّت الكعك. تقول للقائد بفرح: «أقول أعطوني عملاً و شغلاً لأخدم بلادي». يقول السيد بوجه منبسط: «كلامك هذا نفسه عمل كبير. كان التبيين من أعمال الأنبياء. الكثير من الناس يسيرون في الطريق الخطأ لأنهم لا يعلمون. لو كان هناك بيان و إيضاح لاتضح الطريق. نفس هذه السمة لدى هذه السيدة و تحدّثها بهذا الكلام عمل كبير. لقد قامت السيدات في الحرب بأعمال كبيرة. ذهبن للجبهات، و مرّضن الجرحي، لكن البيان أهمّ من كل شيء. نفس كلامك هذا سواء في الكنيسة أو خارج الكنيسة، و إبداء هذه المعنويات عمل مهم جداً. أطال الله عمرك و حفظك على هذه المعنويات».
يتناول القائد قطعة من الكعك و يقول لمن حوله: «كعك لذيذ جداً، ألا تأكلون؟» تقول الأم و ولداها: «هنيئاً مريئاً».. يسير صحن الكعك نحو الحاضرين و لا يعود. تقول الأم: «يجب أن تأكل الفاكهة أيضاً، و المكرّزات أيضاً». ثم تقول بخجل: «بيتي صغير...» لا يسمح السيد بمواصلة خجلها: «القلب يجب أن يكون كبيراً. عندما يكون للإنسان هدفه، فسيكون كل مكان حسناً. يقول الشاعر: أنا مبتهج الفؤاد أين ما تكون معي / حتى لو كان منزلي في قعر بئر».
يعطون القائد صحيفة اللقاء مع الوالدة. يلقي نظرة و يقول: ما هو تاريخها؟ حين يسمع إنها تعود لسنة 86 [2008 م] يقول بحسرة: «قديمة جداً؟ ليتنا جئنا قبل هذا. ليتكم جئتم أو جئتُ أنا».
يفضي الكلام إلى وضع المسيحيين في إيران. يقول آلفرد: بعد الثورة أصبح موضوع الدين أوضح، و الآن حتى أسقف الآشوريين إيراني، بينما كان يأتي في السابق من العراق. و أسقف الأرمنيين يأتي من لبنان. يتذكر قائد الثورة أسقف الأرمنيين الفقيد آراك مانوكيان الذي صاحب الإمام الخميني (رحمه الله) منذ بداية الثورة. ثم يتحدث قليلاً عن الآشوريين الذين يعتقد أنهم أقدم المسيحيين بعد مسيحيي فلسطين (مسقط رأس النبي عيسى عليه السلام). يسترسل الكلام إلى اللغة الآشورية و قربها من العربية و العبرية و حتى الفارسية. ينحّي آلفرد الفاكهة و المكرّزات جانباً و يشير إلى قماش مطرز على الطاولة كتب عليه باللغة الآرامية: «ايدوخون هو بريخا» و يقول: معناها «عيدكم مبارك». يعتبر السيد هذا شبهاً لغوياً، فـ «ايدوخون» قريبة من كلمة «عيد»، و «بريخا» شبيهة بكلمة «بركة».
حان وقت الوداع، و قدّم قائد الثورة هدية لوالدة الشهيد و قال: «عيدكم مبارك إن شاء الله. كانت ليلة طيبة». يقول الأخوان و الأمّ سوية: «كانت ليلة لا تنسى أبداً بالنسبة لنا». يقول السيد: «نحن نهدي للمسلمين قرآناً، و لو كنتُ أستطيع أن أجد إنجيلاً جيداً لجئتُ به، هذه الأناجيل الآن هي عموماً روايات و ليست كلام الوحي. طبعاً يوحنا و لوقا و بطرس و ... هم كبار المسيحية و قد استشهد بعضهم. هؤلاء نقلوا المسيحية إلى إيران و بلاد الروم و ... . و إلّا فالمسيحية ديانة شرقية. و قد كان فيهم أنبياء و نواب أنبياء. الحواريون من عظماء الدين. في الإسلام كل من ينكر عصمة السيد المسيح و السيدة مريم يخرج من الإسلام. هكذا هو احترامنا للمسيحية. و الإنجيل أيضاً مثل القرآن و التوراة نزل من السماء. لكن الأناجيل الحالية، هذه التي قرأتُها، رواية و ليست ذلك الشيء الذي نزل من السماء. لو حصلنا على ذلك الأنجيل لوضعناه على أعيننا احتراماً له».
كان آلبرت ساكتاً مطئطي الرأس طوال اللقاء تقريباً، لكنه قال عندما شاهد القائد يهمّ بالذهاب: «الدكتور أحمدي نجاد كان قد زار منزلنا. قال ماذا تحتاجون، فقلنا له سلامة القائد. مجرد مجيئكم إلى هنا يعادل عندنا الدنيا». أجابه القائد: «معنويات الوفاء هذه ثمينة جداً. البعض لهم نظرة مادية فقط، لكن هذه معنويات».
حسب الدارج طلب السيد السماح له بالذهاب. وقف و أعطى الأولاد و الأحفاد قبل خروجه هدايا تصلهم عن طريق الآباء. يقول أحد الحاضرين همساً: «شقيقة الشهيد أيضاً في أرومية»، فأعطاها القائد هدية تصلها عن طريق والدتها. ثم ودّعهم و انصرف لزيارة عائلة شهيد مسيحي آخر.
رحنا نجمع الأدوات و الوسائل، و إذا بالوالدة تتذكر وعدنا لها في البداية، فراحت توزّع الفاكهة و المكرّزات بالإجبار على المرافقين و الحاضرين. نقول لها بإصرار إن الأحفاد سيعودون الآن و تبقين من دون أسباب ضيافة، لكنها ترفض و تقول: «لو كانوا أخبروني أن السيد يريد القدوم لضحّيت بكبش أمام قدميه، فما قيمة هذه الأشياء؟»
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ
الوحدة الاسلامية: تجمع العلماء المسلمين في لبنان أنموذجاً
سُئل كيسنجر ماذا ترى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي؟ فأجاب: "حرب المئة عام بين السنة والشيعة".
لم يكن كلام وزير الخارجية الأميركي السابق يندرج في إطار التوقعات، بقدر ما هو تعبير عن السياسة الأميركية التي تعمل على عدد من بنوك الأهداف، ولا غرابة في أن يكون ضرب وحدة المسلمين في سلم أولوياتها.
ولطالما سعى النهضويون والاصلاحيون إلى تكريس مفهوم الوحدة الإسلامية من خلال احتضانهم لمؤسسات التقريب، التي يعدّ تجمع العلماء المسلمين في لبنان من أبرزها.
تجمع العلماء المسلمين
في حزيران من العام 1982 وبالتزامن مع انعقاد "مؤتمر المستضعفين" في العاصمة الايرانية طهران، أقدم العدو الصهيوني على اجتياح لبنان، وبعد تدارس الموقف لم يجد وفد لبنان المشارك في المؤتمر أفضل من وحدة المسلمين كرد لمواجهة الإحتلال، ومن هنا إنطلقت فكرة إنشاء تجمع للعلماء المسلمين في لبنان، التي حظيت برعاية شخصية من الإمام روح الله الخميني –قدس سره-.
ويشير مسؤول العلاقات العامة في تجمع العلماء المسلمين الشيخ حسين غبريس بأن هدف إنشاء التجمع كان توجيه الأمة المنتفضة من خلال المساجد والمسيرات إلى توحيد صفوفها والتعبير عن غضبها ورفضها للإحتلال.
غبريس: حالة الجهالة والعصبية الصنمية تشكل أهم تحدٍ يواجه وحدة المسلمين
وفي حديث له، يقول الشيخ غبريس إن التجمع في بدايات عمله كان يقود الساحة من خلال مباركته ودعمه للمقاومة الشعبية، وعمله على توحيد الجهود لأن العدو لم يفرق يوماً بين سني وشيعي.
وعن واقع حال المجتمعات الإسلامية، إعتبر الشيخ غبريس أن هناك العديد من التحديات التي تواجه التجمع اليوم، وأردف أن أهم الصعوبات هي "حالة الجهالة والعصبية الصنمية التي تختزل الواقع الإسلامي"، وغياب الخطاب الوحدوي عن الإعلام بما فيها الإسلامي، لأن هذا المشروع غير مقبول عند كثيرين، كون بعض المحطات تجد في الترويج للفتنة مادة دسمة، من خلال تقديم صوت نشاز يستثير العاطفة ويخدر العقل.
وتابع بأن جهود الإصلاح والوحدة يضيّعها الآخرون بمجرد موقف أو كلمة، لافتاً في الوقت عينه إلى أن للوحدة الإسلامية جمهورها أيضاً. وأضاف: "نحن نجد دائماً أبواباً مفتوحة... وقد عقد التجمع أكثر من اتفاقية ثنائية مع العديد من المؤسسات الدينية والاجتماعية والثقافية في أكثر من بلد عربي وإسلامي للتعاون في المجالات المتنوعة ولعقد المؤتمرات والندوات المشتركة".
ورداً على سؤال حول مبادرات التجمع، قال مسؤول العلاقات العامة في تجمع العلماء المسلمين بأن وفداً من التجمع قام قبل فترة بزيارة لشيخ الأزهر أحمد الطيب ولمفتي الديار المصرية الشيخ علي جمعة، وأكمل الشيخ غبريس: "حالياً ننسق مع الأزهر لعقد لقاء في مصر يضم نخبة العلماء العالم الإسلامي على اختلاف مذاهبهم، بغية وضع ميثاق ينطلق من خلاله العلماء لمنع أي صوت نشاز ممكن أن يؤثر على الوحدة الاسلامية".
وأضاف أن هناك إتفاقاً ثنائياً مع حركة نهضة العلماء في اندونيسيا، التي يفوق عدد أعضاءها 30 مليون عالم دين، وأن الحركة الاندونيسية استشعرت خطراً قد ينتج عن محاولات لتأجيج فتنة سنية-شيعية في احدى الجزر الاندونيسية، فطلبت من تجمع العلماء المسلمين في لبنان المساعدة لمعالجة الأمر.
الرفاعي: الوحدة الاسلامية ليست دعوة لإلغاء الاختلافات والقناعات
ويعلّق عضو المجلس المركزي للتجمع، الشيخ مصطفى الرفاعي، بأن فكرة تجمع العلماء المسلمين في لبنان تلاقت مع جهود النهضويين سنة وشيعة، سواء في الجمهورية الاسلامية الإيرانية التي قدمت الدعم المادي والمعنوي للتجمع في لبنان، أو مساعي إنشاء دار التقريب في القاهرة التي عملت في اطار توجيهات الشيخ حسن البنا الذي يردد "نحن معشر ينبغي أن نتعاون فيما اتفقنا عليه وان يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه".
ويروي أنه في عهد الاستعمار البريطاني إلتقى آية الله الكاشاني، أحد كبار مراجع الدين في إيران، مع الشيخ حسن البنا، فاستنفرت الاستخبارات البريطانية واعتبرت اللقاء خطيراً ويهدد كيان المستعمرة البريطانية.
وفي حديثه مع موقع المنار، أكد الرفاعي أن المسلمين اليوم أحوج من أي وقت مضى للوحدة الاسلامية، شارحاً بأن الدعوة للوحدة ليست دعوة لإلغاء القناعات والإختلافات، لأن الإختلاف مطلوب، وهو يشكل غنىً للمكتبة الاسلامية ولفهم النص الديني. وتابع: "لا ضير في الإختلافات التي يجب أن يبحث فيها أهل العلم وليدلي كل منهم بدلوه شرط أن يحترم كل منهم رأي الآخر".
البريدي: الإسلام بريء من المتطرفين السنة والسبابين الشيعة
اعتبر الشيخ إبراهيم البُريدي، عضو المجلس المركزي لتجمع العلماء المسلمين، أن التجمع حقق إنجازات على صعيد العمل التقريبي والوحدوي، وأضاف بأن أعضاء التجمع لمسوا ذلك كل ضمن بيئته.
ولفت البريدي أن ما يراد تظهيره وكأنه خلاف عقائدي بين السنة والشيعة، هو خلاف سياسي بحت، مذكراً أن إيران كانت أيضاً شيعية في عهد الشاه بهلوي يوم كانت تزود الطائرات الإسرائيلية بالقنابل، إلا أن البعض لم يكتشف ذلك إلا بعد أن أطلق الامام الخميني (قدس سره) مقولته "اليوم طهران وغداً القدس".
وتساءل من المستفيد من الشقاق والتنازع بين الأخوة في الدين غير العدو؟
وهاجم الشيخ البريدي"المتطرفين السنة والسبابين الشيعة" على حد سواء، معتبراً أن الإسلام منهما براء، وأنه لا يحق لأي كان تضليل الآخر او الإساءة إليه. وتساءل "حتى ولو خرج البعض عن الدين هل نسقط إنسانيته كإنسان؟ وأين ذلك من حديث الإمام علي (ع) الناس صنفان أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق؟"
وأردف قائلاً "للأسف، الجهات التي تنطق بالخلاف معها الاعلام والمال، نحن ندفع لنقول كلمتنا فيما يُدفع للآخرين ليقولوا كلمتهم".
المهداوي: الاختلاف بين السنة والشيعة إختلاف فقهي
من ناحيته، قال عضو المجلس المركزي للتجمع الشيخ دياب المهداوي إن إسهامات وجهود الجمهورية الإسلامية في مساعي التقريب وتوحيد صفوف المسلمين كبيرة وكثيرة، وأن إيران كانت ولازالت داعماً ومؤيداً لعمل التجمع في لبنان، مضيفاً بأنه فور انتصار الثورة الإسلامية في إيران أفتى الإمام الخميني (قدس سره) بوجوب توحد المسلمين، محولاً بالتالي ذكرى المولد النبوي التي يختلف في تاريخها السنة والشيعة إلى أعظم مناسبة للوحدة والتلاقي.
وتابع بأن فتوى الإمام الخامنئي (دام ظله) بحرمة التعرض والإساءة للصحابة وأم المؤمنين" لم تكن حديثة إلا أنّها ظُهّرت للعلن لمنع السبّ"، ومن باب توضيح وجهة نظر علماء الشيعة من الأعمال الشاذة التي يمارسها البعض باسم الدين، مشيراً للحديث النبوي الشريف: "ما بُعثت سبّاباً ولا لعّاناَ".
وشدّد المهداوي في حديثه مع موقع المنار أن لا خلاف بين السنة والشيعة بل اختلاف فقهي، تماماً كالاختلاف بين المذاهب الأربعة للطائفة السنية، لأن المسلمين يعبدون إلهاً واحداً ويجمعهم نبي وقبلة وقرآن واحد.
وأردف "نحن واعون إلى أهمية ودور الإعلام، ولهذا ندعو إلى إنشاء قناة إسلامية فضائية تمثل الحالة الاسلامية الواحدة، فتتصدى إلى فضائيات التكفير والتضليل وتعمل على تقديم الإسلام بصورته الحقيقية"، وعلى تكريس مفهوم الوحدة وردم الهوة التي يعمل على إفتعالها البعض. واعتبر الشيخ المهداوي أن المطلوب إيجاد قناة إسلامية غير محسوبة على جهة أو فئة أو حزب، بحيث تضيع هويتها الطائفية لصالح هدفها الرسالي.
أسبوع الوحدة الإسلامية تحقّقت ببركة عبقريّة الإمام الخميني الراحل

نعيش هذه الايام "أسبوع الوحدة الإسلامية" الذي كان دعا اليه الإمام الخميني لتكريس الوحدة بين المسلمين انطلاقا من تاريخَي ولادة الرسول المصطفى(ص) المشهورَين عند المسلمين السنة والشيعة وهما 12 و17 ربيع الأول ، حيث أعلن بينهما أسبوعا للوحدة الإسلاميّة ، الذي اعتبر الإمام الخامنئي قائد الثورة الاسلامية دام ظلّه العالي بأنه "إحدى الصدقات الجارية للثورة الإسلاميّة ، و التي تحقّقت ببركة عبقريّة الإمام الراحل" .
وتابع القائد الخامنئی مدّ ظلّه العالی قائلاً : "وعندما نفکّر فی الآلیات والأسالیب العملیّة لتحقیق هذا الأمل نجد أنّ شخصیة الرسول الأکرم صلى الله علیه و آله والتی تعتبر أفضل وأعظم شخصیة فی الإسلام، هذه الشخصیة الفذّة هی المحور الأساس الذی تتمحور حوله عواطف وعقائد المسلمین کافة.
و قلّما تجد مفردة من مفردات الإسلام أو حقیقة إسلامیة تکون مورد اتفاق جمیع المسلمین وقادرة على استقطابهم و تستأثر بکل عواطفهم کما هو الحال بالنسبة إلى شخصیة الرسول محمّد صلى الله علیه وآله ، نظراً لدور وتأثیر العواطف البالغ الأهمیة، بحیث إننا إذا استثنینا بعض الفرق الشاذّة التی لا تهتم بالجانب العاطفی والولاء القلبی ولا بمسألة التوسّل، فإنّ عموم المسلمین تشدّهم بالرسول صلى الله علیه وآله عواطف وأواصر حبّ قویة .
وبناءً على ذلک یمکن لهذا الوجود المبارک وهذه الشخصیة العظیمة أن تکون محور الوحدة التی نحن بصدد تحقیقها" . وتابع الإمام الخامنئی مدّ ظلّه العالی کلامه منبهاً إلى الضرورة الملحة والأکیدة للوحدة الإسلامیّة وذلک "لأنّ أعداء الإسلام الیوم یتّصفون بصفتین لم یکونوا قد توفّروا علیهما من قبل :
= الصفة الأولى : أنّهم الیوم یمتلکون أکبر قدر ممکن من عناصر القوة ، کالمال والسیاسة والإعلام، کما یمتلکون کافة وسائل وآلیات السیطرة والنفوذ والهجوم والمباغتة. وهم یشکّلون جبهة واحدة فی قبال الإسلام بدءاً بالاستکبار وعلى رأسه أمریکا والصهیونیة ومروراً بشرکات النفط العالمیة وانتهاءاً بذوی الأقلام المأجورة الّذین یعملون لصالحهم، وهم مجهّزون بمختلف الوسائل والمعدات وأحدثها . و نظرة سریعة إلى تأریخ الصراع المحتدم بین الإسلام والقوى المضادة تثبت أنّ القوى المضادة لم تکن فی یوم من الأیام مجهزة بکلّ هذه الإمکانیّات والمعدات وعناصر القوة کما هی علیه الیوم.
= الصفة الثانیة : أنّ هذه الجبهة المناوئة للإسلام حسّاسة بشدة تجاه الخطر الإسلامی الذی یهدّدها أکثر من أیّ وقت مضى. ومنشأ هذا التحسّس أنّها ترى الإسلام قد خرج عن کونه مجموعة وصایا أخلاقیة وأصبح تیاراً فکریاً له نظامه الخاصّ به .
لقد شاهد أعداء الإسلام بأمّ أعینهم أنّ الإسلام استطاع أن یحدث ثورة ویخرج الناس من مواقع الهزیمة و یرسّخ ثقتهم واعتزازهم بدینهم وأنفسهم، کما شاهد کیف استطاع الإسلام أن یؤسّس نظاماً یتمتع بالاستقرار والثبات ، و لذلک تراه یبدی حساسیة شدیدة تجاه الإسلام .
والسؤال المطروح هو : ما الّذی یخطّط له أعداء الإسلام فی الوقت الراهن ؟ وفی الرد نقول : إنّ أفضل وسیلة یمتلکها الأعداء هی بثّ الفرقة والاختلاف بین المسلمین، بالخصوص بین من له القدرة على التأثیر فی الآخرین وأن یکون مثلاً أعلى وأسوة لغیره. وهم یبذلون جهوداً حثیثة ومتواصلة فی المجال السیاسی لیحقّقوا أغراضهم الخبیثة. وأنا من موقعی هذا أرى وأعتقد بأنّ وحدة المسلمین تعدّ ضرورة حیویة ولیس شعاراً ، أقولها جاداً إنّ على المجتمعات الإسلامیة أن توحّد کلمتها وتسیر باتجاه واحد.
إنّ الاتحاد بین الشعوب الإسلامیـة لا یُلغی الاختلاف الموجود ولا الفروق الموجودة فی الآداب والتقالید المتبعة فی المجتمعات الإسلامیة، کما أنّه لا یلغی الاختلافات الموجودة فی الاجتهادات الفقهیة . ومعنى أن تتحد الشعوب المسلمة هو أن تتخذ موقفاً موحداً فیما یخصّ مجریات ومسائل العالم الإسلامی، وأن تتعاون فیما بینها، ولا تهدر ثرواتها فی فتن وصراعات داخلیة. ومن هذا المنطلق یمکن أن نعتبر شخصیة الرسول الأعظم المحور الأساس للوحدة، ولذا ینبغی على المسلمین خاصة مثقّفیهم أن یتمحوروا حول شخصیة وتعالیم هذا الرمز الکبیر والحبّ والولاء له .
الشيخ ماهر حمود : رسالة القائد تذكرنا برسائل رسول الله لباقي الامم ليدعوهم الى الاسلام الحقيقي
الارهاب التكفيري الذي لم يعد يستثني احدا في هذا العالم، والمؤسف انه ضمن خطة محكمة لتشويه صورة الاسلام الاصيل، اسلام الرحمة والحوار والانسانية، ولان الاستعمار والاستكبار العالمي توحد على هدم الاسلام ونبذ المسلمين . وقد طال الارهاب التكفيري الدول الغربية لتحشيد الرأي العام العالمي ضد الاسلام والمسلمين .
في هذه الظروف تدخل ولي أمر المسلمين نظرا لخطورة الموقف والمرحلة ، وتوجه بخطاب اسلامي انساني الى شباب الغرب يحاكي فيها الوجدان الانساني ويعرفهم على حقيقة الدين المستهدف.
وكالة أنباء التقريب "تنا" سألت رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المقاومة سماحة الشيخ ماهر حمود، عن رؤيته للرسالة وأهميتها وأبعادها حيث قال، ان الرسالة التي وجهها القائد الامام خامنئي حفظه المولى للشباب، رسالة تاريخية ينبغي ان تؤخذ بعين الاعتبار، هي اولا تذكر برسائل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الملوك والامراء يدعوهم الى الاسلام حيث لم يكن يستطيع الوصول اليهم فخاطبهم من خلال الرسائل، ولقد جاءت هذه الرسالة في وقتها حيث تزداد الممارسات التي تشوه الاسلام، منها ما تصنعه حركات اسلامية مزعومة (بغض النظر عمن يدعمها)، ومنها ما يأتي من بعض التضخيم الاعلامي والاستثمار السياسي الذي تقوم به جهات غربية يهمها ان تشوه الاسلام حتى لا يشكل الاسلام مادة لتوحيد المسلمين وايقاظهم ودفعهم الى الامام.
ولفت الشيخ حمود ان توجيه هذه الرسالة من سماحة القائد دليل على انه يثق بالمستقبل ويثق بأن الاجيال القادمة ستكتشف الاحابيل والخدع التي تقوم بها حكومات غربية واجهزة امن ووسائل اعلام تستبيح كل المحرمات وكل انواع الكذب من اجل تشويه الاسلام، هذه الثقة بالشباب او بالاحرى هذا الامل المعقود على الشباب يؤكد جدية القيادة واصرارها على الوصول الى الاهداف الاسلامية الكبرى، ويزيد هذا الخطاب اهميةً انه توجه الى الشباب بروح ابوية وقام بدور الأب الحنون الرؤوف الذي يشفق على هؤلاء الشباب ويهمه ان يخرجهم من جهلهم والضياع الى الطريق المستقيم الذي رسمه الله للانسان.
وتابع رئيس الاتحاد، ان كافة رسائل وخطابات الامام الخامنئي تُشعرنا بهمه العميق ودقته في اختيار الالفاظ وثقته بالاسلام وبالانجازات التي تحققت في ايران خلال العقود المنصرمة، وهي انجازات تمت تحت راية الاسلام، فلماذا لا تعمم هذه التجربة وينتبه الجمهور وخاصة الشباب منهم الى هذه الانجازات بدلا عن ان يكوّنوا صورة مشهوة عن الاسلام من خلال رؤيتهم المستمرة واستماعهم الدائم للسلبيات التي يقوم بها اسلاميون مزعومون كتبوا الكتاب بأيديهم وقالوا هو من عند الله.
وختم سماحته، نزداد ثقة بهذه القيادة يوم بعد يوم، عسى ان نرى قريبا انجازات كبيرة اخرى على طريق فلسطين او على طريق وحدة الامة ومواجهة الاستكبار، كما على صعيد الصناعة والاستغناء عن الغرب... كل من سار على الدرب وصل.
الشيخ عبد العليم موسى :آية الله الخامنئي قدّم تصوراً واقعيا ً لحقيقة ما يجري في الغرب
أجرى موقع " مشرق " الاعلامي ، حواراً مع فضيلة الشيخ عبد العليم موسى امام الجماعة بـ " مسجد الاسلام " و زعيم حركة " السابقون " التي تتخذ من واشنطن مقراً لها ، حاول من خلاله تسليط الضوء على رسالة الامام الخامنئي الثانية الى الشباب في الغرب . و نظراً لأهمية الحوار نشير فيما يلي الى أبرز ما جاء فيه :
يرى الشيخ عبد العليم موسى ان احد ابرز معالم رسالة سماحة القائد يكمن في دعوة الشباب الى ضرورة البحث و التحقيق حول حقيقة الاحداث و التطورات التي تدور من حولهم و في العالم ، و الامتناع عن تصديق كل ما يسمعونه .
و أوضح فضيلته : أن قادة الدول الأخرى ، و في محاولة للهيمنة و التحكم بأذهان العامة ، يحاولون في كل مرة تكرار الكليشة التي اعتادوا عليها دون ادنى تغيير يذكر ، بيد أن قائد الثورة الاسلامية في ايران يحاول أن يقدّم تصوراً واقعياً ازاء حقيقة ما يجري ، و لهذا ينبغي لنا جميعاً لفت الانظار الى أهمية هذا التصور و واقعيته .
و أشار امام جماعة " مسجد الاسلام " بواشنطن ، الى أن رسالة آية الله الخامنئي الاولى ذات مضامين توعوية قيمة للغاية ، إذ قلما تجد زعيماً اسلامياً بارزاً و مرموقاً يكتب رسالة و يوجّهها الى الشباب في الغرب . و لهذا تعتبر هذه الرسالة خطوة هامة نحو الامام .. خطوة هامة تطالب الشباب الغربي بامتلاك رؤية مستقلة ازاء الاسلام و المسلمين ، و محاولة البحث و التحقيق شخصياً في الوقائع و الاحداث في الماضي و الحاضر .
و يؤمن عبد العليم موسى ، بأن رسالة سماحة القائد بادرة طيبة و تستحق التقدير ، موضحاً : لقد كنت في ايران قبل فترة و شاركت في اجتماع تحدث فيه آية الله الخامنئي . و استطيع القول بكل جرأة أن سماحة القائد عندما يتحدث عن اميركا يدرك تماماً ما الذي يجري في هذا البلد . فأنا اعيش في اميركا و ألمس عن كثب ما يجري هناك ، و لهذا عندما يتحدث القائد عن اميركا ، فهو يعلم جيداً ما الذي يجري في هذا البلد . كما انه يدرك تماماً ما يحدث في العالم الاسلامي . و في ضوء كل ذلك فان فحوى هذه الرسالة و مضامينها مستمدة من صلب الواقع و يتحمل القائد مسؤولية الوقوف عندها و لفت الانظار اليها .
و يشير زعيم حركة " السابقون " التي تتخذ من كاليفورنيا و واشنطن مقراً لها ، الى أن الرسالة الاولى لآية الله الخامنئي تم توزيعها على نطاق واسع في اميركا و لاقت اصداء جيدة لدى المحافل الاجتماعية و الثقافية . مضيفاً : أما بالنسبة للرسالة الثانية ، فأن ثمة جهود مكثفة تقوم بها الحركة و كل الذين يناصرون الحقيقة و يهتمون بها ، للتعريف بالمواضيع و المحاور التي حاولت الرسالة تسليط الضوء عليها ، و ذلك عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي و العالم المجازي ، التي تعتبر وسيلة فاعلة و مؤثرة و قليلة التكلفة . بل و أكثر من ذلك يحاول شبابنا توزيع نص الرسالة في اوساط المصلين خلال صلاة الجمعة التي تقام في المدن الكبرى ، اضافة الى الاجواء الجامعية و المراكز الثقافية .
و تابع الشيخ عبد العليم موسى : لدينا في اميركا ما يعرف بـ " الملتقى الاسلامي " و هو في غاية الانسجام ، و ان بوسعه القيام بهذا العمل على افضل نحو . و يتمتع الملتقى بحضور ملفت في معظم المدن الاميركية الهامة بدءً من دالاس و سياتل و انتهاءً بواشنطن و نيويورك . و مما يذكر أن الملتقى يضمّ فريقاً منسجماً من علماء الاسلام من اتباع أهل البيت (عليهم السلام ) ، و ممن يؤمنون بولاية الفقيه . و ان الغالبية من هؤلاء العلماء هم من باكستان ممن يناصرون الجمهورية الاسلامية في ايران بقوة .
و يلفت فضيلته : في السابق كان السعوديون يسيطرون على جميع المساجد في اميركا ، غير أن الأمر اختلف اليوم حيث أن وجود اتباع أهل البيت (عليهم السلام ) و محبيهم بات طاغياً على هذه المراكز الدينية في جميع المدن الاميركية الكبرى . و أن الجميع لا يتوانى عن تقديم كل ما في وسعه لخدمة الاسلام و التعريف بنهج و سيرة أهل البيت ( عليهم السلام ) .
و حول رؤيته الى السبل الكفيلة بتوعية الشباب الغربي و لفت انظاره الى حقيقة ما يجري من حوله ، يقول عبد العليم موسى : الشباب في اميركا مخدوع بما يروج له الاعلام الغربي ، و ليس لديه أدنى رغبة في التحري عن حقيقة ما يجري . و مما يؤسف له أن التوجهات التافهة و اللاهية تشكل كل اهتماماتهم .. أنهم يمضون معظم اوقاتهم على مواقع الانترنت و الهواتف النقالة . و لعل هذا ما يدعونا الى التفكير جدياً بالسبل الكفيلة بالاهتمام بالاعلام الرقمي و صفحات الفيس بوك و محاولة اثرائها بموضوعات مشوقة ذات مضامين جذّابة تستهوي الشباب . . أننا بأمس الحاجة للالتفات الى وسائل الاعلام الرقمية و مواقع التواصل الاجتماعي ، و محاولة الاستحواذ على اهتمامات الشباب عن هذا الطريق ، و بالتالي انتشاله من التفاهة و الضحالة الغارقين فيها .
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّـهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ
الهجرة في سبيل الله، سُنَّة تاريخية وعقيدة دينية
قال تعالى: ﴿وَ مَنْ يُهاجِرْ في سَبيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثيراً وَ سَعَةً وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحيماً﴾ [1]. وقال تعالى: ﴿الّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [2]
% % %
تمربنا في هذه الأيام مناسبة دينية عظيمة ،ألا وهي الهجرة النبوية الشريفة ،ولا شك انها تمثل مرحلة مهمة من مراحل التکاملی للاسلام والمسلمين خاصة في ما يتعلق بحياة الدولة الإسلامية، فلا بُدَّ من إغتنام هذه المناسبة لنتعرف على أسبابها ومعطياتها لنأخذ الدروس والعبر منها لحاضرنا ومستقبلنا ، ذلك لأن الله لم يشرع أو يأمر بشي لينتهي بإنتهاء وقته ، فسبحانه وتعالي يسوق إلينا الأمور لنقف عندها ، ونتدبر في أسرارها ومعانيها، فمن الضروري أن نستفيد من كل الجوانب العطرة في السيرة النبوية الشريفة ومنها هجرته المبارکة من موطنه المحبَّبة مکة المکرمة إلی يثرب القديمة التی تشرفت بقدومه فاشتهرت بالمدينة المنورة .
وباسترجاع المسلم لأحداث الهجرة يجد الكثير من الدروس والعبر التى تبرزها السيرة النبوية العطرة، ونحن عند احتفالنا بهذه المناسبة ، لانقف عند وقائعها وأحداثها التي تبدو أنها قد استهلكت وتكررت كثيراً ، وجميعنا يعرفها ، ولكننا لنقف عندها ، ونتدبرها ونتعرف علی معانيها وأسرارها ، ، وأهم ما يمكن تطبيقه في حياتنا من أجل رفعة شأن امتنا الإسلامية .
إن المتأمِّل في حياة النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم يجد الکثير من الدروس والعِبَر، ولو أخذت الأمة الإسلامية من هذا المَعِين الذي لا يَنفَدُ،واقتدت به واتبعت سنته وعملت بشريعته لحلت مشاكلها.
معنی ومفهوم الهجرة
کلمة الهجرة ،وکذلک کلمات مثل الجهاد، الشهادة،وغيرها من الکلمات الدينية ، مصطلحات مقدسة في كل الاديان وعند جميع البشر،وقد عمل و تحلَّی بها بعض الناس علی مرِّ العصور للدفاع عن وطنهم أودينهم الذي فيه كرامتهم وعزّهم ، فالحديث عن هذه الكلمات الدينية يتشوَّق إليه الجميع، وهي من الأمور التي جديرة بأن يُبحث عنها في كل زمان ومكان خاصة في المناسبات الإسلامية، لأنَّ الإسلام دوماً يحتاج إلی من يهاجر ويجاهد ويستشهد لأجله لكي يبقی هو الدين القيم الذي يهتدي به الناس.
والهجرة بالمعنی اللغوي هي: ترك شي إلى آخر، أو الانتقال من حال إلى حال، أو من بلد إلى بلد. والهجرة بمعناها الاصطلاحي تعني الانتقال من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، أو من بلاد الإسلام المزيف والمحرَّف الذي لا يمکن للمسلم أن يعيش فيه حرّاً في عبادته ونشاطه الإجتماعي أو السياسي .
والهجرة من بلد لا يحكمه الدين إلى بلد تحكمه شريعة الأنبياء والمرسلين تصبح واجبة على المسلمين إذا خشوا أن يفتنهم الذين كفروا في دينهم وعقيدتهم، لأن هدف المسلم في الحياة أن يعيش في مجتمع يساعده على طاعة الله والالتزام بأوامره وأحكامه، أو على الأقل لا يحارب بعقيدته، لأن الفتنة في الدين هي الفتنة الكبرى.
اذن الهجرة هوترك الوطن(ولوکان وطناً اسلامياً) لحفظ الايمان ونموه والوصول الی الهدف المقدس المنشود،[3] فهي أمر مطلوب وممدوح من قبل الشارع، بل تجب إحياناً بأمر من الله أو رسوله ، وعلى هذا، يمكن أن يأخذ المسلمون بمعاني الهجرة في زماننا هذا، بل إن الأخذ بها ضرورة حياتية، لأن الهجرة لم تكن انتقالاً مادياً من بلد إلى آخر فحسب، ولكنها كانت انتقالاً معنوياً من حال إلى حال.
والهجرة لا تعني الانقطاعَ عن الوطن كما يظن كثير من الناس، بل هي تحمل في طياتها الحبَّ الكامل للوطن؛ وذلك إذا كانت الهجرة أهدافُها نبيلة، ومن أجل تحقيق مصلحة أعلى، وهي إقامة دين الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا، حتى يحيا الوطن بنور الله، فالمهاجرُ يترك الوطن بجسده وقلبُه معلَّقٌ بوطنه، فهو دائم التفكير في كيفية الرجوع إلى هذا الوطن؛ حتى يقدِّمَ له الخبراتِ التي اكتسبها في هجرته، وهذا المعنى الحقيقي للهجرة أعلنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يترك مكة تركًا مؤقتًا؛ حيث نظر إليها وقال: «والله إنك لخيرُ أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرِجت منك ما خَرَجتُ» رواه الترمذي. ثم يعود النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابُه في فتح مكة إلى وطنه الذي أحبه؛ ليسأل الذين أخرَجوه من وطنه الحبيب مكة: «ما ترون أني صانع بكم؟»، قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: «اذهبوا، فأنتم الطلقاء». أخرجه البيهقي.
وهناک معنی آخرللهجرة يمکن أن يطلق عليه بالهجرة الشعورية فتعني الانتقال بالنفسية السيئة إلی النفسية الطيبة أي: الإنتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى بحيث تعتبر المرحلة الثانية أفضل من الأولى کالذي يهجر السيئات کما جاء في الروايات أنَّ المهاجر من هجر السيئات، وكالانتقال من حالة التفرقة إلى حالة الوحدة، أو كالانتقال من مرحلة الدعوة والإرشاد إلی مرحلة بناء الدولة وهو من أعظم أنواع الهجرة في سبيل الله تعالی .
الهجرة في سبيل الله من سنن الأنبياء والأوصياء
إنَّ الهجرة في سبيل الله کانت من سيرة الأنبياء والأوصياء والعلماء، وتاريخ حياتهم التي سجلّتها الکتب السماوية والتاريخية تشهد علی ذالک بوضوح ، وتأتي هجرة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم استمراراً لذالک الخط في حياة الرسل لنصرة عقائدهم ، فلئن كان قد هاجر من وطنه ومسقط رأسه من أجل الدعوة حفاظاً عليها وإيجاد بيئة خصبة تتقبلها وتستجيب لها وتذود عنها ، فقد هاجر عدد من إخوانه من الأنبياء والأوصياء وحتی العلماء والصلحاء قبله من أوطانهم لنفس الأسباب التي دعت نبينا محمد صلى الله عليه وسلم للهجرة ، وإليک نماذج منها فيما يلي :
نماذج تاريخية للهجرة في سبيل الله
هناك شواهد تاريخية كثيرة في الأديان السابقة من تاريخ الأنبياء والأوصياء، وكذالك في تاريخ الإسلام، للهجرة في سبيل الله نستقصي بعضها:
1-هجرة النبي موسى (عليه السلام) من مصر إلى مدين[4]، ﴿فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين * ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي ان يهديني سواء السبيل﴾ [5]،ومن ثمَّ هجرته(عليه السلام) وبني اسرائيل من مدين إلى الارض المقدسة(بيت المقدس) في فلسطين.
2-هجرة النبي إبراهيم مع زوجته هاجر وإبنه إسماعيل من فلسطين إلی مكة وكان نتيجتها بناء الكعبة المشرفة ونشر التوحيد في الجزيرة العربية .
3-هجرة جمع من المسلمين من مكة الى الحبشة بقيادة جعفرالطيَّارواللجوء إلى بلادها بعد أن تعرّض المسلمون إلى الاضطهاد، ولم تتوفر لديهم وسائل الحماية المناسبة مع انَّ تلك البلاد لم تكن اسلامية، ولکن کانت من البلاد التي يحکمهاالموحدون ويسکنها المسيحيون، وهجرتهم من مكة إلى المدينة المنورة بعد أن بدأ الاسلام ينتشر فيها، ولم يكن هناك موقف عدائي صارم من مشركي المدينة تجاه المسلمين قبل هجرة النبي إليها، حيث كانت السلطة بيد المشركين حينذاك.
4- هجرة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم من مكة بعد ما ضايقوا المشركون عليه، و قرروا قتله ليلاً ، وكان ذلك في الأول من ربيع الأول السنة 13 للبعثة وقد وصل إلى منطقه قباء من ضواحي يثرب في 12 من ربيع الأول من تلك السنة وانتظر ابن عمه علي بن ابي طالب (عليه السلام) والذين معه من الفواطم والأصحاب ولم يدخل المدينة، إلى أن التحقوا به صلى الله عليه وآله وسلم في 15 من ربيع الأول ودخلوا معه إلى مدينة يثرب التي سميت بعد ذلك بمدنية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ،وكان هذا الحدث المهم بداية الحكومة الإسلامية وأصبح فيمابعد مبدءاً للتاريخ الإسلامي، يؤرخ المسلمون حوادثهم به.
5- هجرة الإمام الحسين(عليه السلام) واهل بيته من المدينة الی مكة ومن ثمَّ إلي العراق وأرض كربلاء للجهاد في سبيل الله لطلب الاصلاح في أمة جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
6-الهجرة الواسعة لاولاد أئمة أهل البيت(عليهم السلام) وذريتهم والعلماء الصالحين من شيعتهم إلی العراق وايران وكذلك إلی إفريقيا، وشبه القارة الهندية، وبلاد القفقاز، وعلى يد هؤلاء السادة والعلماء دخل الاسلام وانتشر وبسبب تلک الهجرات ومن خلال وجودهم في تلک المناطق، تأسست بعض الدول کدولة الأدارسة في المغرب التي اُجدت بسبب هجرة أحفاد الإمام الحسن عليه السلام منهم ادريس.
7- الهجرة الواسعة لشيعة أهل البيت(عليهم السلام)إلی مختلف أقطار العالم ،خصوصاً في عصر الائمة أنفسهم، وكان سبب نشوء وظهور بعض الحركات العلوية في العراق وايران، خصوصاً في العصر العباسي، وامتداد هذه الحالة إلى العصور الاُخرى، والتي سببت الحوادث التاريخية الكبرى في التاريخ الاسلامي وأوجدت الدول ، كدولة الفاطميين والأدارسة، في شمال أفريقيا، ودولة الحسنيين في طبرستان،ودولة ال بويه في الري وهمدان وإصفهان و...
8- هجرة العلماء لطلب المزيدمن العلم: منها هجرةالعلامة الفيض الكاشاني من قم إلی شيراز وهي من عجائب القصص وروائع الصدف،حيث سمع العالم الورع ملاّ محسن الفيض الكاشاني حينما كان شاباً يعيش في مدينةکاشان أو قم أن عالماً جليلاً اسمه السيد ماجد البحراني يدرِّس العلوم الاسلامية في مدينة شيراز، ففكر أن يهاجر اليه ليكتسب منه العلم، فاستخار أولاً بكتاب الله الحكيم فظهرت الآية: ﴿وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾[6]
ثم تفأل بديوان شعر منسوب الى الامام علي(عليه السلام)، فظهرت الأشعار التالية:
تَغَرّب عن الأوطانِ في طَلَبِ العُلى وسافِر ففي الأسفارِ خَمسُ فوائِد
تفرّجُ همّ واكتسابُ معيشةٍ وعِلمٌ و آدابٌ وصُحبَةُ ماجِد
وذاك من جميل التوافق وروائع الصدف،وهكذا شدّ الرحال الى السيد ماجد البحراني ودرس عنده حتى أصبح من كبار علماء الدّين، وكانت وفاة الفيض الكاشاني في سنة (1091 هـ). [7]
تاريخ الهجرة النبوية الشريفة
قال تعالى: (إِلاّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيّدَهُ بِجُنُودٍ لّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الّذِينَ كَفَرُواْ السّفْلَىَ وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[8].
بينما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم جالساً في حِجر إسماعيل يذكر ربَّه ويناجيه؛ إذ مرَّ به أسعد بن زرارة، وكان قد قدم من يثرب يطلب من قريش مؤازرته وقومه على الأوس، فتقدم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: إلى ما تدعو يا محمد؟! فقال صلى الله عليه وآله وسلم:« إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنَّي رسول الله، وأدعوكم إلى ألاَّ تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً» [9]...فلما سمع أسعد ذلك أسلم، وقال:« بأبي أنت وأمي أنا من أهل يثرب من الخزرج، وبيننا وبين إخوتنا من الأوس حبال مقطوعة، فإن وصلها الله بك فلا أحد أعزّ منك، والله يا رسول الله لقد كنّا نسمع من اليهود، خبرك، وكانوا يبشّروننا بخروجك، ويخبروننا بصفتك، وأرجو أن تكون دار هجرتك وعندنا مقامك، فقد أعلمنا اليهود ذلك، فالحمد لله الذي ساقنا إليك، والله ما جئت إلاّ لأطلب الحلف على قومنا، وقد أتانا الله بأفضل مما أتيتُ له»، ثم رجع إلى المدينة وأخبر بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وشاع خبره فيها، ودخل في الإسلام عدد كبير، حتى إذا كان في العام المقبل وافى الموسم من أهل يثرب اثنا عشر رجلاً، فلقوه بالعقبة وبايعوه على أن لا يشركوا بالله شيئاً، ولا يسرقوا ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصوه في معروف، وإنَّهم إن وفوا بذلك كان لهم الجنة، وإن غشّوا في ذلك شيئاً، فأمرهم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر، وقد طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبعث معهم من يعلمهم القرآن وأحكام الإسلام، ويفقههم في الدين، فأرسل معهم مصعب بن عمير. وكان مصعب حريصاً على الدعوة إلى الإسلام، وعلى انتشاره في المدينة، فكان يدعو إلى الإسلام، ويعلّم من أسلم القرآن وأحكام الإسلام، حتى دخل في الإسلام خلق كثير، وفي العام المقبل أقبل مصعب في موسم الحج مع وفود المدينة تدعو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليهاجر إليهم، وبايعوه على النصرة، وعلى أن يمنعوه ما يمنعوا منه أولادهم وأهليهم،(بيعة العقبة الثانية) فقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الهجرة إليهم، وبعد ذلك أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأمر أصحابه بالهجرة إلى المدينة، فأخذ الرجل والرجلان والثلاثة، يركبون سواد الليل مهاجرين إلى المدينه[10].
قريش تتآمر لقتل النبي (ص)
لمَّا علمت قريش أنَّ المسلمين قد صاروا إلى يثرب، وقد دخل بعض أهلِها الإسلام، قالوا: هذا شر شاغل لا يطاق، فأجمعوا أمرهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة معينة، وكانوا قد انتخبوا من كل قبيلة فارساً حتى بلغ عددهم خمسة عشر رجلاً يغيرون عليه فيضربونه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه بين العرب، ولا تطلب بنو هاشم بثأره فيقبلون بالدية، ويروى أن من دبر لهم هذه الحيلة إبليس الذي اجتمع معهم في دار الندوة بصفة رجل نجدي.
وأوحی الله إلی نبيه أن يأمر علياً(ع) بالمبيت في فراشه، فما كان من علي(ع) غير أن سأله:« أو تسلم بمبيتي هناك يا نبي الله؟» قال صلى الله عليه وآله وسلم:« نعم »، فأهوى إلى الأرض ساجداً شكراً لله، فنام على فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم واشتمل ببرده الحضرمي، فخرج صلى الله عليه وآله وسلم ، وجعل المشركون يرمون علياً بالحجارة، وهم يحسبونه رسول الله، وعلي(ع) يتضور - أي يتلوى ويتقلب - وقد لفَّ رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح، فهجموا عليه، فلما بصر بهم علي(ع) قد انتضوا السيوف، وأقبلوا عليه، وثب في وجوههم فأجفلوا أمامه، وتبصروه فإذا علي، فقالوا: وإنَّك لعلي؟ قال: أنا علي، قالوا: فما فعل صاحبك، فقال: وهل جعلتموني عليه حارساً، وقد اشتهرت هذه الليلة بليلية المبيت التي فدا فيها الإمام علي(ع) نفسه ليبقی النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيَّاً [11].
وقد ورد أنَّ الله تعالى أوحى إلى جبرائيل وميكائيل: إني آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة فأوحى الله إليهما ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب، آخيت بينه وبين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة؟ إهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه، فنزلا جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي:« بخٍ بخٍ، مَن مثلك يا ابن أبي طالب، يباهي الله به الملائكة»، فأنزل الله تعالى الآية: (وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللهِ)[12]
هجرة النبي (ص) إلى يثرب[13]
كان ينتظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأمر الإلهي في هجرته إلی يثرب ، فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فحمة العشاء يوم الأول من ربيع الأول، السنة 13 للبعثة والرصد من قريش قد أطافوا بداره ينتظرون، وقد قرأ عليهم قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ)[14]، وأخذ بيده قبضة من تراب فرمى بها على رؤوسهم، ومرّ من بينهم، فما شعروا به، وأخذ طريقه إلى غار ثور، وأدركت قريش الأمر، فركبوا في طلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، واقتفوا أثره، حتى وصل القافي إلى نقطة لحوق أبي بكر به، فأخبرهم أن من يطلبونه صار معه رجل آخر، فاستمروا يقتفون الأثر حتى وصلوا إلى باب الغار، فصرفهم الله عنه، حيث كانت العنكبوت قد نسجت على باب الغار وباضت في مدخله حمامة وحشية، فاستدلوا من ذلك على أن الغار مهجور ولم يدخله أحد، وإلا لتخرق النسج، وتكسّر البيض، ولم تستقر الحمامة الوحشية على بابه.
وبعد أن بقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه في غار ثور ثلاثة أيام كان يتردد خلالها أمير المؤمنين(ع) عليهما، حتى إذا كانت ليلة اليوم الرابع هيأ علي(ع) بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث رواحل ودليلاً أميناً يدعى أريقط ليترحلوها إلى المدينة ويدلهم الدليل على طريقها، أوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً في تلك الليلة بأن يؤدي أمانته على أعين الناس، وذلك بأن يقيم صارخاً بالأبطح غدوة وعشياً: «ألا من كان له قبل محمد أمانة أو وديعة فليأت فلنؤد إليه أمانته» ثم أوصاه صلى الله عليه وآله وسلم بالفواطم وهنّ: فاطمة الزهراء(س)، وفاطمة بنت أسد أم علي عليهما السلام ، وفاطمة بنت الزبير، وبكل من يريد الهجرة معه، وقال له عبارته المشهورة: (إنَّهم لن يصلوا من الآن إليك يا علي بأمر تكرهه حتى تقدم علي)، ثم توجَّه النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو وصاحبه إلى المدينة سالكين إلى ذلك الخط الساحلي، وقد جاء ذكر المنازل التي مرَّا بها [15].
ولما وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هجرته من مكة إلى قرية قباء من ضواحي يثرب وكان ذلك في الثاني عشر من ربيع الأول أقام فيها عدة أيام منتظراً قدوم ابن عمه علي بن أبي طالب(ع) بركب الفواطم، وكان قد ألحَّّ أبو بكر عليه لكي يدخل المدينة في ليلته إلاّ أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (ما أنا بداخلها حتَّى يقدم ابن عمي وأخي وابنتي)، يعني علياً وفاطمة(س)، فلما أمسى فارقه أبوبكر، ودخل المدينة، ونزل على بعض الأنصار، وبقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قباء نازلاً على كلثوم ابن الهدم، ينتظر قدوم ابن عمه من مكة المكرمة ليدخلوا مدينة يثرب معاً. [16]
وصول علي (ع) إلى المدينة
خرج علي بن أبي طالب (ع) من مكة المكرمة، بعد خروج النبي بثلاثة أيام بعدما نفَّذ وصايا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان مع الإمام علي(ع) الفواطم، أمّهُ فاطمة ابنة اسد، وفاطمة ابنة رسول الله ، وجمع من ضعفاء المؤمنين، يقول المقريزي: قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قباء في الثاني عشر من ربيع الأول، والتحق به علي(ع) في منتصف ذلك الشهر نفسه، ويؤيد هذا القول ما ذكره الطبري في (تاريخه) إذ كتب يقول: أقام علي بن أبي طالب(ع) بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الودائع التي كانت عنده إلى الناس[17].
ولما بلغ النبي(ص) قدوم علي(ع)، قال صلى الله عليه وآله وسلم:« ادعوا لي علياً»، قيل: يا رسول الله، لا يقدر أن يمشي، فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما رآه اعتنقه، وبكى رحمة لما بقدميه من الورم، وكانتا تقطران دماً، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «يا علي، أنت أول هذه الأمة إيماناً بالله ورسوله، وأولهم هجرة إلى الله ورسوله، وآخرهم عهداً برسوله، لا يحبك والذي نفسي بيده إلا مؤمن قد امتحن الله قلبه للإيمان ولا يبغضك إلا منافق أو كافر»[18].
المدينة تهبُّ لقدوم النبي(ص)
لقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم مهاجراً من مكة المكرمة في الأول من ربيع الأول السنة 13 للبعثة وقد وصل إلى منطقه قباء من ضواحي يثرب في الثاني عشر من ربيع الأول من تلك السنة وانتظر ابن عمه والذين معه من الفواطم والأصحاب ولم يدخل المدينة، إلى أن التحقوا به صلى الله عليه وآله وسلم في 15 من ربيع الأول ودخلوا معه إلى مدينة يثرب التي سُمِّيت بعد ذلك بمدنية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، واشتهرت بالمدينة المنورة إلى يومنا هذا.
وكان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً عظيماً مشهوداً، فكم ترى ستكون عظيمة فرحة الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منذ ثلاث سنين، وظلوا طوال هذه الأعوام يبعثون برسلهم ووكلائهم إليه، ويذكرون اسمه المقدّس، ويصلّون عليه في صلواتهم كل يوم.
وعند دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدينة يثرب استقبله الناس رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً، استقبالاً عظيماً ، ورحّبوا به أعظم ترحيب، وكان في مقدمة المستقبلين أصحاب بيعة العقبة الثانية، وهم سبعون رجلاً وكذلك المهاجرون وفي مقدمتهم مصعب بن عمير،وكانت بنو عمرو بن عوف قد اجتمعت عنده، وأصرّت عليه بأن ينزل في قباء، وقالوا له: أقم عندنا يا رسول الله، فإنا أهل الجد والجلد والحلقة (أي السلاح) والمنعة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يقبل.
وکان في مقدمة المستقبلين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأوس والخزرج ، وقرب نزوله المدينة قلبوا السلاح وأقبلوا يعدون حول ناقته لا يمرّ بحيّ من أحياء الأنصار إلاّ وثبوا في وجهه، وأخذوا بزمام ناقته، وأصروا عليه أن ينزل عليهم، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:« خلّوا سبيل الناقة فإنها مأمورة».
وأخيراً لما انتهت ناقته إلى أرض واسعة كانت ليتيمين من الخزرج يقال لهما: سهل وسهيل، وكانا في حجر أسعد بن زرارة، فبركت على باب أبي أيوب الأنصاري (خالد بن زيد الأنصاري) الذي كان على مقربة من تلك الأرض، فاغتنمت زوجة أبي أيوب الفرصة فبادرت إلى رحل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحملته وأدخلته منزلها، بينما اجتمع عليه الناس يسألونه أن ينزل عليهم، فلما أكثروا عليه، وتنازعوا في أخذه، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «أين الرحل؟» فقالوا: أم أيوب قد أدخلته في بيتها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «المرء مع رحله»، وكان أبو أيوب أفقر أهل المدينة، وبقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنده حتى بُني مسجده[19].
أسباب الهجرة النبوية
لاشك أن حدثا عظيم مثل الهجرة النبوية الشريفة حين يكون تاريخاً للأمة أن هناك أمور جسام فرضت على النبى صلوات الله عليه القيام بها ، فقد جاءت الهجرة لتكون نقطة فارقة في حياة البشرية ،لتفرق بين الحق والباطل ، وتميز بين الخير والشر، ولعل من أبرز الأسباب التى ادت لحدوث هجرة النبي من أحب بقاع الأرض إلى قلبه مكة المكرمة إلى يثرب الأمرين التالية :
1- شدة الاذى والاضطهاد الذي كان يتعرض له النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فقد أوذي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ايذاء شديدا لم يتعرض له نبي من الانبياء السابقين .. فقد تمادى ايذاء المشركون له لدرجة ينادونه بالمجنون كما قال الله تعالى عضنهم : وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. كانوا يقولون عنه انه ساحر كذاب ، كما قال تعالى : "وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب" .
فقد كانوا لا ينظرون له الا نظرات كلها استحقار ، كما قال سبحانه :" وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون" ، ولعل من أكثر درجات الايذاء التى واجهت الرسول الكريم :هو ما قام به ابا لهب وهو عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تحريض لوديه عتبة وعتيبة ان يطلقا ابنتي النبي صلى الله عليه وسلم رقية وام كلثوم لما جاء بالدعوة وكان قد كتب كتابهما فقط .
وتتوالى سلسة ايذاء ابا لهب للرسول الكريم فعندما توفي عبد الله وهو الابن الثاني للنبي صلى الله عليه وآله وسلم استبشر ابو لهب وقال لقومه : ابشروا فان محمدا قد صار ابترا يعني ليس له ولد يحمل ذكره من بعده . فنزل قوله تعالى :" إن شانئك هو الأبتر"، فقد حرض زوجته ابي لهب وهي اخت ابي سفيان على ان تحمل الشوك وتضعه في طريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى بابه ، ولذلك وصفها القران الكريم بانها حمالة الحطب .
ولعل من اشد انواع الايذاء التي تعرض لها النبي صلى الله عليه وسلم : الحصار في شعب ابي طالب ثلاث سنوات حتى اكلوا اوراق الشجر فصارت مخرجاتهم وفضلاتهم مثل الدواب حتى ان سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه وجد في ليلة جلدة شاة فاخذها فوضعها على النار حتى تفحمت ثم اكلها وظل عليها ثلاث ليال لا ياكل شيئا .
ثم تاتي نهاية سلسة الايذاء عندما حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدة مرات ، ففي يوم الخميس 26 صفر سنة 14 من البعثة اجتمع سبعة من كبار كفار قريش في دار الندوة وجاءهم الشيطان في صورة شيخ يريد نصحهم ودار نقاش طويل فقال احدهم : نخرجه من بيننا وننفيه من بلادنا .
فقال الشيطان : لا والله ما هذا لكم براي الم تروا حسن حديثه وحلاوة كلامه والله لو فعلتم ذلك فسينزل على حي من العرب فيتبعوه فيسير بهم اليكم فيقاتلوكم .
فقال ابو البختري : احبسوه في الحديد واغلقوا عليه الباب حتى يموت . فقال الشيطان : لا والله ، لئن حبستموه ليخرجن من وراء الباب .
فقال ابو جهل : ارى ان ناخذ من كل قبيلة شابا جلدا قويا فنعطي كل فتى منهم سيفا صارما فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقدر بنو عبد مناف على حربكم فيرضوا منا بالدية . هذا عن السبب الاول ويعتبر هو السبب الرئيسي من اسباب الهجرة .
2- قبول أهل المدينة الإسلام ودخولهم فيه :
فقد عرض الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، في موسم الحج سنة 11 من البعثة ،واثناء خروجه صلى عليه وسلم مع ابى بكر الصديق وعلي بن ابي طالب الى منى فسمع اصوات رجال يتكلمون وكانوا ستة نفر من شباب المدينة وكانت تسمى يثرب ، فعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم الاسلام عليهم فاسلموا، وحملوا الاسلام الى اهل المدينة حتى لم يبق بيت من بيوت الانصار الا وفيه ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
في موسم الحج سنة 12 جاء 12 رجلا وبايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيعة العقبة الاولى . وارسل النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير معهم الى المدينة . في موسم الحج سنة 13 من البعثة جاء 73 رجلا وامراتان وبايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيعة العقبة الثانية . وبذلك اصبح للاسلام قواعد وارضية صلبة يستند عليها في المدينة .
بعد ان تعرفنا على أهم الاسباب التى ادَّت الى حدوث الهجرة يأتى الحديث عن الدروس التى اثمرت منها وكيفية تطبيق تلک الدروس في حياتنا من أجل بناء أمة إسلامية عالية الشأن .
الهجرة النبوية، دروس وعبر للامة الاسلامية
باسترجاع المسلم لأحداث الهجرة يجد الكثير من الدروس والعبر التى تبرزها السيرة النبوية العطرة. ونحن عند احتفالنا بهذه المناسبة ،لانقف عند وقائعها وأحداثها التي تبدو أنها قد استهلكت وتكررت كثيراً ،وجميعنا يعرفها عن ظهر قلب ،ولكننا نستعرض هنا أهم الأسباب التى دفعت إلى الهجرة النبوية الشريفة ،ودروسها ، وأهم ما يمكن تطبيقه في حياتنا الفردية والإجتماعية :
1- الاخذ بالاسباب الظاهرية مع التوكل على الله في الإمدادات الغيبية :
ويتضح لنا هذا عندما وكل النبي صلى الله عليه وسلم علي بن ابى طالب للنوم مكانه ،واصطحب أبي بكر معه؛ حيث لم يهاجرا إلى المدينة مع المسلمين، فعليّ رضي الله عنه بات في فراش النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه صحبه في الرحلة. بالاضافة إلى استعانته صلى الله عليه وآله وسلم بعبدالله بن أريقط الليثي وكان خبيراً ماهراً بالطريق. ويتجلى كذلك في كتم أسرار مسيره إلا من لهم صلة ماسّة، ومع ذلك فلم يتوسع في إطلاعهم إلا بقدر العمل المنوط بهم.
قد كان هيناً على الله عز وجل أن يصرف الأذى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جملة، ولكنها سنة الإبتلاء يؤخذ بها النبي الأكرم؛ ليستبين صبره، ويعظم عند الله أجره، وليعلم دعاة الإصلاح كيف يقتحمون الشدائد، ويصبرون على ما يلاقون من الأذى صغيراً كان أم كبيراً.
مقارنة بين هجرة النبي(ص) ومعراجه
كانت الهجرة النبوية الشريفة على النحو الذي كانت عليه ، وسارت على الوضع الذي يسلكه كل مهاجر ، حتى توجد القدوة ، وتتحقق الأسوة ، ويسير المسلمون على نهج مألوف ، وسبيل معروف ، ولذلك ، فلم يرسل الله ـ عز وجل ـ له صلى الله عليه وآله وسلم البراق ليهاجر عليه كما حدث في ليلة الإسراء ، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم في يوم هجرته أحوج إلى البراق منه في أي وقت آخر؛ لأن القوم يتربصون به هنا ولم يكن هناك تربص في ليلة الإسراء ، ولو ظفروا به في هجرته لشفوا نفوسهم منه بقتله ، والحكمة في ذلك ـ والله أعلم ـ أن الهجرة كانت مرحلة طبيعية من مراحل تطور الدعوة ووسيلة من أهم وسائل نشرها وتبليغها ، ولم تكن خاصة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل كان غيره من المؤمنين مكلفين بها ، حين قطع الإسلام الولاية ، بين المهاجرين وغير المهاجرين القادرين على الهجرة ، قال تعالى: ﴿ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اله والذين ءاووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير ﴾[20]. أما رحلة الإسراء والمعراج كانت رحلة تشريف وتقدير ، كما كانت إكراماً من الله ـ عز وجل ـ لنبيه ليطلعه على علم الغيب ويريه من آياته الكبرى ، فالرحلة من أولها إلى آخرها خوارق ومعجزات ومشاهد للغيبيات، فناسب أن تكون وسيلتها مشابهة لغايتها .
وهذه الرحلة کانت خصوصية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وليس لأحد من الناس أن يتطلع لمثلها ، ولسنا مطالبين بالاقتداء به فيها ، بعکس الهجرة التي ملازمة للمسلمين علی مدی الأزمان والعصور وفي شتی الأماکن .
2- الثقة بنصرالله والثبات علی الإيمان والعقيدة:
نرى حينما خرج صلى الله عليه وآله وسلم من مكة مكرهاً فلم يجذع، ولم يذل، ولم يفقد ثقته بربه، ولما نصره الله سبحانه وتعالى بالإسلام وظهور المسلمين لم يزده زهوا وغرورا ؛ فعيشته يوم أخرج من مكة كارهاً كعيشته يوم دخلها فاتحاً ظافراً، وعيشته يوم كان في مكة يلاقي الأذى من سفهاء الأحلام كعيشته يوم أطلت رايته البلاد العربية، وأطلت على ممالك قيصر ناحية تبوك.
و في جواب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر رضي الله عنه لمّا كان في الغار. وذلك لما قال أبو بكر: والله يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موقع قدمه لأبصرنا. فأجابه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مطمئناً له: « ما ظنّك باثنين الله ثالثهما ». فهذا مثل من أمثلة الصدق والثبات، والثقة بالله، والإتكال عليه عند الشدائد، واليقين بأنَّ الله لن يتخلى عنه في تلك الساعات الحرجة، هذه حال أهل الإيمان، بخلاف أهل الكذب والنفاق؛ فهم سرعان ما يتهاونون عند المخاوف وينهارون عند الشدائد، ثم لا نجد لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً.
وفي هذا العصرلا بدَّ ان نضع ثقتنا في الله ، وان نكون على يقين تام بانَّ الله سبحانه وتعالي سيخرجنا من حالنا هذا ،كما اخرج رسوله الكريم من ظلام الجاهلية الى نور الاسلام
3- لابدَّ للمسلمين من التضحية للوصول إلی الأهدف المنشودة :
ويتجلي هذا الدرس في قوله صلى الله عليه وآله وسلم حينما هم بالرحيل من مكة "إنك من أحب بلاد الله إلى قلبي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت"، وهذا طبيعي فيها نشأ صلى الله عليه وسلم وترعرع، وفيها نزل عليه صلى الله عليه وسلم الوحي، ولكن رغم ذلك لم يستكين إلى حبها وفضل حب الله عز وجل ورضاه ودعا ربه" اللهم وقد أخرجتني من أحب البقاع إلي فأسكني في أحب البقاع إليك". وهذا درس بليغ.
وقد ترك المسلمون رجالاًونساء ديارهم، وأهليهم، وأموالهم التي هي أحب شيء إليهم، وضحوا بجميع مايملکون، ولما تركوا ذلك كله لله، أعاضهم الله بأن فتح عليهم الدنيا، وملّكهم شرقها وغربها.
فقد قدم على بن طالب ذالک الشاب المطيع لله ورسوله دورا عظيم في الهجرة حيث نام رضي الله عنه في مكان الرسول الكريم، وهو يعلم ان قريش ستهوى عليه ولكنه لايمانه بعظيم عمله ثبت وتشجع وادى دوره على أحسن وجه. فعلی شبابنا أن يتذكروا هذا الموقف لعلي ويقتوا به في التضحية لأجل مصلحة الإسلام والمسلمين وأن يعلموا ان الصبر دائما تكون نهايته سعيدة ، وان يسعوا ويجتهدوا في عملهم مع الصبر ، وليعلموا دايئما ان بعد العسر يسر .
وقد قدمت بعض النساء أدوراً في مهمة في نشر الرسالة المحمدية قبل الهجرة وحينها وبعدها فهذه فاطمة ابنة اسد اُم علي عليه السلام وفاطمة ابنة رسول الله ، وجمع من ضعفاء المؤمنين،
قدهاجروا بمعية علی بن أبي طالب عليه السلام بععد هجرة النبي بثلاثة إيام وهذه اسماء بنت ابى بكر عندما صمدت امام قادة قريش وابت ان تفشي سر رسول الله ،علاوة على ماقامت به اثناء الرحلة العظيمة من حرصها على ان تقدم المؤن للرسول الكريم وتذهب له بالطعام والشراب . هذه النماذج من النساء تأکد لنا ضرورة الرفع من شأن المراة وحثها على التقدم، وعدم التقليل من شأنها في المجتمع فهي التى بامكانها ان تساهم في بناء دعائم الاُمة الاسلامية وتعمل على رفع رايه الاسلام عالية مرفوعة .
أهم معطيات الهجرة النبوية
1- إقامة الکيان والدولة للمسلمين
فقد هيَّأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين للهجرة إلى المدينة عن طريق بيعة العقبة الأولى (بيعة إقامة الدين)، ثم جاءتْ بيعة العقبة الثانية (بيعة التمهيد لإقامة الدولة الإسلامية)، ولمّا دخل النبي صلى الله عليه وسلم يثرب أوَّل ما قام به بناء مسجد يجتمع فيه المسلمون للعبادة ومنه يدير امور المسلمين فکان بداية لتأسيس الدولة التي قامتْ على الاختيار، والشورى، والعدالة الاجتماعية، والمفاهيم السياسية الواعية، ثم بعد ذلك بدأ صلى الله عليه وسلم في إرسال الوفود الدعوية والسياسية، وإرسال المهاجرين وفودًا متتابعين، حتى يلحق بهم النبي صلى الله عليه وسلم فكانت الهجرة النبوية بمثابة الأمل الذي يتبعه العملُ، ولايخفى علينا ما كان بين المهاجرين والانصار من تلاحم وايثار لبناء تلک الدولة الکريمة الاسلامية العالية الشأن.
2- وضع التاريخ الهجري القمري
قد نهج المسلمون - كسائر الأمم - أن يؤرخوا الحوادث والأيام وما في ذلك من مناسبات مهمة تشكّل الجزء الأكبر من حضارة المسلمين، فعمدوا إلى الهجرة المباركة للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، في السنة الثالثة عشر من البعثة فجعلوها مبدءاً للتاريخ،ويحسب من خلال دوران الأرض حول الشمس أو دوران القمر حول الأرض، فإذا كان الحساب ، من خلال دوران الأرض حول الشمس، سميت السنة هجرية شمسية، وتساوي 365 يوماً تقريباً،(ومثله التاريخ الميلادي ولکن علی مبدأ تاريخ المسيح (ع)) وأما إذا كان المقياس لحساب التاريخ الهجري، هودوران القمر حول الأرض، سميت السنة هجرية قمرية، وتساوي 355 يوماً تقريباً من هجرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ولهذا فالسنة الشمسية تزيد عن مثيلتها القمرية بـ 10 إلى 11 يوماً فمبدأ التقويمين الهجريين الشمسي والقمري واحد، ولكن الاختلاف في عدد الأيام،وبمرور الزمن تختلف السنين الهجرية الشمسية عن السنين الهجريةالقمرية.
والمشهورأنَّ عملية وضع التاريخ الهجري في الإسلام تنسب إلی الخليفة الثاني ،و قيل أنَّ أوَّل من أرَّخ بهذا البدأ هو الرَّسول نفسه[21]، لقد روى عن الزهريّ : أنّ رسول الله لما قدم المدينة أمر بالتاريخ ! وليس في هذا الخبر وقت ( تاريخ ) معلوم ولا نقل كيفية ذلك ; وهو خبر مرسل .
والتحقيق في هذه المسألة تشير إلی أنَّ الخليفة الثاني عمر استشار الصحابة في ذلک فأشار عليه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أن يؤرّخ بهجرة النبيّ؛ صلى الله عليه وآله وسلم لقد روى خليفة : أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر : إنه تأتينا كتب ما ندري ما تاريخها . فاستشار عمر الصحابة فقال بعضهم : مِن المبعث ، وقال بعضهم : من وفاته ، فقال له علي (عليه السلام) بل منذ خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أرض الشرك ، فهو يوم هاجر ، فأجمع رأيهم أن يكتبوه من هجرته فأرادوا أن يَبتدئوا من شهر رمضان ثم بدا لهم أن يجعلوه من المحرم.
وقال المسعودي : شاور عمرالخطاب الناس في كتابة التاريخ ، فكثر منهم القول وطال الخطب اقتباساً من تواريخ العجم وغيرهم ! فأشار عليه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أن يؤرّخ بهجرة النبيّ وتركه أرض الشرك ، فعملوا به ، ولكنهم بدؤوا من المحرّم أي قبل قدومه إلى المدينة بشهرين و (12) يوماً; لأنَّهم أحبّوا أن يبتدئوا من أول السنة (القمرية العربية) [22].
3- وحدة المسلمين بالتمسک بحبل الله وترك التنازع :
عندما علِم أهل المدينة بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم تناسَوا الخلافات والتشاجرات التي كانتْ بينهم، والحروب المستعرة التي ظلَّت سنوات عديدة؛ وذلك لأن الهجرة علَّمتْهم روحَ التعاون والتماسك، وترك التهاجر والتناحر؛ لأنهما يؤدِّيان إلى الفشل: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [23].
ويتجلي حصول الأخوة وذوبان العصبيات عندما قام الرسول الكريم بالموخاءة بين الانصار والمهاجرين وايثار الانصار تجاه المهاجرين والذي يتجل ذلك في ان كان الفرد من الانصار يقول لاخيه المهاجر ان لي زوجتين اطلاق واحدة وتتزوجها انت .
وتراهم يقدِّمون أروع الأمثلة في باب الحب في الله والاجتماع، وتُرجم هذا الحب في صورة الإيثار وتفضيل الإخوان على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [24]. فيعرض سعد بن الربيع على عبدالرحمن بن عوف نصفَ مالِه، ويخيِّره بين أزواجه ليطلقها وتنقضي عدَّتُها، ثم يتزوَّجها، ويخيِّره في اختيار أفضل الديار.
إنَّ الهجرة النبوية التي يقودها سيد البشرية هي التي زَرعتْ فيهم هذه الروحَ؛ وذلك عندما بدأ معهم النبي صلى الله عليه وسلم في أول خطبة في المدينة بغرس هذه المعاني، فعن عبدالله بن سلاَم قال: لما قَدِم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينةَ انجفل الناس، وقيل: قد قدم النبي صلى الله عليه وسلم وجئتُ فيمن جاء، قال: فلما تبيَّنتُ وجهه، عَرَفتُ أن وجهه ليس بوجه كذَّاب، فكان أول ما قال: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا والناسُ نيام، تدخلوا الجنة بسلام»، ويا ليت الأمة الإسلامية تستلهم هذه المعانيَ من الهجرة؛ كي ينتشر الحبُّ بيننا، وتنتزع البغضاء والشحناء.
وهذا الالتحام والتعاون فيما بين المسلمين في صدر الإسلام، يعطينا اليوم درس الثبات امام الازمات ،والحرص الدائم ان يكون هدفنا واحد، ونسعى دائما من اجل الوصول اليه، وان نتخلي عن روح العصبية التى قد تؤدي بنا الى الانقسام، ومن ثم الى الانهزام الذي لايجني ثماره الا نحن،
ايوب الحائري، الباحث والکاتب الإسلامي
الهوامش:
[1] النساء : 100.
[2] التوبة: الآية 20.
[3] اقتباس من محاضرة للشهيد مطهري طبعت بصورة كتيب بعنوان : (الهجرة والجهاد)
[4] مدينة في الأردن.
[5] القصص: 22.
[6] التوبه:122.
[7] الهجرة والجهاد (كتيب للشهيد مطهري).
[8] سورةالتوبة: 40.
[9] السيرة النبوية لابن هشام 2: 235.
[10] راجع تاريخ اليعقوبي 2: 37، البداية والنهاية 3: 158.
[11] راجع السيرة الحلبية 2: 35، مجمع الفوائد 9: 120.
[12] سورة البقرة: 207.
[13] وبعد الهجرة أطلق النبي(ص) اسم طيبة علی مدينة يثرب وذلک بعدرجوعه من غزوة تبوک حيث قال (ص):«هذه طيبة ، أسكننيها ربّي»، واشتهرت بعد ذلک بمدينة النبي(ص).، (موسوعة التاريخ الإسلامي2: 29)
[14] سورة يس: 9.
[15] السيرة النبوية لابن هشام 1: 488،وراجع الكامل في التاريخ 2: 73.
[16] الصحيح من سيرة النبي الأعظم(ص): 4: 88 .
[17] سيد المرسلين 1: 619، عن تاريخ الطبري 2: 382.
[18] راجع تفاصيل هذه القضية في: أمالي الطوسي 2: 83 ، الكامل في التاريخ 2: 106، بحار الأنوار 19: 64.
[19] راجع تفاصيل قضية الهجرة بکاملها في السيرة الحلبية 2: 280، أسد الغابة 4: 25، شواهد التنزيل 1: 97، وتذكرة الخواص35، المناقب للخوارزمي: 74، التفسير الكبير 5: 204 ، تاريخ الخميس 1: 328، البداية والنهاية 3: 181.
[20] الأنفال : الآية 72 .
[21] راجع تاريخ اليعقوبي 2: 37، أسد الغابة 4: 25، بحار الأنوار 19 : 29 ،64 ، الصحيح من سيرة النبي الأعظم n: 4: 33 .
[22] التنبيه والإشراف : 252 ، وفي تاريخ اليعقوبي 2 : 145 : أن ذلك كان سنة ( 16 هـ ) ،و (راجع موسوعة التاريخ الإسلامي4: 151).
[23] الأنفال: 46.
[24] الحشر: 9




























