emamian

emamian

إنَّ بناءَ الحياةِ الاجتماعيةِ السليمةِ من أهمِّ الأهداف التي سعت إليها تعاليمُ الإسلام، لأنَّ الإنسانَ بطبيعته كائنٌ اجتماعيٌّ لا يستطيع أن يعيش بمعزلٍ عن الآخرين، بل تقوم حياته على شبكةٍ واسعةٍ من العلاقات المتبادلة التي تحتاج إلى أسسٍ أخلاقيةٍ راسخة تحفظ التوازن والاستقرار داخل المجتمع. ومن هنا جاءت كلماتُ أئمّةِ أهلِ البيت عليهم السلام لتؤسّس لنمطِ حياةٍ اجتماعيٍّ يقوم على الرحمة، والوفاء، وحسن الظن، والاحترام المتبادل، وتحمل المسؤولية تجاه الآخرين، بوصفها عناصر ضرورية لاستمرار الألفة والمودّة بين أبناء المجتمع.
بمناسبة حلول ذكرى ميلاد الإمام الهادي عليه السلام في الخامس عشر من شهر ذي الحجة، يجدر بنا أن نتأمل في كلماته الدقيقة والعميقة التي ترسم معالم الحياة الاجتماعية للمسلم المؤمن، وتبيّن كيف ينبغي أن تكون علاقته بالآخرين في المجتمع والأسرة، وما هي الأسس الأخلاقية التي يجب أن تقوم عليها معاملاته وسلوكياته اليومية.
فتابعونا حتى النهاية ولا تنسوا أن تكتبوا لنا في التعليقات، ما يخطر ببالكم وما يمكن أن نستفيد منكم.

كلام الإمام الهادي عليه السلام

قال الإمام الهادي عليه السلام للمتوكل العباسي في جواب كلام دار بينهما: « لا تطلب الصفا ممن كدرت عليه، ولا الوفاء لمن غدرت به، ولا النصح ممن صرفت سوء ظنك إليه، فإنما قلب غيرك كقلبك له » (1).
تنبع أهمية دراسة هذا النص المبارك من كونه يعالج كثيراً من الأزمات الاجتماعية المعاصرة التي نشأت بسبب فقدان الثقة، وانتشار سوء الظن، وضعف الالتزام الأخلاقي في العلاقات الإنسانية، حيث أصبحت المصالح الشخصية في كثير من الأحيان مقدَّمة على القيم والمبادئ. ولذلك فإنَّ العودة إلى كلمات أهل البيت عليهم السلام تمثّل ضرورةً فكريةً وتربويةً لإحياء القيم الأخلاقية التي تحفظ وحدة المجتمع وتُعزّز روح التعاون والتراحم بين أفراده.

الصميميةُ ثمرةُ الطمأنينة لا التوتر

الصفاء النفسيُّ والانسجام العاطفيُّ من أعظم النِّعم التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية، ولا سيما داخل الأسرة، حيث يحتاج الزوجان والأبناء إلى بيئةٍ يسودها الأمان والهدوء والثقة المتبادلة. وقد أكّد الإمام علي الهادي عليه السلام على هذه الحقيقة الاجتماعية والتربوية العميقة بقوله: «لا تَطْلُبِ الصَّفا مِمَّنْ كَدَرْتَ عليه». وهي كلمة قصيرة في ألفاظها، عظيمة في معانيها، تكشف قانوناً مهماً من قوانين الحياة الاجتماعية؛ وهو أنَّ القلوب لا تمنح صفاءها لمن يؤذيها أو يكدّر راحتها النفسية.
فالإنسان بطبيعته يميل إلى من يشعر معه بالأمان والاحترام والراحة، وينفر ممّن يزرع في قلبه الخوف أو القلق أو الإهانة. ولذلك فإنَّ العلاقة الأسرية والاجتماعية لا يمكن أن تزدهر في أجواء التوتر المستمر والصراخ والغضب والانفعال. فالصميمية الحقيقية ليست أمراً يُفرض بالقوة، ولا تُنتزع بالأوامر، بل هي ثمرةٌ طبيعية لبيئةٍ يسودها الهدوء والرحمة والتفهّم. 
وهنا تتبيّن حقيقة الإيمان في قلوب المؤمنين فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: « من غضب عليك من إخوانك ثلاث مرات، فلم يقل فيك شرا، فاتخذه لنفسك صديقا » (2).
ومن هنا نفهم المعنى العميق لعبارة: الصميميةُ محصولُ الراحة لا التشنّج. فكما أنَّ الزهرة لا تنمو في أرضٍ قاحلة تضربها العواصف، كذلك المودّة لا تنمو في أجواء الصراخ والانفعال والاتهام. إنَّ الحب يحتاج إلى سكينة، والثقة تحتاج إلى احترام، والعلاقات الناجحة تحتاج إلى شعور دائم بالأمان النفسي.

المحافظة على إعتماد الآخرين

الأسرة والمجتمع لا تستقرُّ بالأموال والمظاهر وحدها، بل تستقرُّ حين يشعر كلُّ طرفٍ أنَّ قلبه وحقوقه وأسراره ومشاعره في مأمنٍ عند الطرف الآخر. ومن هنا جاءت الحكمة العميقة عن الإمام علي الهادي عليه السلام في قوله: «ولا الوفاءَ لِمَنْ غَدَرْتَ به»، لتكشف حقيقةً اجتماعيةً ونفسيةً مهمة؛ وهي أنَّ الوفاء لا يُفرض بالقوة، بل يُولد من رحم الثقة والصدق والإخلاص.
فالإنسان بطبيعته يُقابل الوفاء بالوفاء، والإخلاص بالإخلاص، لكنه حين يتعرض للخيانة أو الغدر أو كسر الثقة، فإنَّ شيئاً عميقاً ينكسر في داخله، وقد لا يعود بسهولة كما كان. ولذلك فإنَّ من غير المنطقي أن يجرح الإنسان قلبَ شريكه، ثم يطالبه بعد ذلك بوفاءٍ كاملٍ وتضحيةٍ دائمة وكأنَّ شيئاً لم يحدث. وقد روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام: « أبذل لصديقك كلّ المودّة، ولا تبذل له كلّ الطّمأنينة، وأعطه من نفسك كلّ المواساة، ولا تقصّ إليه بكلّ أسرارك » (3).
الغدر في الحياة الزوجية لا يقتصر على الخيانة الجسدية فقط، بل له صورٌ متعددة قد تكون أشدَّ أثراً وأعمق جرحاً. فالكذب المستمر، وإخفاء الأمور المهمة، والاستهانة بمشاعر الزوج أو الزوجة، ونقض الوعود، وكشف الأسرار، والمقارنة الجارحة بالآخرين، وإهمال الحقوق العاطفية، كلُّ ذلك يدخل في دائرة الغدر المعنوي الذي يهدم الثقة بالتدريج. فحين يعد الزوج زوجته بأمرٍ ثم يكرّر خذلانها دون اكتراث، أو حين تتعامل الزوجة مع مشاعر زوجها باستخفاف وسخرية، فإنَّ بذور التصدع تبدأ بالنمو داخل العلاقة. وقد يبقى الطرف الآخر صامتاً أو متحملاً فترةً من الزمن، لكنَّ الجرح النفسي يتراكم في القلب، حتى تضعف حرارة المودّة ويبهت الإحساس بالأمان. 
والوفاء في العلاقة الزوجية ليس واجبًا على الرجل وحده، بل على المرأة أيضًا أن تكون وفيّةً لزوجها، مخلصةً له في جميع مراحل الحياة وظروفها، بعيدةً عن كلّ ما ينافي الأمانة والوفاء. فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « للرجل على المرأة أن تلزم بيته، وتودده وتحبه وتشفقه، وتجتنب سخطه وتتبع مرضاته، وتوفي بعهده ووعده، وتتّقي صولاته، ولا تشرك معه أحداً في أولاده، ولا تهينه ولا تشقيه ولا تخونه في مشهده ولا في ماله » (4).
ومن الأخطاء الشائعة أنَّ بعض الناس يظنون أنَّ الاعتذار السريع أو التبرير العابر يكفي لإزالة آثار الخيانة أو كسر الثقة، بينما الحقيقة أنَّ الثقة حين تتصدع تحتاج إلى وقتٍ طويلٍ وسلوكٍ صادقٍ ومستمر حتى تُرمَّم من جديد. فالكلمات وحدها لا تكفي إذا لم تُدعَم بالأفعال، لأنَّ القلوب تُقنعها المواقف أكثر مما تُقنعها العبارات.

حسن الظن بالناس

من أعظم المشكلات التي تُفسد العلاقات الأسرية والاجتماعية مشكلةُ سوء الظن، لأنَّها لا تقف عند حدود الفكرة الداخلية، بل تتحول مع الوقت إلى طريقة تعاملٍ ونبرة كلامٍ ونظرةٍ قاسيةٍ تُشعر الطرف الآخر بأنه متهمٌ دائماً ومحلُّ شكٍّ وارتياب. ومن هنا جاء كلام الإمام الهادي عليه السلام في قوله: «ولا النُّصحَ مِمَّنْ صَرَفْتَ سُوءَ ظَنِّكَ إليه»، لتبيّن لنا أنَّ الإنسان إذا شعر بأنَّك لا تثق به، ولا تُحسن الظنَّ بنواياه، فسوف يفقد تدريجياً الدافع النفسي ليكون ناصحاً ومخلصاً ومتعاوناً معك.
القلب يتأثر كثيراً بنظرة الآخرين إليه. وعندما يعيش الإنسان في بيئةٍ يشعر فيها أنَّ كلَّ تصرفٍ منه يُفسَّر بسوء، وأنَّ نواياه دائماً موضعُ اتهام، فإنَّه يبدأ بالدفاع عن نفسه نفسياً وعاطفياً، وقد يتحول مع الوقت إلى شخصٍ متحفّظ أو بارد أو حتى معاند، لأنَّه لا يرى تقديراً لنيته الحسنة ولا ثقةً بصدقه وإخلاصه. فقد روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام: « ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا » (5).
لهذا فإنَّ الإمام الهادي عليه السلام يربط بين النصيحة وحسن الظن، لأنَّ النصيحة الحقيقية لا تخرج إلا من قلبٍ يشعر بالأمان والاحترام. أما إذا شعر الإنسان بأنَّه متهمٌ مسبقاً، فلن يجد دافعاً داخلياً للعطاء والإصلاح والتضحية، بل قد ينغلق على نفسه أو يكتفي بالحد الأدنى من التعامل.
وأهمية حسن الظن لا تقتصر فقط على العلاقات الزوجية والاجتماعية العادية بل تمتدّ إلى العلاقة بين الحكّام والرعايا. فقد قال أميرالمؤمنين عليه السلام إلى مالك الأشتر في ولايته للمصر: « واعْلَمْ أَنَّه لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَى إِلَى حُسْنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِه مِنْ إِحْسَانِه إِلَيْهِمْ وتَخْفِيفِه الْمَئُونَاتِ عَلَيْهِمْ وتَرْكِ اسْتِكْرَاهِه إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ لَه قِبَلَهُمْ فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَكَ بِه حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ. فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِيلًا وإِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّكَ بِه لَمَنْ حَسُنَ بَلَاؤُكَ عِنْدَه. وإِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِه لَمَنْ سَاءَ بَلَاؤُكَ عِنْدَه » (6).

خلاصة الكلام

إنّ العلاقات داخل الأسرة والمجتمع لا تُبنى بجهد طرفٍ واحد، بل تقوم على التفاعل المتبادل بين الأفراد. فإذا كنتم تنشدون المودّة والوفاء والإحسان من الآخرين، فابدؤوا بغرس هذه القيم في نفوسكم وتجسيدها في سلوككم وتعاملاتكم، فإنّ ما يزرعه الإنسان في قلوب الناس من خيرٍ ومحبةٍ وإخلاص، يعود إليه أضعافًا في صورة مودةٍ واحترامٍ ووفاء.

 

1) بحار الأنوار / للعلامة محمد باقر المجلسي / المجلد: 78 / الصفحة: 370 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
2) الأمالي / للشيخ الصدوق / المجلد: 1 / الصفحة: 767 / الطبع: قسم الدراسات الإسلامية مؤسسة البعثة – قم.
3) غرر الحكم ودرر الكلم / لعبد الواحد التميمي الآمدي / المجلد: 1 / الصفحة: 148 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – قم.
4) مستدرك الوسائل / للمحدث الشيخ حسين النوري / المجلد: 14 / الصفحة: 244 / الطبع: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – قم.
5) الأمالي / للشيخ الصدوق / المجلد: 1 / الصفحة: 380 / الطبع: قسم الدراسات الإسلامية مؤسسة البعثة – قم.
6) نهج البلاغة / للسيد الشريف الرضي / المجلد: 1 / الصفحة: 431 / الطبع: دار الكتب اللبناني – بيروت.

سيرةٌ عطرة في الرحمة والتربية والصبر

حين نتأمل في سيرة أئمة أهل البيت عليهم السلام نجد أن عظمتهم لم تكن ظاهرةً في ساحات العلم والعبادة والجهاد فحسب، بل كانت تتجلّى بأبهى صورها داخل بيوتهم وبين أفراد عائلاتهم. فالإنسان قد يُظهر الأخلاق الحسنة أمام الناس، لكن حقيقة الأخلاق تظهر في التعامل اليومي مع الزوجة والأبناء والخدم وأهل البيت. ومن هنا كانت سيرة الإمام محمد الباقر عليه السلام مدرسةً متكاملة في بناء الأسرة المؤمنة القائمة على الرحمة والاحترام والتربية الصالحة.
ونحن نعيش أيام شهادة الإمام الباقر عليه السلام في السابع من شهر ذي الحجة، تزداد حاجتنا إلى الوقوف عند هذا الجانب المشرق من حياته المباركة، لأن الأمة اليوم تواجه تحديات كبيرة في العلاقات الأسرية؛ من تفككٍ، وقسوةٍ، وضعفِ حوار، وانشغالٍ عن التربية الصحيحة. ولذلك فإن العودة إلى سيرة الإمام الباقر عليه السلام ليست مجرد قراءة تاريخية، بل هي عودة إلى النموذج الإسلامي الأصيل في بناء العائلة.
لقد كان الإمام الباقر عليه السلام إمام علمٍ وحكمة، لكنّه في الوقت نفسه كان أباً مربّياً، وزوجاً حليماً، وربَّ أسرةٍ يزرع الإيمان في النفوس بالرفق والمحبة والعمل الصالح. وكانت أخلاقه داخل البيت امتداداً عملياً لرسالة جده رسول الله صلى الله عليه وآله، الذي قال: « خَيرُكُم خَيرُكُم لِأَهلِهِ » (1).

التربية الإيمانية داخل الأسرة

من أهم ما يميز سيرة الإمام الباقر عليه السلام اهتمامه العميق بتربية أفراد أسرته على ذكر الله تعالى والارتباط الروحي به منذ ساعات الصباح الأولى. فقد روى الإمام الصادق عليه السلام عن أبيه فقال:
« كَانَ يَجْمَعُنَا فَيَأْمُرُنَا بِالذِّكْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَ يَأْمُرُ بِالْقِرَاءَةِ مَنْ كَانَ يَقْرَأُ مِنَّا ، وَ مَنْ كَانَ لَا يَقْرَأُ مِنَّا أَمَرَهُ بِالذِّكْرِ » (2).
إن هذه الرواية تكشف عن منهج تربوي عظيم؛ فالإمام لم يكن يكتفي بالنصيحة العابرة، بل كان يصنع بيئة إيمانية داخل المنزل. فالبيت الذي يبدأ يومه بذكر الله وقراءة القرآن هو بيت تنزل عليه السكينة والرحمة.
ومن اللافت في هذه الرواية أن الإمام عليه السلام راعى الفروق بين أفراد الأسرة؛ فمن كان يستطيع القراءة أمره بها، ومن لم يكن يقرأ وجّهه إلى الذكر، وفي ذلك درس تربوي مهم، وهو أن المربي الناجح يراعي قدرات أفراد عائلته ولا يكلّفهم فوق طاقتهم.
إن كثيرًا من البيوت اليوم تبدأ صباحها بضجيج الهواتف أو الانشغال بأمور الدنيا، بينما كان الإمام الباقر عليه السلام يربط أسرته بالله تعالى منذ اللحظات الأولى من النهار، ليكون الإيمان هو الأساس الذي تنطلق منه الحياة اليومية.

مشاركة الخدم والتواضع في العمل

ومن الصفات العظيمة التي تجلت في حياة الإمام الباقر عليه السلام حسن تعامله مع الخدم والعمال، فلم يكن يرى نفسه أعلى منهم منزلة بحيث يكتفي بإصدار الأوامر، بل كان يشاركهم العمل ويتعب معهم.
فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله:
« إذَا استَعمَلتُم ما مَلَكَت أيمانُكُم في شَيءٍ يَشُقُّ عَلَيهِم فَاعمَلوا مَعَهُم فيهِ ».
ثم قال الإمام الصادق عليه السلام عن أبيه الإمام الباقر عليه السلام:
« وكانَ أبي يَأمُرُهُم فَيَقولُ : كَما أنتُم ، فَيَأتي فَيَنظُرُ فَإِن كانَ ثَقيلاً قالَ : «بِسمِ اللّهِ» ، ثُمَّ عَمِلَ مَعَهُم ، وإن كانَ خَفيفا تَنَحّى عَنهُم » (3).
يا لها من أخلاق عظيمة! فالإمام المعصوم الذي تتوجه إليه الأمة بالعلم والإمامة، لم يكن يرى في العمل اليدوي نقصاً أو انتقاصاً، بل كان يشارك بنفسه ويعين الآخرين.
إن هذه الروح تُربي الأسرة على التواضع، وتكسر روح التكبر والتسلط. فالأب حين يساعد أبناءه، والزوج حين يشارك زوجته بعض أعبائها، وصاحب العمل حين يراعي من يعمل عنده، فإن الرحمة تنتشر داخل المجتمع.
وقد أراد الإمام الباقر عليه السلام أن يعلم الناس أن القيادة الحقيقية ليست في إصدار الأوامر فقط، بل في الحضور العملي والمشاركة والتعاون.

العفو والتسامح داخل البيت

ومن أروع ما تنقله الروايات عن الإمام الباقر عليه السلام حلمه الكبير داخل أسرته. فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال:
« كَانَتْ لِأَبِي عليه السلام امْرَأَةٌ وَ كَانَتْ تُؤْذِيهِ فَكَانَ يَغْفِرُ لَهَا » (4).
هذه الرواية القصيرة تحمل معاني عظيمة جدًا، لأن الحياة الزوجية لا تخلو من المواقف الصعبة أو الكلمات القاسية أو الاختلافات، لكن الإمام عليه السلام كان يواجه ذلك بالعفو والحلم.
إن بعض الناس قد يتحلى بالصبر مع الغرباء، لكنه يفقد أعصابه داخل البيت، بينما الإمام الباقر عليه السلام كان يرى أن الأسرة أولى الناس بالحلم والرحمة.
والعفو داخل الأسرة ليس ضعفاً، بل قوة أخلاقية عظيمة تحفظ كيان البيت من الانهيار. فكثير من المشكلات العائلية تتفاقم بسبب الإصرار على الرد بالمثل، أو بسبب الغضب السريع، أما حين يسود التسامح فإن المحبة تعود إلى القلوب.
لقد جسّد الإمام الباقر عليه السلام قول الله تعالى: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ (5).

احترام النعمة وآداب الطعام

ومن الجوانب الجميلة في سيرته المباركة احترامه الكبير لنعم الله تعالى، حتى في أبسط التفاصيل اليومية. فقد قال الإمام الصادق عليه السلام:
« كَان أبي يَكرُه أن يَمسَحَ الرَّجُلُ يَدَهُ بِالمِنديلِ وفيها شَيءٌ مِنَ الطَّعامِ ؛ تَعظيما لِه ، إلّا أن يَمَصَّها » (6).
إن هذه الرواية تعلمنا ثقافة احترام النعمة وعدم الاستخفاف بالطعام. فالإمام عليه السلام كان يرى أن الطعام نعمة إلهية ينبغي تقديرها وعدم إهدارها.
وفي زماننا الذي تكثر فيه مظاهر الإسراف ورمي الطعام، نحن بحاجة ماسة إلى إحياء هذا الأدب الإسلامي العظيم. فاحترام النعمة ليس مجرد سلوك شخصي، بل هو تعبير عن الشكر لله تعالى، لأن الشكر الحقيقي يظهر في طريقة تعامل الإنسان مع ما أنعم الله به عليه.
كما أن هذه التربية تنعكس على الأبناء، فالطفل الذي يرى والديه يحترمان الطعام ويتجنبان الإسراف، ينشأ على القناعة والامتنان.

الصبر وسعة الصدر مع الأهل

ومن أعظم الصفات التي تميز بها الإمام الباقر عليه السلام حلمه وصبره الكبير مع أهل بيته. فقد قال عليه السلام: « إنّي لأَصبِرُ مِن غُلامي هذا و مِن أهلي عَلى ما هُوَ أمَرُّ مِنَ الحَنظَلِ ، إنَّهُ مَن صَبَرَ نالَ بِصَبرِهِ دَرَجَةَ الصّائمِ القائمِ ، و دَرَجَةَ الشَّهيدِ الّذي قَد ضَرَبَ بِسَيفِهِ قُدّامَ مُحمّد صلى الله عليه وآله » (7).
إن الإمام هنا يكشف حقيقة مهمة جدًا، وهي أن الصبر داخل الأسرة عبادة عظيمة قد ترفع الإنسان إلى أعلى الدرجات.
فالاحتكاك اليومي بين أفراد العائلة قد يولد التعب النفسي والضيق أحياناً، لكن الإنسان المؤمن لا يجعل غضبه سبباً للظلم أو الإهانة أو تحطيم الأسرة.
ولذلك شبّه الإمام ثواب الصابر في بيته بثواب المجاهد والشهيد، لأن ضبط النفس يحتاج إلى مجاهدة حقيقية.
وما أحوج الأسر اليوم إلى هذا الخلق العظيم، خصوصاً في زمن كثرت فيه الضغوط الاقتصادية والنفسية والاجتماعية. فالكلمة الطيبة والصبر والحلم قادرة على إنقاذ البيوت من كثير من المشكلات.

اهتمام الإمام الباقر عليه السلام بالأناقة لزوجاته

ومن الجوانب الراقية في سيرة الإمام الباقر عليه السلام اهتمامه بمظهره وأناقته داخل البيت، وهو أمر قد يغفل عنه كثير من الناس.
فقد روي عن الإمام الرضا عليه السلام أن جماعة دخلوا على الإمام الباقر عليه السلام فرأوه قد خضب شعره بالسواد، فسألوه عن ذلك، فقال: « إِنِّي رَجُلٌ أُحِبُّ النِّسَاءَ وَ أَنَا أَتَصَنَّعُ لَهُنَ‌ » (8).
ما أعظم هذا الفهم الإسلامي للحياة الزوجية! فالإمام عليه السلام يعلمنا أن التزين ليس مطلوباً من المرأة فقط، بل إن الرجل أيضاً مطالب بأن يهتم بمظهره ونظافته وأناقته من أجل زوجته.
إن بعض المشكلات الزوجية تنشأ من الإهمال العاطفي أو إهمال المظهر داخل البيت، بينما كان الإمام الباقر عليه السلام يرى أن الاهتمام بالزوجة وإدخال السرور عليها جزء من الأخلاق الإيمانية.
ولم يقتصر الأمر على نفسه فقط، بل روي عن الإمام الصادق عليه السلام : « كانَ أَبي لَيُحلّي ولدَهُ ونِساءَهُ بالذَّهَبِ والفِضَّةِ فَلا بأسَ به » (9).
وهذا يدل على اهتمامه بإدخال الفرح على عائلته، والاعتناء بمشاعرهم واحتياجاتهم النفسية.
فالإسلام لا يريد من الأسرة أن تكون مجرد مكان للطعام والنوم، بل يريدها بيئة مودة ورحمة وجمال واهتمام متبادل.

الإمام الباقر عليه السلام… قدوة لكل بيت

إن المتأمل في هذه الروايات يرى أن الإمام الباقر عليه السلام قدّم نموذجاً متكاملاً للأسرة المسلمة؛ فهو المربي الذي يغرس الإيمان، والزوج الحليم، والأب الرحيم، والإنسان المتواضع الذي يشارك الآخرين أعمالهم، والمؤمن الذي يحترم النعمة ويصبر على الأذى ويهتم بمشاعر عائلته.
لقد كان البيت عند الإمام الباقر عليه السلام مدرسة أخلاقية تُبنى فيها النفوس بالإيمان والمحبة والرحمة، لا بالعنف والقسوة.
فعلينا أن نستفاد من سيرته والاقتداء العملي بأخلاقه داخل بيوتنا. فحين يتحول الذكر إلى عادة يومية، والعفو إلى خلق دائم، والصبر إلى منهج حياة، والتعاون إلى ثقافة أسرية، عندها فقط نكون قد اقتربنا من مدرسة أهل البيت عليهم السلام.

الخاتمة
في ذكرى شهادة الإمام محمد الباقر عليه السلام نقف بخشوع أمام هذه الشخصية العظيمة التي جمعت بين العلم والعبادة والأخلاق الرفيعة. لقد علّم الأمة أن عظمة الإنسان لا تظهر في المجالس العامة فقط، بل في بيته وبين أسرته، حيث تتجلى حقيقة الأخلاق والإيمان.
إن سيرة الإمام الباقر عليه السلام مع عائلته تمثل منهجًا عمليًا لكل أسرة تبحث عن السعادة والاستقرار. فقد ربّى أبناءه على ذكر الله، وتعامل مع أهل بيته بالحلم والعفو، وشارك خدمه أعمالهم، واحترم نعم الله، واهتم بمشاعر زوجاته وأبنائه.
وما أحوج عالمنا اليوم إلى هذه القيم المباركة، في زمن كثرت فيه المشكلات الأسرية وضعفت فيه الروابط العائلية. فلو اقتدت الأسر المسلمة بأخلاق الإمام الباقر عليه السلام لتحولت البيوت إلى واحات إيمان ورحمة وطمأنينة.

1. من لا يحضره الفقيه / الشيخ الصدوق / المجلّد : 3 / الصفحة : 555.
2. الكافي / الشيخ الكليني / المجلّد : 2 / الصفحة : 499 / ط الاسلامية.
3. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد : 46 / الصفحة : 303 / ط مؤسسة الوفاء.
4. من لا يحضره الفقيه / الشيخ الصدوق / المجلّد : 3 / الصفحة : 441.
5. سورة النور : الآية 22.
6. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد : 66 / الصفحة : 407 / ط مؤسسة الوفاء.
7. وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلّد : 15 / الصفحة : 264 / ط آل البیت.
8. الكافي / الشيخ الكليني / المجلّد : 6 / الصفحة : 481 / ط الاسلامية.
9. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد : 66 / الصفحة : 539 / ط مؤسسة الوفاء.

الكرم والعطاء في سيرة الإمام الباقر عليه السلام

ومن أبرز الصفات التي عُرف بها الإمام الباقر عليه السلام سعة كرمه وعظيم عطائه، فقد كان بابه مفتوحاً للفقراء والمحتاجين وطلاب الحوائج.
يقول سليمان بن قرم في وصف الإمام عليه السلام: « كانَ أَبوجعفرٍ محمّدُ بنُ عليٍّ عليهما السلام يُجِيْزُنا بالخمسمائةِ درهم إِلى السِّتّمائةِ إِلى الألفِ درهم ، وكان لا يَملُّ من صلةِ إِخوانهِ وقاصِديه ومؤمِّليه وراجيه » (3).
فكان الإمام عليه السالم يتعامل مع الناس بروح المحبة والإنسانية. وكان الداخل إلى داره لا يخرج إلا وقد نال من كرم الإمام وإحسانه.
وتصف الروايات حال بيته المبارك عن لسان سلمى مولاة أبي جعفر فتقول:
« كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ إِخْوَانُهُ فَلَا يَخْرُجُونَ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى يُطْعِمَهُمُ الطَّعَامَ الطَّيِّبَ ، وَ يَكْسُوَهُمُ الثِّيَابَ الْحَسَنَةَ  ، وَ يَهَبَ لَهُمُ الدَّرَاهِمَ. فَأَقُولَ لَهُ فِي ذَلِكَ لِيَقُلْ مِنْهُ، فَيَقُولَ : يَا سَلْمَى مَا حَسَنَةُ الدُّنْيَا إِلَّا صِلَةُ الْإِخْوَانِ وَ الْمَعَارِفِ » (4). 
وحين كان بعض أصحابه يطلب منه التقليل من هذا الإنفاق، كان يجيبهم بكلمات تكشف فلسفة العطاء عند أهل البيت عليهم السلام.
إن الإمام الباقر عليه السلام كان يرى أن قيمة الدنيا الحقيقية ليست في جمع الأموال، بل في بناء العلاقات الإنسانية القائمة على الرحمة والعطاء.
وفي عصرٍ طغت فيه الفردية والمادية، تعلّمنا سيرة الإمام الباقر عليه السلام أن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يُقدّمه للناس من خير وإحسان.

الصدقة… عبادة بروح المحبة

لقد بلغ اهتمام الإمام الباقر عليه السلام بالفقراء والمحتاجين حدّاً عظيماً، حتى مع ظروفه المعيشية المتوسطة وكثرة عياله. فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: « كانَ أبي عليه السلام أقَلَّ أهلِ بَيتِهِ مالاً وأعظَمَهُم مَؤونَةً ، وكانَ يَتَصَدَّقُ كُلَّ جُمُعَةٍ بِدينارٍ ، وكانَ يَقولُ : الصَّدَقَةُ يَومَ الجُمُعَةِ تُضاعَفُ ؛ لِفَضلِ يَومِ الجُمُعَةِ عَلى غَيرِهِ مِنَ الأَيّامِ » (5).
إن هذه الرواية تحمل رسالة تربوية عظيمة، فالعطاء لا يرتبط بكثرة المال فقط، بل بصفاء القلب والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين.
وكان الإمام عليه السلام معروفاً بالكرم عند الخاصة والعامة، حتى اشتهر فضله وإحسانه بين الناس جميعاً. ولم يكن عطاؤه مجرد عمل مادي، بل كان يحمل بُعدًا روحيًا وإنسانيًا عميقًا.
ومن أروع ما نُقل عنه في تعامله مع الفقراء أنه لم يكن يسمح باستخدام الكلمات التي تجرح مشاعر السائل أو تُشعره بالذل، فقد ورد:
« وَ كَانَ لَا يُسْمَعُ مِنْ دَارِهِ يَا سَائِلُ بُورِكَ فِيكَ ، وَ لَا يَا سَائِلُ خُذْ هَذَا ، وَ كَانَ يَقُولُ : سَمُّوهُمْ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِمْ » (6).
إنه درسٌ راقٍ في احترام الإنسان وحفظ كرامته، فالإمام الباقر عليه السلام كان يرى أن الفقير إنسان له مشاعر وكرامة، ولا يجوز التعامل معه بطريقة تؤذيه نفسياً.
بل إن الروايات تذكر مشهدًا مؤثرًا من سلوك الائمة عليهم السلام مع الصدقة 
بل إن الروايات تذكر مشهدًا مؤثرًا من سلوك الأئمة عليهم السلام مع الصدقة، حيث ينقل عن والد الإمام الباقر عليه السلام الإمام زين العابدين عليه السلام : « وكان عليه السلام يقبل يده عند الصدقة فسئل عن ذلك فقال : إنهاتقع في يدالله قبل أن تقع في يد السائل » (7)
أي روحٍ عظيمة هذه؟! وأي فهمٍ عميق لمعنى العبادة والإحسان؟!
إن الإمام عليه السلام يعلّمنا أن الصدقة ليست مجرد انتقال مال، بل هي علاقة روحية مع الله تعالى، ومظهر من مظاهر الرحمة الإلهية في الأرض.

مدرسة الرحمة والإنسانية

ومن صور رحمته الواسعة ما ورد عنه في الخبر حيث قالوا : « كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ لَمْ يَرُدَّ سَائِلًا» (8). ففي هذا اليوم العظيم، حيث تتنزّل الرحمة الإلهية، كان الإمام عليه السلام يجسد هذه الرحمة عملياً من خلال احتضان المحتاجين وقضاء حوائجهم.
وهكذا كانت حياة الإمام الباقر عليه السلام مليئة بالمواقف الإنسانية التي تجعل الإنسان يعيد النظر في مفهوم النجاح والسعادة. فالنجاح الحقيقي عند أهل البيت عليهم السلام ليس في كثرة الممتلكات، بل في مقدار ما يزرعه الإنسان من خير ومحبة في حياة الآخرين.
ماذا نتعلم من نمط حياة الإمام الباقر عليه السلام؟
حين نتأمل سيرة الإمام الباقر عليه السلام نجد أنها تقدّم لنا برنامجًا عمليًا متكاملاً لبناء الحياة الإسلامية الأصيلة، ومن أهم معالم هذا البرنامج:
الاهتمام بالعلم والمعرفة وعدم الاستسلام للجهل.
بناء العلاقات الاجتماعية على الأخلاق والاحترام.
العطاء ومساعدة المحتاجين بحسب القدرة.
حفظ كرامة الفقراء والمحتاجين.
تحويل العبادة إلى سلوك عملي في الحياة اليومية.
الاهتمام بالناس وإدخال السرور إلى قلوبهم.
إن العالم اليوم يعاني من أزمات أخلاقية وإنسانية كبيرة، ومع ذلك فإن سيرة أهل البيت عليهم السلام ما تزال قادرة على إنقاذ الإنسان من الضياع الروحي والأخلاقي، لأنها سيرة تنطلق من الفطرة والرحمة والعدل.

الخاتمة

في ذكرى شهادة الإمام محمد الباقر عليه السلام، مع الحزن على هذه المصيبة واقامة العزاء يجب علينا أن نحمل رسالته إلى واقعنا المعاصر. فالإمام الباقر عليه السلام لم يكن شخصية تاريخية بعيدة عن حياتنا، بل هو مشروع هداية دائم، ونموذج متكامل للحياة الإسلامية الأصيلة.
لقد علّمنا أن العلم رسالة، وأن الأخلاق عبادة، وأن خدمة الناس طريق إلى الله تعالى. وبيّن لنا أن الإنسان المؤمن يستطيع أن يصنع مجتمعاً أفضل بالكلمة الطيبة، والرحمة، والعطاء، وحسن المعاملة.
فما أحوجنا اليوم، أفرادًا وأسرًا ومجتمعات، إلى أن نعيد قراءة سيرة الإمام الباقر عليه السلام، لا بوصفها أحداثًا من الماضي، بل باعتبارها منهجاً عملياً لبناء الإنسان الصالح والحياة الطيبة.

 

1. الإرشاد / الشيخ المفيد / المجلّد : 2 / الصفحة : 159.
2. مشكاة الأنوار في غرر الأخبار / الشيخ الطبرسي / المجلّد : 1 / الصفحة : 200.
3. الإرشاد / الشيخ المفيد / المجلّد : 2 / الصفحة : 167.
4. كشف الغمة في معرفة الأئمة / علي بن عيسى الإربلي / المجلّد : 2 / الصفحة : 118 / ط القديمة.
5. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد : 46 / الصفحة : 294 / ط مؤسسة الوفاء.
6. كشف الغمة في معرفة الأئمة / علي بن عيسى الإربلي / المجلّد : 2 / الصفحة : 150 / ط القديمة.
7. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد : 96 / الصفحة : 134 / ط مؤسسة الوفاء.
8. من لا يحضره الفقيه / الشيخ الصدوق / المجلّد : 2 / الصفحة : 211.

إنّ أسلوب حياة الإمام الجواد عليه السلام في التعامل مع الأسرة يستحق أن يبين ويطرح قدوةً، فقد کان هذا الإمام الهمام يراعي في جميع جوانب حياته الفردية والزوجية البُعد المعنوي والتوحيدي. وحتى في تعامله مع زوجته التي کانت سبباً في شهادته، کان يتعامل معها بلطف وصبر.

 

مواجهة تحديات الأسرة المعاصرة

 

نحن اليوم نعاني في المجتمع من مشکلات عديدة في أمر الأسرة واختيار الزوج، مع أنّ أسلوب حياة الإمام الجواد عليه السلام قادر على الإجابة عن کل ما يتعلّق بالمسائل المعنوية للأسرة.

إنّ أُمّ‌الفضل، زوجة الإمام الجواد عليه السلام، کانت ابنة المأمون، وهو الذي تسبّب في شهادة الإمام الرضا عليه السلام. وهذه نقطة مهمّة، ولکن عندما نتعمّق في أسلوب حياة الإمام الجواد عليه السلام نرى أنّه لم يبدِ أي ردّة فعل عنيفة على قاتل نفسه، بل کان يحفظ هدوءه بنظرة إلهية ورؤية توحيدية، دون أن يصدر منه ما يخلّ بهذا الصفاء.

 

ضعف الأساس التوحيدي سبب کثرة الخلافات

 

إنّ کثرة الخلافات والطلاق في أُسرنا اليوم ناتجة عن غياب الأساس الإلهي في الحياة الزوجية. ومع أنّنا مجتمع مؤمن، وأنّ أبناءنا وبناتنا يعيشون بولاء أهل البيت عليهم السلام، إلا أنّنا لا نرى هذا الولاء منعکساً بوضوح في أسلوب الحياة الذي يتبنّاه شبابنا.

الجميع يقرّ بأنّ الإمام الجواد عليه السلام کان شاباً مظلوماً، ولکننا لم ندخل بعمق إلى حياته الشخصية لنُبين للناس سيرته في التعامل مع الأسرة والزوجة، ليسيروا على نهجٍ صحيح يقودهم إلى الطريق الإلهي.

 

المهر… ومعيار الزواج الصحيح

 

ومن أهم مشاکل مجتمعنا اليوم ظاهرة المهور المرتفعة. وقد شدّد الإمام الجواد عليه السلام على أهمية اختيار الزوج المناسب وفق معيار الأخلاق والدين والأمانة، حيث قال: « مَنْ خَطَبَ إِلَيْكُمْ فَرَضِيتُمْ دِينَهُ وَ أَمَانَتَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ‌ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَ فَسادٌ كَبِيرٌ» (1).

کما اعتبر عليه السلام معياراً آخر في الزواج، وهو قلّة المهر وتيسيره، وأن يکون ضمن مهر السنّة، مع التأکيد على الزواج في الوقت المناسب دون تأخير.

 

ينبغي أن تکون جميع أبعاد حياة الإمام الجواد عليه السلام قدوةً لنا

 

إنّ جميع أبعاد حياة الإمام الجواد عليه السلام يجب أن تکون لنا أسوةً وقدوة. والحقيقة أنّ الإنسان في هذا العصر، بل جميع الناس في مسير حياتهم، بحاجة شديدة إلى نماذج يستطيعون أن يستلهموا منها أسلوب حياتهم في هذا الفضاء المليء بالأزمات، وأن يستفيدوا في ذلك من الأئمة المعصومين عليهم السلام، ويخطّطوا لحياتهم على أساسه. ومن هنا، فإنّه ينبغي لنا في أيام شهادة الإمام الجواد عليه السلام أن ندرس جوانب من حياته المبارکة، حتى نحدّد حياتنا وفق أسلوب العيش وسيرة أهل البيت عليهم السلام.

 

سيرة المعصومين عليهم السلام… نموذج عملي للحياة

 

إنّ أسلوب الحياة عند المعصومين عليهم السلام، وهو نموذج عملي لحياتنا، يشمل الحياة الفردية والاجتماعية، وهما من جميع الميادين التي ينبغي أن ننظّم حياتنا فيها على أساس المعرفة والبصيرة.

 

السيرة العبادية في حياة الإمام الجواد عليه السلام

 

إنّ السيرة العبادية تقوم على ثلاثة مجالات: معرفة الله سبحانه، وذکره، والاجتهاد في طريق العبودية. ونحن نرى هذه المراحل بوضوح وشمول في الحياة القصيرة لهذا الإمام العظيم. ولو أدخلنا هذا الجانب من حياة جميع أولياء الله إلى حياتنا الشخصية، لأُصلحت حياتنا کلّها.

ينبغي لنا أن نعرف الله تعالى، وأن نؤمن بحضوره في جميع مجالات الحياة، وأن نرى الله حاضراً في کل سلوکنا وأقوالنا وأفعالنا. وقد أرانا الإمام الجواد عليه السلام هذا المعنى عياناً في حياته الفردية والأُسرية.

 

الاعتدال في الأخلاق والحياة الاجتماعية

 

لقد کان هذا الإمام المعصوم يلتزم حدّ الاعتدال، ويجتنب الإفراط والتفريط. فکان يراعي التوازن في المسائل الأخلاقية والاجتماعية، وکان أسلوب تعامله مع الأسرة، وکذلك في الشؤون الاقتصادية، مضرب المثل عند الخاصّة والعامّة.

 

الاهتمام بأحوال الناس… منهجٌ جوادي يجب أن نقتدي به

 

کان الإمام الجواد عليه السلام يولي اهتماماً کبيرًا لأحوال الناس، وقد نُقل في التاريخ أنّه کان يقدّم المال لأقاربه ليستعينوا به في الإنتاج والعمل وتدبير شؤون حياتهم. وعلى هذا الأساس، يجب علينا نحن أيضاً أن نقتدي بهذه السيرة المبارکة، وأن نفکّر ببعضنا البعض، وأن نمدّ يد العون لجيراننا ولکلّ محتاج.

 

الإمام الجواد عليه السلام… باب الحوائج

 

لقد اشتهر الإمام الجواد عليه السلام بلقب باب الحوائج. فعندما وُلد جواد الأئمة، وصفه الإمام الرضا عليه السلام بأنّه مولود مبارك للشيعة. ومنذ طفولته کان وسيطةً لفيض الله تعالى، واشتهر بين العلماء بأنّ من ابتُلي بمشاکل في رزقه ومعيشته فليتوجّه إلى الإمام الجواد عليه السلام، فإنّ له عند الله مکانةً عظيمة.

ينبغي أن نتعلّم من هذه الخصلة الجليلة، وأن نقدّم ما نستطيع من عون للشباب. فإن کان لدينا بيت زائد فنعينه لزوجين جديدين، وإن استطعنا دعم معاشهم فهي صدقة جارية وبرکة في حياتنا.

 

الأحداث التاريخية بعد شهادة الإمام الکاظم عليه السلام

 

بعد شهادة الإمام موسى الکاظم عليه السلام على يد هارون الرشيد، قدم ابنه الإمام الرضا عليه السلام إلى ايران. وقد أراد المأمون أن يظهر للناس أنّه غير مسؤول عن قتل الإمام الکاظم عليه السلام، فسعى إلى تزويج ابنته من الإمام الجواد عليه السلام.

وفي ذلك الوقت، کانت هناك جماعة من الشيعة توقّفت عند إمامة الإمام الکاظم عليه السلام، ولم تعترف بإمامة الإمام الرضا عليه السلام، واعتقدت أنّ الإمام الکاظم عليه السلام هو المهدي الموعود الذي دخل في الغيبة وسيعود. ولکن بعد ولادة الإمام الجواد عليه السلام، انطفأت هذه الحرکة الکلامية، وزال ذلك الاختلاف الذي کان يهدّد بإيجاد شرخٍ بين المسلمين.

 

تمهيدٌ للإمامة وإبطالُ الشبهات عبر علم الإمام الجواد عليه السلام

 

عندما أقدم المأمون على شهادة الإمام الرضا عليه السلام، کان يعلم في قرارة نفسه أنّه الإمام الحق، ولکنّه أراد باغتياله أن يشيع بين الناس أنّ الإمام لا يمکن أن يکون له طفل صغير يرث الإمامة. وبعد شهادة الإمام الرضا عليه السلام لجأ إلى حيلة جديدة، فأقام مجالس المناظرات والمباحثات، غير أنّ الإمام الجواد عليه السلام، بفضل ردوده العلمية الراسخة، أحدث تحوّلاً عظيماً، ومهّد لمرحلة جديدة من تاريخ الإمامة ترتبط بإمامة الإمام المهدي عليه السلام.

 

علم الإمامة… موهبة إلهية لا تُکتَسَب

 

لقد تکلّم الإمام الجواد عليه السلام بالعلم والحکمة منذ صغره، فظهر للناس بوضوح أنّ علم الإمام ليس علماً مکتسباً، بل هو موهبة إلهية يختصّ الله بها حججه على خلقه. وهذا الأمر کان بشارة للمؤمنين بأنّ الإمام المهدي عليه السلام أيضاً يمکن أن يتولّى الإمامة وهو في سنّ الصغر، وأنّ الله يؤتي حججه ما يشاء من العلم، وأنّ العالم اليوم بانتظار ظهوره المبارك.

 

استشهاد الإمام الجواد عليه السلام… وانتقال الإمامة إلى مرحلة جديدة

 

وقد استُشهد الإمام الجواد عليه السلام وهو في سنّ الشباب، وعلى يد زوجته التي کانت تتبع أعداءه، ولکنه عند رحيله أحيا جميع معالم النبوّة والإمامة، وانتقل بالدين إلى مرحلة جديدة من الحياة الروحية والفکرية. وبعده تولّى الإمام المهدي عليه السلام الإمامة في طفولته، لتبدأ فترة الغيبة والانتظار.

ونسأل الله تعالى أن يمنحنا توفيق المعرفة والطاعة، وأن يجعلنا من الساعين إلى مرضاته، ومن المنتظرين لفرج وليه صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف.

 

الخاتمة

 

إنّ التأمّل في سيرة الإمام الجواد عليه السلام يظهر لنا بجلاء أنّ هذه الشخصية الإلهية لم تکن نموذجاً تاريخياً نرويه فقط، بل منهجاً حياً صالحاً لکلّ زمان. فقد جمع عليه السلام بين العبودية الخالصة، والعلم الربّاني، والاعتدال في الأخلاق، والکرامة في التعامل، والاهتمام العميق بأحوال الناس. وهذه القيم قادرة على أن تعيد تنظيم حياتنا الفردية والأُسرية والاجتماعية إذا حوّلناها إلى خطوات عملية.

وعلى ضوء ذلك، فإنّ ما نحتاجه اليوم هو:

• أن نجعل حضورَ اللهِ تعالى في كلِّ تصرّفاتنا أسلوبَ حياةٍ، فنراقبُ أنفسَنا في القولِ والعمل.

• أن نلتزم الاعتدال في علاقاتنا الأُسرية، ونبتعد عن الإفراط والتفريط، ونقدّم التسامح والصبر کما کان يفعل الإمام الجواد عليه السلام.

• أن نُحيي ثقافة التکافل، فنفکّر بجيراننا ومجتمعنا، ونقدّم العون بقدر الاستطاعة، خاصةً في أيام الأزمات الاقتصادية والصحية.

• أن نعي شروط الزواج الصحيحة: الأخلاق، الدين، الأمانة، وتيسيير المهر، لنحمي أُسرنا من الخلاف والاضطراب.

• أن نستفيد من منهج الإمام في تنظيم الحياة المادية، فلا نُسرف ولا نقتر، بل نلتزم خطّ الاعتدال الذي يضمن برکة الرزق.

• أن نعوّد أبناءنا على معرفة الله وذکره، وأن نبرز لهم نماذج الأئمة الذين تولوا الإمامة في صغر سنهم کالجواد عليه السلام ليفهموا أنّ العلم والنور الإلهي يصنعان الإنسان منذ طفولته.

إنّ الاقتداء بأسلوب الإمام الجواد عليه السلام ليس شعاراً، بل مشروع تحول حقيقي يبدأ من داخل الأسرة، وينتشر إلى المجتمع بأکمله. وإذا جعلنا من هذه السيرة المبارکة مرآةً لحياتنا، فإنّ الله تعالى سيرزقنا السداد ويفتح لنا أبواب التوفيق، حتى نکون من الذين يمضون في طريق أهل البيت عليهم السلام بثبات وبصيرة.

 

1. الكافي / الشيخ الكليني /  المجلد : 5 /  الصفحة : 347 / ط الاسلامية.

الأحد, 31 أيار 2026 20:35

الصبر من دعائم الإيمان

الصبر من دعائم الإيمان

الإيمان نور يتشعشع في قلب الإنسان، ويضيء على جميع حواسّه وأعضائه، فيلمع من كلّ منها ما يقتضيه. فالعقل يتنوّر به، ويفهم الحقائق الإلهيّة، والمسائل الكونيّة، والوهم والخيال ينكمشان من الصور الزائغة والأباطيل، وأعضاء البدن تشتغل بالأعمال الخيريّة الَّتي تشعّ على الجامعة الإنسانيّة بالفوائد والسرور والراحة والازدهار[1].
 
و"سُئِلَ الإمام عليّ عَنِ الإيمان فَقَالَ: الإيمان عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ..." ثمّ بيّن الإمام أنّ كلّ واحدة من هذه الدعائم على أربع شُعب، ولكلّ واحدة منها مدخلاً عظيماً في تحقيق الإيمان وثباته وبقائه، وأبرز هذه الدعائم:

الصبر:
وهو الثبات على الشريعة، وخلع النفس عن الشهوات، ومنعها عن الجزع عند المصيبات، وهو كنز من كنوز الجنّة، وطريق عظيم للدخول فيها. وباعث قويّ للبقاء على الإيمان.
 
وقدّم الإمام الصّبر في كلامه، لأنّ الصّبر لا يستغني المؤمن عنه، لأنّ المؤمن إمّا في نِقمة وإمّا في نعمة: فإذا كان في النّعمة، فلو لم يصبر، ولم يملك نفسه، حصل له البطر والطَّغيان، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾. والصّبر في العافية والنّعمة من علامات الصّدّيقين. والصّبر على النعمة أنْ لا يسكن إليها، ولا يطمئنّ ويعرف أنّ هذه عارية.
 
ولا غنى عن الصّبر في أداء التكليف على كلفة التّكليف ومشقّته. ومنها موت الأعزّة، ونقصان الأموال، ولا غنى عن الصّبر عند هذه الشّدائد. قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾[2].
 
شعب الصبر:
والصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ:
الشَّوْقِ:
أي الشوق إلى الجنّة ونعيمها ودرجاتها.
الشَّفَقِ: وهو الخوف من نار جهنّم.
الزُّهْدِ: أي الزهد في الدنيا وزهراتها، وهو لا يحصل بدون الصبر على الطاعات وزجر النفس عن المنهيات.
التَّرَقُّبِ: أي ترقّب الموت.
 
ثمرات شعب الصبر وفوائدها:
فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ: أي فارقها ومنع نفسه عن جميع مشتهياتها، التي هي طرق النار، لأنَّ من اشتاق إلى شيء يجتنب ما يوصل إلى ضدّه.
 
ومَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ الْمُحَرَّمَاتِ: لأنّها مؤدّية إلى النار، وسبب لها ومن خاف من المسبّب يفرّ عن السبب. فمن ادّعى الإشفاق، وارتكب الحرام، فهو كاذب.
 
ومَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بِالْمُصِيبَاتِ: إذ منشأ صعوبتها هو الميل إلى الدنيا، ومحبّة قنياتها، والشوق إلى لذّاتها، وراحتها النفسانيّة والبدنيّة.
 
ومَنِ ارْتَقَبَ الْمَوْتَ، سَارَعَ إِلَى الْخَيْرَات: حذراً من أن يموت قبل أن يدركها، ولعلمه بأنّها سبب للحياة الأبديّة، التي هي الحياة الحقيقيّة، فيستعدّ لها بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة.
 


[1] حبيب الله الهاشميّ الخوئيّ، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، مصدر سابق، ج21، ص 62.
[2] البيهقي، عليّ بن زيد، معارج نهج البلاغة، تحقيق محمّد تقي دانش پژوه، إشراف السيد محمود المرعشيّ، مطبعة بهمن، إيران - قم، 1409ه، ط1، ص 404، الحكمة 22.

لماذا لا يمكن وصف حقّ المؤمن؟

يوجد روايات كثيرة، بيّنت عظمة المؤمن عند الله، منها ما تحدّث بشكل صريح عن أنّ حرمته أشدّ من حرمة الكعبة، ومنها ما تحدّث بالمُلزمات التي تدلّ على عظمة المؤمن، منها:

عن مالك بن أعين الجهنيّ قال: أقبل إليّ أبو عبد الله، فقال: "يا مالك أنتم والله شيعتنا حقّاً، يا مالك... لا يقدر أحد أن يصف حقّ المؤمن، ويقوم به ممّا أوجب الله على أخيه المؤمن، والله يا مالك إنّ المؤمنين ليلتقيان، فيصافح كلّ واحد منهما صاحبه، فما يزال الله تبارك وتعالى ناظراً إليهما بالمحبّة والمغفرة، وإنّ الذنوب لَتحاتّ عن وجوههما وجوارحهما حتّى يفترقا، فمن يقدر على صفة الله وصفة من هو هكذا عند الله؟!"[1].
 
1- حرمة المؤمن عند الله تعالى أعظم من الكعبة:
روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى الكعبة فقال: "مرحباً بالبيت، ما أعظمك وأعظم حرمتك على الله! والله لَلمؤمن أعظم حرمة منك، لأنّ الله حرّم منك واحدة، ومن المؤمن ثلاثة: ماله، ودمه، وأن يظنّ به ظنّ السوء"[2].
 
وفي رواية أنّ المؤمن من الحرم الخمس لله تعالى في بلاده. فقد روي عن الإمام الصادق أنّه قال: "عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه قَالَ لِلَّه عَزَّ وجَلَّ فِي بِلَادِه خَمْسُ حُرَمٍ حُرْمَةُ رَسُولِ اللَّه وحُرْمَةُ آلِ رَسُولِ اللَّه وحُرْمَةُ كِتَابِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ وحُرْمَةُ كَعْبَةِ اللَّه وحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ"[3].
 
وعن الإمام عليّ: "إِنَّ اللَّهً حَرَّمَ حَرَاماً غَيْرَ مَجْهُولٍ وأَحَلَّ حَلَالًا غَيْرَ مَدْخُولٍ وفَضَّلَ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْحُرَمِ كُلِّهَا وشَدَّ بِالإِخْلَاصِ والتَّوْحِيدِ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا[4]"[5].

2- وجوب رعاية حرمة المؤمن:
لقد جعل الله تعالى حرمة المؤمن فوق كلّ حرمة، وأوجب على المخلصين المعترفين بالوحدانيّة المحافظة على حقوق المؤمنين ومراعاتها، كما جاء في العديد من الروايات، ننقل منها:
روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "الحرمات التي تلزم كلّ مؤمن رعايتها، والوفاء بها: حرمة المؤمن، وحرمة الأدب، وحرمة الطعام"[6].
 
وعنه: صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: "سِبَابُ الْمُؤْمِنِ فُسُوقٌ وقِتَالُه كُفْرٌ وأَكْلُ لَحْمِه مَعْصِيَةٌ وحُرْمَةُ مَالِه كَحُرْمَةِ دَمِه"[7].
 
3- الله تعالى مؤنس المؤمن:
عَنْ مُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّه قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وتَعَالَى لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَاحِدٌ لَاسْتَغْنَيْتُ بِه عَنْ جَمِيعِ خَلْقِي ولَجَعَلْتُ لَه مِنْ إِيمَانِه أُنْساً لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ"[8].
 
ومعنى الحديث: "أي اكتفيت بعبادته عن عبادتهم. وفيه إشارة إلى كمال فضيلة الإيمان وتمام نعمته، فينبغي لمن يؤمن بالله أن لا يحتقر تلك النعمة، ولا يهمل أداء شكرها الذي من جملته أداء وظائف الطاعات وأن لا يجزع على فقد غيرها وأن يصبر على نوائب الدنيا وأن لا يؤذي أحداً من المؤمنين. لأنّ المؤمن حبيب الله ومن آذاه فقد آذى الله. "ولجعلت له من إيمانه أنساً، لا يحتاج إلى أحد" لأنّ الإيمان بالله سبب للتفكّر فيه، والالتفات إلى فضله، والشوق إلى قربه، والوثوق بلطفه، والعزلة عن شرار خلقه، والأنس به. فلا يعرضه وحشة فلا يحتاج إلى صحبة أحد لدفع الوحشة"[9].
 
4- الله تعالى يستضيف المؤمن:
ورد عن الإمام موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام عن النبيّ: "يُعَيِّرُ اللهُ عزّ وجلّ عَبداً مِن عِبادِهِ يَومَ القِيامَةِ فَيقَولُ: عَبدي ما مَنَعَكَ إذ مَرِضتُ أن تَعودَني؟ فَيقَولُ: سُبحانَكَ! أنتَ رَبُّ العِبادِ، لا تَألَمُ ولا تَمرَضُ. فَيَقولُ: مَرِضَ أخوكَ المُؤمِنُ فَلَم تَعُدهُ، وَعِزَّتي وجَلالي لَو عُدتَهُ لَوَجَدتَني عِندَهُ، ثُمَّ لَتَكَلَّفتُ بِحَوائِجِكَ فَقَضَيتُها لَك، وذلِكَ مِن كَرامَةِ عَبدِيَ المُؤمِنِ، وأنَا الرَّحمنُ الرَّحيمُ"[10].
 
والرواية تدلّ على عدّة أمور:

أ- على عظيم شأن المؤمن ومنزلته عند الله تعالى.
 
ب- إنّ عيادته عيادة اللَّه سبحانه، ويدلّ عليه ما ورد في بعض الروايات "عنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه قَالَ مَنْ زَارَ أَخَاه فِي اللَّه قَالَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ إِيَّايَ زُرْتَ وثَوَابُكَ عَلَيَّ ولَسْتُ أَرْضَى لَكَ ثَوَاباً دُونَ الْجَنَّةِ"[11].
 
ج- على كراهة ترك العيادة لمكان التعبير بالتعيير، إذ لا تعيير في ترك المستحبّ.
 
د- إنّ من حقّه تعالى على عباده، أن لا يهملوا بعضهم بعضاً في شدائدهم وضرّائهم في حال الحياة أو بعد الممات.
 
هـ- إنّ من آثار عيادة المؤمن قضاء حاجة الزائر من قبل الله تعالى.
 


[1] البرقي، المحاسن، مصدر سابق، ج1، ص 143، باب"ما هو إلا الله ورسوله ونحن وشيعتنا"، ح41.
[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 64، ص 71، ح 39.
[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج8، ص 107، ح82.
[4] "معاقدها "مواضعها "وما يجب " أي ما يلزم ويثبت وهو كالتأكيد لقوله إلّا بالحقّ.
[5] نهج البلاغة، مصدر سابق، ج2، ص 79، من خطبة له أوّل خلافته عظم فيها حقّ المؤمن ووصّى بمبادرة أمر العامّة والعدل فيهم.
[6] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج 74، ص 152.
[7] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص 360، باب السباب، ح2.
[8] المصدر نفسه، ص 245، بَابُ الرِّضَا بِمَوْهِبَةِ الإيمان والصَّبْرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بَعْدَه، ح2.
[9] المولى المازندراني، شرح أصول الكافي، مصدر سابق، ج9، ص 190.
[10] الحرّ العامليّ، الشيخ محمّد بن الحسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام، إيران - قم، 1414ه، ط2، ج2، ص417، باب استحباب عيادة المريض المسلم وكراهة ترك عيادته، ح10.
[11] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص 176باب زيارة الإخوان، ح4.

أصدر قائد الثورة الإسلامية، آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، رسالة بمناسبة الذكرى السنوية لافتتاح الدورة الأولى لمجلس الشورى الإسلامي وبدء المجلس الثاني عشر نشاطه للعام الثالث، أكد فيها أن مجلس الشورى الإسلامي هو "عصارة الشعب ومظهر السيادة الدينية وركيزة القانون والتشريع"، مشدداً على ضرورة ترجمة إرادة الأمة إلى تشريعات ملموسة تواكب مرحلة ما بعد "الدفاع المقدس الثالث"(1)، وتعزز الوحدة الوطنية، وتواجه مؤامرات التفرقة التي ينسجها الأعداء. كما دعا النواب إلى الاقتداء بتوجيهات الشهيد العظيم آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (قدس سره)، والتركيز على قضايا الاقتصاد المقاوم، ومكافحة الفساد، وبث الأمل الحقيقي في المجتمع. وإليكم نص الرسالة:

بسم الله الرحمن الرحيم

أبارك لشعب إيران الإسلامية العزيز وأعضاء مجلس الشورى الإسلامي جميعهم حلول عيد الأضحى المبارك وذكرى افتتاح الدورة الأولى لمجلس الشورى الإسلامي، وأعرب في هذه المناسبة عن بالغ تقديري لجهود النواب، ولا سيما رئيس مجلس الشورى الإسلامي المحترم، السيد الدكتور قاليباف، في سبيل رفعة البلاد.

إنّ مجلس الشورى الإسلامي هو عصارة الشعب، ومظهر السيادة الدينية وركيزة القانون والتشريع في الجمهورية الإسلامية، ويؤدي دورًا محوريًّا في إنفاذ إرادة الناس. الآن، وبعد مرور ثلاثة أشهر على الدفاع المقدس الثالث، تجلّى معدن الشعب الإيراني وجوهره في الإيمان والأمل والعمل لدى الصديق والعدو، حيث رسم هذا الارتقاء في مستوى الشعب الإيراني صورة مذهلة من عصارة فضائل الشعب. وبما أن الممثل الحقيقي للشعب يجب أن يكون من صلب الشعب، فإن هذه المرحلة تشكل نقطة تحوّل في إبراز بعثة الشعب عبر النواب والمجلس، ليضبطوا دورهم ومسؤولياتهم بما يتناسب مع مستوى الشعب المبعوث(2)، ومع العمل والمبادرة المضاعفين، يسرّعون التشريع والرقابة ويعمّقونهما في مسار تحديد مستقبل إيران الإسلامية.

وفي ميدان الجهاد هذا، يُعدّ مقعد التمثيل بمنزلة موقع في الخط الأمامي للتحوّل في مسار تقدّم البلاد. لذا، من الجدير على ممثلي الشعب، بالتوكّل على عنايات حضرة الحق جلّ وعلا، وبالتوسل بسيّدنا ومولانا (عجّل الله فرجه الشريف)، أن يصونوا الدماء الطاهرة للشهداء المظلومين في الحربين المفروضتين الأمريكية-الصهيونية، وفي مقدّمتهم قائدنا الشهيد العظيم الشأن (أعلى الله مقامه الشريف)، وأن يبذلوا بكل اجتهاد طاقتهم وقدراتهم كلها من أجل حوكمة متكاملة مع الحكومة وبقية الأجهزة، مع الحفاظ على استقلال السلطة التشريعية، في سبيل التحديث اللائق بالبلاد، ومعالجة مشكلات الناس، خاصة في الجوانب الاقتصادية والمعيشية، وتعزيز الإنتاج والتوظيف، ورفع مستوى العلم والصناعة، وتعزيز الثقافة والأخلاق، ومكافحة الفساد المالي، وكبح التضخم وارتفاع الأسعار، والقضاء على الحرمان على نحو شامل.

وعلى هذا الأساس، يجب أن ترتبط تشريعات المجلس ارتباطًا مباشرًا وملموسًا بالقضايا الأساسية للبلاد واحتياجات المواطنين، وأن تكون موجّهة نحو بث الأمل وبناء مستقبل البلاد. فالمجتمع قبل أي شيء يحتاج إلى مشاهدة علامات الأمل الحقيقية، ومسار مستقر، ورؤية واضحة للمستقبل ليتمكن من التخطيط والتحرك بناءً عليها، ويمكن للنواب عبر مواقفهم وتشريعاتهم وخطاباتهم أن يجعلوا مجلس الشورى الإسلامي مؤسسة رائدة في بث الأمل، ولا سيّما في المرحلة الراهنة، عبر التعاون مع السلطتين التنفيذية والقضائية، والتركيز على شعار «الاقتصاد المقاوم في ظل الوحدة الوطنية والأمن الوطني» في عام 1405 (هجري شمسي). ينبغي أن يكون الاستقرار الاقتصادي، وخفض التضخم، وإدارة السيولة، وتعزيز الإنتاج، وتصحيح خطة التنمية السابعة، وإضافة البنود المتعلقة بإعادة الإعمار وتعويض الخسائر الناجمة عن الحربين المفروضتين الثانية والثالثة، على رأس جدول الأعمال، لرسم خريطة طريق لحركة الحكومة وبقية القطاعات في الظروف الراهنة ومرحلة ما بعد الحرب.

يستلزم لعب دورٍ يليق بمستوى الأمة المنبعثة مقدمات ومتطلبات شتى أيضًا، وأنا أكتفي في هذا المجال الضيّق، بتوصية الإخوة والأخوات الأعزاء بالمطالعة الدقيقة والجادّة لتفاصيل توجيهات القائد الشهيد العظيم الشأن (أعلى الله مقامه الشريف) في لقاءاته السنوية مع نواب مجلس الشورى الإسلامي، ولا سيما في السنوات الأخيرة التي تنطوي على قيمة تجريبية وعملياتية مهمة. ومما لا شك فيه أن الالتزام بالتقوى الفرديّة يؤدي دوراً أساسيًا في ضمان الالتزام بتلك التوجيهات وأداء الواجبات الخطيرة أداءً صحيحًا في هذه البرهة الحساسة الراهنة. إن التحديد الصائب للأولويات، والتصويت المبني على الدراسات والاستشارات التخصصية العميقة، وانتهاج نمط العيش الشعبي والتواصل الواسع مع الناس، والمكافحة الشاملة للفساد، وترجيح المصالح الوطنية والمطالب العامة على الاحتياجات والمصالح الفئوية والحزبية والإقليمية، والاهتمام بالدبلوماسية البرلمانية، والشجاعة وإعلان المواقف بشفافية واقتدار في مواجهة أطماع المستكبرين، والالتفات الذكي والثوري إلى المكانة الجديدة لإيران في المنطقة والعالم، هي من جملة هذه المتطلبات.

ومن مصاديق التقوى، الاهتمام بنعمة الوحدة الوطنية العظيمة والانسجام المنقطع النظير اللذين وُهبا للأمة المنبعثة الملتفّة حول راية إيران الإسلامية، والتي تعدّ من أهم عوامل النصر في مواجهة الشيطان الأكبر. وإن شكر هذه الموهبة يكمن في اهتمام أفراد الشعب جميعهم، لا سيما النخب الفكرية والسياسية ومنهم نواب المجلس، بصون هذه الوحدة وتجنّب الخلافات السياسية الجوفاء وتضخيم الفوارق الاجتماعية. إن مخطط العدو الأعمى بعد الحرب المفروضة والضغوط الاقتصادية والحصار الإعلامي والسياسي، يرتكز على بث التفرقة والشرخ الاجتماعي لتعويض إخفاقاته في الميدان العسكري وتركيع الشعب؛ لذا على كل فرد من المضحّين بأرواحهم ممن تخفق قلوبهم للإسلام والثورة الإسلاميّة، أو لاستقلال إيران وشموخها، أن يهتمّ من الآن فصاعدًا، أكثر من ذي قبل، بحراسة وحدة صفوف الشعب المتراصة والمتلاحمة، وألّا يحوّل الخلافات غير المبررة بل وحتى المبررة منها إلى تنازع وفرقة، وأن يكون مظهرًا لانسجام الشعب ووحدته على مستوى القول والعمل، إن شاء الله.

أتمنى لكم السّداد في المهمّة البالغة الثّقل المتمثّلة في تمثيل هذا الشعب الكفؤ، الشعب الذي جابه بصدره ظلم وحوش هذا الزمان وأشراره وعدوانهم، ويوجّه التاريخ نحو مساره الصحيح. أيها الأعزاء، نسأل المولى عزّ وجلّ أن تكون دعوات إمامنا (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) مؤيِّدةً لكم، ومسدِّدةً لخطاكم، ومستجلِبةً للتوفيقات الإلهية.

والسّلام‌ عليكم ورحمة الله وبركاته

السيّد مجتبى الحسيني الخامنئي

28/05/2026

المصدر: قناة المكتب الإعلامي لسماحة قائد الثورة على تليغرام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إنّ «الدفاع المقدس الأول» يُقصد به الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، و«الدفاع المقدس الثاني» يُقصد به حرب الاثني عشر يومًا بين إيران وإسرائيل (13-24 يونيو 2025)، و«الدفاع المقدس الثالث» يُقصد به الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عام 2026 (التي بدأت في 28 فبراير 2026/ 10 شهر رمضان 1447)، والتي أدت إلى استشهاد آية الله العظمى الإمام الخامنئي (رضوان الله عليه).

(1) لفظة «مبعوث» إشارة إلى قول قائد الثورة الإسلامية الشهيد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (قدس سره) بتاريخ 1 فبراير 2026م (12 بهمن 1404هـ.ش)، ونصّه بالفارسية: «چنانچه حادثه‌ای برای کشور پیش بیاید، خدای متعال این مردم را مبعوث خواهد کرد برای مقابله با حوادث، و کار را مردم تمام خواهند کرد». وقد تُرجم هذا القول في الموقع العربي للقيادة آنذاك كالتالي: «إذا وقع حادث للبلاد، فإنّ الله المتعالي يبعث هذا الشعب لمواجهته، والناس ينجزون المهمة». والجدير بالذكر أن الشعب الإيراني خرج في تجمعات حاشدة بعد الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي الذي أدى إلى استشهاد القائد الشهيد (28 فبراير 2026م)،ليدافع عن الثورة، وحقّق بذلك ما وعد سماحته في كلمته.

أصدر قائد الثورة الإسلامية، آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، رسالة بمناسبة حلول موسم الحج لعام 1447 هـ.ق، أكد فيها أن الهجرة إلى الله لا تخص الحجاج في موسم محدد، بل هي دعوة دائمة لجميع المسلمين. وشدد القائد في رسالته على أن سلاح "الله أكبر" هو ما مكّن الأمة الإسلامية، ولا سيما الشعب الإيراني وجبهة المقاومة، من تحقيق الانتصارات الكبرى؛ بدءًا من الإطاحة بالنظام البهلوي، مرورًا بالدفاع المقدس (الحرب العراقية‑الإيرانية 1980‑1988)، وصولًا إلى الانتصارات في الحربين المفروضتين الأخيرتين. ودعا القائد إلى توحيد الصفوف الإسلامية، والاستعداد لتحقيق النصر النهائي على أعداء الإسلام، واستشراف مستقبل تعمّه العدالة والحضارة الإسلامية الجديدة.

وفيما يلي نص الرسالة:

بسم الله الرحمن الرحيم

«لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْك‏. لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ‏ لَكَ‏ لَبَّيْكَ.‏ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْك‏».

إلهي! أُجيبُ دعوتَك، لا شريك لك، كلُّ المحامد لك، وكلُّ النِّعَمِ لك، كلّ المُلك لك، وكلُّ القدرة لك، وإليك يرجع الأمرُ كلُّهُ.

ها قد حلَّ موسم الحجّ هذا العام أيضًا، فَعَقَدَ حجّاجُ أمَّة الإسلام إحرامَ العبوديّة، ولبّوا ليهاجروا من الحياة المادّيّة العاديّة إلى الحياة الإلهيّة السعيدة؛ الحياة التوحيديّة القائمة على محور العبوديّة للحقّ جلّ وعلا، وطَرْدِ الأنداد لله ونبذهم والبراءة منهم. بيد أنَّ فرصة هذه الهجرة ليست مختصّة بزوّار وحجّاج بيت الله الحرام لهذا العام فحسب، بل تشمل الإخوة والأخوات المسلمين في إيران جميعهم وفي أنحاء العالم كلها ممّن حجّوا في سنواتٍ مضت من عمرهم، وكذلك الذين لم يوفّقوا بعدُ لأداء مناسك الحجّ.

إنَّ شرط هذه الهجرة، هو عَقْدُ الإحرام الدائم حول ذِكْرِ الله، والطواف المستمر حول محور الحقّ، والسعي المتواصل بين قمم التكاليف الإلهيّة الخطيرة، والرجم الدائم للشيطان الشرّير بمظاهر غوايته كافة وأذنابه جميعها، والوقوف الممزوج بالتضرّع والإنابة، وإطعام الفقير العاجز وابن السبيل، وذبح الأهواء والنزعات المنحرفة، والتطهّر من الأرجاس الباطنيّة، والجهوزية لخدمة الحقّ ورفع راية الدفاع عنه في الحالات كلّها.

وهكذا كان، حين سار شعبُ إيرانَ على خُطى هذه الهجرة في ميقات الثورة الإسلاميّة، حيثُ لبَّى النّداء الإبراهيميّ للخمينيِّ الكبير، وخلعَ ثوبَ الخضوع للهيمنة، وارتدى ثوب إحرام السعادة الدنيويّة والأخرويّة، وسعى ملبّيًا ومُهرولًا ليطوف حول محور معارف الإسلام المحمّديّ الأصيل، ويُدني النّفس من نور العدالة العالميّة والولاية العُظمى الساطع على المعمورة.

الله أَكْبَر، الله أَكْبَر، لَا إِلَهَ‏ إِلَّا الله وَالله أَكْبَر، الله أَكْبَر وَلِله الْحَمْدُ، الله أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا.

نعم، الله أَكْبَر؛ فبهذا السلاح ذاته، سلاح «الله أَكْبَر»، انتفض شعب إيران المسلم قبل 47 عامًا، وأسقط النظام البهلوي الطاغوتي الدّكتاتوريّ والعميل، وكفَّ الأيدي والأَرجُل الأمريكيّة الطامعة والمستكبرة عن البلاد، واجتثّ نفوذَ الصهيونيّة بالكامل.

وبهذا السلاح عينه، سلاح «الله أَكْبَر»، وبعد عدوان نظام البعث الصدّاميّ على أرض إيران، سَطَّرَ المجاهدون الغيارى والشباب المتفانون ثماني سنوات من ملحمة «الدفاع المقدّس»، ورغم دعم قوى الشرق والغرب جميعها للنظام البعثي، فقد ألزموه حدّه، واستمرّوا في هذا الصمود لسنواتٍ لاحقةٍ أمام الحصار الاقتصاديّ، والانقلابات، وشتّى أنواع الحظر الجائرة، والهجمات السياسيّة والإعلاميّة والاقتصاديّة التي لا تُعدُّ ولا تُحصى للأعداء ضدّ الجمهوريّة الإسلاميّة، وواصلوا مسيرتهم بعزيمةٍ وثبات.

وَ«الله أَكْبَر»؛ بهذا السلاح نفسه، سلاح «الله أكْبَر»، عُزّزت أواصر العلاقات بين الأمّة الإسلاميّة وشباب المقاومة المجاهدين، من إيران إلى لبنان وفلسطين والعراق وسوريا، ومن أفريقيا واليمن إلى أفغانستان وباكستان وشعوب العالم الحرّة كلها، لينهض هذا الحبل المتين للدفاع عن كيان الأمّة الإسلاميّة في وجه المعتدين الغاصبين الصهاينة، ويطوي سِجِلَّ «داعش»، ويُفجّر «طوفانَ الأقصى»، ويُحصي أنفاسَ الكيان الصهيونيّ المتزلزل.

«الله أَكْبَر»؛ نعم، الله - تبارك وتعالى - أكبر من أن يوصف... كان هذا هو سلاح «الله أَكْبَر» الذي اعتمدت عليه جمهوريّة إيران الإسلاميّة لتنجح عبره في جعل الكيان الصهيونيّ يشقى تحت ضرباتها المُرعبة في الحرب المفروضة الثانية في حزيران/ يونيو من عام 2025، وفي توجيه صفعةٍ قاسيةٍ لأمريكا المعتدية، وإحباط مساعي العدوَّ الرامية إلى إخضاع إيران.

وقد منحَ سلاحُ «الله أَكْبَر» الشعبَ الإيرانيَّ قوّةً وجَلَدًا لدرجة أنَّهُ بعد الحادثة المُفجعة لاستشهاد القائد العظيم الشأن، ابن النبيِّ الأكرم - صلّى الله عليه وآله وسلم - وسليله، آية الله العظمى السّيّد عليّ الحسينيّ الخامنئيّ - أعلى الله مقامه الشريف - على يد أشقياء عالم اليوم، شَهِد بِعثةً إلهيّة، وأَبهرَ أعينَ العالمِ بإنجازاته المُشَرّفة وبحضوره الفاعل في كلّ ميدان دعت الحاجةُ إليه.

إنَّ الله - تبارك وتعالى - أكبر من أن يوصف بِحَقّ... فبهذا السلاح ذاته، «الله أَكْبَر»، حقّق المُجاهِدون الشجعان والقوّات المسلّحة المضحّية بالأرواح في إيران الإسلاميّة، وبمساندة مجاهدي جبهة المقاومة، وخصوصًا في لبنان العزيز، انتصاراتٍ مذهلة ضدّ جيشين إرهابيّين مُدَجّجين بالأسلحة، الجيش الأمريكيّ - الصهيونيّ، في الحرب المفروضة الثالثة؛ فبالتوكّل على الحضرة الربوبيّة، وبواسطة صواريخهم وطائراتهم المسيّرة في البرّ والجوّ والبحر، رجموا الشيطانَ الأكبر، أي أمريكا، وحيوانها المروَّض، أي الكيان الصهيونيّ، ورأوا بأمّ العين الوعدَ الإلهيَّ الصادقَ بنصرةِ المجاهدين في سبيل الله.

مجدّدًا، «الله أَكْبَر»؛ وبلا أدنى شكّ، الله - تبارك وتعالى - أكبر من أن يوصف... وجنوده قاهرون لأيّ قوّة، وبهذا السلاح عينه، «الله أَكْبَر»، ستتحقّق بعثةُ الأمّةِ الإسلاميّةِ بعد بعثة الشعب الإيرانيِّ وجبهة المقاومة، وسوف تسري البراءةُ من المشركين من رمي الجمرات في الحجّ إلى مشاهد الحياة الفرديّة والاجتماعيّة والسياسيّة للمسلمين في أقصى نقاط العالم.

إنَّ لدى الأمّة الإسلاميّة وشعوب المنطقة قابليات ومصالح مشتركة كثيرة، ستصيغ النّظامَ الجديدَ والهندسةَ المستقبليّةَ للمنطقة والعالم.

إنَّني أدعو - بِصدقٍ وإخلاص - الدول والحكومات الإسلاميّة كافة إلى الصداقة والتعاون؛ من أجل الخيرِ والصلاح، لكي نخطو معًا بتضافر الجهود في سبيل النهوض بالأمّة الإسلاميّة وتقدّمها، وحلّ مشكلات العالم الإسلاميّ.

ومن المؤكّد في هذا الصدد أنَّ عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، وأنَّ شعوب المنطقة وأراضيها لن تكون بعد الآن معاقلَ للقواعد الأمريكيّة. فأمريكا، فضلًا عن أنّها لن تجدَ بقعةً آمنةً لممارسة الشرّ وإقامة قواعد عسكريّة في المنطقة، فإنّها أيضًا تبتعد يومًا بعد يوم عن وضعها السابق. كما أنَّ الكيان الصهيونيّ المتزلزل والغدَّةَ السرطانيّة، اقتربَ أيضًا من المراحل الأخيرة لحياته المشؤومة.

وبفضل الله، ووفق الكلمة الحاسمة والمستشرفة للمستقبل التي نطقَ بها القائد الشهيد العظيم الشأن - قَدَّسَ اللهُ نفسَهُ الزكيّة - قبل عشر سنوات، لن يشهدَ الأعوام الخمسة وعشرين التي تتلو ذلك التاريخ، إن شاء الله.

ولهذا تكتسب قضية البراءة من المشركين هذا العام أهميةً مضاعفة، ويغدو عمق البراءة من أمريكا والكيان الصهيوني ونطاقها أبعد من مراسم البراءة في موسم الحج، إذ سيكون شعار «الموت لأمريكا والموت لـ"إسرائيل"» بعد هذه الأيام المباركة، وفي مختلف أنحاء إيران والعالم، الشعارَ المتداول لدى الأمة الإسلامية ومظلومي العالم، ولا سيّما الشباب.

المستقبل للأمَّةِ الإسلاميّة وللحضارة الإسلاميّة الجديدة، وفي إمكان كلِّ واحدٍ منّا أن يؤدي دورًا - على قدر همّته وقدراته ومسؤوليّته - في تحقيق هذا المستقبل والاقتراب منه. كما أنَّ للزوّار والحجّاج الإيرانيّين - في موسم حجّ هذا العام - دورًا مؤثّرًا وبارزًا في سرد رواية الفتح في الحرب المفروضة الثالثة لسائر إخوانهم وأخواتهم المسلمين، وبث الأمل في نفوسهم بمستقبل مشرق.

أطلبُ من الحجّاج الأعزّاء جميعهم أن يهتمّوا بالدّعاء لتعجيل فَرَجِ مُخلّص البشريّة (عجَّلَ اللهُ تعالى فَرَجَهُ)، وأن يدعوا لوحدةِ الأمَّةِ الإسلاميّة، وتحرير فلسطين والمسجد الأقصى، وحلّ المشكلات الكبرى للمسلمين، وتحقيق الظَّفَرِ النهائيِّ على الاستكبار العالميّ، وأن يشملوني أيضًا بصالح دعائِهم.

اللَّهُمَّ صلِّ على محمّد وآل محمّد، واشمل حجّاج بيتك الحرام وسائر الأمّة الإسلاميّة بلطفك ورأفتك، ووفّقهم لحجٍّ مقبول، ونَوِّر قلوبهم بأنوار المعرفة والبصيرة، وثبِّت عزائمهم وإراداتهم على السير في خُطى إصلاح حال الأمّة، وتحقيق النصر النهائيِّ على أعداء الإسلام.

اللَّهُمَّ، أنزل فضلك ورحمتك الواسعة على الأرواح الطاهرة للشهداء في سبيل الله، وخاصّةً شهداء جبهة المقاومة، وفي طليعتهم القائد الشهيد العظيم الشأن - أعلى الله مقامه الشريف - وبلّغ روحه الملكوتيّة النصيبَ الوافرَ من حجّ الحجاج، وعبادة المتعبّدين، وسعي الساعين الذين شملتهم هدايةُ قائد الأمّة وقيادتُه، وأَعِنْ شعبَ إيران والأمّة الإسلاميّة على الاستمرار في طريقه وتحقيق هدفه.

اللَّهُمَّ، أنزل أفضلَ صلواتك وتحيّاتك على سيّدنا ومولانا الإمام المهديّ المنتظر - صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه الطاهرين -، واجعلنا جميعًا والأمّة الإسلاميّة مشمولين بأدعيته الزاكية والمستجابة، وزيِّن العالم ونوِّره بقدومه المبارك كما وعدتَ، واجعل قلوبنا مفعمةً بالاطمئنان بذلك الوعد المحتوم: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنا} (النور، 55). والسلامُ على إخواننا المسلمين جميعهم، ورحمة الله وبركاته.

السيد مجتبى الحسيني الخامنئي

26 أيار/ مايو 2026

9 ذي الحجة 1447 هـ.ق.

سماحة قائد الثورة الاسلامية أكد في هذه الرسالة ان الطابع الشعبي والدبلوماسية النشطة كانتا من السمات البارزة للشهيد السيد رئيسي.  

وفيما يلي نص بيان سماحة قائد الثورة الاسلامية:

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ إحياء ذكرى شهداء «رحلة أيّار» (حادثة تحطّم المروحيّة) وفي مقدّمتهم رئيس الجمهورية الشهيد حجّة الإسلام والمسلمين رئيسي، يُعيد إلى الذاكرة استشهاد قوافل خدّام الشعب في الجمهورية الإسلامية الايرانية، من مطهري وبهشتي ورجائي وباهنر، إلى رئيسي وآل هاشم وأمير عبداللهيان ولاريجاني؛ مئات الشخصيات البارزة من الذين تربّوا في مدرسة الخميني الكبير والخامنئي العزيز (أعلى الله مقامهما الشريف)،  وزيّنوا سجلّ الخدمة المخلصة والجهادية لمسؤولي الجمهورية الإسلامية بتوقيعهم المضرج بالدماء.

ويمكن للمرء أن يعدّ  من الميزات البارزة للشهيد رئيسي: تحمّل المسؤولية، وإفساح المجال للشباب، والاهتمام بالعدالة، والدبلوماسية الفاعلة والنافعة، ولا سيما الطابع الشعبي الذي اتّسم به؛ وقد كانت هذه الخصائص تبعث الطمأنينة في نفوس أصدقاء إيران، ومنهم مجاهدو جبهة المقاومة القوية وكثير من الحريصين على النظام. وكلّ ذلك كان ممتزجًا، بالطبع، بنفحة روحانية متجذّرة في أعماق نفسه.

وأما بشأن العلاقة بين المسؤولين والشعب، فإنّ الخصائص الإيجابية المؤثّرة كانت تؤدي إلى تقدير متبادل. وهكذا جرت مراسم تشييعه إلى جوار مولاه ومخدومه الإمام أبي الحسن الرضا صلوات الله وسلامه عليه، بمشهد مهيب قلّ نظيره.

وقد شكّلت الفترة غير المكتملة من رئاسته للجمهورية معيارًا لقياس حجم الجهد والحرص على الشعب والبلاد، مع الحفاظ على استقلالها.

واليوم نقف أمام الملاحم التي سطّرها الشعب الإيراني في مقاومته التاريخية الفريدة بوجه جيشين إرهابيين عالميين. وهذا الأمر يزيد من أعباء التكليف الملقى على عاتق مسؤولي الجمهورية الإسلامية، من القيادة ورؤساء السلطات إلى جميع مستويات الإدارية،  أكثر من أيّ وقت مضى.

واليوم، فإنّ شكر نعمة الانسجام بين الشعب والحكومة وسائر أجهزة الجمهورية الإسلامية، يكمن في تعزيز دوافع المسؤولين ومضاعفة خدمتهم وجهادهم، والعمل على حلّ مشكلات البلاد ، ولا سيّما في المجالين الاقتصادي والمعيشي، والحضور الميداني والمباشر، وتعريف دور جادّ للشعب الناهض بمسار تقدّم البلاد والتحرك بأمل نحو المستقبل المشرق.

رحمة الله ورضوانه على شهداء طريق الخدمة، ولتكن النصرة الإلهية ودعاء مولانا الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف سندًا لخدّام الشعب الإيراني المسلم.

السيد مجتبى الحسيني الخامنئي

20 أيار/مايو

البعدان الأخلاقيّ والتربويّ في كلمات الإمام الباقر (عليه السلام)

وضع الإمام الباقر (عليه السلام) أسس النظام الأخلاقيّ العامّ للفرد والمجتمع. ونشير إلى بعض جنباته في هذه العجالة:

1- الحثّ على الخصال الحميدة: حثَّ عليه السلام على التمرّن على الأخلاق الفاضلة والخصائص الحميدة، فقال عليه السلام: "عليكم بالورع والاجتهاد، وصدق الحديث، وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم عليها براً كان أو فاجراً، فلو أن قاتل عليّ بن أبي طالب عليه السلام ائتمنني على أمانة لأدّيتها"[1].
 
2- حسن الخلق: وحبّب إلى النفوس حسن الخلق والرفق، فقال: "من أعطي الخلق والرفق فقد أعطي الخير كلّه، والراحة، وحسن حاله في دنياه وآخرته. ومن حُرم الرفق والخلق كان ذلك له سبيلاً إلى كل شرّ وبليّة إلاّ من عصمه الله تعالى"[2].
 
3- العلاقة بالآخر على أساس العلاقة بالله: كما حثّ عليه السلام على جعل الروابط والعلاقات الاجتماعية على أساس القرب والبعد من الله تعالى، فقد أورد أحاديث لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تؤكّد على ذلك ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "ودّ المؤمن للمؤمن في الله من أعظم شعب الإيمان، ومن أحبّ في الله، وأبغض في الله، وأعطى في الله، ومنع في الله, فهو من أصفياء الله"[3].
 
4- عدم إكرام الشّرير: روى عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "ألا إنّ شرار أمتي الذين يكرمون مخافة شرّهم، إلا وإنّ من أكرمه النّاس اتّقاء شرّه فليس منّي"[4].
 
5- الترغيب بالأدب الحسن: وحبّب إلى نفوس أصحابه الأدب وحسن السيرة، فقال عليه السلام: "ما استوى رجلان في حسب ودين قط إلاّ كان أفضلهما عند الله آدبهما"[5].

6- الزهد: وروى عليه السلام عن الإمام عليّ عليه السلام قوله: "إن من أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا"[6].
 
فقد حبّب الإمام عليه السلام إلى أصحابه السلوك الصالح، بربطه بالعبادة وطلب العون من الله تعالى، فقال: "ما من عبادة أفضل من عفّة بطن وفرج، وما من شيء أحبُّ إلى الله من أن يُسأل، وما يدفع القضاء إلاّ الدعاء، وإن أسرع الخير ثواباً البرّ..."[7].
 
7- الارتباط الدائم بالله تعالى: الارتباط بالله تعالى والاستسلام له والعزم على طاعته من شأنه أن يمحّص القلوب، ويطهّر النفوس، قال عليه السلام: "ما عرف الله من عصاه"[8]. فإنّ المعرفة تنتج الحبّ والحبّ الصادق يحول بين الإنسان وبين مخالفة محبوبه.
 
8- الإقرار بالذنب والتوبة: إنّ منهج أهل البيت عليهم السلام يهدف إلى علاج النفوس البشرية، واستجاشة عناصر الخير فيها، وإلى مطاردة عوامل الشرّ والضعف والغفلة. قال عليه السلام: "والله ما ينجو من الذنب إلاّ من أقرّ به"[9].
 
والتوبة تمحو الذنب فيعود الإنسان من خلالها إلى الاستقامة ثانية، قال عليه السلام: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمقيم على الذنب وهو مستغفر منه كالمستهزئ"[10].
 
9- تعميق الحياء الداخليّ: ولا بدّ أن يتسلّح الإنسان بالواعز الذاتيّ الذي يصدّه عن فعل القبيح، ولذا أكّد الإمام عليه السلام على الحياء لأنّه حصن حصين يردع الأهواء والشهوات من الانطلاق اللامحدود. قال عليه السلام: "الحياء والإيمان مقرونان في قرن، فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه"[11].
 


[1] ابن شعبة، الحرّاني، الحسن بن علي، تحف العقول، ص 299.
[2] العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج75، ص 186.
[3] أحمد بن محمد بن خالد البرقي، المحاسن، تصحيح وتعليق: السيد جلال الدين الحسيني، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1370 - 1330 ش، لا.ط.
[4] العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 72، ص272.
[5] ابن فهد الحلي، أحمد بن محمد، عدة الداعي، تصحيح: أحمد الموحدي القمي، قم، مكتبة وجداني، لا.ت، لا.ط، ص18.
[6] الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي،ج2،ص128.
[7] م. ن، ص460.
[8] العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار،ج75، ص 174.
[9] الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص426.
[10] العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج6، ص41.
[11] الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص106.