Super User

Super User

الثلاثاء, 17 شباط/فبراير 2015 00:00

هجرة المسلمين إلى الحبشة (17)

استمر المشركون في تعذيب أتباع رسول الله (ص) وإيذائهم بأشد أنواع الأذى. ولمّا رأى النبي (ص) ما يحدث للمسلمين وأنه غير قادر على دفع الأذى عنهم، وخاصة عن أولئك الذين لم يكن لهم عشيرة تحميهم وتدافع عنهم. فأمرهم بالخروج من مكة والهجرة إلى الحبشة. وقال لهم إن فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، "فاخرجوا حتى يجعل الله لكم مخرجاً مما أنتم فيه". امتثل المسلمون لأمر نبيهم (ص) وخرجوا من مكة في السنة الخامسة بعد البعثة النبوية. وخرجوا إلى جدة وصادف أن بعض السفن التي كانت في طريقها إلى الحبشة قد رست في ميناء جدة، فركبوا بها بأجر لا يزيد على نصف دينار لكل راكب. ويبدو أن خروجهم من مكة بهذه الهجرة كان بصورة سرية وفي جوف الليل، بعيداً عن أنظار المشركين.

والهجرة إلى الحبشة لم تحصل دفعة واحدة، وإنما حصلت تباعاً وعلى مراحل، حيث يقال إنه سافر في البداية عشرة رجال وأربع نساء، ثم خرج بعدهم فريق أخر من المسلمين المهاجرين حتى صار عددهم في أرض الحبشة، ثلاثة وثمانين رجلاً وتسع عشرة امرأة، عدا الأطفال.

وكان في مقدمتهم جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله (ص).

سبب هجرة جعفر بن أبي طالب :

وهجرة جعفر بن أبي طالب بالتحديد مع المهاجرين المسلمين إلى الحبشة لم تكن بسبب تعرضه للتعذيب أو التنكيل من قبل قريش. فإن جعفراً هو ابن أبي طالب زعيم بني هاشم.

ولقد كانت قريش تخشى مكانة أبي طالب في مكة، كما كانت تراعي جانب بني هاشم بصورة عامة ولا تجرؤ على مواجهتهم فكيف بتعذيب أحد منهم؟!.. إذاً لم كانت هجرته؟!.. نعتقد أن النبي (ص) أرسله مع المهاجرين ليكون أميرا عليهم ينظّم أمورهم وبتابع أوضاعهم، ويحفظهم من الذوبان في المجتمع الذي هم مهاجرون إليه. كما أننا نحتمل جداً أن يكون لجعفر مهمة أخرى إضافة إلى ذلك.

وهي مهمة التعريف بحقيقة الإسلام وأهدافه ومبادئه وقيمه في ذلك المجتمع. وخاصة أن جعفراً بن أبي طالب كان يملك فهماً ووعياً مميزاً بفكر الإسلام وبمفاهيمه يجعله مؤهلاً للقيام بهذه المهمة الخطيرة خارج الجزيرة العربية.

ومهما يكن فإن السؤال المطروح هنا هو حول دوافع هذه الهجرة وأهدافها.

أسباب الهجرة المباشرة :

فهل الهدف من هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة في تلك الفترة العصيبة هو الفرار من المشركين بسبب ما كان يعاني منه المسلمون من ظلم واضطهاد كبيرين؟!.. أم أنها كانت لأهداف وأغراض سياسية أو غير ذلك مما يعود على الإسلام بالمصلحة والمنفعة العامة.

في الحقيقة يمكن تلخيص أهداف هذه الهجرة ودوافعها في النقاط الأتية :

أولا: إن قريشا استمرت في تعذيب من يعتنق الإسلام، خصوصا أولئك الذين لم يكن لهم عشيرة تدافع عنهم، وكان الاستمرار بهذا الوضع بالنسبة للمسلمين غير ممكن على المدى الطويل. فكان لا بد من إيجاد مخرج لهؤلاء المعذبين، ولا بد من موضع أمل لكل من يدخل في الإسلام، يلجأون إليه، فكانت الهجرة إلى الحبشة هي الحل الأنسب في تلك الفترة بعيدا عن أذى قريش وتمكنا لهم لممارسة شعائرهم الدينية بحرية.

ثانيا: إننا إذا نظرنا إلى أحاديث هذه الهجرة وما أحيط بها وبالمهاجرين أنفسهم، نجد أن في المهاجرين إلى الحبشة، عددا لابأس به ممن لم يتعرض للتعذيب والتنكيل من  قريش، مثل جعفر بن أبي طالب. كما أننا نجد المهاجرين قد بقوا في الحبشة إلى ما بعد السنة الثالثة أو الرابعة وحتى إلى السنة السابعة للهجرة إلى المدينة.

ومع هذا وذاك يجعلنا نعتقد أن هدفا أخر كان أيضا أحد دوافع الهجرة. فلو اقتصر الهدف منها فقط على الفرار من التعذيب والقهر لما كان هناك مبرر لبقاء بعض المهاجرين في الحبشة. فإن المسلمين قد أصبحوا في تلك السنة السابعة من الهجرة، وحتى قبلها، في أمن وآمان على أنفسهم وإسلامهم، سواء من قريش أو سائر العرب المشركين.

فيتضح لنا أن هذا الهدف الثاني هو الدعوة إلى الإسلام والتبشير بمبادئه وأحكامه وقيمة الانسانية الراقية خارج الجزيرة العربية. وهذا كان يفهم الناس أن الإسلام لا يختص بفئة معينة من البشر في مكان محدد بل هي للعالم بأسره.

ولعله ما يؤكد ويدل على أن أهداف الهجرة إلى الحبشة والدعوة للاسلام وتعريف الناس به حسب ما جاء في بعض النصوص أن جعفرا جاء من الحبشة بعد مدة من الهجرة إليها على رأس كبير من نصارى الحبشة، الذين أعلنوا إسلامهم أمام رسول الله (ص)، ثم عاد جعفر إليها. وجاء في بعض النصوص أيضا، أن النجاشي نفسه، ملك الحبشة، قد أسلم وأرسل إلى رسول الله كتابا يبين فيه إسلامه، واستعداده للحاق بالرسول.

وبمعزل عن كل هذه الشواهد، التي تؤكد أن أحد أهداف هذه الهجرة هي الدعوة إلى الإسلام خارج مكة، فإن وجود عدد كبير من المسلمين المهاجرين خارج الجزيرة العربية، وفي الحبشة بالذات، وهم يمارسون عباداتهم وشعائرهم الدينية بحرية كاملة، هو دعاية للاسلام وله تأثيره الكبير على عرب الجزيرة وغيرهم ممن كان يأتي إلى الحبشة، للتجارة والسياحة وغير ذلك. وكان من أهداف هذه الهجرة أيضا توجيه ضربة لكبرياء لقبيلة قريش لتدرك أن قضية الدين تتجاوز حدود تصوراتها وقدراتها. وإن المسلمين قادرون على تجاوز حدود الوطن والتخلي عن كل ممتلكاتهم وكل شيء في سبيل إنقاذ إسلامهم وعقيدتهم.

 

 

اشار الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الى ان مصير العالم اليوم يصنع في المنطقة كما يصنع مصير شعبنا وبلدنا وكراماتنا ومستقبل أجيالنا. واضاف "مصير سورية ولبنان والعراق والاردن وغيرها من البلدان يصنع في المنطقة".

واوضح السيد نصر الله ان "لبنان اليوم متأثر بما يجري في المنطقة أكثر من أي وقت مضى "، ولفت الى ان "هناك منطق يقول إننا نريد لبنان بمعزل عن أحداث المنطقة والنأي بالنفس عن كل ما يجري في المنطقة هذا كلام جميل لكن هذا غير واقعي لانه لا يمكن ان نقول ان لبنان لا يتأثر بما يحصل في المنطقة".

كلام السيد نصر الله جاء في كلمة له مساء الاثنين خلال الاحتفال المركزي الذي اقامه حزب الله إحياء لذكرى القادة الشهداء في مجمع سيد الشهداء(ع) في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت.

وحول خطر تنظيم "داعش" الارهابي، اشار السيد نصر الله الى ان "تهديد التيار التكفيري ليس تهديدا لبعض الأنظمة بل لكل البلاد وكل الشعوب بل هذا تهديد للاسلام كدين ورسالة"، وأكد ان "هدف داعش هو مكة المكرمة والمدينة المنورة وليس بيت المقدس"، واضاف "سمعت ان خليفة داعش أبو بكر البغدادي عيّن أميرا لمكة وأميرا للمدينة".

ولفت السيد نصر الله الى ان "كل العالم اليوم سلّم أن هذا التيار التكفيري داعش يشكل تهديدا للعالم والمنطقة وفقط اسرائيل لا تعتبر داعش خطرا وتهديدا"، واشار الى ان "كل ما فعلته داعش يخدم مصالح اسرائيل لذلك فتشوا عن الموساد الاسرائيلي والمخابرات الغربية في أهداف داعش".

وشدد السيد نصر الله على انه "يجب اعتبار المواجهة الفكرية والسياسية والميدانية ضد الارهاب دفاعا عن الاسلام"، ودعا "شعوب وحكومات المنطقة إلى العمل سوية لمواجهة هذا الخطر الارهابي وجميعنا قادرون على الحاق الضرر به ومن خلفه"، واضاف "نحن نعتبر أنفسنا ندافع عن الإٍسلام بكامله".

واشار السيد نصر الله الى انه "يجب ان لا نخدع أنفسنا في التفريق بين داعش والنصرة هما جوهر واحد وفكر واحد وثقافة واحدة الاردن"، وتابع "لا يستطيع ان يواجه داعش في العراق ويدعم النصرة في سورية"، واضاف "على الدول الخليجية مقاربة ملفات المنطقة بطريقة أخرى لأن التهديد يطال الجميع"، داعيا "حكومات المنطقة أن تعمل على تجميد الصراعات القائمة في المنطقة".

واكد السيد نصر الله ان "أميركا تستنزفنا وتؤسس من خلال داعش لأحقاد وعداوات كبيرة وتدمر المنطقة لمصلحة هيمنتها وقوة اسرائيل"، واضاف "يجب أن نبادر لمواجهة هذا التيار التكفيري وعدم السماح له بالتمدد"، وتابع "الثورة في اليمن هي التي تقف في وجه القاعدة التي تخطط للسيطرة على سورية وصولا إلى السعودية".

وحول جريمة "داعش" بقتل العمال المصريين، دان السيد نصر الله الجريمة الارهابية التي ارتكبها تنظيم "داعش" الارهابي بقتله العمال المصريين في ليبيا. وتقدم "بالعزاء من العشب المصري والكنيسة القبطية بهذه الجريمة والحادث الجلل".

واكد السيد نصر الله على "تأييده لوضع استراتيجية وطنية في لبنان لمواجهة الارهاب"، واضاف "يمكن ان نتفق على عدو اسمه الارهاب لكن للاسف قد لا نتفق على عدو اسمه اسرائيل"، واضاف "أمام خطر الارهاب نحن في حزب الله نؤيد الدعوة لوضع استراتيجية وطنية لمكافحة الارهاب"، ولفت الى انه "يجب على الدولة ان تحزم أمرها كيف ستتعامل مع الخطر الموجود على تلال وجبال السلسلة الشرقية حيث داعش والنصرة"، واعتبر ان "هذا الأمر يحتاج إلى قرار"، مجددا التحية "لضباط الجيش اللبناني والقوى الأمنية ورجال المقاومة الذين يدافعون عن لبنان".

وفيما دعا السيد نصر الله الى "التنسيق بين الجيش اللبناني والجيش السوري لمواجهة الارهابيين"، قال "تعالوا لنذهب إلى أي مكان نواجه فيه هذا التهديد الذي يتهدد أمتنا"، واضاف "لمن يدعونا للانسحاب من سورية نقول فلنذهب سويا إلى سورية والعراق ولكل مكان يوجد في الارهاب".

من جهة ثانية، أكد السيد نصر الله انه "لا يحق لمن يتدخل في سورية عسكريا وسياسيا أن ينتقد موقفنا السلمي بشأن الحراك في البحرين"، واضاف "من ينتقد موقفنا من البحرين ويعتبر ان هذا الموقف يسيء إلى علاقات لبنان مع دولة شقيقة عليه عدم التدخل في سياسة بلد آخر ولا سيما سورية"، ولفت الى ان "النظام البحريني يهدد بإبعاد اللبنانيين من البحرين بسبب بعض التصريحات لانه هكذا تتصرف الانظمة الضعيفة".

وتطرق السيد نصر الله الى الخطة الامنية التي تطبق في منطقة البقاع، ودعا الى "تواصل الخطة الامنية في البقاع وتفعيلها"، واعتبر "يجب جميعا ان ندعم ونساند ونقف وراء الجيش والقوى الأمينة في هذا المجال"، واشار الى انه "بجانب الخطة الأمنية في البقاع نحتاج خطة إنمائية للبقاع خصوصا بعلبك الهرمل وعكار ايضا وحل مشكلة عشرات الآلاف من المطلوبين باستنابات قضائية بسيطة".

وفي الشأن السياسي اللبناني الداخلي، طالب السيد نصرالله "بمعاودة الجهد الداخلي في موضوع الإستحقاق الرئاسي"، وتابع "لكل الحريصين على منع الفراغ أقول لهم لا تنتظروا المتغيرات في المنطقة والخارج لأن المنطقة متجهة إلى مزيد من المواجهات والازمات"، وأكد "نحن مع دعم الحكومة ومواصلة عملها والبديل عنها هو الفراغ". 

وحول العلاقة بين حزب الله والتيار الوطني الحر، دعا السيد نصر الله الى "تعميق العلاقة بين الحزب والتيار"، وتابع " ندعو لعقد تفاهمات متشابهة على مستوى كل الوطن". 

وفيما يتعلق بالحوار مع "تيار المستقبل"، قال السيد نصر الله "سنواصل الحوار مع تيار المستقبل الذي أنتج بعض الأمور الإيجابية التي كانت ضمن توقعاتنا ونأمل أن نتوصل إلى نهاية إيجابية".

وحول ذكرى القادة الشهداء، قال السيد نصر الله "في كل سنة في مثل هذا الوقت نحيي ذكرى قادتنا الشهداء السيد عباس الموسوي استاذنا وقائدنا ومعلمنا وزوجته العالمة السيدة ام ياسر وطفلهما الصغير حسين وشيخ الشهداء الشيخ راغب حرب والقائد الكبير الحاج عماد مغنية، هؤلاء الشهداء هم عنوان ثباتنا"، واضاف "نحيي هذه الذكرى من اجلنا نحن ومن اجل اجيالنا وليس من اجلهم فقط ونحيي هذه الذكرى لتثبيت الذكرى في عقولنا ووجداننا ووجدان أجيالنا وأطفالنا".

واشار السيد نصر الله الى انه "نحيي الذكرى للاطلاع على التاريخ منذ انطلاق المقاومة ومنذ انتصار الثورة الاسلامية الايرانية وبدء تطور المقاومة والانجازات التي بدأت تسجلها"، وتابع "هذه الحقبة من التاريخ تمثل مدرسة للانسانية وكان قادتنا الشهداء هم من ابرز عناوينها وهم الشهود الشهداء عليها"، واوضح "نحن نحتاج الى ان نعود الى هؤلاء القادة لنتعلم الزهد منهم عندما تقدم الدنيا علينا ونتعلم منهم الشجاعة والحكمة عندما تواجهنا الصعاب والفتن وان نأخذ منهم الهمة العالية عندما يتعب البعض والاقدام عندما نقصر ونتعلم منهم ان نثق بالله وبمجاهدينا نأخذ منهم الامل والبصيرة".

وقال السيد نصر الله "قادتنا في ثمانينات القرن الماضي لم يتحدثوا فقط ان اسرائيل فقط ستخرج من ارضنا بل كانوا يؤكدون ان اسرائيل ستزول وتنتهي"، واضاف "عندما نرجع الى هؤلاء القادة لانهم مدرسة فكرية كاملة يجب التعريف بها والتعلم منها"، وذكّر انه "من على هذا المنبر وقف الشهيد جهاد عماد مغنية ليعلن خياره وموقفه وطريقه واختار الجهاد لانه يحمل في جنباته روحية الحاج عماد فاختار الذهاب الى القنيطرة والساحات المقاومة ومن ثم الشهادة"، وشدد على ان "دم الحاج عماد مغنية سيبقى يلاحق العدو الاسرائيلي ويطارده".

من جهة ثانية، توجه السيد نصر الله الى عائلة الشهيد رفيق الحريري وعائلته ومحبيه بالتعازي لجريمة اغتياله الاليمة التي تصادف في 14 شباط، وتابع "تداعيات هذه الحادثة الاليمة ما تزال حتى اليوم"، واضاف "اتوجه بالعزاء الى جميع الشهعداء الذين سقطوا في هذه الحادثة الاليمة".

الأحد, 15 شباط/فبراير 2015 00:00

الخمس في الاسلام

الأصل في ضريبة الخمس هو قوله سبحانه : واعلموا أنّما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير ( الأنفال/ 41 ).
لا شك أنّ الآية نزلت في مورد خاص، أعني يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان وهو غزوة بدر الكبرى، لكن الكلام في أنّ قوله ما غنمتم هل هو عام لكل ما يفوز به الإنسان في حياته أو خاص بما يظفر به في الحرب من السلب والنهب.
وعلى فرض كونه عامّاً فهل المورد مخصّص أو لا ؟
فيقع الكلام في مقامين :
الأول : الغنيمة مطلق ما يفوز به الإنسان :
أما الأول فالظاهر من أئمة اللغة أنّه في الأصل أعم مما يظفر به الإنسان في ساحات الحرب، بل هو لغة لكلّ ما يفوز به الإنسان وإليك بعض كلماتهم.
1- قال الأزهري : (( قال الليث : الغنم : الفوز بالشيء والاغتنام انتهاز الغنم )) (2).
2- قال الراغب : الغنم معروف. .. والغُنْم : إصابته والظفر به، ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العدى وغيرهم قال واعلموا أنّما غنمتم من شيء فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً والمغنم : ما يغنم وجمعه مغانم، قال : فعند الله مغانم كثيرة (3).
3- قال ابن فارس : (( غنم )) أصل صحيح واحد يدل على افادة شيء لم يملك من قبل ثمّ يختص بما أخذ من المشركين (4).
4- قال ابن منظور : (( الغنم )) الفوز بالشيء من غير مشقة (5).
5- قال ابن الأثير : في الحديث : (( الرهن لمن رهنه، له غنمه وعليه غرمه، غنمه : زيادته ونماؤه وفاضل قيمته )) (6).
6- قال الفيروز آبادي : (( الغنم )) الفوز بالشيء لا بمشقّة، وأغنمه كذا تغنيماً نفله إياه، واغتنمه وتغنّمه، عدّه غنيمة (7).
وهذه النصوص تعرب عن أنّ المادة لم توضع لما يفوز به الإنسان في الحروب، بل معناها أوسع من ذلك وإن كان لا يستعمل في العصور المتأخرة عن نزول القرآن إلاّ في ما يظفر به في ساحة الحرب.
ولأجل ذلك نجد أنّ المادة استعملت في مطلق ما يفوز به الإنسان في الذكر الحكيم والسنة والنبوية.
لقد استعمل القرآن الكريم لفظة (( المغنم )) فيما يفوز به الإنسان وإن لم يكن عن طريق القتال بل كان عن طريق العمل المادي الدنيوي أو الأخروي إذ يقول سبحانه : يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة (8).
والمراد بالمغانم الكثيرة : هو أجر الآخرة، بدليل مقابلته لعرض الحياة الدنيا فيدل على أن لفظ المغنم لا يختص بالأمور والأشياء التي يحصل عليها الإنسان في هذه الدنيا وفي ساحات الحرب فقط، بل هو عام لكل مكسب وفائدة.
ثم إنّه قد وردت هذه اللفظة في الأحاديث وأريد منها مطلق الفائدة الحاصلة للمرء.
روى ابن ماجه في سننه : أنّه جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم : (( اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً )) (9).
وفي مسند أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( غنيمة مجالس الذكر الجنّة )) (10).
وفي وصف شهر رمضان عنه صلى الله عليه وآله وسلم : (( غنم للمؤمن )) (11).
وفي نهاية ابن الأثير : الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة، سمّاه غنيمة لما فيه من الأجر والثواب (12).
فقد بان ممّا نقلناه من كلمات أئمة اللغة وموارد استعمال تلك المادة في الكتاب والسنة، أنّ العرب تستعملها في كل مورد يفوز به الإنسان، من جهة العدى وغيرهم، وإنّما صار حقيقة متشرعة في الأعصار المتأخرة في خصوص ما يفوز به الإنسان في ساحة الحرب، ونزلت الآية في أوّل حرب خاضها المسلمون تحت لواء رسول الله، ولم يكن الاستعمال إلاّ تطبيقاً للمعنى الكلّي على مورد خاص.
الثاني : المورد غير مخصّص :
إذا كان مفهوم اللفظ عامّاً يشمل كافّة ما يفوز به الإنسان، فلا يكون وروده في مورد خاص، مخصّصاً لمفهومه ومضيقاً لعمومه، إذا وقفنا على أنّ التشريع الإسلامي فرض الخمس في الركاز والكنز والسيوب أوّلاً، وأرباح المكاسب ثانياً، فيكون ذلك التشريع مؤكداً لاطلاق الآية، ولا يكون وروده في الغنائم الحربية رافعاً له. وإليك ما ورد في السّنة من الروايات في الموردين :
1- الخمس في الركاز والكنز والسيوب :
تضافرت الروايات عن النبي الأعظم على وجوب الخمس في الركاز والكنز والسيوب وإليك النصوص أوّلاً، ثم تبيين مفادها ثانياً.
روى لفيف من الصحابة كابن عباس وأبي هريرة وجابر وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك، وجوب الخمس في الركاز والكنز والسيوب، وإليك قسماً ممّا روي في ذلك المجال :
1- في مسند أحمد وسنن ابن ماجه واللفظ للأوّل : عن ابن عباس قال : قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الركاز الخمس (13).
2- وفي صحيحي مسلم والبخاري واللفظ للأول : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( العجماء جرحها جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس )) وفي بعض الروايات عند أحمد : البهيمة عقلها جبار (14).
قال أبو يوسف في كتاب الخراج : كان أهل الجاهلية إذا عطب الرجل في قليب جعلوا القليب عقله، وإذا قتلته دابة جعلوها عقله، وإذا قتله معدن جعلوه عقله. فسأل سائل رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم عن ذلك فقال : (( العجماء جبار، والمعدن جبار، والبئر جبار، وفي الركاز الخمس )) فقيل له : ما الركاز يا رسول الله ؟ فقال : (( الذهب والفضة الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت )) (15).
3- وفي مسند أحمد : عن الشعبي عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : (( السائمة جبار، والجب جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس )) قال الشعبي : الركاز : الكنز العادي (16).
4- وفيه أيضاً : عن عبادة بن الصامت قال : من قضاء رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : أنّ المعدن جبار، والبئر جبار، والعجماء جرحها جبار، والعجماء البهيمة من الأنعام وغيرها، والجبار هو الهدر الذي لا يغرم، وقضى في الركاز الخمس (17).
5- وفيه : عن أنس بن مالك قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم إلى خيبر فدخل صاحب لنا إلى خربة يقضي حاجته قتناول لبنة ليستطيب بها فانهارت غليه تبراً، فأخذها فأتى بها النبي صلى الله عليه ( وآله ) وسلم فأخبره بذلك، قال : ((زنها)) فوزنها فإذا مائتا درهم فقال النبي : (( هذا ركاز وفيه الخمس )) (18).
6- وفيه : أنّ رجلاً من مزينة سأل رسول الله مسائل جاء فيها : فالكنز نجده في الخرب وفي الآرام ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : (( فيه وفي الركاز الخمس )) (19).
7- وفي نهاية اللغة ولسان العرب وتاج العروس في مادة (( سيب )) واللفظ للأوّل : وفي كتابه - أي كتاب رسول الله - لوائل بن حجر : (( وفي السيوب الخمس )) السيوب : الركاز.
قالوا :
(( السيوب : عروق من الذهب والفضة تسيب في المعدن، أي تتكوّن فيه وتظهر. . والسيوب : جمع سيب، يريد به - أي يريد النبي بالسيب - المال المدفون في الجاهلية، أو المعدن لأنّه من فضل الله تعالى وعطائه لمن أصابه )) (20).
تفسير ألفاظ الأحاديث :
العجماء : الدابة المنفلتة من صاحبها، فما أصابت في انفلاتها فلا غرم على صاحبها، والمعدن جبار يعني : إذا احتفر الرجل معدناً فوقع فيه إنسان فلا غرم عليه، وكذلك البئر إذا احتفرها الرجل للسبيل فوقع فيها إنسان فلا غرم على صاحبها، وفي الركاز الخمس، والركاز : ما وجد من دفن أهل الجاهلية فمن وجد ركازاً أدّى منه الخمس إلى السلطان وما بقي له (21).

والآرام : الأعلام وهي حجارة تجمع وتنصب في المفازة يهتدى بها، واحدها إرم، كعنب، وكان من عادة الجاهلية أنّهم إذا وجدوا شيئاً في طريقهم لا يمكنهم استصحابه، تركوا عليه حجارة يعرفونه بها حتى إذا عادوا أخذوه (22).
وفي لسان العرب وغيره من معاجم اللغة : ركزه يركزه ركزاً : إذا دفنه. والركاز : قطع ذهب وفضة تخرج من الأرض أو المعدن، واحده الركزة كأنّه ركز في الأرض.
وفي نهاية اللغة : والركزة : القطعة من جواهر الأرض المركوزة فيها وجمع الركزة الركاز.
إنّ هذه الروايات تعرب عن كون وجوب الخمس في الكنز والمعادن ضريبة غير الزكاة، وقد استند إليها أستاذ الفقهاء أبو يوسف في كتابه (( الخراج )) وإليك نصّه :
كلام أبي يوسف في المعدن والركاز :
قال أبو يوسف : في كل ما أصيب من المعادن من قليل أو كثير الخمس، ولو أنّ رجلاً أصاب في معدن أقل من وزن مائتي درهم فضّة أو أقل من وزن عشرين مثقالاً ذهباً فإنّ فيه الخمس، وليس هذا على موضع الزكاة إنّما هو على موضع الغنائم (23) وليس في تراب ذلك شيء إنّما الخمس في الذهب الخالص والفضة الخالصة والحديد والنحاس والرصاص، ولا يحسب لمن استخرج ذلك من نفقته عليه شيء، وقد تكون النفقة تستغرق ذلك كلّه فلا يجب إذن فيه خمس عليه، وفيه الخمس حين يفرغ من تصفيته قليلاً كان أو كثيراً، ولا يحسب له من نفقته شيء من ذلك وما استخرج من المعادن سوى ذلك من الحجارة - مثل الياقوت والفيروزج والكحل والزئبق والكبريت والمغرّة - فلا خمس في شيء (24) من ذلك إنّما ذلك كلّه بمنزلة الطين والتراب.
قال : ولو أنّ الذي أصاب شيئاً من الذهب أو الفضة أو الحديد أو الرصاص أو النحاس، كان عليه دين فادح لم يبطل ذلك الخمس عنه، ألا ترى لو أنّ جنداً من الأجناد أصابوا غنيمة من أهل الحرب خمّست ولم ينظر أعليهم دين أم لا، ولو كان عليهم دين لم يمنع ذلك من الخمس.
قال : وأمّا الركاز فهو الذهب والفضة الذي خلقه الله عزّ وجل في الأرض يوم خلقت، فيه أيضاً الخمس، فمن أصاب كنزاً عاديّاً في غير ملك أحد - فيه ذهب أو فضة أو جوهر أو ثياب - فإنّ في ذلك الخمس وأربعة أخماس للذي أصابه وهو بمنزلة الغنيمة يغنمها القوم فتخمّس وما بقي فلهم.
قال : ولو أنّ حربياً وجد في دار الإسلام ركازاً وكان قد دخل بأمان، نزع ذلك كلّه منه ولا يكون له منه شيء، وإن كان ذميّاً أخذ منه الخمس كما يؤخذ من المسلم، وسلّم له أربعة أخماسه. وكذلك المكاتب يجد ركازاً في دار الإسلام فهو له بعد الخمس. .. (25).
2- الخمس في أرباح المكاسب :
يظهر من غير واحد من الروايات أنّ النبيّ الأكرم أمر باخراج الخمس من مطلق ما يغنمه الانسان من أرباح المكاسب وغيرها وإليك بعض ما ورد في المقام :
1- لمّا وفد عبد القيس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : (( إنّ بيننا وبينك المشركين وإنّا لا نصل إليك إلاّ في الأشهر الحرم فمرنا بجمل الأمر، إن عملنا به دخلنا الجنة وندعوا إليه من ورائنا )) فقال : (( آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله، وهل تدرون ما الإيمان، شهادة أن لا إله إلاّ الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتعطوا الخمس من المغنم )) (26).
ومن المعلوم أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يطلب من بني عبد القيس أن يدفعوا غنائم الحرب كيف وهم لا يستطيعون الخروج من حيّهم في غير الأشهر الحرم، خوفاً من المشركين. فيكون قد قصد المغنم بمعناه الحقيقي في لغة العرب وهو ما يفوزون به فعليهم أن يعطوا خمس ما يربحون.
وهناك كتب ومواثيق، كتبها النبيّ وفرض فيها الخمس على أصحابها وستتبيّن بعد الفراغ من نقلها دلالتها على الخمس في الأرباح، وإن لم تكن غيمة حربية فانتظر.
2- كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن : (( بسم الله الرحمن الرحيم. .. هذا. .. عهد من النبي رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كلّه، وأن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عشر ما سقى البغل وسقت السماء، ونصف العشر ممّا سقى الغرب )) (27).
والبعل ما سقي بعروقه، والغرب : الدلو العظيمة.
3- كتب إلى شرحبيل بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال قيل ذي رعين، ومعافر وهمدان : (( أمّا بعد، فقد رجع رسولكم وأعطيتم من المغانم خمس الله )) (28).
4- كتب إلى سعد هذيم من قصاعة، وإلى جذام كتاباً واحداً يعلّمهم فرائض الصدقة، ويأمرهم أن يدفعوا الصدقة والخمس إلى رسوليه أبيّ وعنبسة أو من أرسلاه. (29).
5- كتب للفجيع ومن تبعه : (( من محمد النبيّ للفجيع، ومن تبعه وأسلم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأطاع الله ورسوله وأعطى من المغانم خمس الله. .. )) (30).
6- كتب لجنادة الأزدي وقومه ومن تبعه : (( ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطاعوا الله ورسوله وأعطوا من المغانم خمس الله وسهم النبي وفارقوا المشركين فإنّ لهم ذمّة الله وذمّة محمد بن عبد الله )) (31).
7- كتب لجهينة بن زيد فيما كتب : (( إنّ لكم بطون الأرض وسهولها وتلاع الأودية وظهورها، على أن ترعوا نباتها وتشربوا ماءها على أن تؤدوا الخمس )) (32).
8- كتب لملوك حمير فيما كتب : (( وآتيتم الزكاة، وأعطيتم من المغانم : خمس الله وسهم النبي وصفيّه وما كتب الله على المؤمنين من الصدقة )) (33).
9- كتب لبني ثعلبة بن عامر : (( من أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأعطى خمس المغنم وسهم النبي والصفي )) (34).
10 - كتب إلى بعض أفخاذ جهينة : (( من أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأطاع الله ورسوله وأعطى من الغنائم الخمس )) (35).
إيضاح الاستدلال بهذه المكاتيب :
يتبيّن - بجلاء - من هذه الرسائل أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يطلب منهم أن يدفعوا خمس غنائم الحرب التي اشتركوا فيها، بل كان يطلب ما استحقّ في أموالهم من خمس وصدقة.
ثم إنّه كان يطلب منهم الخمس دون أن يشترط - في ذلك - خوض الحرب واكتساب الغنائم.
هذا مضافاً إلى أنّ الحاكم الإسلامي أو نائبه هما اللذّان يليان بعد الفتح قبض جميع غنائم الحرب وتقسيمها بعد استخراج الخمس منها، ولا يملك أحد من الغزاة عدا سلب القتيل شيئاً ممّا سلب وإلاّ كان سارقاً مغلاَّ.
فإذا كان اعلان الحرب وإخراج خمس الغنائم على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من شؤون النبي صلى الله عليه وآله وسلم فماذا يعني طلبه الخمس من الناس وتأكيده في كتاب بعد كتاب وفي عهد بعد عهد ؟.
فيتبيّن أنّ ما كان يطلبه لم يكن مرتبطاً بغنائم الحرب. هذا مضافاً إلى أنّه لا يمكن أن يقال : إنّ المراد بالغنيمة في هذه الرسائل هو ما كان يحصل الناس عليه في الجاهلية عن طريق النهب، كيف وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن النهب والنهبى بشدّة، ففي كتاب الفتن باب النهي عن النّهبة عنه صلى الله عليه وآله وسلم : (( من انتهب نهبة فليس منّا )) (36) وقال : (( إنّ النهبة لا تحلّ )) (37)، وفي صحيح البخاري ومسند أحمد عن عبادة بن الصامت : بايعنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أن لا ننهب (38).
وفي سنن أبي داود، باب النهي عن النهبى، عن رجل من الأنصار قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم فأصاب الناس حاجة شديدة وجهدٌ، وأصابوا غنماً فانتهبوها، فإنّ قدورنا لتغلي، إذ جاء رسول الله يمشي متّكئاً على قوسه فأكفا قدورنا بقوسه، ثمّ جعل يرمّل اللحم بالتراب ثمّ قال : (( إنّ النهبة ليست بأحلّ من الميتة )) (39).
وعن عبد الله بن زيد : نهى النبي صلى الله عليه ( وآله ) وسلم عن النهبى والمثلة (40).
إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في كتاب الجهاد.
وقد كانت النهيبة والنهبى عند العرب تساوق الغنيمة والمغنم - في مصطلح يومنا هذا - الذي يستعمل في أخذ مال العدو.
فإذا لم يكن النهب مسموحاً به في الدين، وإذا لم تكن الحروب التي يقوم بها أحد بغير اذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جائزة، لم تكن الغنيمة في هذه الوثائق تعني دائماً ما يؤخذ في القتال، بل كان معنى الغنيمة الواردة فيها هو ما يفوز به الناس من غير طريق القتال بل من طريق الكسب وما شابهه، ولا محيص حينئذ من أن يقال : إنّ المراد بالخمس الذي كان يطلبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو خمس أرباح الكسب والفوائد الحاصلة للإنسان من غير طريق القتال أو النهب الممنوع في الدين.
وعلى الجملة : أنّ الغنائم المطلوب في هذه الرسائل النبوية أداء خمسها إمّا أن يراد ما يستولي عليه أحد من طريق النهب والإغارة، أو ما يستولي عليه من طريق محاربة بصورة الجهاد، أو ما يستولى من طريق الكسب والكد.
وألأول ممنوع بنصّ الأحاديث السابقة فلا معنى أن يطلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم خمس النهيبة.
والثاني يكون أمر الغنائم فيه بيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة فهو الذي يأخذ كل الغنائم ويضرب لكلّ من الفارس والراجل ماله من الأسهم بعد أن يستخرج الخمس بنفسه من تلك الغنائم، فلا معنى لأن يطلبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الغزاة، فيكون الثالث هو المتعيّن.
وورد عن أئمة أهل البيت - عليهم السلام - ما يدلّ على ذلك، فقد كتب أحد الشيعة إلى الإمام الجواد - عليه السلام - قائلاً : أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصنّاع وكيف ذلك ؟
فكتب - عليه السلام - بخطّه : الخمس بعد المؤنة (41).
وفي هذه الإجابة القصيرة يظهر تأييد الإمام - عليه السلام - لما ذهب إليه السائل، ويتضمّن ذكر الكيفية التي يجب أن تراعى في أداء الخمس.
وعن سماعة قال : سألت أبا الحسن ( الكاظم ) - عليه السلام - عن الخمس ؟ فقال : في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير (42).
وعن أبي علي بن راشد ( وهو من وكلاء الإمام الجواد والإمام الهادي - عليهما السلام ) قال : قلت له ( أي الإمام المنتظر ) : أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقّك، فأعلمت مواليك بذلك فقال لي بعضهم : وأي شيء حقّه ؟ فلم أدر ما أجيبه ؟ فقال : يجب عليهم الخمس، فقلت : وفي أي شيء ؟ فقال : في أمتعتهم وصنائعهم، قلت : والتاجر عليه، والصانع بيده ؟ فقال : إذا أمكنهم بعد مؤنتهم (43).
إلى غير ذلك من الأحاديث والأخبار المرويّة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين - عليهم السلام - التي تدلّ على شمول الخمس لكل مكسب.
مواضع الخمس في الكتاب :
يقسم الخمس حسب تنصيص الآية على ستة أسهم، فيفرق على مواضعها الواردة في الآية، قال سبحانه : واعلموا أنّما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرّسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ( الأنفال /41) غير أنّه يطيب لي تعيين المراد من ذي القربى.
إنّ ذي القربى بمعنى صاحب القرابة والوشيجة النسبية، ويتعيّن فرده، بتعيين المنسوب إليه. وهو يختلف حسب اختلاف مورد الاستعمال، ويستعان في تعيينه بالقرائن الموجودة في الكلام وهي : الأشخاص المذكورون في الآية، أو ما دلّ عليها سياق الكلام.
قال سبحانه : ما كان للنّبي والّذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ( التوبة /113 ) والمراد أقرباء المذكورين في الآية أي النبي والمؤمنين.
وقال سبحانه : وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ( الأنعام /152 )، والمراد أقرباء المخاطبين في الآية بقوله : قلتم و فاعدلوا .
وقال سبحانه : وإذا حضر القسمة أولوا القربى ( النساء /8 ) والمراد أقرباء من يقسم ماله أعني الميّت.
وعلى ضوء ذلك فالمراد منه في آية الخمس، أقرباء الرسول، المذكور قبل هذه الكلمة، قال سبحانه : وللرسول ولذي القربى .
ومثلها قوله سبحانه : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللّه وللرّسول ولذي القربى ( الحشر /7 ) وقوله سبحانه : قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى ( الشورى /23). وذلك بقرينة ذكر الرسول قبله في الآية الثانية وكون المتكلّم هو الرسول في الآية الثالثة لأعني قوله : لا أسألكم .
وبذلك يظهر حال (( اليتيم والمساكين )) أي يتامى أقرباء الرسول ومساكينهم وأبناء سبيلهم وهذا هو المفهوم من الآية.
مواضع الخمس في السّنة :
وأمّا السنة فهي أيضاً تدعم ما هو مفاد الآية :
روي عن ابن عباس : (( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم الخمس ستة : لله وللرسول سهمان وسهم لأقاربه حتى قبض )) (44).
وروي عن أبي العالية الرياحي (45) : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة فتكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه الذي قبض كفّه، فيجعله للكعبة وهو سهم الله، ثمّ يقسّم ما بقي على خمسة أسهم فيكون سهم للرسول وسهم لذوي القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل. قال : والذي جعله للكعبة فهو سهم الله (46).
ولعلّ جعله للكعبة كان لتجسيد السهام وتفكيكها وربّما خالفه كما روى عطاء بن أبي رباح (47) قال : (( خمس الله، وخمس رسوله واحد، وكان رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم يحمل منه ويعطي منه ويضعه حيث شاء ويصنع به ما شاء )) (48).
والمراد من كون سهمهما واحداً كون أمره بيده صلى الله عليه وآله وسلم بخلاف الأسهم الأخر فإنّ مواضعها معيّنة.
وبذلك يظهر المراد ممّا رواه الطبري : (( كان نبي الله إذا اغتنم غنيمة جعلت أخماساً، فكان خمس لله ولرسوله، ويقسم المسلمون ما بقي ( الأخماس الأربعة ) وكان الخمس الذي جعل لله ولرسوله، لرسوله، ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، فكان هذا الخمس خمسة أخماس خمس لله ولرسوله )) (49).
فالظاهر أنّ المراد كان أمر السهمين بيد الرسول ولذا جعلهما سهماً واحداً بخلاف السهام الأخر، وإلاّ فالخبر مخالف لتنصيص القرآن الكريم.
وأما تخصيص بعض سهام الخمس بذي القربى ومن جاء بعدهم من اليتامى والمساكين وابن السبيل، فلأجل الروايات الدالة على أنه لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس. روى الطبري : كان آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس، وقال : قد علم الله أنّ في بني هاشم الفقراء فجعل لهم الخمس مكان الصدقة (50). كما تضافرت الروايات عن أئمة أهل البيت أن السهام الأربعة من الخمس لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم (51).
هذا ما يستفاد من الكتاب والسّنة غير أنّ الاجتهاد لعب دوراً كبيراً في تحويل الخمس عن أصحابه وإليك ما ذهبت إليه المذاهب الأربعة :
(( قالت الشافعية والحنابلة : تقسم الغنيمة، وهي الخمس، إلى خمسة أسهم، واحد منها سهم الرسول، ويصرف على مصالح المسلمين، وواحد يعطى لذوي القربى، وهم من انتسب إلى هاشم بالأبوّة من غير فرق بين الأغنياء والفقراء، والثلاثة الباقية تنفق على اليتامى والمساكين وأبناء السبيل سواء أكانوا من بني هاشم أو من غيرهم.
وقالت الحنفية : إنّ سهم الرسول سقط بموته، أمّا ذوو القربى فهم كغيرهم من الفقراء يعطون لفقرهم لا لقرابتهم من الرسول.
وقالت المالكية : يرجع أمر الخمس إلى الإمام يصرفه حسبما يراه من المصلحة.
وقالت الإمامية : إنّ سهم الله وسهم الرسول وسهم ذوي القربى يفوّض أمرها إلى الإمام أو نائبه، يضعها في مصالح المسلمين. والأسهم الثلاثة الباقية تعطى لأيتام بني هاشم ومساكينهم وأبناء سبيلهم، ولا يشاركهم فيها غيرهم )) (52).
وقال ابن قدامة في المغني، بعد ما روى أنّ أبا بكر وعمر - رضى الله عنهما - قسّما الخمس على ثلاثة أسهم : (( وهو قول أصحاب الرأي - أبي حنيفة وجماعته - قالوا : يقسّم الخمس على ثلاثة : اليتامى والمساكين وابن السبيل، وأسقطوا سهم رسول الله بموته، وسهم قرابته أيضاً.
وقال مالك : الفيء والخمس واحد يجعلان في بيت المال.
وقال الثوري : والخمس يضعه الإمام حيث أراه الله عزّ وجل.
وما قاله أبو حنيفة مخالف لظاهر الآية، فإنّ الله تعالى سمّى لرسوله وقرابته شيئاً وجعل لهما في الخمس حقّاً كما سمّى الثلاثة الأصناف الباقية، فمن خالف ذلك فقد خالف نصّ الكتاب، وأمّا جعل أبي بكر وعمر - رضى الله عنهما - سهم ذي القربى في سبيل الله، فقد ذكر لأحمد فسكت وحرّك رأسه ولم يذهب إليه، ورأى أنّ قول ابن عباس ومن وافقه أولى، لموافقته كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم. .. )) (53).

الاجتهاد تجاه النص :
ثمّ إنّ الخلفاء بعد النبيّ الأكرم اجتهدوا تجاه النص في موارد منها : إسقاط سهم ذي القربى من الخمس، وذلك أنّ الله سبحانه وتعالى جعل لهم سهماً، افترض أداءه نصاً في الذكر الحكيم والفرقان العظيم يتلوه المسلمون آناء الليل وأطراف النهار، وهو قوله عزّ من قائل : واعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ لله خمسه وللرّسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير ( الأنفال : الآية 41 ).
وقد أجمع أهل القبلة كافّة على أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يختصّ بسهم من الخمس ويخص أقاربه بسهم آخر منه، وأنه لم يعهد بتغيير ذلك إلى أحد حتى دعاه الله إليه، واختار الله له الرفيق الأعلى.
فلما ولي أبو بكر - رضى الله عنه - تأوّل الآية فأسقط سهم النبي وسهم ذي القربى بموت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومنع بني هاشم من الخمس، وجعلهم كغيرهم من يتامى المسملين ومساكينهم وأبناء السبيل منهم.
قال الزمخشري : وعن ابن عباس : الخمس على ستة أسهم : لله ولرسوله، سهمان، وسهم لأقاربه حتى قبض أبو بكر الخمس على ثلاثة، وكذلك روي عن عمر ومن بعده من الخلفاء قال : وروي أنّ أبا بكر منع بني هاشم الخمس (54).
وقد أرسلت فاطمة - عليها السلام - تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر فلمّا توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها. الحديث (55).
وفي صحيح مسلم عن يزيد بن هرمز قال : كتب نجدة بن عامر الحروري الخارجي إلى ابن عباس قال ابن هرمز : فشهدت ابن عباس حين قرأ الكتاب وحين كتب جوابه وقال ابن عباس : والله لولا أن أردّه عن نتن يقع فيه ما كتبت إليه، ولا نعمة عين. قال : فكتب إليه : إنّك سألتني عن سهم ذي القربى الذين ذكرهم الله من هم ؟ وإنّا كنّا نرى أنّ قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هم نحن فأبى ذلك علينا قومنا، الحديث (56).
وأخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عباس في أواخر ص 294 من الجزء الأول من مسنده.
ورواه كثير من أصحاب المسانيد بطرق كلها صحيحة، وهذا هو مذهب أهل البيت المتواتر عن أئمتهم - عليهم السلام -.
لكن الكثير من أئمة الجمهور أخذوا برأي الخليفتين - رضى الله عنهما - فلم يجعلوا لذي القربى نصيباً من الخمس خاصاً بهم.
فأمّا مالك بن أنس فقد جعله بأجمعه مفوّضاً إلى رأي الإمام يجعله حيث يشاء في مصالح المسلمين، لاحقّ فيه لذي قربى ولا يتيم ولا لمسكين ولا لابن سبيل مطلقاً.
وأمّا أبو حنيفة وأصحابه فقد أسقطوا بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم سهمه وسهم ذي قرباه، وقسموه بين مطلق اليتامى والمساكين وابن السبيل على السواء لا فرق عندهم بين الهاشميين وغيرهم من المسلمين.
والشافعي جعله خمسة أسهم : سهماً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصرف إلى ما كان يصرف إليه من مصالح المسلمين كعدّة الغزاة من الخيل والسلاح والكراع ونحو ذلك، وسهماً لذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب دون عبد شمس وبني نوفل يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين والباقي للفرق الثلاث اليتامى والمساكين وابن السبيل مطلقاً (57).
إلى هنا خرجنا بنتيجتين :
1- وجوب الخمس في كل ما يفوز به الإنسان، وأنه لا يختص بالغنائم الحربيّة.
2- إنّ الخمس يقسم على ستة أسهم الثلاثة الأولى، أمرها بيد الإمام يتولاها حسب ما رأى من المصلحة، والثلاثة الأخرى، للأيتام والمساكين وأبناء السبيل من آل النبيّ الأكرم لا مطلقهم.
بقلم : الشيخ جعفر السبحاني.
___________________________________
(1) ربّما يتخيّل بعض البسطاء أنّ الشيعة تنفرد بالقول بوجوب الخمس في غير الغنائم، ولأجل توضيح الحال ندرس الموضوع في ظل الكتاب والسّنة، وكلمات الفقهاء.
(2) الأزهري : تهذيب اللغة، مادة (( غنم )).
(3) الراغب الأصفهاني : المفردات، مادة ((غنم)).
(4) ابن فارس : مقاييس اللغة مادة (( غنم )).
(5) ابن منظور الأفريقي : لسان العرب نفس المادة.
(6) نهاية اللغة، مادة (( غنم )).
(7) قاموس اللغة، مادة ((غنم)).
(8) النساء : الآية 94.
(9) ابن ماجه : السنن : كتاب الزكاة، باب ما يقال عند اخراج الزكاة، الحديث 1797.
(10) أحمد : المسند : ج 2 ص 330 و 374 و 524.
(11) المصدر نفسه : ص 177.
(12) النهاية، مادة (( غنم )).
(13) أحمد : المسند : 1/314، وسنن ابن ماجه 2/839 ط 1373 هـ.
(14) مسلم : الصحيح : 5/127 باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، من كتاب الحدود، وصحيح البخاري 1/182 باب في الركاز الخمس.
(15) الخراج : 22.
(16) أحمد : المسند : 3/335.
(17) المصدر نفسه : 5/326.
(18) المصدر نفسه : 3/128.
(19) المصدر نفسه : 2 / 186.
(20) ابن الأثير : النهاية، مادة ((سيب)).
(21) الترمذي : السنن 6/145 باب ما جاء في العجماء.
(22) النهاية، مادة ((ارم)).
(23) ترى أنّ أبا يوسف يعد الخمس الوارد في هذا الموضع من مصاديق الغنيمة الواردة في الخمس وهو شاهد على كونها عامة مفهوماً.
(24) هذا رأي أبي يوسف، وإطلاق الآية يخالفه مضافاً إلى مخالفته روايات أئمة أهل البيت فإنّها تفرض الخمس في الجميع.
(25) الخراج : 22.
(26) البخاري : الصحيح : 4/250 باب (( خلقكم وما تعملون )) من كتاب التوحيد، وج1 ص 13 و 19، وج 3 ص 53، ومسلم : الصحيح 1/35-36 باب الأمر بالإيمان، النسائي : السنن : 1/333، وأحمد : المسند 1/318، الأموال : ص 12 وغيرها.
(27) البلاذري : فتوح البلدان : 1/ 81 باب اليمن، وسيرة ابن هشام : 4/265. وتنوير الحوالك في شرح موطأ مالك : 1/157.
(28) الوثائق السياسية : 227 برقم 110. ( ط 4 بيروت ).
(29) ابن سعد : الطبقات الكبرى : 1/270.
(30) المصدر نفسه : ص 304 - 305.
(31) المصدر نفسه : ص 270.
(32) الوثائق السياسية : ص 265 برقم 157.
(33) فتوح البلدان : 1/82 وسيرة ابن هشام : 4/258.
(34) الاصابة : 2/189 وأسد الغابة : 3/34.
(35) ابن سعد : الطبقات الكبرى : 1/271.
(36) و (37) ابن ماجه : السنن : كتاب الفتن ص 1298 برقم 3937 و 3938.
(38) البخاري : الصحيح : 2/48 باب النهب بغير اذن صاحبه.
(39) أبو داود : السنن : 2/12.
(40) رواه البخاري في الصيد، راجع التاج : 4/334.
(41) الوسائل : ج6 الباب 8 من أبواب الخمس، الحديث 1.
(42) المصدر نفسه، الحديث 6.
(43) المصدر نفسه، الحديث 3.
(44) النيسابوري : ط بهامش الطبري : 10/4.
(45) أبو العالية الرياحي : هو رفيع بن مهران مات سنة 90، لاحظ تهذيب التهذيب : 3 / 246.
(46) أبو عبيد القاسم بن سلام : الأموال : 325، الطبري : التفسير : 10/4، والجصاص : أحكام القرآن : 3/60.
(47) عطاء بن أبي رباح مات سنة 114، أخرج حديثه أصحاب الصحاح.
(48) الطبري : التفسير : 10/4.
(49) المصدر نفسه. والأصح أن يقول ستة أسداس وعرفت وجه العدول عنه.
(50) المصدر نفسه /5، فجعل خمس الخمس، بلحاظ المواضع الخمسة ما سوى لله، وجعله كله لهم باعتبار أنّ أمره أيضاً بيده، فلا منافاة بين الجعلين.
(51) الوسائل : ج 6 الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة، ولاحظ أيضاً صحيح البخاري 1/181، باب تحريم الزكاة على رسول الله.
(52) محمد جواد مغنية : الفقه على المذاهب الخمسة : 188.
(53) أبو فرج عبد الرحمان بن قدامة المقدسي : الشرح الكبير - على هامش المغني - : 10/493- 494.
(54) الكشاف : 2/126.
(55) البخاري : الصحيح : 3/36 باب غزوة خيبر. وفي صحيح مسلم : 5/154 : ((. .. وصلّى عليها علي )).
(56) مسلم : الصحيح : 2/105، كتاب الجهاد والسير.
(57) لشرف الدين : النص والإجتهاد : 25 - 27.

جواب:

قبل التعرّض لبيان المصادر الحديثيّة المعتمدة عند الشيعة، من اللازم التذكير بالفارقين الأساسيين بين المراحل التاريخيّة التي قطعها الحديث عند كلّ من الشيعة والسنّة:

ألف. لقد تعرّض الحديث عند أهل السنّة إلى العديد من التقلّبات بعد وفاة الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، أبرزها المنع من تدوين الحديث وتصنيفه الذي استمرّ منذ عهد الخلفاء إلى زمان حكم عمر بن عبد العزيز (سنة 99 هجريّة). وتُعدّ هذه المسألة من مسلّمات تاريخ الحديث التي لا يرتاب حولها أيّ باحث، كما يدلّ عليه ما نُقل عن الخليفة الثاني، حيث قال: >أقلّوا الرواية عن رسول الله إلاّ فيما يُعمل به<. (1)

وأمّا بالنسبة لتاريخ الحديث الشيعي، فقد كانت حلقاته ـ خلافاً لأهل السنّة ـ متّصلة بعصر الرسالة والإمامة بشكل كامل، ولم تُفقد أيّ واحدة من هذه الحلقات، بحيث لا نعثر على أيّ مقطع من تاريخ الحديث الشيعي تحت اسم >عصر المنع من تدوين الحديث<.

ب. أنّ المجمّعين للموسوعات والجوامع الحديثيّة السنّية الأولى قاموا بإعدادها اعتماداً على الروايات الشفاهيّة. فقد عمد كلّ من البخاري ومسلم ـ في الواقع ـ إلى تأليف الصحيحين من خلال المسموعات الروائيّة التي انتقلت إليهما عن طريق شيوخهما وأساتذتهما، بينما نجد أنّ المصنّفين للجوامع الحديثيّة الشيعيّة الأولى قد استفادوا من السنّة المكتوبة المعروفة عندنا بالأصول الأربعمائة؛ ولهذا يُطلق على هذه المرحلة اسم مرحلة تشكّل التراث الروائي الشيعي في قالب الأصول الأربعمائة، وهي مرحلة يختصّ بها تاريخ الحديث لدى الشيعة.

ويُطلق اسم الأصول الأربعمائة على مجموعة من المؤلّفات الحديثيّة التي تمّ إعدادها من قبل أصحاب الأئمّة عليهم السلام ـ وخاصّة في عصر الصادقين عليهم السلام ـ، وتمّت الاستفادة منها عند تصنيف الجوامع الروائيّة الشيعيّة؛ ولهذا يجب عدّها ـ بالنظر إلى اعتماد الجوامع الأوليّة عليها ـ بمثابة الرأسمال الأوّلي لتدوين الموسوعات الحديثيّة.

وبحسب النقولات التاريخيّة، فقد كانت هذه الأصول متواجدة إلى عصر أصحاب الجوامع الشيعيّة الأولى الذين عملوا على الاستفادة منها، كما أنّ عدداً منها بقي موجوداً إلى زمان كلّ من محمد بن إدريس الحلّي (ت 598)، والسيّد بن طاووس (ت 673) والشهيد الثاني (ت 966) والكفعمي (ت 1104) والميرزا حسين النوري (1320)، حيث كانوا يستندوا إليها أحياناً.

إنّ وجود العديد من العوامل، من ضمنها تطوّر المجتمع الشيعي وتكامله في عصر الغيبة الصغرى وبداية الغيبة الكبرى لصاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه، الحاجة المستمرّة لعلماء الدين الشيعة ـ أعمّ من الفقهاء والمتكلّمين والمفسّرين ـ لتراث روائي مدوّن ونشأة الخلاف في الرؤى الفقهيّة والكلاميّة على إثر تبعثر الأصول الروائيّة، كلّ ذلك ساهم في جعل مسألة تدوين الجوامع الحديثيّة من طرف الشيعة أمراً ضروريّاً أكثر من أيّ زمان آخر.

وكاستجابة لهذه الحاجة الملحّة، فقد بادر المرحوم الكليني (ت 329) والشيخ الصدوق (ت 381) والشيخ الطوسي (ت 460) إلى تصنيف موسوعات روائيّة،  وأخرجوا لنا كلاًّ من كتاب >الكافي<، >من لا يحضره الفقيه<، >مدينة العلم<، التهذيب< و>الاستبصار<. لكن لا يخفى أنّ علماء كبار، نظير أحمد بن محمد بن خالد البرقي ‌(ت 274)، محمد بن الحسن الصفّار‌(ت 290) والحميري القمّي ‌(ت 300) قد سبقوهم في تأليف هذه الكتب التي سنذكرها بالترتيب: المحاسن، بصائر الدرجات وقرب الإسناد. وبالتزامن مع عصر المرحوم الكليني والصدوق والشيخ الطوسي، فقد تمّ تدوين كتب حديثيّة أخرى من طرف هؤلاء العظماء ومحدّثين آخرين، نظير عيون أخبار الرضا عليه السلام، الخصال والأمالي للشيخ الصدوق، الغيبة والاقتصاد للشيخ الطوسي و... . لكن بما أنّ هذه الكتب الخمسة كانت تتمتّع بالجامعيّة والإتقان من ناحية متن الروايات وسندها، فقد حظيت باهتمام العلماء الشيعة في القرون المتأخّرة، لتُعرف ـ تدريجيّاً ـ باسم الكتب الروائيّة الشيعيّة الخمسة، لكن وبعد فقدان كتاب مدينة العلم، فقد اشتهرت بالكتب الحديثيّة الشيعيّة الأربعة.

وعلى هذا، تكون الكتب الروائيّة الأساسيّة الأربعة للشيعة بالشكل الآتي:

1. الكافي، ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني ‌(ت 329)؛

2. من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمّي‌ (ت 381)؛

3. تهذيب الأحكام فى شرح المقنعة، شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي ‌(ت 460)؛

4. الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، الشيخ الطوسي‌ (ت 460).

وقد صُنّفت بعد ذلك مجموعة من الكتب الأخرى من أجل تكميل الجوامع الحديثيّة الشيعيّة وتنظيمها، وهي عبارة عن:

1. بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار ‌(عليهم السلام‌)، العلاّمة محمد باقر المجلسي ‌(ت 215)؛

2. تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، محمد بن الحسن الحرّ العاملي ‌(ت 1104).

ومن بين جميع الكتب الروائيّة الشيعيّة، يُمكننا الإشارة إلى الكتابين البارزين: نهج البلاغة والصحيفة السجّادية.

فنهج البلاغة ـ الذي عُدّ من قبل البعض فوق كلام البشر ودون كلام الخالق وبمثابة أخٍ للقرآن ـ هو اسم لكتاب أطلقه مصنّفه (أي السيّد الرضي المتوفّى سنة 406) على مجموعة من خطب الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ورسائله وكلماته القصار. ويحتوي نهج البلاغة (الموجود بين أيدينا حاليّاً) على 241 خطبة و79 رسالة و480 حكمة (كلمة قصيرة).

وأمّا الصحيفة السجّادية التي تُلقّب بـ >زبور آل محمد عليهم السلام< و>إنجيل أهل البيت عليهم السلام< و>أخت القرآن<، فهي عبارة عن مجموعة من الأدعية المنسوبة إلى الإمام الرابع للشيعة.. علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وقد حوت هذه الأدعية في مطاويها على العديد من الدروس والتعاليم المهمّة في مختلف ميادين المعارف الدينيّة والتي وردت على شكل مناجاة وابتهالات.

كما توجد أيضاً العديد من الكتب الأخرى، لكنّنا سنتجنّب ذكرها رعايةً للاختصار.

 

الهوامش:

1. ابن كثير، البداية والنهاية، بيروت، دار الفكر، 1407 ق، ج 8، ص 107.

2. لمزيد من الاطّلاع، يُرجى مراجعة: نصيري، علي، آشنايى با علوم حديث (التعرّف على علم الحديث)، قمّ، مركز إدارة الحوزة العلميّة بقمّ، 1383 هـ ش، الفصل الثاني (التعرّف على تاريخ الحديث عند الشيعة).

 

جواب:

في تفسيره لآية المباهلة: { فَمَنْ حَاجَّكَ فيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وأَبْناءَكُمْ ونِساءَنا ونِساءَكُمْ وأَنْفُسَنا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبينَ} (سورة آل عمران، الآية 61)، ينقل ابن كثير ـ وهو من كبار المفسّرين عند أهل السنّة ـ روايةً مفادها أنّ المراد من >أبناءنا< هما الحسن والحسين (1).  وبالتالي واعتماداً على الآية القرآنيّة الشريفة والرواية الواردة في حقّها، فإنّ الله تعالى قد عدّهما من أبناء الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم.

وقد ورد في الحديث الصحيح أنّ الرسول كان يُطلق بنفسه على كلّ من الإمام الحسن والإمام الحسين اسم الابن:

«. . . عن علي، قال: لما ولد الحسن سمّيته حرباً، فجاء رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم، فقال: أروني ابني ما سمّيتموه؟ قلنا: حرباً. قال: بل هو حسن، فلمّا وُلد الحسين فذكر مثله، وقال: بل هو حسين، فلمّا وُلد الثالث قال مثله. وقال: بل هو محسن. ثمّ قال: سمّيتهم بأسماء ولد هارون: شبّر وشبّير ومشبّر، إسناده صحيح. (2)

لكن يبقى أنّه توجد وجهات نظر أخرى يتبنّاها الشيعة حول الأسماء التي سمّى بها علي عليه السلام أبناءه في البداية، أو حول مسألة أنّه لم ينتخب لهم عليه السلام أيّ اسم قبل الرسول. (بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار، ج 43، ص 250 ـ 255).

وقد عدّ ابن حجر سند هذه الرواية صحيحاً، كما أنّ المُصحِّح ذكر مصادر أخرى لها في الهامش (3)؛ فلا يوجد أيّ شكّ في تسمية الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام بابني الرسول، كما أنّه كان من المتعارف في ذلك الوقت تسميتهما بهذا الاسم، حيث ينقل الطبري أنّه لمّا كان الإمام الحسين عليه السلام في طريقه من مكّة إلى العراق، جاء  عنده الفرزدق ـ الذي كان مطّلعاً على الأحداث ـ وقال له: ... بأبي أنت وأمّي يا ابن رسول الله، ما أعجلك عن الحجّ؟ (4)

فعلى الرغم من أنّهما كانا ابنين لعلي وفاطمة عليهما السلام، إلاّ أنّهما وبسبب المقام والمنزلة الرفيعة التي كانا يمتلكانها، فقد كانا يُنادى عليهما باسم ابني رسول الله.

الهوامش:

1. ابن كثير الدمشقي، إسماعيل بن عمرو، تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)، بيروت، دار الكتب العلميّة، منشورات محمد علي بيضون، 1419 ق، ج‏2، ص 47: «قال أبو بكر بن مردويه: حدّثنا سليمان بن أحمد، حدّثنا أحمد بن داود المكي، حدّثنا بشر بن مهران، حدّثنا محمد بن دينار، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر، قال: قدم على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم العاقب والطيّب، فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة، قال: فغدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم، فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يُجيبا وأقرّا له بالخراج، قال: فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم «و الذي بعثني بالحقّ لو قالا: لا، لأمطر عليهم الوادي ناراً» قال جابر، وفيهم نزلت {نَدْعُ أَبْناءَنا وأَبْناءَكُمْ ونِساءَنا ونِساءَكُمْ وأَنْفُسَنا وأَنْفُسَكُمْ}. قال جابر: {أَنْفُسَنا وأَنْفُسَكُمْ} رسول اللّه صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم وعلي بن أبي طالب، و{أَبْناءَنا} الحسن والحسين، وَ{ نِساءَنا} فاطمة. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه عن علي بن عيسى، عن أحمد بن محمد الأزهري، عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند به بمعناه، ثمّ قال: صحيح على شرط مسلم. »

2. ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي‏، الإصابة في تمييز الصحابة، اعتنى به: حسّان عبد المنان‏، ‏ الناشر: بيت الأفكار الدوليّة، ج ‏6، ص 192؛ ابن الأثير‌(عزّ الدين)، أسد الغابة في معرفة الصحابة، طهران، المکتبة الإسلاميّة، 1336 شمسي، ج 2، ص 10.

3. أخرجه أحمد في المسند 1/ 98، 118 والحاكم في المستدرك 3/ 165 وقال: صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه وأقرّه الذهبي بقوله: صحيح، والطبراني في الكبير 3/ 100، وابن حبّان في صحيحه: الحديث رقم 2227، والبخاري في التاريخ الصغير 82، والهيثمي في مجمع الزوائد 8/ 52.

4. محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري، القاهرة، مطبعة الاستقامة، 1358، تحقيق مجموعة من العلماء، ج 4، ص 230.

 

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما بقية الله في الأرضين الإمام المهدي المنتظر (عج) ، أمل المستضعفين والمحرومين.

من البحوث الإسلامية التي قد نالت الإهتمام الكثير من قبل  علماء الإسلام ومفکريهم هو موضوع الإمام المهدي ذلک المصلح العالمي المنتظر (عج) فقد بُحث من جميع جوانبه على ضوء الكتاب والسنّة، واالعقل والعلم، وهکذا فلسفة التاريخ(السنة الإلهية) ، كما تطرَّق لبحثه غير واحد من رجالات العلم والمعرفة في الأديان والمذاهب السماوية الأخرى . ومسألة الإمام المهديّ الموعود (عج)  والبحث حولها جديرة بالاهتمام لعدّة أسباب:

أوّلاً: لأنّها من المسائل المهمة في الشريعة الإسلاميّة ويعتقد بها المسلمون بصورة عامّة ،والشيعية بصورة خاصّة فلا بُدَّ من الاهتمام بها ومعرفتها حيث ترجع هذه المسألة إلی ضرورة معرفة الحجة بعد النبي(ص) وهم الحجج الإثني عشر الذين أوصی النبي(ص) بمعرفتهم وإتباعهم والإقتداء بهم بعده وأولهم الإمام علي(ع) وآخرهم الإمام المهدي المنتظر(عج) ، فإنَّ عدم معرفتهم يوجب عدم إتِّباعهم وهو موجب للضلال کما في ورد عن النبي(ص) في حديث الثقلين وإذا مات الشخص ولم يعرف إمام زمانه وحجَّته في عصره مات ميتة جاهلية کما ورد في دعاء زمن الغيبة الوارد عن الإمام الصادق:« أللهم عرفني نفسک.....».

ثانياً: لأنَّ هذه المسألة كانت ولا تزال نافذة أمَلٍ للمستضعفين،والمحرومين وهي خير حافزٍ للعمل في سبيل نشر الإسلام، والخلاص من الظالمين ولذا أصبحت اليوم هذه المسألة غرضاً لسهام المغرضين والمنافقين والمستکبرين نظراً لأهمّيتها في حياة المسلمين.

من هنا لا بدّ من العمل بشتّى الأنواع لبثّ وتعميق وعولمة هذه العقيدة الحيوية والبنّاءَة وتكوين حالة عامة من الاعتقاد بالإمام المهدي الموعود(عج)  ونشر الثقافة المهدوية بين الناس عامة وبين المسلمين بصورة خاصّة، ليتهيئ العالم لمجيء ذلك المنقذ الكبير وذلك المُخَلص العظيم للبشرية من شرورالاستعمار و الاستكبار ومن براثن الظلم والجور، والفساد والانحراف، وليتحقق به وعدُ الله الذي لا يتخلف.وإنَّ إنعقاد أمثال هذه المؤتمرات وکتابة المقالات هوفي الواقع خطوة للوصول إلی تلک الأهداف المنشودة.

وإنَّ الإيمان بفكرة حتمية ظهور المنقذ العالمي وإنتظار ذلك الوعد الإلهي ،يعبّر عن حاجة فطرية عامة للإنسان وتقوّم هذه الحاجة على تطلع الإنسان إلى الكمال، فهي فكرة قديمة وليست مقصورة على الإسلام، وقد تعرّض القرآن لهذه الفكرة والوعد الإلهي  الذي جاء في الزبور وهو  كتاب داوود، والذِّكر وهو التوراة، کتاب موسی(ع) ،بقوله تعالى: «وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ»([1]) ، ولابدَّ أن يتحقق هذا الوعد الإلهي يوماً ما، ولو كان هذا اليوم هو آخر يومٍ من عمر الدنيا كما ورد عن رسول الله(ص): «لو لم يبقَ من الدهر إلا يوم واحد لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً»([2]).

وهذا الأمر لا خلاف فيه بين الأديان والمذاهب، وهذه الحقيقة من شأنها أن تساعد على إسقاط و بطلان الشبهة القائلة بتفرّد الشيعة بالقول بالمهدوية،وبطلان الشبهة القائلة بأن منشأ هذه الفكرة اليهود ، وبطلان القول بأنَّ المهدوية أسطورة ، إذ ليست هناك أسطورة تحظى بإجماع الأديان السماوية ويتبناها العلماء والمفكرون.

وأيضاً: تساعد على بطلان قول القائل بأنَّ فكرة المهدوية وليدة الظروف السياسية الحرجة التي عاشها أتباع أهل البيت (ع)، فما أكثر المظلومين والمضطهدين على مَرِّ التاريخ وعبر الزمن وفي شتى بقاع الأرض ومع ذلك لم يعرف عنهم هذا الاعتقاد.

إذن  فكرة المصلح العالمي ،ودولته العادلة المنتظرة لم  تخُّص الأديان السماوية، بل هي فكرة أساسية عند كبار العلماء ومدارسهم الفكرية والفلسفية، وحينما تصرِّح الأديان بفكرة المنقذ العالمي فإنما تكشف عن ضمير إنساني يتطلع إلی الحياة الأفضل والمستقبل الأزهر، وحينما يصرِّح الإسلام بهذه الفكرة، إنما يصرِّح بحقيقة دينية أكيدة آتية لا محالة و يطرحُها بنحو أفضل مما طرحتها الأديان السابقة، وحينما يتحدث أهل البيت(ع) عن هذه الفكرة فإنما يقدِّمون البيان الأكمل في هذا الموضوع، ويشخِّصون مصاديقه ويذکرون رائد هذا الإصلاح و النهضة العالمية، وقائد عملية الإنقاذ والتغيير الشامل، وهو الإمام محمد المهدي بن الإمام الحسن العسكري رجل من ذرية رسول الله(ص) ومن ولد فاطمة (س) ومن ذرية الحسين (ع)  الذي ولد في سنة 255 هـ في سامراء، وهو الآن حي يرزق غائب عن الأنظار ولکن يقوم بمهامّه وينتظر الإذن من الله للظهور والقيام لإقامة العدل والقسط في العالم([3]).

والمتتبع للأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي المنتظر(عج) في كتب علماء أهل السنّة سيجدها تنسجم مع روايات علماء الشيعة وتؤكد حقيقة واحدة،وهي: أن نسب المهدي(ع) يرجع إلى رسول الله(ص) وأنه من أهل البيت(ع) ومن الأئمة الإثني عشر المعصومين، وهو آخرهم ، فهذا  ابن خلكان (المتوفی عام 681 هـ) يقول في کتابه وفيات الأعيان: «أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد المذكور قبله، ثاني عشر الأئمة الإثني عشر على اعتقاد الإمامية المعروف بالحجة... كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين»([4]). وإن کان المشهور عند أهل السنة أنَّ المهدي هو محمد بن عبدالله ، وهو من ولد الحسن ولکن الأمر المتفق عليه أنَّه من أهل البيت وأنَّه من ولد فاطمة. وقد روي عن أمّ سلمة أنَّهاقالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: «المهدي من عترتي ، من ولد فاطمة »([5])  وعن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص): «يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي، اسمه كاسمي وكنيته ككنيتي، يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً فذلك هو المهدي» ([6]).

 ونحن في طرح هذا البحث سلکنا دراسة هذه المسألة علی ضوء النصوص من الکتاب والسنة ، حيث أورد الشيخ علي اليزدي الحائري في کتابه «إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب» ما يقارب (133آية) من الايات المؤلة والمفسّرة بقيام الإمام المهدي، وسنتطرق إلی بعضها في طيات هذه البحوث وأمّا السنة لقد أحصی العلماء أربعمأة(400) حديث عن النبي(ص) في المهدي الموعود من طرق أهل السنة، کما اُحصيت أکثر من ستة آلاف (6000) رواية من طرق الشيعة من النبي وأهل بيته.

وبما أنّهّ لا يمکن دراسة هذا الموضوع من جميع جوانبه في هذا المقال سنرکِّز البحث حول حقيقة الإنتظاروتکليف المؤمنين في زمن الغيبة، ودور الإيرانيين والجمهورية الإسلامية في تمهيد ظهور الإمام المهدي وإقامة حکومته العالمية العادلة.

 

 حقيقة الإنتظاروتکليف المؤمنين في زمن الغيبة

قال الإمام الصادق (ع):  «من سرَّه أن يكون من أصحاب القائم فلينظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل مَن أدركه... » ([7]). فالإنتظار الحقيقي لفرجه (عج) الذي يكون عبادة بل أفضل الأعمال والعبادات كما صرحت به الروايات  هو الإنتظار البنّاء الباعث للتحرك والإلتزام الديني ولا يتحقق هذا الانتظار الحقيقي إلا ضمن الشروط التالية التي تعتبر من تكاليف المؤمنين المنتظرين لظهوره(ع) بل من شرائط التعجيل في الظهور ، حيث أنَّ الاُمّة لابدّ أن تتربی علی جميع المستويات حتّی يکون لها القابلية لظهوره والعيش في ظلِّ حکومته .

 

تكاليف المؤمنين زمن الغيبة

أولاً – ترسيخ معرفة الإمام المهدي (ع) والإيمان بإمامته . والإعتقاد بظهوره وبدوره التاريخي في الإصلاح .

ثانياً – تربية النفس واعدادها بصورة كاملة من خلال العمل بالكتاب والسنّة والتمسك بالثقلين كتاب الله وعترة نبيه (ص) ، وقد الإمام المهدي(ع) صرّح بحقيقة إنتظار فرجه في كتابه إلى الشيخ المفيد ، بقوله: «فليعمل كل امرء بما يقرب به من محبتنا، ويتجنب ما يُدنيه من كراهتنا وسخطنا فإنّ أمرنا بغتة فجاء ة حين لا تنفعه توبة ولا يُنجيه من عقابنا ندم على حوبة([8])  ، والله يلهمكم الرشد، ويلطف لكم في التوفيق برحمته»([9]).

ثالثاً- ومن أهمِّ تكاليف المؤمنين في عصر الغيبة التي أكّدتها الأحاديث الشريفة، هو الدعاء للإمام المهدي (ع) بالحفظ والسلامة من الأعداء والتصدق عنه وتعجيل فرجه وظهوره والنصر على أعدائه والمواظبة على زيارته وغير ذلك مما ذكرته الروايات وقد جمعت في كتاب «مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم» وكتاب«وظائف الأنام في غيبة الإمام» لآية الله السيد الأصفهاني.

إن تعميق الارتباط بالإمام الغائب عن الأبصار يتم من خلال توثيق العلاقة الروحية وتعميق الايمان به واستشعار حضوره وترقـُّب ظهوره في كل يوم بل في كل لحظة، وقد قامت الادعية والزيارات الواردة عن أهل بيت الرسالة بأداء هذا الدور خير قيام، ففي دعاء الندبة يبلغ الموالي في ندبته لإمامه قمة الارتباط والولاء والشوق حين يندبه كل جمعة بدعاء بليغ يبيّـن فيه شدة الانشداد والتعلق بإمامه المنتظر.

 ومن تلك الأدعية المهمة المعروفة التي ينبغي لكل مؤمن منتظر أن يدعو بها في زمن الغيبة، هو دعاء الإمام الصادق (ع) الذي علمه لزرارة وقال له: إذا أدركت زمن غيبة القائم ادع بهذا الدعاء: «اللهمّ عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف رسولك، اللهمّ عرفني رسولك... » ([10]).

و الزيارة هي سبيل من سبل الارتباط بالمزور ولا سيّما إذا كان غائباً عنّا كالإمام المهدي(ع) ،ففي الزيارة المعروفة بزيارة آل يس والتي وردت من ناحيته المقدسة، استعراض لحالات الإمام المهدي وسيرته حال غيبته، وما ينبغي للمنتظرين الالتزام به والاهتمام به، هي خطوة من خطوات التمهيد للظهور.

وهناك أدعية وزيارات تضمَّنت تجديد العهد بالامام المهدي(ع)والبيعة له والدُّعاء لحفظه والتعجيل لظهوره و التي يزار بها الامام (ع)أو يدعی له وهي ما بين أدعية و زيارات قصيرة ومتوسطة وتفصيلية،وهي كثيرة.

 

مشروع نشر الثقافة المهدوية بين الناس

السؤال الذي يطرح نفسه دائماً: کيف يتمُّ ترسيخ الإيمان والإعتقاد بظهور الإمام المهدي(ع) وتربية النفوس وإعدادها لذلک اليوم الموعود، وبعبارة اُخری کيف يمکن نشر الثقافة المهدوية بين الناس ، وربطهم بإمامهم الحي الذي لولاه لساخت الأرض بأهلها ، وبه رزق الوری ، وثبتت الأرض والسَّماء ، والطَّالب بدم المقتول بکربلاء.

والجواب علی هذا السؤال: إنَّ هذا الأمر يتمُّ عبر تخطيط وبرمجة مشروع متکامل لطوال السَّنة يلاحظ فيه الأمور التالية:

1- إغتنام المناسبات الإسلامية لنشر الثقافة المهدوية بالأساليب التربوية والثقافية، بالأخص المناسبات المتعلقة بالإمام الحجة کيوم ميلاده المبارک في النصف من شعبان وليالي الجمعة وأيامها، والمناسبات المتعلقة بأهل البيت (ع)، وأشهر التليغ وهي: شهري محرم وصفر وشهر رمضان المبارک ، والعُطل الصيفية .

2- إقامة سلسلة الدروس والمحاضرات والندوات والمؤتمرات، وطباعة المنشورات ، وسائر النشاطات من قبل بعض الجهات والمؤسسات کمجمع أهل البيت والحوزات والمدارس الدينية ،والمراکز الثقافية والتبليغية لنشر المعرفة المهدوية. 

3- إستخدام جميع الوسائل التبليغية الحديثة والمتطورة والإعلام خاصة الشبکة العالمية للمعلومات( الإنترنت) لعولمة مسألة المهدوية.

 

دورالإيرانيين في نهضة المهدي (ع)

لقد كان للإيرانيين الدور البارز والمشهود في مساندة الرسالة المحمدية من بداية عصر الرسالة إلی يومنا هذا، والروايات الواردة عن المعصومين والعلماء وتاريخ الإسلام يشهد لذلك ومن أراد الإطلاع علی ذلك فاليراجع كتاب الإسلام وإيران للإستاذ الشهيد مرتضی مطهري.

 وحسب الروايات والأحاديث الواردة سيكون للإيرانيين الدور المهم في التمهِّد لظهور المهدي(ع) ومواكبة ومؤازرة المسيرة الإصلاحية لنهضة حفيد الرسول(ص)  حتی النصر النهائي، وتشكيل دولته العالمية ،  ويمكن تلخيص تلك الأعمال البارزة التي سيقومون بها في ظل حركة الظهور المقدس وإقامة الدولة الكريمة ، في ضمن الأمور التالية :

أولاً:وجود أنصار المهدي(ع)  الخواص من إيران : إنَّ حضور عدد كبير من إيران بين أصحاب الإمام الخواص ، هو خير دليل علی الدور المهم الذي سيقوم به الإيرانيون في نهضة الإمام الحجة(عج)،وهؤلاء  من مدن الأهواز وشيراز والدَّيلم وقزوين و الرَّي وطوس وغيرها من المدن وأكثرهم عدداً من مدينتي قم وطالقان  وقد ذكرتهم الروايات منها الرواية المنقولة عن أمير المؤمنين (ع) في دلائل الإمامة([11]).

ولاشك إن لقم وأهلها، بحسب ما نستفيد من الأحاديث، دوراً كبيراً في التمهيد لظهور الإمام المنتظر (عج)، وسوف يكون لهم الدور الفعال في قيامه وتشكيل دولته العالة ،لقد ورد عن الإمام الصادق (ع):«إنّما سمّيت قم؛ لأنّ أهلها يجتمعون مع قائم آل محمّد (ص) ويقومون معه ويستقيمون عليه وينصرونه»([12]).

وأيضاً إنَّ وجود مسجد في قم ينسب إلى صاحب الأمر والزمان(ع)، والذي يقصده المسلمون من كلّ مكان، ويدعون لسلامة الإمام وتعجيل ظهوره، يدلّ على مدى أهميّة قم وأهلها كأحد القواعد الأساسية لقيام الإمام المنتظر (عج) .

وبالنسبة إلی طالقان  لقد عبرَّت عن رجالها  في الروايات ب«كنوز الطالقان»، فقد روی ابن اعثم الكوفي في كتاب الفتوح عن أميرالمؤمنين  (ع) أنَّه قال:«ويحاً للطالقان فإنَّ فيها كنوزاً ليست من ذهب ولا فضَّة ولكن بها رجال مؤمنون عرفوا الله حقَّ معرفته وهم أيضاً أنصار المهدي في آخر الزمان »([13]).

ثانياً: خروج الرايات السود و أهل المشرق بقيادة الخراساني و شعيب بن صالح:من العلامات الحتمية التي وردت في سياق علامات الظهور،تلك الروايات التي تشير إلی رايات السود لقوم من المشرق ومن خراسان ،يخرجون لنصرة المهدي ومؤازرته في قتال أعداء الدين،و لا شک أنَّ هؤلاء القوم من أهل إيران ،  فعن النبي(ص): «إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتطريدا وتشريدا حتى يأتي قوم من نحو المشرق أصحاب رايات سود، يسألون الحق فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلوها حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملأها عدلا كما ملأوها ظلما فمن أدرك ذلك منكم، فليأتهم ولو حبوا على الثلج فإنه المهدي  »([14])،  وفي رواية أخری عنه(ص)  تصرِّح بأنَّ هؤلاء الناس من المشرق، هم من أهل خرسان:« إذا رأيتم الرايات السُّود قد جاءت من قبل خراسان فاستقبلوها مشياً علی أقدامکم، لأنَّ فيها خليفة الله المهدي(عج) »([15]).

 

 الشيخ أيوب الحائري

 

الهوامش:
[1] ـ الأنبياء: 105.
[2] ـ مسند ابن حنبل 1: 378.
[3] ـ إنَّ الأخبار الوادة حول المهدي A يتمثل في مئات الروايات عن النبيn وأهل بيته G  فراجع معجم أحاديث الإمام المهدي وكتاب منتخب الأثر للصافي الگلبايگاني والكتب الأخرى التي ألِّفت في هذا الموضوع.
[4] ـ وفيات الأعيان4: 176و 562
[5] ـ الصواعق المحرقة:    141، الباب11،الفصل1 .
[6] ـ تذكرة الخواص لابن الجوزي : 363، منهاج السنّة لابن تيمية 4: 86.
[7] ـ بحار الأنوار 52: 140، الباب 22.
[8] ـ الحوبة: الخطيئة والحوب: الإثم ـ مجمع البحرين.
[9] ـ الإحتجاج للطبرسي 2: 599 .
[10] ـ أصول الكافي 1: 337، الغيبة للنعماني: 166، كمال الدين 2: 342.
[11]) راجع دلائل الإمامة:307 .
[12])ترجمة تاريخ قم: 100، وفي بحار الأنوار 60: 216.
[13]) بحار الأنوار 51: 87 باب ا ، وراجع أعيان الشيعة 1: 84  .
[14]) بحارالأنوار51: 82  باب 1  .
[15]) بحارالأنوار51: 82  باب 1 .

الأحد, 15 شباط/فبراير 2015 00:00

"رافال" الفرنسية...رسالة مصرية لواشنطن

تدشن مصر مرحلة جديدة في تنويع سلاحها بشرائها 24 مقاتلة "رافال" فرنسية، وهي توجّه بذلك رسالة ضمنية إلى واشنطن مفادها أن الأخيرة لن "تحتكر" تسليح الجيش المصري ولن تستطيع "ابتزازها" سياسياً، كما يرى خبراء.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود من اعتماد مصر بشكل رئيسي على السلاح الأميركي، أعلن الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، الخميس الماضي، أن بلاده ستوقع مع مصر، الإثنين المقبل في القاهرة، عقداً لبيع 24 مقاتلة "رافال" وفرقاطة متعددة المهام تصنعها مجموعة إدارة الصناعات البحرية الفرنسية "دي سي أن أس" بقيمة 5,2 مليار يورو.
وقال مستشار الأمن القومي في المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط في القاهرة اللواء المتقاعد محمد مجاهد الزيات إن "عقد شراء المقاتلات من طراز رافال يحمل رسالة ضمنية للولايات المتحدة بأن مصر لن تعتمد على واشنطن ولن تخضع لها وحدها في التسليح".
وأضاف أن "التعاون العسكري بين القاهرة وواشنطن لا يسير في مساره الطبيعي منذ فترة طويلة. القاهرة تخضع لإبتزاز أميركي لتحقيق أهداف سياسية أميركية وواشنطن لها رؤية مغايرة لهيكلة الجيش المصري".
وتابع أن الولايات المتحدة تعترض على عقيدة الجيش التي لا تزال تقوم على أن "إسرائيل هي العدو الرئيسي له".

ويرى العسكري المتقاعد والرئيس السابق للجنة الأمن القومي في مجلس الشورى المصري أحمد عبد الحليم أن "تنويع مصادر السلاح والتكنولوجيا التي يحصل عليها الجيش المصري بشكل عام لا يعطي فرصة لأي دولة لاحتكار او إبتزاز السياسة الخارجية لمصر".
ويتابع أن "مصر لا يمكن أن تظل أسيرة للرؤى الأميركية خاصة مع التجاذب السياسي الأخير"، في إشارة منه لتعليق واشنطن المساعدات العسكرية لمصر إثر الإطاحة بمرسي.
وتتلقى القاهرة مساعدات عسكرية من الولايات المتحدة بقيمة 1،3 مليار دولار سنويا منذ توقيعها معاهدة السلام مع إسرائيل في العام 1979.

وتأخذ القاهرة على واشنطن عدم إعلانها دعم كاف لها في حربها ضد "الإرهاب" الذي تواجهه وخصوصاً المجموعات "الجهادية" في شمال سيناء التي شنّت هجمات دامية عدة ضد الجيش والشرطة خلال الشهور الأخيرة.

ولا يقتصر التنويع في مصادر السلاح المصري على الصفقة مع فرنسا فقط، فخلال زيارة قام بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى موسكو العام الماضي، تحدّثت وسائل الإعلام الروسية عن صفقة تشتري بموجبها مصر أسلحة روسية تزيد قيمتها على ثلاثة مليارات دولار.
وأعلن السيسي خلال زيارة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى القاهرة هذا الأسبوع توقيع مذكرة تفاهم لإنشاء أول محطة توليد كهرباء بالطاقة النووية في مصر، مشدداً على "الإستمرار في تدعيم التعاون العسكري بين البلدين".
ويؤكد اللواء الزيات أن مصر كانت "تتجه لتنويع مصادر السلاح منذ فترة"، مشيراً إلى أن مصر "اتجهت نحو الإتحاد الأوروبي لشراء غواصات من المانيا" في العام 2012  لكن الصفقة لم تتمّ "لاعتراض إسرائيل".
من جهة ثانية، يرى خبراء آخرون أن ثلاثين عاماً وأكثر من العلاقات التي تصفها القاهرة وواشنطن بـ"الإستراتيجية" لا يمكن أن تذهب هباء بين ليلة وضحاها.
ويقول خبير فرنسي في شؤون العالم العربي والإسلامي  ماتيو غيدار إن العقد الأخير مع فرنسا "لا يمثل تغييراً كاملاً في استراتيجية مصر في شراء الأسلحة الأميركية المتدفقة إستناداً على المساعدات الأميركية العسكرية".
وأضاف غيدار المقيم في باريس أن "مصر ستواصل شراء الأسلحة من أميركا بشكل طبيعي. لكنها ستّتجه أيضاً لشراء الأسلحة من روسيا حسب ما فهمنا من زيارة الرئيس الروسي الأخيرة للقاهرة وهو ما يجعلها في موقف سياسي أفضل أمام الولايات المتحدة".

السفير

حسب القرآن عظمة، وكفاه منزلة وفخراً، أنّه كلام الله العظيم، ومعجزة نبيّه الكريم، وأن آياته هي المتكفّلة بهداية البشر في جميع شؤونهم وأطوارهم في أجيالهم وأدوارهم، وهي الضمينة لهم بنيل الغاية القصوى والسعادة الكبرى في العاجل والآجل:

{إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتي هِيَ أَقْوَمُ} و{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ  الْحَمِيدِ}(1) و{هذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ}(2).

وقد ورد في الأثر عن النبي(ص): «فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه»(3).

نعم من الخير أن يقف الإنسان دون ولوج هذا الباب، وأن يكل بيان فضل القرآن إلى نظراء القرآن وهم أهل بيت النبي(ص)، فإنّهم أعرف الناس بمنزلته، وأدلّهم على سموّ قدره، وهم قرناؤه في الفضل، وشركاؤه في الهداية، أما جدّهم الأعظم فهو الصادع بالقرآن، والهادي إلى أحكامه، والناشر لتعاليمه. وقد قال(ص):«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض»(4).

فالعترة هم الأدلاء على القرآن، والعالمون بفضله، فمن الواجب أن نقتصر على أقوالهم، ونستضيء بإرشاداتهم. ولهم في فضل القرآن أحاديث كثيرة جمعها شيخنا المجلسي في (البحار) الجزء التاسع عشر منه. ونحن نكتفي بذكر بعض ما ورد:

روى الحارث الهمداني(5) قال: «دخلت المسجد على عليّ(ع) فقلت: ألا ترى اُناساً يخوضون في الأحاديث في المسجد؟ فقال: قد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إنّي سمعت رسول الله(ص) يقول: ستكون فتن، قلت: وما الخرج منها؟ قال: كتاب الله، كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل، هو الذي مَن تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه...» (6).

فضل قراءة القرآن

القرآن هو الناموس الإلهي الذي تكفّل للناس بإصلاح الدين والدنيا، وضَمِنَ لهم سعادة الآخرة والأُولى، فكل آية من آياته منبع فيّاض بالهداية ومعدن من معادن الإرشاد والرحمة، فالذي تروقه السعادة الخالدة والنجاح في مسالك الدين والدنيا، عليه أن يتعاهد كتاب الله العزيز أثناء الليل وأطراف النهار، ويجعل آياته الكريمة قيد ذاكرته، ومزاج تفكيره، ليسير على ضوء الذكر الحكيم إلى نجاح غير منصرم وتجارة لن تبور.

وما أكثر الأحاديث الواردة عن أئمة الهدى(ع) وعن جدّهم الأعظم(ص) في فضل تلاوة القرآن.

قال رسول الله(ص):«مَن قرأ حرفاً من كتاب الله تعالى فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف».

منها: ما عن الإمام الباقر(ع) ، قال:

«قال رسول الله(ص) : من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ خمسين آية كتب من الذاكرين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية كتب من الخاشعين، ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب من الفائزين، ومن قرأ خمسمائة آية كتب من المجتهدين، ومن قرأ ألف آية كتب له قنطار من تبر...».

ومنها: ما عن الصادق(ع) ، قال:

«القرآن عهد الله إلى خلقه، فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده، وأن يقرأ منه في كل يوم خمسين آية». وقال:

«ما يمنع التاجر منكم المشغول في سوقه إذا رجع إلى منزله أن لا ينام حتّى يقرأ من القرآن فيكتب له مكان كل آية يقرأها عشر حسنات، ويمحى عنه عشر سيئات؟». وقال: «عليكم بتلاوة القرآن، فإنّ درجات الجنة على عدد آيات القرآن، فإذا كان يوم القيامة يقال لقارئ القرآن: إقرأ وأرقَ، فكلّما قرأ آية رقى درجة».

وقد دلّت جملة من هذه الآثار على فضل القراءة في المصحف على القراءة عن ظهر القلب. ومن هذه الأحاديث قول إسحق بن عمّار للصادق(ع):

«جعلت فداك إني أحفظ القرآن عن ظهر قلبي فأقرأه عن ظهر قلبي أفضل أو أنظر في المصحف قال: فقال لي: لا، بل اقرأه وانظر في المصحف فهو أفضل. أما علمت أن النظر في المصحف عبادة؟». وقال: «مَن قرأ القرآن في المصحف متع ببصره، وخفف عن والديه وإن كانا كافرين»(7).

وفي الحث على القراءة في نفس المصحف نكتة جليلة ينبغي الإلتفات إليها، وهو الإلماع إلى كلاءة القرآن عن الإندراس بتكثير نسخه، فإنه لو اكتفي بالقراءة عن ظهر القلب لهجرت نسخ الكتاب، وأدّى ذلك إلى قلتها، ولعلّه يؤدي أخيراً إلى انمحاء آثارها.

وهكذا أن القراءة في المصحف سببب لحفظ البصر من العمى والرمد.

وقد أرشدتنا الأحاديث الشريفة إلى فضل القراءة في البيوت. ومن أسرار ذلك إذاعة أمر الإسلام، وانتشار قراءة القرآن، فإن الرجل إذا قرأه في بيته قرأته المرأة، وقرأه الطفل، وذاع أمره وانتشر. ولعلّ من أسراره أيضاً إقامة الشعار الإلهي، إذا ارتفعت الاصوات بالقراءة في البيوت بكرة وعشياً، فيعظم أمر الإسلام في نفوس السامعين لما يعروهم من الدهشة عند ارتفاع أصوات القرّاء في مختلف نواحي البلد.

فقد ورد في الأحاديث:

«إن البيت الذي يقرأ فيه القرآن ويذكر الله تعالى فيه تكثر بركته، وتحضره الملائكة، وتهجره الشياطين، ويضيء لأهل السماء كما يضيء الكوكب الدرّي لأهل الأرض، وأن البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن، ولا يذكر الله تعالى فيه تقل بركته، وتهجره الملائكة، وتحضره الشياطين»(8).

التدبّر في القرآن ومعرفة تفسيره

ورد الحثّ الشديد في الكتاب العزيز، وفي السنّة الصحيحة على التدبّر في معاني القرآن والتفكّر في مقاصده وأهدافه، قال الله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا}(9).

وفي هذه الآية الكريمة توبيخ عظيم على ترك التدبّر في القرآن، وفي الحديث عن ابن عبّاس عن النبي(ص) أنّه قال: «أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه». وعن أبي عبدالرحمن السلمي، قال: «حدّثنا مَن كان يقرئنا من الصحابة أنّهم كانوا يأخذون من رسول الله(ص) عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتّى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل»(10).

وعن عثمان وابن مسعود وأُبيّ:

«أن رسول الله(ص) كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلّموا ما فيها من العمل فيعلمهم القرآن والعمل جميعاً»(11).

وعن علي بن أبي طالب(ع) أنّه ذكر جابر بن عبدالله ووصفه بالعلم، فقال له رجل: جعلت فداك تصف جابراً بالعلم وأنت أنت؟ فقال: إنّه كان يعرف(12) تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَاد}(13).

 

الهوامش:

(1) الإسراء:  9.

(2) إبراهيم: 1.

(3) بحار الأنوار ج19 ص6، صحيح الترمذي بشرح ابن العربي ج11 ص47، أبواب فضائل القرآن.

(4) رواه الترمذي ج13 ص200، 201، مناقب أهل البيت، راجع بقية المصادر في قسم التعليقات رقم(1).

(5)  انظر ترجمة الحارث وافتراء الشعبي عليه في قسم التعليقات رقم (2).

(6) هكذا في سنن الدارمي ج2 ص435، كتاب فضائل القرآن ومع اختلاف يسير في ألفاظه في صحيح الترمذي ج11 ص30 أبواب فضائل القرآن. وفي بحار الأنوار ج9 ص7 عن تفسير العياشي.

(7) هذه الروايات في أصول الكافي، كتاب فضل القرآن، وفي الوسائل طبعة عين لدولة، ج1 ص370.

(8) أصول الكافي، كتاب فضل القرآن.

(9) سورة محمّد: 24.

(10) تفسير القرطبي ج1 ص26.

(11) أصول الكافي، كتاب فضل القرآن.

(12) تفسير القرطبي ج1ص26.

(13) القصص: 85 .

 

استقبل سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي صباح يوم الأحد 08/02/2015 م قادة و منتسبي القوة الجوية في الجيش و العاملين في المضادات الجوية، و أوضح السبب و الهدف الرئيس من عداء الحكومة الأمريكية المستمر لإيران طوال 36 عاماً، و خطأ حساباتهم الرامية لتركيع شعب إيران و إهانته، و أشار إلى الأداء و السلوك المنطقي و الرصين لإيران في المفاوضات النووية، و السلوك غير المنطقي و الابتزازي للطرف المقابل مؤكداً: سوف يثبت شعب في إيران في الثاني و العشرين من بهمن أنه لا يخضع لمنطق القوة، و أنه يردّ بضربات مقابلة على كل من تسوّل له نفسه توجيه الإهانات.
في هذا اللقاء الذي جاء في الذكرى السنوية للبيعة التاريخية للطيارين و المنتسبين للقوة الجوية في الجيش الإيراني للإمام الخميني في التاسع عشر من بهمن سنة 1357 هـ ش (8 شباط 1979 م) قبل انتصار الثورة الإسلامية بثلاثة أيام، اعتبر آية الله العظمى السيد الخامنئي أن تلك الحادثة المهمة تنطوي على مضمون عميق و خالد، و أضاف قائلاً: المبادرة الشجاعة لقادة و منتسبي القوة الجوية في التاسع عشر من بهمن سنة 57 تدل على صحة الخطاب الحق و الجذاب للثورة الإسلامية الذي استطاع التغلغل حتى إلى أعماق قلوب المنتسبين للقوة الجوية في جيش الشاه في ذلك الحين، و هي القوة التي كانت حتى أمريكا تراهن عليها.
و أكد سماحته على ضرورة معرفة و صيانة هذه الحقيقة المهمة، و ألمح إلى بعض الحقائق في الساحة و منها النفوذ الواسع للثورة الإسلامية مردفاً: بانتصار الثورة الإسلامية، عندما شاهدت الشعوب شجاعة الشعب الإيراني و بسالته، حيث وقف علنياً بوجه التعسف الأمريكي، عمّ الهياج تلك الشعوب و انجذبت لرسالة الثورة.
و لفت قائد الثورة الإسلامية قائلاً: في الطرف المقابل أيضاً لم تتوان القوى المتعسفة و على رأسها أمريكا منذ اليوم الأول للثورة عن أية خطوة أو ضغط لإطفاء جذوة هذه الحركة العظيمة و الآخذة في الاتساع، و قد استمر هذا العداء إلى يومنا هذا.
و أضاف آية الله العظمى السيد علي الخامنئي: عداء أمريكا و القوى الاستكبارية ليس مع الأشخاص، إنما هم يعادون أصل حركة الشعب الإيراني و اتجاهه المصحوب بالصمود و النزوع إلى الاستقلال و العزة.
و ذكّر سماحته بتصريحات بعض الساسة الأمريكان في الأعوام الأخيرة الذين عبروا بصراحة عن ضغائنهم و أحقادهم على شعب إيران، مضيفاً: إنهم غاضبون من صمود الشعب الإيراني، و هدف أمريكا و من لفّ لفها تركيع الشعب الإيراني و إهانته، و هم طبعاً مخطئون في تحليلاتهم.
و اعتبر قائد الثورة الإسلامية أن سبب إخفاقات أمريكا المتتابعة في قضايا المنطقة و خصوصاً قضايا إيران هو هذا الخطأ في الحسابات و الأخطاء الاستراتيجية مردفاً: من النماذج على هذه الأخطاء تصريحات أحد الساسة الأمريكان قبل عدة أيام حين قال إن الإيرانيين مغلولو الأيدي في المفاوضات النووية، و واقعون في ورطة.
و أكد آية الله العظمى السيد الخامنئي: في يوم الثاني و العشرين من بهمن سوف ترون التواجد الذي سيسجله شعب إيران في الساحة، و عندها سيتبين ما لو كان شعب إيران مغلول الأيدي.
و لفت سماحته قائلاً: أيدي الشعب و المسؤولين في إيران لم تكن مغلولة في أي وقت من الأوقات، و هذا ما أثبتوه عملياً، و سوف يثبتوه في المستقبل أيضاً بمبادراتهم و شجاعتهم.
و تابع قائد الثورة الإسلامية: الطرف الذي وقع حالياً في الورطة و المشكلة هو أمريكا، و كل الحقائق في هذه المنطقة و خارج هذه المنطقة تثبت هذه الحقيقة.
و أشار آية الله العظمى السيد الخامنئي إلى هزيمة السياسات الأمريكية في سورية و العراق و لبنان و فلسطين و غزة و أفغانستان و باكستان، و كذلك هزيمة أمريكا في أوكرانيا، و خاطب الأمريكان مؤكداً: إنكم أنتم الذين تمنون بالهزائم المتلاحقة على مدى سنين طويلة، أما الجمهورية الإسلامية الإيرانية فتتقدم إلى الأمام، و هي اليوم لا تقبل المقارنة إطلاقاً بما كانت عليه قبل ثلاثين و نيف من السنين.
و ألمح سماحته إلى تقدم الجمهورية الإسلامية الواسع في العلوم و التقنيات و في القضايا الاجتماعية المختلفة و في القضايا الدولية و كذلك إلى نفوذها الهائل في المنطقة و رسوخ أسس الثورة في قلوب الشباب مردفاً: الجمهورية الإسلامية في إيران بهذا الخزين القيم من التجارب تسير في درب التقدم باقتدار، و لم يستطع الأمريكان استئصال هذه الجذور، لذا فهم اليوم مضطرون لتحمّل نظام الجمهورية الإسلامية، و مخططاتهم السياسية و الأمنية و الاقتصادية و الثقافية لن تمنع هذا التقدم.
و أشار قائد الثورة الإسلامية إلى المفاوضات النووية و جهود المعاندين و ذوي الطويّة السيئة في الترويج لتورّط إيران في هذا الموضوع، و ذكّر بعدة نقاط مهمة حول المفاوضات النووية.
النقطة الأولى التي أشار لها الإمام الخامنئي هي موافقته على أصل الاتفاق حيث قال: إنني أوافق على الاتفاق الذي يمكن أن يحصل، لكنني لا أوافق على الاتفاق السيئ.
و ألمح سماحته إلى تصريحات الأمريكان المتكررة حيث يقولون: «عدم الاتفاق أفضل من الاتفاق السيئ» مضيفاً: نحن أيضاً نعتقد بهذا! و نرى أن عدم الاتفاق أفضل من الاتفاق الذي يكون في ضرر المصالح الوطنية و ممهداً لإهانة شعب إيران الكبير.
و كانت النقطة الثانية التي ذكرها قائد الثورة الإسلامية هي الجهود الدؤوبة للمسؤولين و الوفد الإيراني المفاوض لانتزاع حربة الحظر من أيدي الأعداء، و أضاف يقول: إذا حصل هذا الاتفاق و سقطت به حربة الحظر من أيدي الأعداء فنعمّا ذلك، و لكن إذا لم يحصل هذا الاتفاق فليعلم الجميع أن هناك سبلاً عديدة داخل البلاد لجعل حربة الحظر كليلة غير فاعلة.
و أكد آية الله العظمى السيد الخامنئي: إذا ركّزنا بهمّة و سعي و بصورة مناسبة على الفرص المتوفرة لدينا، فحتى لو لم نستطع انتزاع حربة الحظر من يد العدو، سوف نستطيع جعلها كليلة غير قاطعة.
و كانت النقطة الثالثة بخصوص النهج المنطقي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في المفاوضات النووية و السلوك غير المنطقي و التعسفي للطرف المقابل.
و أشار آية الله العظمى السيد الخامنئي إلى كلام رئيس الجمهورية قبل عدة أيام حيث قال إن المفاوضات تعني وصول الطرفين إلى قدر مشترك موضحاً: على هذا الأساس يجب أن لا يسعى أحد الأطراف سعياً غير منطقي لتحقيق كل ما يتوقعه.
و لفت سماحته قائلاً: نهج الأمريكان و بعض البلدان الأوربية التابعة لها في المفاوضات نهج غير منطقي، فهم يتوقعون الكثير و يريدون تحقيق كل إراداتهم، و هذا ليس بنهج تفاوضي.
و أكد الإمام السيد علي الخامنئي على أن صمود المسؤولين بوجه جشع الطرف المقابل صحيح تماماً، و أشار إلى الأداء المنطقي القويم للجمهورية الإسلامية في مختلف المراحل و الفترات بما في ذلك فترة الدفاع المقدس و القبول بالقرار 598 ، و كذلك الأمور و القضايا المختلفة التي أعقبت الحرب، منوهاً: في المفاوضات النووية أيضاً يتصرف النظام الإسلامي على أساس المنطق، لكن الطرف المقابل ليس له أي منطق، إنما يعتمد على التعسف و القوة و عدم المنطق.
و أكد سماحته قائلاً: الشعب الإيراني لن يخضع لمنطق القوة و الجشع و التصرفات غير المنطقية.
و أضاف قائد الثورة الإسلامية: إنني أوافق استمرار المفاوضات و تقدمها و وصولها إلى اتفاق جيد، و لا شك أن شعب إيران أيضاً لا يعارض أي اتفاق يتضمن عزته و احترامه.
و أكد آية الله العظمى السيد الخامنئي: في المفاوضات ينبغي صيانة كرامة الشعب الإيراني و حرمته و تقدمه، لأن هذا الشعب لم يتعود على تقبل منطق القوة من الطرف المقابل سواء كان أمريكا أو غيرها.
و أشار سماحته إلى بعض ما يطرح من كلام حول اتفاق ذي مرحلتين حيث يجري أولاً الاتفاق على الأصول العامة و يحصل بعد فترة الاتفاق على التفاصيل، منوهاً: مثل هذا الاتفاق غير مستحسن، لأننا بتجاربنا عن الطرف المقابل نعلم أن الاتفاق على أمور عامة سيكون وسيلة لتذرّعاته المتتابعة بشأن التفاصيل.
و أكد قائد الثورة الإسلامية: إذا حصل اتفاق فيجب أن يكون في مرحلة واحدة و يضم جميع الشؤون العامة و التفاصيل إلى جانب بعضها.
و أضاف آية الله العظمى السيد الخامنئي: فحوى الاتفاق أيضاً يجب أن تكون واضحة و جلية و لا تقبل التفسير و التأول، و ينبغي أن لا يكون مفاد الاتفاق بشكل يسمح للطرف المقابل المتعوّد على المساومات بالتذرّع حول القضايا المختلفة.
و لفت سماحته قائلاً: بلطف من الله سيثبت شعب إيران في الثاني و العشرين من بهمن أن كل من يروم إهانته سيواجه ضربات مقابلة.
و قال قائد الثورة الإسلامية: كل شعب إيران و كل المخلصين متفقون على أن العزة الوطنية لبلد ما مهمة جداً جداً، إذ لو لم تكن العزة لما كان الأمن و التقدم. إذن ينبغي صيانة العزة الوطنية، و المسؤولون يعرفون هذه القضية.
و قال سماحة الإمام الخامنئي في الختام: بفضل من الله سوف يفرض الشعب الإيراني بمشاركته المقتدرة و عزيمته الراسخة في الثاني و العشرين من بهمن الركوع على العدو.
في بداية هذا اللقاء ألقى اللواء الطيار حسن شاه صفي قائد القوة الجوية في الجيش الإيراني كلمة حيّى فيها يوم التاسع عشر من بهمن ذكرى البيعة التاريخية لمنتسبي القوة الجوية مع الإمام الخميني (رض) و قدم تقريراً عن قدرات القوة الجوية و تقدمها.
و سبق هذا اللقاء اجتماع خاص مصغر للإمام الخامنئي القائد العام للقوات المسلحة الإيرانية بالقادة الكبار في القوة الجوية و المضادات الجوية في جيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أشار فيه سماحته إلى الدور الحساس و الخطير للقوة و المضادات الجوية في جيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية داخل النظام الدفاعي للبلاد مردفاً: القوة الجوية حسب ما تقتضيه مهنياً تعتمد على العلم و التقانة، و هذا ما يزيد من أهمية هذه القوة من عدة وجوه في إطار مواجهة التهديدات المحيطة.

في إجراء غير معهود، اعترفت وكالة الاستخبارات المركزية بمسؤوليتها "المشتركة مع الموساد" في اغتيال المسؤول العسكري في حزب الله، عماد مغنية، عام 2008. وجاء الاعتراف عبر نشر رواية متزامنة في صحيفة "واشنطن بوست"، 30 كانون الثاني 2015؛ واسبوعية "نيوزويك،" 31 كانون الثاني؛ تقاطعت روايتيهما بالعديد من المحطات والتفاصيل لا سيما وأن المشترك بينهما هو المصدر عينه. جاء ذلك من دون مسبقات أو تطورات ظاهرية في الفترة الراهنة تستدعي الكشف عن مسؤولية الاغتيال، وهما الجهازين الابرز عالمياً بعمليات القتل والاغتيال. 

ما يهمنا في سردية الرواية إقرار الوكالة بأنها مسؤولة عن إجراء التجارب على العبوة الناسفة في الأراضي الاميركية وتسليمها لمحطة الاستخبارات في المنطقة "مروراً بالاراضي الأردنية". أما ما تبقى من تفاصيل وادعاءات، فلا يعدو كونه يندرج تحت باب التكهنات والحرب النفسية، حتى وإن تضمن معلومات تبدو واقعية ومقنعة للوهلة الأولى. ومنها ما نُقل عن نائب الرئيس الاميركي السابق، ديك تشيني، بإجراء مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق، إيهود اولمرت، لتهنئته "والاشادة بتعاونه لإنجاح العملية فور اغتيال مغنية. 


الرسائل الكامنة
من البديهي طرح جملة تساؤلات تتعلق بالدافع أو جملة الدوافع التي استدعت الوكالة للكشف عما يعتقد واثبتت التحقيقات والدلائل المادية مسؤولية الطرفين فيها بامتياز؛ خاصة في ظل حادثتين بارزتين: الأولى، المفاوضات النووية مع إيران والحرب الاستخبارية الباردة معها؛ والثانية، عملية حزب الله العسكرية في مزارع شبعا ضد دورية عسكرية إسرائيلية، وما رافقها من تصريحات للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وأبرز ما أشارت إليه وسائل الاعلام الغربية بشكل خاص أن "ما قبل العدوان الاسرائيلي في الجولان ليس كما بعده، ونهاية ما كان يعتبر قواعد الاشتباك"، وما تناقلته الأوساط المحلية بأن الحزب تعهد "بملاحقة العدو أينما كان وكيفما كان وفي أي مكان"، مستحضراً مقولة القائد الفلسطيني وديع حداد "وراء العدو في كل مكان"، إذ تشير بعض الروايات إلى تمكّن الموساد من اغتياله بدس السم في نوع مفضل له من الحلوى أو الشوكولاته، وقضى يوم 28 آذار/مارس 1978. 

يذكر أيضاً أن الفترة الراهنة تشهد "تراشقاً علنياً بين واشنطن وتل ابيب"، على خلفية ما اعتبره البيت الابيض "حشر نتنياهو نفسه في المشاحنات الداخلية الاميركية"، أي الصراع العلني بين البيت الابيض والكونغرس، والتي يعتبرها البعض مبالغاً في التفسير أنها أحد العوامل التي دفعت الوكالة للإعلان. توتّر العلاقات بين أوباما ونتنياهو ليس جديداً، ولا ينبغي تضخيمه لدرجة تصويره أزمة مستعصية تهدد العلاقة العضوية مع الكيان الاسرائيلي. 

الالتزام الصارم بالأسلوب العلمي للتحليل يقتضي البحث في القضايا والابعاد غير البارزة، ومقاربتها بما يحدث من أجل التوصل إلى استنتاجات حقيقية تقترب من جوهر المسألة بعيداً عن التهويل والإيحاء والإدعاء. 

قبل الولوج في الدوافع البينة والمستترة لإعلان الوكالة، تجدر الاشارة إلى جملة من المعطيات المرتبطة مباشرة بسياق الصراع الاستراتيجي في المنطقة بين المشروع الاميركي وأدواته وأعوانه المحليين، وبين الفئات الشعبية المناهضة له والمسحوقة وهي الأغلبية. 


أبعاد مكتومة
أولى تلك المعطيات ما كشفته "ويكيليكس" من وثائق سرية تتعلق باختراق الاجهزة المركزية لمعهد "ستراتفور" الاستخباري الاميركي، عام 2011، حول أبعاد التدخل العسكري والاستخباري الأميركي في المنطقة، وما دلّت عليه من ردود فعل لإعلان "حزب الله" كشفه عن اعتقال خلية تجسسية تتبع وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية، والتي وصفها بأنها "جزءاً يسيراً" مما لديه،" 10 كانون الاول 2011. وأوضح المعهد أن حزب الله "رمى إبلاغ رسالة قاسية لوكالة الاستخبارات بأنه يتعين عليها الكف عن اللعب بالساحة اللبنانية". 

شبكة التلفزيون الأميركية، ايه بي سي، 20 تشرين الثاني 2011، أوضحت حجم الضرر الذي أصاب محطة وكالة الاستخبارات بالقول "تبين أن كان هناك في لبنان حلقتي تجسس منفصلتين إستهدفتا إيران وحزب الله، واللتين كشف أمرهما بصورة منفصلة بيد أنهما تسببتا بانتكاسة هامة لجهود الولايات المتحدة تتبع نشاطات إيران النووية وعمليات حزب الله المناهضة لإسرائيل". وأضافت نقلاً عن لسان مسؤولين أميركيين أن "الضرر الناجم عن شبكة التجسس في لبنان كان أشدّ من المعتاد. الضرر أصاب سر المهنة في مقتل". 

الحرب الاستخبارية بين الولايات المتحدة وايران لم تهدأ، واستطاعت إيران تعقّب واعتقال عدد من المتهمين بالتجسس لصالح "وكالة الاستخبارات المركزية"، بمن فيهم عناصر أميركية أشهرها "عنصر مكتب التحقيقات الفيدرالي روبرت لفينسون الذي اختفى أثره" في ايران في شهر آذار عام 2007؛ فضلاً عن آخرين من أصول إيرانية ألقي القبض عليهم. ونشرت وكالة "اسوشيتد برس" الاميركية للأنباء تقريراً يوم 12 كانون الاول 2013، يوضح علاقة لفينسون بوكالة الاستخبارات المركزية، تبعتها صحيفة "نيويورك تايمز" باستعراض تاريخ علاقته المطوّل لصالح الوكالة. بالمقابل، إستطاعت الاجهزة الأميركية "بمساعدة الموساد، كما يعتقد" النيل من العلماء الايرانيين في شتى المجالات النووية والعلوم الطبيعية. 

وفي باب المعطيات الداخلية الاميركية، نشير إلى حادثتين لا ترابط بينهما في البدء، لكنهما تكملان المشهد الداخلي ودوافعه. 


الدور التقليدي للوكالة

إختار أوباما في كانون الثاني الماضي ديفيد كوهين لمنصب نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية
الأولى، إصدار المحكمة الفيدرالية حكماً يدين ضابط الاستخبارات السابق، جيفري ستيرلنغ، 27 كانون الثاني 2015، بالكشف غير المرخّص عن معلومات تتعلق بالأمن القومي "سربها للصحافي في جريدة نيويورك تايمز، جيمس رايزن،" كما ورد. وجّهت التهمة بالبداية إلى الصحافي المذكور للضغط عليه بالكشف عن مصادره التي استقى منها معلوماته المنشورة، وواجه بشجاعة تهديداً قضائياً بسجنه 18 شهراً إن لم يمتثل للكشف عن مصادره، واستمر بالرفض الذي رافقه حملات تضامن مكثفة لحماية حقوقه في التعبير المنصوص عليها دستورياً. 

ونواة الاتهام الممزدوج تتعلق بمعلومات ضمّنها رايزن في كتابه "حالة حرب: التاريخ السري للسي آي ايه وادارة (الرئيس جورج) بوش" الابن، إصدار 2006، تتعلّق بالعمليات السرية ضد إيران وتمرير رسم بياني "ملغوم" للمكونات النووية عبر عنصر روسي سلّمها لعميل أميركي في إيران تبيّن فيما بعد أنه عميل مزدوج، والذي سلّمها بدوره للسلطات الإيرانية. وصف رايزن المشرفين على العملية في مقرّ وكالة الاستخبارات بأنهم أرفقوا الرسومات المشار إليها تفاصيل أخرى "قد تستخدم في الكشف عن هوية كافة جواسيس الوكالة تقريباً داخل إيران". وأوضح أنه بناء على ما تقدم استطاعت السلطات الإيرانية اعتقال كافة عناصر شبكة التجسس داخل إيران. 

الحادثة الثانية تمّت بإعلان الرئيس أوباما، يوم السادس من شهر كانون الثاني الماضي، عن اختياره ديفيد كوهين لمنصب نائب مدير "وكالة الاستخبارات المركزية"، والذي شغل منصباً رفيعاً في وزارة المالية كمساعد الوزير "لشؤون الارهاب والاستخبارات المصرفية"، ولعب دوراً محورياً في تطبيق سياسة العقوبات الاميركية على كل من روسيا وإيران. كما شارك كوهين في "عدد من الاجتماعات رفيعة المستوى في البيت الابيض تناولت مسائل متعددة شملت سوريا وأوكرانيا وإيران وجهود مكافحة الارهاب"، وفق تصريحات نائب مستشار الأمن القومي، بن رودس. 

واللافت في هذا التعيين ردود فعل وابتهاج اللوبي اليهودي وإسرائيل، التي أوضحت أن طاقم وكالة الاستخبارات المركزية كان "يشغله الواسب منذ تأسيسها"، في إشارة إلى "البيض من الانغلو ساكسون البروتستانت". وأضافت الصحف الاسرائيلية أن المدير السابق لمحطة الوكالة في تل أبيب كان يهودياً؛ بالإضافة إلى مدير الوكالة اليهودي الأسبق، جون دويتش، 1995-1996. 

وأضخى كوهين اليهودي الثاني في تراتبية أهم المناصب داخل الادارة الأميركية، بعد مسؤوله السابق وزير المالية جاكوب لو. وجاء في أحد التعليقات للصحافي الاسرائيلي يوسي ميلمان أن كوهين عمل بشكل وثيق مع "جهاز الأمن الاسرائيلي – الشين بيت، في سياق توقيف تدفق المال لحركة حماس، وبشكل أخص في الجهود المشتركة لتعقب آلية تمويل حزب الله ومحاولات إيران للتملص من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها". 


رسائل سياسية متعددة الاطراف
وفي العودة للتوقف عند الدوافع المعلنة، نشير إلى ما تناقلته الصحف الاسرائيلية وشاطرتها وسائل الاعلام الأميركية بأن "الكشف رمى توصيل رسالة قاسية لحزب الله وايران" للحدّ من تنامي نفوذهما في الاقليم "عبر الاشارة إلى اليد الطولى للاستخبارات". 

أيضاً، يجمع عدد كبير من خبراء الأمن والسياسة الاميركيين أن "إدارة أوباما تقف مباشرة وراء التسريب"، نظراً للعلاقة المتوترة مع بنيامين نتنياهو، أحد أهدافها ربما توجيه تهديد مبطن بأن "حاجته للولايات المتحدة لا يقدر على التضحية بها وعليه التزام التهدئة"، كما يتعيّن عليه التذكر بأنه "الشريك الاصغر في تحالف تقوده دولة عظمى". ويشير "مسؤولون أميركيون" بشدة إلى الدور المركزي والمميز لوكالة الاستخبارات المركزية في اغتيال القائد في حزب الله عماد مغنية، بينما "لعب الموساد دوراً مؤازراً". 

كما يذهب البعض إلى القول إن الرسالة الاخرى لنتنياهو أن الولايات المتحدة لديها كمّ هائل من الاسرار التي من شأن الكشف عنها الحاق الضرر بنتنياهو إن لم يرتعد عن اتخاذ مواقف "تحرج" الرئيس أوباما. 

ومن ضمن احتمالات الدوافع أيضاً النزعة العدوانية لعدد من كبار مسؤولي أجهزة الاستخبارات الاميركية، والذين ينسقون خطواتهم على وقع تأزيم التوترات الراهنة في المنطقة. لكن نظرة سريعة على سجلّ الرئيس اوباما في تعقّب وملاحقة ومقاضاة أي موظف حكومي ضالع في تسريب معلومات "محرجة سياسياً"، يستبعد ذلك البعد كما تبيّن أعلاه في  مقاضاة الثنائي رايزن – ستيرلنغ بصورة مهينة تنمّ عن حقد دفين. كما تجدر الاشارة إلى أن اغتيال عماد مغنية تمّ في عهد الرئيس جورج بوش الابن، ومن ثم فإن المعلومات المسربة ذات الطبيعة الاستخبارية لا ينطوي عليها توريط إدارة الرئيس اوباما – بل تشير إلى عمق العلاقة العضوية والعملية لجهازي الوكالة المركزية والموساد. 


إستراتيجية الاغتيالات وثمارها
تعود الاغتيالات إلى عمق تاريخ البشرية كوسيلة مكمّلة لسياسات وقوى ومصالح قائمة. والاغتيالات السياسية لاحقت سياسة الولايات المتحدة، منذ الحرب العالمية الثانية بصعودها على المسرح الدولي، ووفّرت الغطاء اللازم لحليفتها إسرائيل في التمادي بتوسيع ساحة الاغتيالات إلى مناطق متعددة من العالم دون رقيب أو محاسبة. ودخول عامل طائرات الدرونز ضمن قائمة الموارد المتاحة للاغتيالات أكبر دليل على إدراك الطرفين باستمرار مسلسل الاغتيالات لعناصر وقيادات وكفاءات في مختلف الاختصاصات الرامية للارتقاء بالحياة الانسانية إلى مستويات أرفع. 

وتبرز بين الحين والآخر صيحات تنادي بمراجعة سياسة الاغتيالات نظراً لما تلحقه من ضرر بسمعة الولايات المتحدة ومردودها المادي على الطرف الفاعل. وأشارت بعض وثائق ويكيلكس إلى مذكرات داخلية لوكالة الاستخبارات، مؤرخة يوم 7 تموز / يوليو 2009، تتساءل عن مدى نجاح سياسة "الاهداف ذات القيمة العالية"، أو اغتيال يستهدف عناصر محددة عبر العالم تنوي التخلص منها. وورد في إحدى تلك الوثائق ما توصلت إليه الوكالة من استنتاج بأن محاولات الاغتيال التي مارستها القوى الاستعمارية والنظم الاستبدادية لم تفلح في إخماد ثورات الشعوب العالمية؛ فضلاً عن أن الاعتماد المكثّف بشنّ غارات جوية على أهداف منتقاة عادة ما تفشل في تحقيق الاهداف المرجوة. 

واستعرضت دراسة الوكالة التي قامت بها "مؤسسة راند" التجارب الثورية ومقاومة الاحتلالات في: أفغانستان 2001-2009؛ الجزائر 1954-1962؛ كولومبيا 2002-2009؛ العراق 2004-2009؛ فلسطين المحتلة 1972-منتصف التسعينيات، ومن ثم لشهر حزيران 2009؛ البيرو 1980-1999؛ ايرلندا الشمالية 1969-1998؛ وسري لانكا 1983-2009. كما تضمنت المشهد في كل من الشيشان وليبا والباكستان وتايلند. 

وأتت توصيات الدراسة برسالة تحذيرية من مردود الاغتيالات على المدى الابعد "إذ بوسعها زيادة مستويات دعم الشعب للحركات" المسلحة، لا سيما عند وقوع ضحايا من المدنيين العزل. وأقرّت الدراسة بدور العمل النفسي للحركات المسلحة وتراجع أهمية دور طرفي الصراع أمام مدى إدراك المزاج الشعبي لما يجري من أحداث. 

وفي الشق المتعلق بالاغتيالات في فلسطين المحتلة، أوضحت الدراسة "تعزيز أواصر اللحمة" في صفوف المسلحين "ورفعت منسوب الدعم الشعبي للقادة المتشددين، حسبما أفاد مسؤولون في القنصلية الاميركية في القدس وقسم إعداد التقارير السرية". ويتّضح أن الوجهة لا تحبّذ استمرار برنامج الاغتيالات. 

وفيما يخص الثورة الجزائرية أوردت الدراسة أن "هدف جبهة التحرير الوطني الجزائرية استفزاز ردة فعل الفرنسيين الذين عاقبوا عموم الشعب الجزائري، وأدى تزايد عدد ضحايا المدنيين إلى ترسيخ شعبية الجبهة"، واستعرضت الدراسة لجوء الاحتلال الفرنسي لاعتراض طائرة مدنية كانت تقلّ الرئيس الاسبق أحمد بن بيلا "المعتدل نسبياً بين صفوف القادة"، وأربعة قياديين آخرين مما "تسبّب في تعزيز نفوذ قيادات الداخل الجزائري المتشددين". وخلصت بالقول إن "الاجراءات الفرنسية القاسية .. أسهمت في تراجع التأييد داخل فرنسا وكذلك التأييد العالمي، مما أدّى لتحقيق الجزائر استقلالها عام 1962". 


تحذيرات تم تجاهلها
أدرجت الدراسة المشار إليها عدداً من التوصيات في سياق اعتماد الاغتيالات كحلّ سريع في مواجهة القوى الشعبية، محذّرة من العقبات المواكبة للحل. منها، على سبيل المثال، إفراط "الاعتماد عليها يؤدي إلى فقدان الدولة البعد الاستراتيجي للصراع أو التغاضي عن قضايا هامة في عملية مكافحة التمرد". ومضيّ أوباما في اعتماد الاغتيالات يدلّ على إخفاق المسؤولين في أخذ التحذيرات الواردة محمل الجد. 

ويتحكم الرئيس اوباما مباشرة بإصدار قرار الاغتيال من عدمه، وفق التوصيات الواردة له كل "يوم ثلاثاء" من الاسبوع من قبل الاجهزة الأمنية. 

ومن ضمن التوصيات أيضاً، التحذير من استخدام الاغتيالات بكثافة والتي من شأنها تعديل هيكلية المجموعات المسلحة واعتماد وحداتها على إبراز عناصر قيادية أكثر تشدداً؛ كما تشهد عليه المجموعات المتوالدة من تنظيم القاعدة في اليمن وسوريا والعراق والصومال وشمال إفريقيا. 

ومن المفارقة أن تقرير وزارة الخارجية الاميركية حول الارهاب للعام الماضي حذّر من تحديات شبيهة بما سبق، وقال "خسارة قادة القاعدة في باكستان، سارعت في اتخاذ المجموعة قرار اللامركزية في العمل وأدى لبروز فصائل أخرى تابعة لشبكة القاعدة لكنها مستقلة في عملياتها وتحصر جهودها لتحقيق أهداف محلية واقليمية". بالامكان القول إن التوصيات تنطبق أيضاً على تشكيلات الدولة الاسلامية، وأسهمت سياسة أوباما في الاغتيالات في رفع منسوب الدعم لداعش بدل القضاء عليها. 

واعتماد الاستراتيجية الاميركية على عنصر الاغتيالات بطائرات الدرونز، في عهدي بوش الابن واوباما، لم تثمر نتائج ملموسة ولم تخلّص العراق من تهديد داعش. وارتفعت معدلات الشك بفعالية عمليات وكالة الاستخبارات المركزية خاصة في ظل تعاونها الصارخ مع الموساد لاغتيال عناصر قيادية. 

  
ترميم الميزان المعنوي
تبقى العمليات الأمنية والاغتيالات وسيلة مفضلة للكيان الصهيوني، الوكيل للأصيل الأميركي، مع تراجع قدراته على ردع واستنزاف أطراف معسكر المقاومة، في ظل انكشاف عجزه عن تحقيق أهدافه في الحروب التي يشنّها وخاصة منذ إرغامه على الانسحاب من معظم أراضي الجنوب اللبناني المحتلة في عام 2000. 

ويمكن الاستنتاج في حالة الصراع العربي– الصهيوني، وتحديداً في حالة المجابهة مع حزب الله، أن العمليات الأمنية والاغتيالات تشكل وسيلة لترميم ما يعتبره القادة "لاسرئيليون انكساراً أو انهياراً في ميزان الحرب النفسية والمعنوية، كلما سجّلت المقاومة صموداً أو إنجازاً ميدانياً أو أطلق قائدها السيد حسن نصر الله تحدياً جديداً او تهديداً تعتبره وجودياً لها. 

ومع كل جولة مواجهة بين معسكر المقاومة والكيان المحتل وداعميه يبدو تماسك الحاضنة الشعبية للمقاومة أقوى واكثر استدامة قياسا ًبقلق وتوتر واهتزاز ثقة مستوطني الاحتلال بمستقبلهم ومصير كيانهم. 

ولا شك أن فقدان معسكر المقاومة قادة وكفاءات مجربة (أمثال الشهيد عماد مغنية) يشكل خسارة مادية ومعنوية كبرى، ولكن التجربة تثبت أن المعسكر يخرج من حالة الاحباط وألم الخسارة ويتجاوز عمليات الغدر الجبانة. 

وفي معسكر المقاومة نجد قوافل القادة المتمرسين تتجدد، وفي معسكر الاحتلال يتجدد الخوف والقلق، وخاصة بعد إعلان قائد المقاومة في لبنان وباسم معسكر المقاومة إلغاء قواعد الاشتباك القائمة لتاريخه.